قلبي لمن امل نصر
ساد صمت ثقيل، قطعه صوت عبد الرحمن الرخيم وهو يوجه كلامه لرشدي، متجاهلاً وجود جمال تماماً:
ـ “ألف سلامة عليها يا حاج رشدي.. ياسمين من أكفأ الناس عندنا في الشركة، ومكانش ينفع أعرف إنها تعبانة ومجيش أطمن عليها بنفسي.”
التفتت اعتدال إليه بامتنان حقيقي، بينما كانت سما تبتسم برقة مصطنعة وهي تحاول لفت انتباهه بشتى الطرق، في حين وقف جمال يغلي بصمت، شاعراً بأن هذا الغريب يعرف عن ياسمين أكثر مما ينبغي، وأن وجوده هنا ليس مجرد “واجب وظيفي” كما يدعي.
“يا أهلاً يا أهلاً.. نورت المستشفى والله يا أستاذ.”
قطع جمال الصمت بصوتٍ لزج وهو يمد يده بسلامٍ فاتر، والابتسامة الكاذبة ترتسم على وجهه وكأنه يلقي بكلمات مسمومة في ثوب الترحيب:
ـ “واضح إنك صاحب واجب قوي، ومبتضيعش وقت.. كدة أول ما تسمع تيجي جري على المستشفى! ده إحنا لسة واصلين من مفيش.”
ضيق عبد الرحمن عينيه، ونظر إليه بنظرة ثاقبة جعلت يد جمال الممدودة تبدو وكأنها معلقة في الهواء بمهانة، قبل أن يصافحه ببرودٍ شديد وابتسامة صفراء لا تخلو من الاستحقار، وسكت تماماً كأن الرد عليه مضيعة للوقت.
في تلك اللحظة، قامت اعتدال بلهفة وحاولت سحب عبد الرحمن من يده ليجلس مكانها، وهي تقول بامتنان:
ـ “اتفضل يا ابني، اقعد ريح مكان ملهاش لازمة الوقفة دي، كتر خيرك إنك جيت.”
رفض عبد الرحمن بذوقٍ حاسم، لكن سما لم تترك الفرصة تمر، فاقتربت منه برقة مصطنعة وابتسامة واسعة لم يرتَح لها عبد الرحمن أبداً، وقالت بدلالٍ فج:
ـ “حضرتك محترم وذوق جداً، بس ماما من الصبح قاعدة مكانها وما صدقت قامت، مفيهاش حاجة لو قعدت مكانها.. وبعدين ياسمين كان لازم تعرفنا عليك في ظروف أحسن من كدة بكتير.”
رمقها عبد الرحمن بطرف عينه بنظرة باردة لم يعطِها فيها أي اعتبار، وكأنها غير موجودة. وكي يتخلص من الحاحها وتملقها، وافق أخيراً وجلس على الكرسي، لكنه قام بشد الكرسي بخفة ليقترب أكثر من رأس ياسمين، مبتعداً عن الدائرة التي يحيطون بها السرير.
في تلك اللحظة بالذات، وكأن لروحه مغناطيساً جذب وعيها، بدأت رموش ياسمين ترفرف ببطء. سكنت الضوضاء في أذنها، وانفتحت عيناها الثقيلتان لتستقر مباشرة على وجه عبد الرحمن القابع بجوارها. غابت وجوه أهلها، واختفى صياح جمال، ولم ترَ سوى ملامحه القلقة التي كانت أول ما تطل عليه عيناها، وكأنها كانت تأبى الإفاقة إلا في حضرة وجوده، لتجد في نظراته الأمان الذي افتقدته