قلبي لمن امل نصر
ـ “لا.. مش هركب مع حد! أنا كويسة وقادرة أمشي على رجلي، ولو لزم الأمر هاخد مواصلات لوحدي كمان!”
أمام إصرارها المتشنج وعينيها اللتين تفيضان بالتحدي والنفور، لم يجدوا بداً من الرضوخ لرغبتها. استسلم رشدي للأمر الواقع، لتركب ياسمين في “التاكسي” بجوار والدتها، بينما اضطر هو للركوب مع سما وجمال.
في السيارة الخاصة، كان جمال يضغط على المقود بقوة كادت تحطمه، والغضب ينهش أحشاءه. لم تكن مجرد “عناد” من ياسمين في نظره، بل كانت صرخة تحدٍ واضحة، وإعلاناً صريحاً بأنها ترفض حتى استنشاق الهواء الذي يجمعهما في مكان واحد. كان يغلي بصمت، وعقله الشيطاني يبحث عن وسيلة يكسر بها هذا الكبرياء الذي استمدته فجأة.. ربما من ذاك “المدير” الذي وكأنه قد جاء خصيصا ليفسد عليه كل شيء
………………………….
في الصباح التالي، وبرغم الوهن الذي كان لا يزال يطوق جسدها، حزمت ياسمين أمرها وقررت الذهاب إلى العمل؛ فلم يعد البيت بالنسبة لها مكاناً للاستشفاء، بل صار سجنًا يضيق عليها بجدرانه وذكريات الأمس الثقيلة. كانت بحاجة إلى استنشاق هواء “الشركة”، ذاك المكان الذي تشعر فيه بكيانها بعيدًا عن منغصات حياتها الخاصة.
كان دخولها مفاجأة سارة لـ “عبد الرحمن”. وحين لمح وجهها الجميل يطالع الأوراق بهدوء، لم يستطع منع تلك الابتسامة التي أضاءت ملامحه. اقترب منها بخطوات واثقة، ووقف أمام مكتبها كأنه يفتح باباً للفرح في وجهها، ثم قال بنبرة مشاكسة وودودة تعمد أن يسمعها الزملاء المحيطون بها:
ـ “ياسمين هانم حاضرة معانا مرة واحدة؟ وأنا أقول الشركة منورة النهاردة ليه.. بصراحة إمبارح كانت مطفية خالص!”
كان تواضعه في المزاح معها، وكسره لتلك الحواجز الرسمية أمام الجميع، بمثابة طوق نجاة لروحها المجهدة. غزا الخجل وجنتيها فصبغهما بحمرة رقيقة، لكن الابتسامة لم تستطع أن تختبئ خلف خجلها، فأنارت وجهها بشكلٍ سحر عبد الرحمن أكثر.
تفاعل الزملاء مع مزاح المدير بروحٍ طيبة، واندمجوا في الترحيب بها، مما أشعر ياسمين بدفءٍ افتقدته طويلاً. في تلك اللحظة، لم تكن ترى في عبد الرحمن “مديراً” فحسب، بل رأت فيه الأمان الذي يرمم شروخ روحها، والرجل الذي يعرف متى يمزح ومتى يحمي، ليجعل من مكتبها المتواضع أجمل بقعة في العالم