قلبي لمن امل نصر

ارتبك “رشدي توفيق” وبدا عليه الانكسار وهو يحاول تبرير موقفهم، فمسح عرق جبينه بيده المرتجفة وقال بصوتٍ واهن:

ـ “يا ابني اعذرنا، إحنا كنا في عالم تاني.. المنظر كان يرعب وخضتنا على البنت خلتنا منشوفش قدامنا ولا نفتكر حد، يدوب شلناها وجرينا.”

في تلك اللحظة، انتفضت “سما” بلهفة غريبة، وكأنها كانت تنتظر حضوره لتثبت له تفانيها، فاقتربت منه تحاول استرضاءه وهي تذكره:

ـ “أنا اتصلت بيك يا جمال والله كذا مرة عشان أبلغك، بإمارة ما رديت عليا وصوتك كان نعسان خالص وقفت السكة في وشي!”

بدلاً من أن يهدأ روعه، انفجر فيها جمال بغضبٍ أشد، ونهرها بقسوة أمام الجميع:

ـ “أديكي قلتيها يا غبية! كنت نعسان.. يعني مكنتش مركز ولا واعي للي بتقوليه! كان لازم تكرري المحاولة وتفضلي ورايا لحد ما أفوق وأفهم، مش تسيبيني نايم وتقولي بلغت!”

وقعت كلمة “غبية” على مسامع سما كالصفعة، فتراجعت بحرج وأطبقت شفتيها بصمتٍ مخزٍ. رمقته “اعتدال” بنظرة غضبٍ نارية؛ فقد آلمها أن يُهان كبرياء ابنتها بهذه الغلظة في حضرة مرض أختها. أما رشدي، فقد استمر في دور “المسترضي”، وأخذ يسرد لجمال بتفصيلٍ ممل كل لحظات المعاناة والإجراءات الطبية التي مروا بها، وكأنه يقدم كشف حسابٍ لـ “سيد البيت”، بينما كانت ياسمين ترقد هناك.. جثةً خامدة لا تسمع ضجيج النفوس التي تتاجر بوجعها.

…………………..

بينما كان جمال يملأ المكان ضجيجاً بصياحه المصطنع الأجوف، انشق باب العنبر فجأة عن حضورٍ لم يعهده هذا الرواق البائس. دخل عبد الرحمن بخطى ثابتة وواثقة، مرتدياً بدلته الأنيقة التي بدت كأنها من عالم آخر غير عالم المستشفيات الكئيب. كانت رائحة عطره النفاذة والراقية تسبقه، لتطغى في ثوانٍ على رائحة المعقمات واليود، وتلفت أنظار الجميع؛ مريضات على أسرتهن رفعن رؤوسهن بذهول، ومرافقون توقفوا عن الحديث ليتأملوا هذا الزائر “الغريب” عن بيئتهم.

ظن الجميع للوهلة الأولى أنه ضل الطريق، أو أنه يزور شخصية هامة في غرفة خاصة، حتى توقفت قدماه تماماً أمام سرير ياسمين (التي كاد يخطيء اسمها في تلك اللحظة من فرط ارتباكه وتأثره برؤيتها هكذا). تسمرت عيناه على وجهها الشاحب، وسأل بنبرة هادئة وعميقة قطعت خيط صراخ جمال:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *