قلبي لمن امل نصر
……..؟……………
كان هذا “الدفع” النفسي الذي يحيط بها الآن هو ما جعل روحها ترفرف من جديد؛ فالمفارقة كانت موجعة، جفاءٌ تعانيه في البيت الذي تربت فيه ومن أهلٍ هم “من لحمها ودمها”، مقابل مودةٍ خالصة وجدتها هنا بين جدران الشركة.
لم يفعل أهلها ربع ما فعله زملاؤها منذ أن وطئت قدماها المكتب؛ فهذه تضع أمامها كوباً من “الينسون” الدافئ وتراقبها بحنان، وتلك تضع أمامها شطيرة وتجبرها بلهجةٍ آمرة محببة: *”لازم تفطري يا ياسمين.. مش عايزين نقع تاني”*، بينما لم تبخل زميلة أخرى بقطعة “شوكولاتة” لترفع من معنوياتها.
أما في البيت، فقد تبخر خوفهم المزعوم الذي ظهر في المستشفى بمجرد أن حلّ المساء. كأن تعبها وانهيارها كان “حالة مؤقتة” وانتهت، ولم يراعِ أحد جسدها الذي مازال به اثر التوعك في الصباح. كانت غاية اهتمام والدتها جملة فاترة:
ـ “يا بت اقعدي النهاردة ارتاحي بدل ما تتعبي وتدوخينا تاني.”
وحين رأت الأم إصرار ياسمين على الذهاب، جاء رد “رشدي” مغلفاً بتهكمه المعتاد:
ـ “خلاص يا ستي.. هي عارفة مصلحتها، لو تعبت أكيد هتتصل بينا وتعرفنا.. صح يا بت؟”
ـ “صح يا بابا.”
خرجت الكلمة من صدر ياسمين مثقلة باليأس والمرارة، قبل أن تنسحب بصمت وتأتي إلى هنا، حيث وجدت “الاستقبال الحافل” الذي رمّم كسر خاطرها.
كانت تتابع عبد الرحمن وهو يبتعد نحو مكتبه بعد مزاحه اللطيف، وشعرت لأول مرة أن هذا المكان هو “بيتها الحقيقي”، وأن هؤلاء الغرباء هم أهلها الذين اختارهم لها القدر ليعوضوها عن يتم المشاعر الذي تعيشه في دارها. نظرت إلى زميلاتها بامتنان، وقررت أن تستمتع بهذا الدفء، متناسيةً لوقتٍ قصير أن خلف هذا الصفو يتربص “جمال” كظلٍّ أسود لا يملّ من التدبير.
…………. …………
كان يجلس في المطعم بعنجهيةٍ واضحة، ظهره مسند إلى الكرسي وعيناه مسمرتان في شاشة هاتفه، يقلب فيها بمللٍ وغضب مكتوم بينما ينتظر النادل. أما سما، فكانت في عالمها الخاص، غارقة في “هوس” الكاميرا؛ تارةً تميل برأسها لترسم “بوز البطة” الشهير، وتارةً تضبط زاوية الإضاءة لتلتقط صورةً مثالية تنزلها “ستوري” على إنستجرام، مذيلةً إياها بكابشن يفيض تملقاً: “أحلى غدوة في أجمل مكان مع عوض العمر وحبيب قلبي”