قلبي لمن امل نصر
في المكتب، دخل عبد الرحمن ووجدها تعمل بتركيز مبالغ فيه، لدرجة أنها لم تشعر بوجوده. وقف يراقبها بصمت ثم قال بنبرة خالية من المشاكسة لأول مرة:
ـ “ياسمين.. الشغل ده مش مجرد هاند ميد، ده فيه روح بتصرخ. إيه اللي واجعك للدرجة دي؟”
توقفت يدها للحظة، لكنها لم ترفع عينها عنه، وردت ببرود مدروس:
ـ “مفيش حاجة وجعاني يا أستاذ عبد الرحمن، أنا بس بحب شغلي وبديله حقه. فين الملاحظات اللي كنت عايز تقولها؟”
اقترب عبد الرحمن خطوة، وقال بصوت خفيض:
ـ “أنا ملاحظاتي المرة دي مش على الشغل، ملاحظاتي عليكي إنتِ. إنتِ بتهربي في الشغل من حاجة كبيرة، وكل ما تنجحي بشوف في عينك فرحة ناقصة، هي ايه بالظبط بصراحة مش عارف رغم امتناني للمحن اللي بتصنع احلى ابداع
ارتبكت ياسمين، وجمعت خيوطها بسرعة وهي تقوم من مكانها:
ـ “متهيألك.. أنا تمام جداً ومبسوطة بنجاحي. عن إذنك لازم أسلم القطعة دي للمخزن.”
خرجت ياسمين وهي تشعر بأن أنفاسها تضيق، بينما ظل عبد الرحمن واقفاً مكانه، يدرك تماماً أن خلف هذا الإبداع المبهر حكاية وجع لم تُروَ بعد، وأنه مهما حاول “نكشها” فلن يصل لقلبها إلا إذا استطاع كسر هذا الدرع الذي تحتمي خلفه.
…………………………..
كانت ياسمين كمن يمر بحقل ألغام وهي مغمضة العينين، لا تلتفت يميناً ولا يساراً، كل ما يشغل بالها هو خيوطها، تصميماتها، والنجاح الذي صار هو “انتقامها” الوحيد من تهميش الجميع لها. أما أحمد (جمال)، فلم يكتفِ بما فعله، بل صار يتمادى في “بجاحته” وكأن البيت صار ملكه، يدخل ويخرج متى شاء، ولسانه لا يكف عن إلقاء السم في العسل.
في مراتٍ كثيرة، كان يتصل بهاتف ياسمين بحجة أن “سما” لا ترد، أو ليدخلها في تفاصيل مشاكلهم السخيفة، وكأنه يريد أن يذكرها دائماً بوجوده. كانت ترد عليه باقتضاب يقطر جفاءً:
ـ “يا أستاذ جمال لو سما تليفونها مقفول اطلب بابا، أنا مش وسيطة بينكم، وعندي شغل.”
لكن القشة التي كانت ستكسر ظهر البعير هي تلك الرسالة التي وصلت لهاتفها في منتصف الليل، كلمات غزل صريحة و”حنية” مفرطة لا تليق إلا بلقاءٍ رومانسي. حين واجهته في اليوم التالي وهو جالس في صالتهم ببروده المعتاد، انفجرت فيه بعيداً عن أعين أهلها: