قلبي لمن امل نصر

للمرة الثانية يقابلها بصمته، لكنه لم يصمد طويلاً حين زفر من صدره أنفاساً مشحونة بغضبه، ثم قال:

ـ “طيب ومشاعرك يا ياسمين؟”

ـ “مالها مشاعري؟”

كانت شجاعة بقوتها أمامه، تجبره على إخراج كل ما يدور برأسه، فأكملت بحدة:

ـ “قصدك إني حبيته؟ أو يمكن كنت بغير لما بشوفه مع أختي اللي خدت مكاني وبتحسر من جوايا؟ ولا تقصد إني لسه محتفظة له بحاجة جوايا؟”

رد بنبرة دفاعية:

ـ “أنا مش قصدي يا ياسمين..”

ـ “لا، أنت قصدك كدة، وهو ده اللي بيدور في دماغك دلوقتي.”

ـ “أي واحد ممكن يفكر كدة!”

ـ “فعلاً، أي واحد ممكن يفكر تفكيرك، خصوصاً وهو داخل وخارج على بيتنا، و..”

توقفت ياسمين فجأة لما رأت أثر كلماتها وقد أصابت كبد الحقيقة التي بان ضيقها على وجهه، لتقرر في لحظة كبرياء جريح أن تنهي هذا الصراع قبل أن يبدأ:

ـ “أجيب لك الناهية يا عبد الرحمن.. هو فعلاً عرف يزرع الشك في قلبك، وما دام الشك دخل ما بينا يبقى مفيش أمل، يعني مهما حاولت اشرح ولا اوصف عن كرهي او قهري من صفة الإنسان دا اللي اتكلمت عنه، برضه مش هتصدق، ومش بعيد تاخدها الناحية العكس يبقى بلاها احسن”

سألها بذهول وتوجس:

ـ “قصدك إيه يا ياسمين؟”

حبست أنفاسها، وجاسرت نفسها لدقائق وهي تنظر ليده التي لم تمتد لتطمئنها، بل ظلت متشنجة من أثر “القرف” الذي شعر به، ففاجأته بقرارها الصاعق. وبيد ترتعش لكنها حاسمة، نزعت الدبلة من إصبعها ووضعتها على الطاولة أمامه بهدوء يسبق العاصفة

ـ قصدي ان أوفر عليك وعليا الدخول في الدائرة الجهنمية دي للشك من بدايتها…… واعفيك من أي حرج.

……………………

دخلت ياسمين المنزل بأكتافٍ منكسرة وروحٍ مجهدة، وكأنها تحمل ثقل الجبال فوق ظهرها. كان مظهرها كفيلاً بأن يخبر أي عابر سبيل في الشارع بأن هناك خطباً جسيماً قد وقع، فما بالك بالأم التي تقرأ تفاصيل ابنتها ككتاب مفتوح؟

تقدمت “اعتدال” نحوها بتوجس وقلق، تسألها عما أصابها، لكن ياسمين لم تنطق بحرف. سارت بخطوات آلية حتى وصلت إلى أول مقعد صادفها، وسقطت عليه بجمودٍ مخيف، وكأنها لم تعد تشعر بما حولها. كانت عيناها شاردتين في فراغ الردهة، وجسدها متخشباً تماماً رغم محاولات والدتها لتحريكها بهز كتفيها بعنف وهي تصرخ بجزع:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *