قلبي لمن امل نصر
لم يكن هدوؤها نابعاً من نسيان ما حدث، بل من إدراكها أن صفحة “ياسمين المستسلمة” قد طُويت للأبد، وأن مَن ستصعد تلك الطائرة هي امرأة أخرى، صهرتها النيران فخرجت أكثر صلابة. قطع شرودها صوت خطوات واثقة تقترب، لترفع رأسها وتبتسم بوقار، معلنةً بداية الرحلة التي ستغير مجرى حياتها تماماً
………………………
بينما كانت ياسمين في طريقها لبناء حياة جديدة، كان والداها في تلك اللحظة يخوضان جلسة ثقيلة مع ذلك القادم دون موعدٍ مسبق.
جلس جمال يتحدث بأريحيةٍ مستفزة وكأنه صاحب المنزل، ضارباً بعرض الحائط غضب أصحاب البيت الحقيقيين، الذين راحا يستمعان لعتابه وتبريراته الواهية وهو يبرئ ساحته مما حدث، مستعيناً بتلك الحمقاء التي كانت تؤيده بغبائها المعهود.
قال جمال بنبرة يملؤها الزيف:
ـ “والله لولا تقديري للحالة والوضع اللي أنتم فيه، ما كنت دخلت البيت ده تاني ولا عتبته! معلش يعني، أنا مغلطتش عشان يتجاب الذنب عليا.. بس هعذر ياسمين، هي أكيد كانت مصدومة من فعلة الخسيس خطيبها، إنه يسيبها على آخر لحظة.. منه لله!”
كانت سما تهز رأسها بالموافقة وهي تنظر لوالدها برجاء أن يصدق كلمات جمال، بينما كان رشدي يجلس بصمتٍ مطبق، ونظراته تخترق جمال ببرودٍ غريب؛ ففي عقله كانت تدور صورة ياسمين وهي تحتضنه قبل قليل، وصوتها وهو يحذر من معرفة هذا الشخص بمكانها. أدرك رشدي الآن، وأكثر من أي وقت مضى، كم كان جمال صغيراً جداً مقارنةً بالابنة التي خسر وجودها في البيت بسببه
أما اعتدال فقد كانت أكثر حزماً حين باغتته غير مبالية بكل الحديث الذي مضى، وقالت بنبرةٍ حادة:
ـ “صحيح يا جمال.. مش آن الأوان بقى نتفق على ميعاد الفرح والتفاصيل؟”
ـ “ميعاد الفرح!”
ردد جمال عبارتها بتشتتٍ وارتباك، قبل أن تعيد هي تأكيدها بنبرة لا تخلو من تقريع غير مباشر:
ـ “أيوة طبعاً ميعاد الفرح، ولا أنت نسيت؟ شهور وأنت داخل خارج على البيت، وزي ما فهمتنا من البداية إنك جاهز، يبقى فاضل إيه بقى على كتب الكتاب والدخلة؟ لو على دراستها، تكمل سنتها الأخيرة وهي في بيتك، مش ده كان اتفاقنا برضه من البداية؟”
ساد الصمت الغرفة، وشعر جمال بأن الأرض بدأت تميد من تحت قدميه؛ فقد كان يظن أن انشغال العائلة بمصيبة “ياسمين” سيمنحه وقتاً إضافياً للمراوغة، لكنه وجد نفسه الآن أمام “اعتدال” أخرى، امرأة تضع النقاط على الحروف وتطالبه بالوفاء بوعوده الاولى قبل ان يغير نظرته ويعيد التفكير في العروس