قلبي لمن امل نصر
كانت عينا ياسمين تسبحان في سديمٍ من الأحلام، وصورة “عبد الرحمن” الجالس قبالتها بدت وكأنها طيفٌ من وحي خيالها المتعب. لم تكن تصدق أن تلك الابتسامة الهادئة التي تسكن ملامحه، والنظرة التي تفيض حناناً وقلقاً، حقيقية وليست مجرد تهيؤات انسحب إليها عقلها هرباً من الواقع.
همس عبد الرحمن بصوتٍ رخيم، اخترق مسامعها بوقارٍ سحرها:
ـ “حمد لله على سلامتك يا ياسمين.”
كان صوته بالنسبة لها كشاطئ أمانٍ ترسو عليه سفينتها المحطمة، حتى ظنت أن الدنيا توقفت عند تلك اللحظة. لكن السحر لم يدم؛ فقد انشق الفراغ فجأة عن وجهٍ مقيت، وصوتٍ حاد اقتحم خلوتها الروحية كخنجرٍ مسموم. ظهر “جمال” وهو يدفع برأسه أمامها بوقاحة، قائلاً بتمثيلٍ فج:
ـ “أخيراً فوقتي يا ياسمين؟ حمد لله على سلامتك.. ده إحنا قلوبنا كانت مولعة نار عليكي!”
انكمشت ملامح ياسمين فوراً، وتلاشت لمعة عينيها ليحل محلها نفورٌ و”تكشيرة” عفوية؛ فقد تحول الحلم الجميل إلى كابوسٍ مفزع بمجرد رؤية وجهه. بدأت تستوعب وجود البقية؛ رأت والدها “رشدي” وهو يمسح على رأسها، وأمها “اعتدال” التي انكبت تقبل وجنتها بنبرة صوتٍ مختنقة، خالطها ندمٌ خفي لم تستطع مواراته، وكأنها تعتذر لها عما حدث في المطبخ بالأمس.
أما “سما”، فقد كان حضورها “درامياً” كالعادة؛ إذ ألقت بثقل جسدها فوق صدر أختها المنهك، وأخذت تولول بمبالغةٍ مستفزة:
ـ “يا حبيبتي يا أختي! ألف سلامة عليكي.. يا ريتني كنت أنا بدالك ولا إن يمس شعرة منك سوء!”
تأوهت ياسمين بألمٍ مكتوم من ضغطة سما على جسدها الضعيف، بينما كانت عيناها تتركان الجميع لتعود وتستقر بضعفٍ وانكسار على “عبد الرحمن”، وكأنها استغاثة صامتة منها اليه، تلك العائلة بأكملها لا تعجبه
تحدث فجأة، وقد فاض بها من مبالغة تلك الفتاة شقيقتها، وبرود هذا المدعو جمال عن رد.فعل المسمى خطيبها تلك التي كانت مائلة بجسدها بالقرب منه هو الرجل الغريب لدرجة أن جيبتها من الخلف كانت مرتفعة إلى اعلى ركبتها مشهد اثار تقززه رغم انفتاحه على حرية المرأة في ارتداء ما يعجبها من الملابس، لكن هذا الأسلوب يشبه الأداء الرخيص.
تجنبا للمزيد، تنحنح بحدةٍ أخرست الجميع، وقال بنبرةٍ آمرة مغلفة بالذوق: