تنويه بسيط انا عملتها لأجزاء لأنها في الأصل رواية قصيرة أو نوفيلا ولكنها استفزتني لنشرها رغم التزمي برواية لأجلها وعدم توقفها يارب تعجبكم ♥️ ارجو تفاعل قوي برأيكم الجزء الاول ـ وافقي يا بنتي خليكي عاقلة وريحي قلبنا تلك الكلمات التي كانت تتردد على اسماعها وهي مازالت حتى لا تستوعب اهو حقيقة أم مزحة تجمدت ياسمين في مكانها، وكأن كلمات والدتها خناجر اخترقت صدرها. نظرت إلى إعتدال بذهول، وهي غير مصدقة أن هذا هو المنطق الذي يُطلب منها اعتماده لتبرير كسر قلبها. "رزق؟" همست ياسمين بصوت مرتجف، ثم ارتفعت نبرتها تدريجيًا: "يا ماما، إنتِ بتسمي خيانة الوعود والأصول 'رزق'؟ الراجل ده دخل البيت عشان يخطبني أنا، قعدنا مع بعض، اتكلمنا، وأنا كنت فاكرة إننا اتفقنا على كل حاجة. وفجأة، وبجاحة غريبة، يقرر إن أختي هي 'نصيبه'؟" زفرت إعتدال بضيق، محاولة الحفاظ على هدوئها المصطنع وهي تعدل شالها: "يا بنتي افهمي، اللي حصل حصل، والراجل شافه في سما اللي مشافوش فيكي، وده نصيب. إنتِ عايزة واختك وافقت قالت تمام يبقى انتي توقفي حالها بقى وتكوني سبب في تعاستها؟ وبعدين إحنا في بيت إيجار قديم، ومصاريف الحياة مش محتاجة عواطف، ده عريس لقطة، وميضيعش من إيد العيلة." ضحكت ياسمين ضحكة مريرة، والدموع تترقرق في عينيها: "لقطة؟ تقصدي إنه لقطة عشان معاه قرشين؟ يعني نبيع كرامتي عشان نستر أختي؟ ومين يضمن لي إن 'اللقطة' ده لما يزهق من سما بكرة، ميرجعش يدور على 'رزق' جديد في الشارع؟ إنتِ بتجبريني أبارك للي كان هيبقى جوزي المستقبلي على إنه اختار أختي بدل مني، وعايزاني أبتسم كمان؟" اقتربت إعتدال منها بحدة، خافضة صوتها: "ياسمين، اسمعيني كويس. الفضيحة مش إنك تترفضي، الفضيحة إننا نضيع فرصة زي دي. ابلعيها يا بنتي، بكرة الأيام تنسيكي، وأختك تشكرك إنك ضحيتي عشانها.ومشالتيش في نفسك، اعتبريه متقدملكيش من الأساس. نظرت ياسمين إلى باب الغرفة حيث تقف سما خلفه، تتنصت بخوف وارتباك، ثم نظرت إلى والدتها وقالت ببرود مفاجئ: "الرزق اللي بييجي على حساب كرامة أهله يا ماما، عمره ما بيدوم. لو سما عايزاه، فـ أنا مش هقف في طريقها، بس ما تطلبيش مني أكون شاهدة على مهزلة." ................. ساد صمت ثقيل في أرجاء الشقة الضيقة، ذلك الصمت الذي يسبق العاصفة، حين لا تجد الكلمات مسلكاً إلا عبر نبراتٍ مشحونة بالقهر. خرجت سما من غرفتها، تتصنع وجهاً شاحباً وعيوناً تدعي الحزن، لكن لمعة الانتشاء كانت تفضح سريرة قلبها. اقتربت من ياسمين ومدت يدها المرتجفة لتلمس كتفها، وقالت بصوت متهدج: ـ "ياسمين.. أرجوكِ متظلمنيش، أنا والله ما كان لي يد في اللي حصل. هو اللي فاجئنا كلنا باللي قاله، أنا كنت داخلة بس بالقهوة.. صدقيني قلبي واجعني عليكي، ومش عارفه اعمل ايه من زن بابا وماما على راسي، اصلهم مقتنعين بيه اوي، اكمنه غني يعني، مستخسرين يروح لواحدة تانية غيرنا. نظرت ياسمين إلى يد أختها التي تستقر على كتفها، كأنها قطعة ثلج باردة تحاول إيهامها بالدفء. سحبت ياسمين كتفها بعيداً ببطء، والتقت عيناها بعيني سما؛ فكانت النظرة التي رأتْها هي ذاتها التي عرفتها طوال حياتها، تلك النظرة التي تلمع في عينيّ الطفلة المدللة حين تظفر بقطعة حلوى لم تكن من نصيبها. ابتسمت ياسمين ابتسامةً خاوية من أي معنى، وقالت بصوتٍ تقطره المرارة: ـ "سيبي إيدي يا سما.. وبلاش تعملي فيها المجبورة. أنا عارفاكي كويس، وعارفة نظرة عينك دي، دي نفس النظرة اللي كانت بتجيلك لما تشوفي فستان عجبك وأنا لابساه وتقوليلي 'يا ريتني كنت أنا'. خلاص يا سما، اللعبة بقت بتاعتك، مبروك عليكي." استشاطت سما غضباً، واحمرّ وجهها وهي تحاول استجماع تماسكها المنهار: ـ "إيه الكلام ده؟! إنتِ فاكراني خطفتُه؟ بقولك بابا وماما هما اللي صمموا! قالوا ده نصيبها، وأنا أعمل إيه يعني؟ أقولهم لا وأكون عاقة؟ عايزاني أخسر أهلي عشان خاطر عريس؟" لم تملك ياسمين إلا أن تطلق ضحكة قصيرة، خالية من أي طرب، ضحكةٍ تنبع من قاع الجرح: ـ "عاقة؟ يا شيخة حرام عليكي! قولي إنك عايزاه وخلاص. ما تخافيش يا ست البنات، أنا مش هقف في طريقك ولا هعمل خناقة، ولا هبقى الأخت 'الغلاوية' اللي بتنكد على أختها، زي ما هما هيحكوا للناس ويطلعوني أنا الوحشة." دنت ياسمين من وجه أختها، وهمست بنبرةٍ جمدت الدماء في عروق سما: ـ "بس أمانة عليكي.. ما تطلبيش مني أباركلِك. المباركة دي بتطلع من القلب، وأنا قلبي دلوقتي مكسور ومفيش فيه مكان غير للوجع. افرحي يا سما، وجهزي نفسك، بس خليكي فاكرة طول عمرك.. إن جوازتك دي اتبنت على أنقاضي، والحيطان دي شاهدة." تركتها ياسمين واقفة في الصالة، وقد انطفأت في عينيها شرارة الفرح المزيّف، ووقفت سما تتجرع مرارة الحقيقة التي لم تكن ترغب في مواجهتها. ................... تجسد رشدي توفيق في هيئة الأب الذي يرى أن قراراته هي "القدر" الذي لا يُناقش، دخل الصالة بخطواتٍ واثقة، ووجهٍ لا يحمل أي أثر لتأنيب الضمير، وكأن ما يفعله هو عين الصواب. جلس على المقعد الخشبي القديم، وأشار بيده ببرود وكأن الأمر لا يتعدى كونه صفقة تم إبرامها بنجاح. تطلعت إليه ياسمين، التي كانت لا تزال ترتجف من أثر مواجهتها مع سما، لتصطدم ببرود والدها الذي لم يترك لها مجالاً حتى للاعتراض. نظر رشدي إلى ياسمين، ثم مسح لحيته بهدوء وقال بصوتٍ أجشّ: ـ "بصي يا ياسمين.. أنا عارف إن الموقف مش سهل عليكي، بس اللي حصل ده نصيب، والراجل اتمسك بسما من أول دقيقة، وأنا مش هضيع فرصة زي دي من بيتي عشان كلام فاضي بتاع عواطف." توقفت أنفاس ياسمين، وشعرت بجدران الشقة تضيق عليها، وسألته بصوتٍ خافتٍ مشحون بالقهر: ـ "يعني إيه يا بابا؟ يعني أنت اللي قررت؟ حتى من غير ما تسألني أو تراعي اللي حصل بيني وبينه؟" لم يرمش لرشدي جفن، بل زاد من استفزازها بكلماته: ـ "أنا أب، وأعرف مصلحة بناتي أكتر منهم. الراجل محترم، ومركزه كويس، ومفيش داعي نفتح الكلام في اللي فات. أنا كلمته وأديته الكلمة، والموافقة تمت، وهو جاي النهاردة بالليل عشان نحدد ميعاد الخطوبة ونكتب الكتاب." ساد صمتٌ قاتل، لم تقطعه إلا أنفاس ياسمين المتسارعة، بينما استطرد الأب وكأنه ينهي نقاشاً تافهاً: ـ "عايزك تكوني عاقلة، وتستقبليه النهاردة بوش بشوش، مش عايز 'نكد' ولا وش خشب قدام الناس. اللي يروح يروح، والرزق اللي ييجي لحد باب البيت مش بنقوله لأ." وقفت ياسمين، وقد شعرت أن كيانها كأنثى وكابنة قد تفتت أمام هذا "القرار" الذي صُدر في حقها كأنه حكمٌ بالإعدام. نظرت إليه بعيونٍ ملؤها الوجع والرفض الصامت، ثم قالت بصوتٍ كاد يختفي: ـ "يعني أنت بعتني، وبعت كلمتي اللي كانت في رقبتك، عشان عريس جاي يشتري أختي؟" زفر رشدي بضيق، ونهض من مقعده بحدة: ـ "إياكِ أسمع الكلمة دي تاني! أنا بعمل ده لمصلحة العيلة كلها، وبلاش شغل الدراما ده، جهزي نفسك، الناس جاية بليل وعلى رأي امك اعتبريه متقدملكيش من اساسه ، عشان ربنا يرزقك بغيره ويكرمك انتي كمان زي اختك ، كل واحدة وليها نصيبها، هي وقفت عليه يعني. استدار رشدي وغادر الغرفة، تاركاً ياسمين تواجه وحدها صمت الحيطان الذي بات الآن ثقيلاً وموحشاً كقبرها. ................ مساء في غرفتها، كانت ياسمين تجلس وسط خيوط المكرمية وقطع الجلد، أصابعها تتحرك بمهارةٍ آلية، بينما قلبها يتمزق في صمت. كان ضجيج الصالة يصل إليها كأنه طعنات؛ أصوات الضحكات، "زغرودة" مكتومة، ووقع خطوات العريس وأهله الذين جاؤوا لترسيم "الخيانة" في إطارٍ شرعي. تتجاهل ياسمين الوجع بتركيزها في عملها اليدوي، تُحكم عقدة الخيط بقوة كأنها تخنق أحزانها، لكن "ملح" الجرح كان أشد من أن يواريه الانشغال. فجأة، انفتح الباب دون استئذان، وطلت والدتها "اعتدال" بوجهٍ يملؤه التوتر والإصرار، وألقت نظرة شامتة على شنط الهاند ميد: ـ "يا بنتي حرام عليكي نفسك، لسة بتضيعي وقتك في الشنط اللي لا بتودي ولا بتجيب دي؟ قومي يا ياسمين، الناس بره بيسألوا عليكي، وأمه عايزة تسلم عليكي مخصوص.. ما تخليش شكلنا وحش قدامهم، أرجوكي، خلّي الليلة تعدي على خير." حاولت ياسمين أن تصمد، أن ترفض، أن تقول إن كرامتها أغلى من "الأصول" الزائفة: ـ "يا ماما حرام عليكي، سيبيني في حالي.. عايزاني أخرج أعمل إيه؟ أبارك لهم؟ أضحك وأنا قلبي بيتقطع؟ مش هقدر يا ماما، كفاية اللي أنا فيه." لم تستمع اعتدال لرجائها، بل بدأت في شدها من ذراعها بقوةٍ تداريها خلف نبرةٍ حنونة زائفة: ـ "يا حبيبتي ده أصول، والناس بره بقوا سمن على عسل، وما صدقوا يصفوا النية، بلاش تطلعينا بمظهر الوحشة اللي بتحسد أختها ولا بتغل منها، قومي، البسي طرحتك واطلعي ارمي السلام، وبعدها ادخلي تاني." تحت "زن" والدتها القاسي، استسلمت ياسمين، ليس اقتناعاً، بل لتكف عن ملاحقتها. خرجت وهي تجر أقدامها، وما إن وطئت قدماها الصالة حتى كانت الصدمة الأولى: سما تجلس بجوار عريسها، يتهامسان بابتساماتٍ خجولة، جسدهما متلاصق في مشهدٍ استفزازي يعلن انتصار "المدللة". وقبل أن تستوعب ياسمين الموقف، انتفضت والدة العريس، سيدة ترتدي قناعاً من الود المفتعل، لتخطف ياسمين في حضنٍ خانق، هامسةً في أذنها بمكرٍ لا يدركه إلا أهل الخبرة: ـ "كنتِ غايبة فين يا حبيبة قلبي؟ مفيش فرحة هتكمل من غيرك يا ياسمين.. إحنا برضه كنا عايزين نطمن إنك معانا ومباركة للنسب اللي يجمع ما بينا ايا كانت ياسمين ولا سما، انتوا الاتنين بنات اصول وعيلة محترمة." شعرت ياسمين أن الهواء قد انقطع عنها، نظرت إلى والدتها التي كانت تتابع المشهد بابتسامة انتصار، وإلى والدها الذي أومأ لها برأسه بصرامة تأمرها بالصمت والابتسام. فكانت "قعدة النفاق" قد اكتملت، وكان عليها الآن أن تلعب دور "الشقيقة الكبرى" التي تبارك التمثيلية الهزلية بابتسامة مصطنعة تحرقها كالجمر ....................... تحدث العريس المدعو جمال، واضعاً ساقاً فوق الأخرى ببرودٍ يثير الأعصاب، وهو يوزع نظراته بين الحضور، حتى استقر ببصره على ياسمين التي كانت تحاول تثبيت ملامح وجهها لتخفي بركان الغضب بداخلها. بابتسامةٍ باردة تتوشح "البراءة المصطنعة"، تحدث وكأن شيئاً لم يكن بالأمس: ـ "يا أهلاً يا ياسمين.. اخيرا نورتينا. مكنش ينفع نتمم الاتفاق من غيرك، إنتِ برضه غالية علينا كلنا، وبما إنك أخت سما الكبيرة، فأكيد رأيك يهمنا.. مش كدة يا سما؟" شعرت ياسمين أن الدم يغلي في عروقها، وأن سقف الغرفة يكاد يهبط على رأسها. نظرت إليه محاولةً ألا تظهر ارتجافة صوتها، وردت من بين أسنانها بكلماتٍ مقتضبة: ـ "ألف مبروك.. ربنا يتمم لكم على خير." لم تكد تصمت، حتى تحدثت سما، التي كانت تجلس ملتصقة به كأنها تحميه من "سرقة" أخرى، لتمسك بيد ياسمين وتضغط عليها بابتسامةٍ كاذبة بلغت حد الغثيان: ـ "يا روحي يا ياسمين! والله كنت عارفة إنك أطيب قلب في الدنيا. إنتِ اللي علمتيني كل حاجة، وإنتِ أحلى وأجدع مني بمراحل.. بجد، ربنا يرزقك باللي يقدر قيمتك ويستاهل قلبك الطيب ده، لأنك بجد جوهرة." هزّ باقي الجالسين رؤوسهم بالموافقة، وكأنهم في "مسرحية" مُعدّة جيداً لتلقين ياسمين دور "المضحية المثالية". أم العريس أضافت بصوتٍ رخيمٍ مفعم بالنفاق: ـ "طبعاً يا حبيبتي، ياسمين دي غالية، والرزق بييجي في وقته، وكل اللي بيحب الخير لغيره ربنا بيفتح له أبوابه." كل كلمة كانت تنزل على قلب ياسمين كأنها ضربة مِعول. شعرت بقبضةٍ حديدية تعتصر صدرها، ونَفَسها بدأ يضيق لدرجة الاختناق. لم تعد قادرة على تحمل هذا "الاستعراض" المفضوح للنفاق. نهضت فجأة، وهي تستند بيدها على حافة الطاولة لتتماسك: ـ "عن إذنكم.. مش قادرة أكمل، مصدعة شوية وهدخل أستريح." لم تنتظر رداً، بل تحركت بخطواتٍ متعثرة نحو غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بقوةٍ لم تقصدها، لكنها كانت تعبيراً عن رغبتها في عزل العالم. ألقت بنفسها على السرير، ووضعت يديها فوق أذنيها لتحجب أصوات الضحكات والمجاملات التي كانت تتسرب عبر الشقوق، لتصل إلى مسامعها كأنها سكاكين تنغرس في صميم كرامتها. تمنت لو أن الأرض تنشق وتبتلع تلك الليلة، أو أنها تغفو لتستيقظ وتجد كل هذا مجرد كابوسٍ سخيف، لا واقعٍ مرير يفرض عليها أن تكون "المبارِكة" لخذلانها .............. طلعت شمس اليوم التالي وياسمين في عينيها سواد سهر طويل، لكنه لم يكن سهر بكاء فحسب، بل كان سهر "خلاص". قررت ياسمين أن هذه الليلة السوداء كانت آخر عهدها بانتظار "النصيب" الذي يأتي في جلسة صالون ليُقيمها كسلعة. أحكمت غلق قلبها، وفتحت عقلها على مشروعها الصغير، وظلت طوال الليل تتنقل بين المواقع والصفحات حتى وجدت خيطاً لشركة تسويق كبرى تدعم الحرف اليدوية. ارتدت ملابسها الرسمية، وحملت حقائبها التي صنعتها بدم قلبها، وتوجهت إلى مقر الشركة. هناك، وفي مكتب يفوح منه عبق العمل والنظام، كان اللقاء مع "عبد الرحمن". كان عبد الرحمن شاباً عملياً، حاد النظرات، يبدو عليه أنه لا يجامل في العمل. تفحص حقائبها ببرود استفزها، ثم ألقى بواحدة منها على المكتب بإهمال قائلاً: ـ "شوفي يا آنسة ياسمين.. الشغل كفكرة كويس، بس الفنش فيه عيوب كتير، والغرزة هنا واسعة، واللون ده مش موضة السنة دي خالص.. إنتِ فاكرة إن أي حد بيمسك إبرة وخيط يبقى فنان؟" شعرت ياسمين بشرارة غضب تشتعل في صدرها؛ فجرحها لا يزال ينزف، ولم تكن في حالة تسمح لها بتقبل إهانة لعملها الذي هو مهربها الوحيد. وقفت بحدة وقالت ونبرة صوتها قوية: ـ "عيوب؟ حضرتك بتتكلم عن غرزة 'هاند ميد' مش مكنة صينية! لو كنت بتفهم في التعب اللي بيتبذل في كل عقدة خيط، مكنتش قولت الكلام ده. وبعدين لو اللون مش عاجبك، فده ذوق سوق، مش عيب في الصناعة!" رفع عبد الرحمن حاجبه، وظهرت على شفتيه ابتسامة خفيفة، وكأنه كان ينتظر هذه الانتفاضة منها ليخرجها من حالة الوجوم والجمود التي دخلت بها المكتب. رد ببرود مدروس: ـ "والله؟ وأدينا طلع لنا صوت وبنرد أهو! أنا قولت إنك جاية مغصوبة على الشغلانة دي من كتر ما وشك كان مقفول ومش طايقة كلمة. بس كويس، العصبية دي معناها إنك غيورة على شغلك." احتدت ياسمين أكثر، واقتربت من مكتبه وهي تشير لشنطتها: ـ "أنا مش جاية هنا عشان تحلل شخصيتي أو تقيم وشي 'مقفول' ولا 'مفتوح'. أنا جاية لشركة محترمة تعرض شغلي. لو مش قد المقام، آخد حاجتي وأمشي، والسوق مليان!" ضحك عبد الرحمن هذه المرة بوضوح، وسند ظهره إلى الكرسي قائلاً بنبرة أهدأ: ـ "اقعدي بس يا آنسة ياسمين وهدي أعصابك. أنا كنت بختبر صبرك وثقتك في منتجك، لأن اللي يسوق لازم يكون نفسه طويل. وشغلك الحقيقة فيه لمسة غريبة وجميلة، بس فعلاً محتاج توجيه بسيط عشان يكتسح. هاه.. لسة عايزة تمشي؟" نظرت إليه ياسمين بريبة، وأنفاسها لا تزال متلاحقة، لكنها شعرت لأول مرة منذ ليلة أمس أن هناك من يراها "كياناً" مستقلاً، لا مجرد عروس بديلة في جلسة صالون. ............................ عادت ياسمين إلى المنزل وخطواتها تكاد تسبق الريح، وجهها الذي كان مطفأً ليلة أمس استرد نضارته بفضل شعور "الإنجاز". دخلت الصالة حيث كانت والدتها اعتدال تجلس مع سما، وبمجرد أن رأتهم، لم تستطع كتمان الفرحة: ـ "ماما.. سما.. أنا اتقبلت! الشركة وافقت تسوق شغلي كله، وهبدأ معاهم من الأسبوع الجاي بطلبية كبيرة." نظرت اعتدال إليها بدهشة ممزوجة بعدم التصديق: ـ "بجد يا ياسمين؟ يعني الشنط اللي كنتِ بتقولي عليها دي جابت نتيجة؟ والشركة دي مضمونة ولا هيضحكوا عليكي؟" ردت ياسمين بثقة لم تعهدها من قبل: ـ "مضمونة جداً يا ماما، ده صرح كبير. والمسؤول هناك، رغم إنه شخص مستفز جداً واسمه عبد الرحمن، وشكله ناوي يطلع عيني في المراجعة، بس طلع بيفهم في الشغل. عرفني على طقم العمل، ناس ذوق وشاطرين جداً، وحسيت إني وسط عيلة تانية بتقدر التعب." سما حاولت تبتسم بس في عينيها كان فيه نظرة استغراب إن أختها "المكسورة" قدرت تقف على رجليها بالسرعة دي: ـ "مبروك يا ياسمين.. ربنا يوفقك، أهو على الأقل تشغلي وقتك في حاجة مفيدة." لم تلتفت ياسمين لنبرة سما التي تحمل التقليل من شأن نجاحها، بل ظلت شاردة في تفاصيل يومها.. تذكرت كيف كان عبد الرحمن "ينكشها" أمام زملائها كلما مر بجانب مكتبها، وكيف كان يبتسم بمكر وهو يرى غضبها الطفولي من ملاحظاته الدقيقة. .......................... في اليوم التالي داخل الشركة، كان عبد الرحمن يدخل المكتب بخفة دم ممزوجة بجدية العمل، يقف عند مكتب ياسمين ويقول بابتسامة مستفزة: ـ "هاه يا فنانة؟ خلصنا الغرزة العبقرية ولا لسة بنفكر في لون الخيط؟ خلي بالك، السوق مش بيستنى حد يخلص قهوته!" ترد ياسمين وهي تحاول كتم غيظها: ـ "أنا مخلصة شغلي من بدري يا أستاذ عبد الرحمن، بس حضرتك اللي غاوي نكش ومش عاجبك العجب." يضحك عبد الرحمن وهو يبتعد قائلاً: ـ "النكش ده هو اللي بيخليكي تطلعي أحسن ما عندك.. استمري، الشغل اللي فات ده 'لوز'، بس استني شوفي ملاحظاتي على الطلبية الجديدة." رغم مشاكسته المستمرة، إلا أن ياسمين بدأت تشعر براحة غريبة في وجوده؛ فهو الشخص الوحيد الذي لم يشفق عليها ولم يعاملها كـ "ضحية" ليلة الخطوبة، بل عاملها كمنافسة وشريكة نجاح، وهذا كان الملح الذي داوى جرحها الحقيقي. ..................... استمرت الأيام وياسمين كأنها في سباق مع نفسها، تحول وجعها إلى طاقة غريبة تصبها في كل غرزة خيط وكل قطعة جلد. كانت تصل إلى الشركة قبل الجميع، وتغادرها بعدهم، واضعةً حاجزاً صلباً بينها وبين "عبد الرحمن". بالنسبة لها، هو المدير المشاكس الذي يحرك العمل، أما قلبها فقد أغلقته بالشمع الأحمر منذ تلك الليلة السوداء. بينما كانت ياسمين تبهر الجميع بإبداعها وتفانيها، كان الوضع في المنزل يزداد سوءاً واستفزازاً. الصالة التي شهدت انكسارها، أصبحت الآن "ساحة صلح" دائمة بين سما وعريسها جمال كانت ياسمين تعود من عملها محملة بنجاحات جديدة، لتجد والدها رشدي ووالدتها اعتدال غارقين في مشاكل سما: ـ "يا ياسمين، تعالي شوفي أختك، جمال زعلان منها عشان اتأخرت في الرد على التليفون، ووالدته كلمتنا وعملت مشكلة.. ادخلي صالحيهم على بعض يا بنتي، إنتِ الكبيرة." كانت ياسمين تنظر إليهم بذهول مكتوم، وترد بهدوء يحمل جبالاً من القهر: ـ "معلش يا ماما، أنا راجعة هلكانة من الشغل وعندي تسليم طلبية الصبح.. هما كبار ويقدروا يحلوا مشاكلهم." تدخل غرفتها، وتغلق الباب على أصوات "قعدة الصلح" ونفاق العائلتين، وتخرج أدواتها. كل غرزة كانت "تنتقم" بها من تجاهلهم لنجاحها، وكل حقيبة تخرج من تحت يدها كانت تبدو كأنها لوحة فنية ناطقة، مما جعل عبد الرحمن يقف أمام شغلها مبهوراً، لكنه كان يلمح "الغصة" في عينيها. في المكتب، دخل عبد الرحمن ووجدها تعمل بتركيز مبالغ فيه، لدرجة أنها لم تشعر بوجوده. وقف يراقبها بصمت ثم قال بنبرة خالية من المشاكسة لأول مرة: ـ "ياسمين.. الشغل ده مش مجرد هاند ميد، ده فيه روح بتصرخ. إيه اللي واجعك للدرجة دي؟" توقفت يدها للحظة، لكنها لم ترفع عينها عنه، وردت ببرود مدروس: ـ "مفيش حاجة وجعاني يا أستاذ عبد الرحمن، أنا بس بحب شغلي وبديله حقه. فين الملاحظات اللي كنت عايز تقولها؟" اقترب عبد الرحمن خطوة، وقال بصوت خفيض: ـ "أنا ملاحظاتي المرة دي مش على الشغل، ملاحظاتي عليكي إنتِ. إنتِ بتهربي في الشغل من حاجة كبيرة، وكل ما تنجحي بشوف في عينك فرحة ناقصة، هي ايه بالظبط بصراحة مش عارف رغم امتناني للمحن اللي بتصنع احلى ابداع ارتبكت ياسمين، وجمعت خيوطها بسرعة وهي تقوم من مكانها: ـ "متهيألك.. أنا تمام جداً ومبسوطة بنجاحي. عن إذنك لازم أسلم القطعة دي للمخزن." خرجت ياسمين وهي تشعر بأن أنفاسها تضيق، بينما ظل عبد الرحمن واقفاً مكانه، يدرك تماماً أن خلف هذا الإبداع المبهر حكاية وجع لم تُروَ بعد، وأنه مهما حاول "نكشها" فلن يصل لقلبها إلا إذا استطاع كسر هذا الدرع الذي تحتمي خلفه. ................................ كانت ياسمين كمن يمر بحقل ألغام وهي مغمضة العينين، لا تلتفت يميناً ولا يساراً، كل ما يشغل بالها هو خيوطها، تصميماتها، والنجاح الذي صار هو "انتقامها" الوحيد من تهميش الجميع لها. أما أحمد (جمال)، فلم يكتفِ بما فعله، بل صار يتمادى في "بجاحته" وكأن البيت صار ملكه، يدخل ويخرج متى شاء، ولسانه لا يكف عن إلقاء السم في العسل. في مراتٍ كثيرة، كان يتصل بهاتف ياسمين بحجة أن "سما" لا ترد، أو ليدخلها في تفاصيل مشاكلهم السخيفة، وكأنه يريد أن يذكرها دائماً بوجوده. كانت ترد عليه باقتضاب يقطر جفاءً: ـ "يا أستاذ جمال لو سما تليفونها مقفول اطلب بابا، أنا مش وسيطة بينكم، وعندي شغل." لكن القشة التي كانت ستكسر ظهر البعير هي تلك الرسالة التي وصلت لهاتفها في منتصف الليل، كلمات غزل صريحة و"حنية" مفرطة لا تليق إلا بلقاءٍ رومانسي. حين واجهته في اليوم التالي وهو جالس في صالتهم ببروده المعتاد، انفجرت فيه بعيداً عن أعين أهلها: ـ "أنت بتبعت الكلام ده لمين يا بني آدم أنت؟ احترم نفسك وخليك في خطيبتك، وإياك رقمي يظهر عندك تاني!" رد بابتسامة صفراء لا تفارق وجهه، وهو يرفع يديه ببراءة مستفزة: ـ "يا خبر يا ياسمين! أنتِ فهمتي إيه؟ دي رسالة كنت باعتها لسما وراحت لك بالخطأ، أصل الأسماء عندي جنب بعض، والواحد بيبقى مش مركز وهو بيكتب لحبيبته.. أنتِ قلبك أسود قوي يا ياسمين، خليكي 'فريش' زي سما." نظراته كانت تقول غير ذلك تماماً، كانت عيناه تلاحقها في ردهات الشقة، وتراقب نجاحها الذي بدأ يغير ملامحها ويجعلها أجمل وأقوى، كأنه نادم على اختياره السريع لـ "الطفلة المدللة" حين رأى "المرأة الناجحة" التي ولدت من رحم الوجع. حتى جاء ذلك اليوم كانت ياسمين قد خرجت من باب الشركة بخطوات متسارعة، وصوت رنين هاتفها لا يتوقف، وكأن (جمال) قد فقد صوابه أو قرر أن يحرق ما تبقى لها من أعصابها. نظرت إلى الشاشة بغيظ وقهر، ثم وبحركة حاسمة ضغطت على زر الإغلاق تماماً. سألت نفسها بمرارة: "بيرن ليه دلوقتي؟ مش كفاية اللي عمله؟ مش كفاية النظرات والرسائل؟ ده بني آدم معندوش دم!" وقفت على الرصيف في انتظار تاكسي، والزحام من حولها يزيد من ضيق صدرها. وفجأة، هدأت سرعة سيارة سوداء أنيقة أمامها، وانخفض الزجاج ليطل وجه "عبد الرحمن" بابتسامته المشاكسة المعتادة التي تسبق كلامه دائماً. ـ "ايه ده دا آنسة ياسمين.. هو الجميل واقف مستني القطر ولا حاجة؟ كان ردها ابتسامة خفيفة ليواصل هو - التاكسيات في الوقت ده عملة نادرة، اركبي أوصلك في سكتي، وفري 'تمن' التاكسي لعلبة خيوط جديدة أحسن." حاولت ياسمين أن تحافظ على وقارها المعتاد وردت بخجل: ـ "شكراً يا أستاذ عبد الرحمن، التاكسي زمانه جاي، مش عايزة أتعب حضرتك." لم يستسلم عبد الرحمن، بل زاد في إلحاحه بطريقة طريفة وهو يسند ذراعه على المقود: ـ "تعب إيه؟ ده أنا مصدق ألاقي حجة عشان أراجع معاكي 'التقفيل' بتاع الشنطة الأخيرة وإحنا في الطريق. يلا يا ياسمين، السواقين النهاردة خلقهم ضيق ومش هيقفوا." رغم الحاحه اللطيف، أصرت ياسمين على موقفها، فهي لا تريد أن تفتح باباً للقيل والقال، خاصة وهي في حالة نفسية لا تسمح بالمزاح. حين وجدها متمسكة برأيها، تنهد عبد الرحمن بعمق، ورمقها بنظرة طويلة هادئة، نظرة كانت أبلغ من كل كلمات المشاكسة، نظرة جعلت دقات قلبها تتسارع وخجلها يفيض على وجهها. ـ "ماشي يا ياسمين.. براحتك. بس خلي بالك من نفسك، وأشوفك الصبح في الشركة." انطلق بسيارته، وظلت هي واقفة تسأل نفسها بذهول: "هو ليه بيعمل كدة؟ ليه أنا بالذات اللي بيشيل قدامها قناع الرسمية والجدية؟ عبد الرحمن معروف في الشركة إنه راجل 'سيف' ومحترم جداً وجد، اشمعنى معايا أنا بيبقى شخص تاني؟" هل لأنه يرى تحفظها فيريد كسر هذا الجدار؟ أم أن هناك شيئاً أعمق خلف تلك المشاكسات لم تجرؤ هي بعد على الاعتراف به؟ لم تكن تدري أن هذه النظرة الطويلة كانت بداية لشيء سيغير حياتها تماماً، قبل أن تصل لبيتها وتواجه "الزلزال" الذي ينتظرها هناك. ..................... حين وصلت عائدة من الشركة، تحمل خبراً كبيراً عن تعاقد دولي بفضل مجهودها ومساندة عبد الرحمن (الذي بدأ يحترم خصوصيتها لكن عينه لم تغفل عنها لحظة). دخلت المنزل لتجد صراخاً وعويلاً؛ سما منهارة، ووالدها رشدي توفيق يضرب كفاً بكف. بمجرد دخول ياسمين، التفتت إليها والدتها اعتدال بلهفة غريبة وقالت: ـ "تعالي يا ياسمين، شوفي أختك والـ 'مصيبة' اللي إحنا فيها.. جمال بيقول إنه مش قادر يكمل مع سما،" تسمرت ياسمين في مكانها، وسقطت حقيبة أوراقها من يدها ........................... توقعاتكم الجزء الثاني بينما كانت ياسمين غارقة في نشوة نجاحها الأخير، والمكافأة التي تسلمتها للتو عن تصميمها المبدع، شعرت بظل يقطع عليها حبل أفكارها. رفعت بصرها لتجد "جمال"من كان خطيب اختها، يقف أمام مكتبها في الشركة. تجمدت ملامحها، واكتسى وجهها بغضب لم تستطع مواراته، وقبل أن ينطق بكلمة، هبت فيه بصوت خفيض وناقم: ـ "أنت إيه اللي جابك هنا؟ وبأي عين جاي بعد ما فسخت خطوبتك من أختي وخرّبت اللي بينكم؟" رسم جمال قناع العقل والهدوء، وتحدث بنبرة حاول أن يجعلها "مسالمة" لتجاري ثورتها: ـ "ياسمين، ارجوكِ.. أنا مش جاي أعمل مشاكل. أنا بس عايز أتكلم معاكي كلمتين، مش هينفع هنا وسط زمايلك.. ممكن نقعد في مكان هادي؟" انتفضت ياسمين بعصبية، ورفضت بشدة أي حديث جانبي معه، فجرح أختها "سما" لا يزال ينزف، والبيت الذي تحول إلى مأتم دائم بسببه. لكن جمال لم يستسلم، وألحّ بحجة بدت لياسمين كأنها طوق نجاة: ـ "اسمعيني بس، الكلام اللي هقوله يخص علاقتي بسما، وفي حاجات لازم تعرفيها عشان تفهمي ليه الأمور وصلت لكدة.. يمكن ده يكون في مصلحتها." رغم نفورها الشديد منه، إلا أن صورة والدها ووالدتها وهما حزينان على "سما" التي جعلت حياتهم "مناحة" مستمرة، جعلت ياسمين تتردد. فكرت أن ربما يكون كلامه بداية لرجوعه إليها وإنهاء هذه الأزمة. وبدوافع بريئة ممزوجة بالقهر، وافقت أن تخرج معه للحظات لتسمع ما عنده. وفي تلك اللحظة الفارقة، وبينما كانت ياسمين تهمّ بالخروج من الباب الخارجي للشركة بصحبة جمال، كان "عبد الرحمن" يصف سيارته للدخول. وقعت عيناه عليهما وهما يسيران معاً، وتسمرت نظراته على ياسمين التي بدت مرتبكة، وعلى هذا الغريب الذي يسير بجوارها ويبدو عليه الإصرار. اشتعلت في صدر عبد الرحمن تساؤلات لم يعرف لها جواباً: "مين ده؟ وإيه علاقته بـ ياسمين؟ وهي اللي دايماً رافضة أي كلام بره حدود الشغل، إيه اللي يخليها تخرج مع واحد غريب في وقت العمل؟" لم تكن ياسمين تدري أن غلطة "الاستجابة" لجمال، لم تكن مجرد جلسة عادية، بل كانت الشرارة التي هزت صورة "الجوهرة المتحفظة" في عين الرجل الوحيد الذي بدأ قلبه يميل إليها بصدق. ....................... كانت ياسمين تجلس على طرف الكرسي وكأنها فوق صفيح ساخن، عيناها تلمعان بشرار الغضب وهي تراقب حركات "جمال" البطيئة والمستفزة. في هذا الكازينو الهادئ، بدا صخبه الداخلي أعلى من أي صوت حولها. حين بدأ يتحدث بنعومة مصطنعة، ويسألها بلطافة تثير الغثيان عما تحب أن تشربه، لم تتمالك نفسها: ـ "أنا مش جاية هنا عشان أضيفك ولا تضايفني يا أستاذ جمال! اخلص وقول اللي عندك، إيه الكلام المهم اللي يخص أختي وخلاك تجرجرني وراك لحد هنا؟" لم يهتز له جفن، بل أشار للنادل بسماجة وبرود وهو يقول: "واحد ليمون للأنسة.. هدي أعصابك يا ياسمين، الكلام محتاج رواقة." حبست ياسمين أنفاسها، وقررت أن تمنحه دقيقة واحدة أخيرة لتعرف أين يصل به المطاف. بدأ ينسج كلماتٍ مطاطة عن النصيب والاختيار والاسباب التي أدت لتطور الخلافات الدائمة بينه وبين سما وهي تسمع على مضض في انتظار انتهاءه حتى تدلي برأيها الصريح بوجهه، ذلك الذي يرمي على شقيقتها كل الأخطاء وكأنه هو المنزه المستقيم، إلا أن القي بقنبلته التي جمدت الدماء في عروقها: ـ "أنا ندمان يا ياسمين.. ندمان أشد الندم. كنت مغمى العين لما خطبت سما، البنت التافهة اللي عقلها على قدها وما بتفكرش غير في المظاهر. مخدتش بالي إن الكنز الحقيقي والشخصية اللي بجد كانت قدامي من الأول.. كان المفروض إنتِ اللي تكوني من نصيبي، مش عارف دماغي كانت فين وقتها؟." انتفضت ياسمين من مكانها كأنها لُدغت، لكنه لم يترك لها فرصة للرد، بل استرسل بوقاحة وهو يحاول تثبيتها بنظراته: ـ "أنا انبهرت بجمال سما المزيف، وعميت عن جمالك الحقيقي، جمال الروح والعقل والنجاح اللي بتعمليه. انفرجت شفتيها وكادت أن تصعقه بردها الا إنه استرسل بخبثه ضاغطا على احرف الكلمات: ـ قبل ما تتعصبي افتكري ان سما داست على مشاعرك وما فكرتش فيكي لحظة لما وافقت عليا وهي عارفة إني كنت جايلك.. يبقى ليه إنتِ اللي تعملي حساب للعواطف اللي محدش قدرها؟ بصي لنفسك يا ياسمين، إحنا نستاهل بعض." في تلك اللحظة، لم تعد ياسمين ترى أمامها إلا سواداً. انفجرت فيه وصوتها تردد في أرجاء المكان، ضاربةً بكل تحفظاتها عرض الحائط: ـ "يعني إنت جاي دلوقتي، بكل بجاحة، عايزني أدخل حرب مع أهلي وأخسر أختي وأكسر قلبها تاني عشان خاطرك؟ على أساس إيه؟ إنك أنت الغنيمة اللي تستاهل الواحد يحارب الدنيا عشانها؟" وتابعت وهي تلملم حقيبتها بيد ترتجف من فرط القهر: ـ "أنت بني آدم معندكش ريحة الدم ولا الأصول! لو كنت فاكر إن خيانة أختي هي الطريق لقلبي، تبقى متعرفش مين هي ياسمين. أنا فعلاً غلطت لما جيت أسمع لواحد زيك، مش فاهمة انا جايب الثقة والغرور دا على ايه؟ بص لنفسك في المراية يا استاذ الاول حضرتك صورة وبس، صورة تتعلق على الحيط، او تتحط فوق الكمودينو، انما راجل الواحدة تتمناه ويبقى سند.... لأ، يتزعل عليك لو سيبتني وروحت لغيري برضو..... لا، عشان انت مش.... توقفت الكلمة بحلقها، منعتها أخلاقها الكريمة انت تبصقها بوجهه الكريه، ولكنها وصلت لتشعل جذوة الحقد بداخله، يرمقها بنظرات نارية ومتوعدة وهي تتحرك لتذهب فتركت الطاولة وخرجت تجري من امامه. فتسيل على خديها دموع تحرق عينيها، لم تكن دموع ضعف، بل دموع صدمة من بشر يبيعون ويشترون في المشاعر وكأنها بضاعة رخيصة. لم تكن تدري أن "عبد الرحمن"، الذي كان يراقب خروجها من الشركة بقلق، قد تملكته الظنون، وأن مواجهتها القادمة معه ستكون اختباراً آخر لكرامتها. ......................... عادت ياسمين إلى المنزل، تجر أذيال خيبةٍ لم تتوقعها وقرفاً يملأ حلقها من ذلك المتبجح. دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، وكأنها تغلقه على العالم أجمع. رمت حقيبتها بعنف، وجلست على طرف سريرها تحاول التقاط أنفاسها المتهدجة. "كيف؟" سألت نفسها بقهر، "كيف يجرؤ أن يظن ولو للحظة أنني سأقبل به؟ أيظنني سلعة تُباع وتُشترى، أو جائزة ترضية ينتقل إليها بعدما ملّ من أختي؟" لكن العجب سرعان ما تلاشى ليحل محله إدراكٌ مرّ؛ فأهلها هم من رسموا له هذا الطريق. تساهلهم معه، وفتحهم أبواب البيت له وكأنه واحد منهم قبل الأوان، وتدليلهم لسما على حساب كرامة ياسمين.. كل ذلك غدّى داخل "جمال" هذا الإحساس البغيض بأنه "الغنيمة" التي يحق لها الاختيار والتبديل كما يشاء. حانت ساعة الغداء، وارتفع صوت والدتها "اعتدال" من الصالة تناديها بآلية مفرطة، دون حتى أن تقترب من باب غرفتها: ـ "ياسمين.. يلا الغدا جاهز، اطلعي كلي لقمة معانا" ردت ياسمين بصوتٍ مخنوق، محاولةً قدر الإمكان أن تبدو طبيعية: ـ "مليش نفس يا ماما.. سيبوني دلوقتي." لم تكلف الأم نفسها عناء الدخول لتسأل: "ما بكِ؟ لماذا لا تشتهين الطعام؟" بل استمرت الحياة في الصالة وكأن ياسمين مجرد قطعة أثاث في زاوية الغرفة. لم تدخل سما، "المكتئبة" التي لا تخرج من غرفتها إلا لمصلحة أو لتطلب "شغلة" من ياسمين، ولم يدخل الأب ليطمئن. استلقت ياسمين على سريرها، ونظرت إلى سقف الغرفة بمرارة. شعرت أنها منسية تماماً؛ ففي هذا البيت، يُسمح لسما بالانهيار والاكتئاب لأنها "الصغيرة المدللة"، ويُسمح للأب والأم بالحزن عليها ومواساتها. أما ياسمين، فمن حقهم أن يتركوها وحيدة ليومين أو أكثر، لا لثقتهم في "عقلها وحكمتها" كما يدّعون، بل لأنهم استسهلوا صمتها، واعتبروا صمودها فرضاً واجباً. "إحساسي فليذهب إلى الجحيم"؛ هكذا همست لنفسها وهي تغمض عينيها بقوة. فالجميع هنا مطمئن لأن ياسمين "عاقلة"، والعاقل في شرعهم هو من يبتلع جمره ويصمت، بينما "المجنون" والأناني هو من يحصد كل الاهتمام. وسط هذا القهر، قفزت إلى مخيلتها فجأة صورة "عبد الرحمن".. نظرته الطويلة لها أمام الشركة، وشكوكه التي لمحتها في عينيه. شعرت بوخزة في قلبها؛ فبينما يتجاهلها أهلها تماماً، هناك من يراقب تفاصيل حركتها ويشعر بنقص فرحتها، حتى وإن كان ذلك بطريقة "مستفزة" تثير أعصابها. ......................... دخلت ياسمين الشركة في الصباح كمن يدخل معركة، عيناها المحتقنتان من قلة النوم أخفتهما بتركيز مبالغ فيه على أوراقها وخيوطها. انغمست في العمل لدرجة الإرهاق، كانت تعاقب جسدها حتى يتوقف عقلها عن استرجاع كلمات "جمال" المسمومة أو مشهد خذلان أهلها. ومع ذلك، لم يكن من السهل تجاهل وجود "عبد الرحمن". كان يمر من أمام مكتبها كغريب، معاملته أصبحت رسمية لدرجة الجليد، وجمل المشاكسة التي كانت تملأ المكان اختفت تماماً. كانت تلمح في نظراته عتاباً مكبوماً وكلاماً كثيراً يرفض الخروج، مما جعل الحيرة تنهشها. "أكيد أنا موهومة.. هو ماله ومالي؟ أنا هنا موظفة وبس"، هكذا كانت تبرر لنفسها وهي تغرس إبرتها في الجلد بقسوة. حانت لحظة الاجتماع لمناقشة تسليم الطلبية الجديدة. جلس عبد الرحمن أمامها بوقار حاد، ودار النقاش جافاً، تقنياً، وخالياً من أي روح. بعد أن انتهيا واتفقا على كل التفاصيل، جمعت ياسمين أوراقها وهمت بالمغادرة، لكن صوته استوقفها عند الباب، كان صوتاً مخنوقاً بالفضول والقهر: ـ "آنسة ياسمين.. واضح إن المشاوير الخارجية واللقاءات 'المفاجئة' بدأت تأثر على المواعيد، يا ريت نركز في الشغل الفترة الجاية أكتر." تسمرت ياسمين مكانها، واستدارت ببطء مستغربة من نبرته المبطنة: ـ "حضرتك تقصد إيه؟ أنا تسليماتي في موعدها، ومفيش لقاءات أثرت على شغلي." بدأ عبد الرحمن يفقد سيطرته على هدوئه المزيف، ووقف خلف مكتبه وهو يرمقها بنظرة حادة: ـ "أنا مقلتش أثرت على الجودة، أنا بتكلم عن 'الجو العام'. الشركة هنا مكان للشغل، مش لمقابلات شخصية عند الباب الخارجي مع ناس غريبة.. إلا لو كان الشخص ده يهمك لدرجة إنك تخرجي معاه في وقت العمل." شعرت ياسمين بالإهانة، وقررت مراوغته ببرود مستفز: ـ "والله دي أمور شخصية، وأنا حرة في وقتي طالما شغلي خلصان، متهيألي مفيش داعي للتحقيق ده." هنا انفتح بركان الغضب عند عبد الرحمن، وضرب بيده على المكتب وهو يصيح بعصبية: ـ "لا بقى مش حرية شخصية لما أشوفك خارجة مع واحد وانا معرفش مين ده؟ لازم اضايق. حضرتك عاملة فيها الوقورة والمتحفظة، تخرجي مع الشخص ده بالذات ليه بقى؟" فقدت ياسمين أعصابها هي الأخرى، واشتعلت عيناها بالدموع والغضب، وصرخت فيه دون وعي: ـ "عشان ده كان خطيب أختي يا أستاذ عبد الرحمن! 'جمال' اللي كان جاي بخصوص أختي بعد ما حصل مشكلة كبيرة ما بينهم أدت لفسخ خطوبته منها.. ارتحت دلوقتي؟ ارتحت لما عرفت اني أجبرت على الخروج معاه عشان أوفق ما بينهم رغم أني ما بطيقهوش من الأساس. ساد صمت مفاجئ وصادم في الغرفة. تراجع عبد الرحمن خطوة، وانطفأت نيران غضبه ليحل محلها ذهول وندم شديد. أما ياسمين، فقد كانت أنفاسها ملاحقة، وندمت في داخلها أنها كشفت ستر بيتها أمام رجل غريب، لكن قهرها كان أكبر من قدرتها على الكتمان. ............................... عادت ياسمين إلى البيت وروحها كأنها ورقة شجر جافة تعصف بها الرياح؛ فمعركتها مع عبد الرحمن لم تستنزف أعصابها فحسب، بل أجبرتها على تعرية جرحها العائلي أمام رجل كان بالنسبة لها الملاذ الأخير للاحترام. كانت تمني النفس بساعة من الهدوء خلف باب غرفتها، لكن القدر كان يخبئ لها طعنة أخرى خلف باب الصالة. بمجرد أن فتحت الباب، تجمدت الدماء في عروقها.وهي ترى ذلك الوقح يجلس في وسط المنزل بزهو وكأنه فاتحٌ عظيم، وبجواره والدته التي ترتسم على وجهها ابتسامة "النصر" والمكر. أما المفاجأة التي شقت قلب ياسمين، فهي وجه والدها ووالدتها اللذين أشرقا بفرحة غامرة، وكأن غمة وانزاحت عن صدورهما. ـ "تعالي يا ياسمين.. تعالي يا حبيبتي شوفي الفرحة! جمال ووالدته جم وصالحونا، وكان سوء تفاهم راح لحاله. الميه رجعت لمجاريها بين جمال وأختك سما. هكذا استقبلتها اعتدال بنبرة راقصة، بينما أومأ لها والداها "رشدي" بابتسامة نادرة تشير إليها بالجلوس ومشاركتهم هذه "الوليمة" من النفاق. نظرت ياسمين حولها بذهول؛ أيعقل أن ينسوا بكل هذه البساطة إهانته لابنتهم؟ أيعقل أن تمحى "المناحة" والدموع بجلسة صلح كاذبة؟ لكن الصدمة الحقيقية كانت حين التقت عيناها بعيني "جمال". لم تكن نظرة خطيب عائد لنصيبه، بل كانت نظرة "خبيثة" لا يفهم شفرتها أحد سواها. كانت عيناه تقولان بوضوح: "شفتي؟ رجعت البيت من أوسع أبوابه، وبكرة هخليكي تشوفي الويل وتوافقي غصب عنك.. أنا اللي مسيطر هنا." حاول جمال أن يرسم دور الوقار أمام والدها، وقال بصوتٍ هادئ يستفز كل ذرة كرامة في ياسمين: ـ "نورتي يا ياسمين.. كنا لسة بنقول إن البيت ميكملش من غيرك، وإنك كنتِ واحشانا في قعدة الصلح دي. اقعدي يا أختي، ده إحنا أهل." شعرت ياسمين بغثيان يكتسح كيانها. وقفت مسمرة في مكانها، بينما والدتها تلح عليها: ـ "اقعدي يا بنتي سلمي على طنط وعلى جمال.. بلاش وش الخشب ده في ليلة زي دي." كانت ياسمين تنظر إلى والديها اللذين اشتريا "راحة البال" الزائفة على حساب كرامتها، وإلى جمال الذي يمارس لعبته القذرة تحت سمعهم وبصرهم. شعرت أنها غريبة في هذا البيت، وأن الغدر لم يأتِ من الغرباء فحسب، بل نبت في قلب صالتهم القديمة. ........................... عادت ياسمين إلى غرفتها، لكن جدرانها لم تعد تمنحها السكينة. كانت أصوات الضحكات والهزار المتصاعد من الصالة تخترق الباب كأنها إهانات شخصية موجهة إليها. "هل يعقل أن يكونوا بهذه السذاجة؟ أم هو العمى الاختياري من أجل سترة بنية وراحة بال زائفة؟" تساءلت بمرارة وهي تشعر برأسها يكاد ينفجر من التفكير. كانت تعلم أن كشف حقيقة هذا "الفاسد" مغامرة غير مأمونة العواقب. فمن صدقوه حين ترك ياسمين واختار سما في جلسة التعارف الأولى، ومن استقبلوه بالأحضان بعدما كسر قلب سما وفسخ الخطبة، هل سيصدقون الآن أنه يطارد ياسمين في الخفاء؟ سيقولون "غيرة"، أو "أوهام"، أو ربما يتهمونها بأنها تريد تخريب فرحة أختها للمرة الثانية. لكن الكرامة كانت تصرخ بداخلها، ولم تعد تحتمل الصمت. نهضت فجأة، وبخطواتٍ يملؤها التصميم، توجهت نحو المطبخ حيث كانت والدتها "اعتدال" تنهمك في إعداد "واجب الضيافة" لهذا الضيف الثقيل. وقفت ياسمين خلف أمها، وقالت بنبرة حاولت أن تجعلها هادئة رغم العاصفة التي تسكنها: ـ "ماما.. إنتوا إزاي توافقوا على رجوع البني آدم ده تاني؟ إزاي قدرتوا تفتحوا له الباب بعد كل اللي عمله؟" توقفت اعتدال عن تقليب الطعام، والتفتت إليها بضيق وهي تمسح يدها في المريلة: ـ "ونرفض ليه يا ياسمين؟ ده إحنا ما صدقنا إنه رضي يرجع لأختك ويلم الدور. عايزانا نرفض الرزق ونقعد نندب حظنا؟" هنا، قررت ياسمين أن تلقي بالقنبلة الأخيرة، لعلها توقظ هذا الضمير النائم: ـ "رزق؟ ده جالي الشركة يا ماما! طلب يقابلني، وقعد معايا في كازينو، وقالها لي في وشي.. إنه ندمان إنه خطب سما، وعايزني أنا! البني آدم ده مش جاي عشان سما، ده جاي عشان يكسرنا كلنا ويشوف نفسه علينا." ساد صمتٌ قاتل في المطبخ، صمتٌ لم تقطعه إلا أنفاس ياسمين المتلاحقة. رمقتها والدتها بنظرة لن تنساها ياسمين ما حييت؛ نظرة مزيجاً من عدم التصديق، والإنكار الجاحد، وإشفاقاً مهيناً وكأنها تنظر لمريضة تهذي. لم يكن في عيني الأم غضب على "جمال"، بل كان فيهما لومٌ مبطن لياسمين لأنها تجرأت وعكرت صفو هذه "الفرحة" المستوردة. شعرت ياسمين بنظرة أمها تجرح كرامتها أكثر من كلمات جمال نفسه. لم تلمس في أمها غيرة الأم على ابنتها، بل لمست رغبةً في "إخراس" الحقيقة حتى لا ينهار سقف البيت الهش. لملمت ياسمين ما تبقى من عزة نفسها، ووقفت بصلابة وهي تتراجع نحو الباب، قائلةً كلمتها الأخيرة والجارحة: ـ "على العموم.. أنا عملت اللي عليا، وبلغتك بالحقيقة عشان ذمتي قدام ربنا. إنتوا حرين، بس افتكروا كويس إني حذرتكم من التعبان اللي قاعد معاكم بره ده." خرجت ياسمين من المطبخ وهي تشعر أنها غريبة تماماً عن هذه العائلة، وأن معركتها الحقيقية لن تكون مع جمال وحده، بل مع "الخوف" الذي يسكن قلوب أهلها ويجعلهم يفضلون "الخيانة" على المواجهة. ..................... وسط هذا السكون المخيف الذي أعقب مغادرة جمال ووالدته، تحول جدار غرفتها إلى مرايا تعكس عجزها. كانت ياسمين تشعر وكأن هناك جبلًا جاثمًا على صدرها، وصوت ضحكات سما في الصالة وهي تتباهى بهدايا "عريس الهنا" ينساب من تحت عقب الباب كأنه سمّ بطيء. لكن تلك الرسالة كانت القشة التي قصمت ظهر صبرها. قرأتها مرة واثنتين، وعيناها تتسعان من فرط البجاحة: "كدة برضو يا ياسمين.. دا أنا اتصورت إني أشوف الفرحة لأختك في عينك بعد رجوعي ليها، حبيبتي الغالية، الاقي زيها فين بس!".. كلمات تقطر مكرًا، كأنه يغرز خنجره في جرحها ويطلب منها أن تبتسم. انهارت ياسمين على سجادة صلاتها، ورفعت بصرها نحو السماء بدموع محبوسة، ولسان حالها يصرخ بمرارة: "يا رب.. أنت الحليم وأنا الضعيفة، أنت الحق وأنا المظلومة.. ماليش غيرك يشوف لي حل في الكابوس ده." بينما كانت ياسمين في خلوتها مع الله، رنّ هاتفها مرة أخرى، لكن هذه المرة لم تكن رسالة من جمال، بل كانت إشعارًا من العمل.. رسالة من عبد الرحمن. كانت الرسالة قصيرة وجادة، لكنها حملت في طياتها نبرة مختلفة تمامًا عما حدث في الشركة: "آنسة ياسمين، أنا بعتذر لو كنت انفعلت بزيادة الصبح. الحقيقة إني كنت خايف على مصلحة الشغل.. وعلى كرامة بنت شاطرة ومجتهدة زيك من أي استغلال. أتمنى بكره نبدأ يوم جديد بعيد عن أي توتر." لم تدرِ ياسمين لماذا شعرت بغصة في حلقها حين قرأت كلمات عبد الرحمن. هل هو القدر الذي يرسل لها بصيص نور وسط هذا الظلام؟ أم أن اعتذار عبد الرحمن جاء ليذكرها بأن هناك من "يخاف" عليها حقًا، بينما أهلها يبيعون راحتها من أجل "سترة" مزيفة لأختها؟ نامت ياسمين ليلتها وهي تشعر أن الصراع لم يعد بينها وبين جمال وحده، بل أصبح صراعًا بين "ماضٍ" يحاول كسرها، و"مستقبل" بدأ يطرق بابها من خلال شخص لم تكن تتوقع منه الحنان أبدًا. توقعاتكم في اللي جاي يا ترى جمال هيسيب ياسمين في حالها؛ ولا اخر قصة عبد الرحمن معاها ايه؟ ولا سما دورها ايه في اللي جاي؟ انتظروا الجزء التالت الجزء الثالث في اليوم التالي، كان الرواق المؤدي إلى مكتب ياسمين شاهداً على اضطرابٍ لم يعهده الموظفون في شخصية "عبد الرحمن"؛ ذاك الرجل الذي فارقه وقاره المعتاد، وأخذ يقطع غرفته ذهاباً وإياباً، بينما لم تكف عيناه عن اختلاس النظر نحو مكتبها القابع في سكونٍ مريب. كانت تلك المرة الأولى التي تتأخر فيها ياسمين عن موعدها ولو لدقيقة واحدة، وحين دقت الساعة العاشرة، نفد صبره تماماً؛ فتخلى عن كبريائه وجذب هاتفه ليتصل بها، لكن الرنين لم يلقهُ إلا بصمتٍ مطبق بعد محاولتين باءتا بالفشل. استوقفته "هناء" وهي تمر أمام مكتبه، فاستغل الفرصة وسألها بنبرة حاول جاهداً أن يكسوها بالرسمية، لكن بحة القلق فضحت أمره: ـ "آنسة هناء.. هي ياسمين فين؟ دي أول مرة تتأخر للوقت ده، حد منكم يعرف عنها حاجة؟" نظرت إليه هناء بأسف وقالت: ـ "للأسف يا مستر عبد الرحمن، ياسمين مش هتيجي النهاردة خالص، عرفنا إنها تعبانة جداً." شحب وجهه، واهتز صوته وهو يسأل بلهفة مكتومة: ـ "تعبانة إزاي يعني؟ ومنين عرفتي بالتحديد؟ هي بلغت حد فيكم؟" أجابت هناء ببراءة وهي تخرج هاتفها لتريه الشاشة: ـ "من 'حالة' الواتساب يا مستر.. أختها سما هي اللي منزلة الخبر، وبتقول 'ادعوا لياسمين أختي'، دي اتنقلت المستشفى فجأة من كام ساعة." وقع الخبر على مسامعه كوقع الصاعقة؛ جمدت الدماء في عروقه وتسمرت قدماه في مكانهما، توقف به الزمن للحظة، وشعر وكأن الأرض تميد به. الكلمة وقعت على أذنيه كدويّ انفجار: "المستشفى!". لم يعد يرى أمامه هناء ولا المكاتب ولا الأوراق، بل قفزت إلى ذهنه صورة ياسمين بملامحها الشاحبة وانكسارها الذي حاولت مداراته بالأمس. استجمع أنفاسه بصعوبة، وسأل هناء بصوتٍ مخنوق حاول قدر الإمكان أن يبدو رسمياً لكنه فشل: ـ "مستشفى إيه يا هناء؟ متعرفيش مالها؟ واشمعنى أختها اللي منزلة الخبر؟" ردت هناء بقلبٍ وجل: ـ "والله يا مستر، سما كاتبة إن ياسمين تعبت فجأة بليل، والضغط وطي وشكلها جالها هبوط حاد. بس هي مكاتبتش اسم المستشفى، اكتفت بطلب الدعاء وصورة لإيد ياسمين وهي متركب لها محاليل." لم ينتظر عبد الرحمن سماع المزيد؛ اندفع نحو مكتبه، التقط مفاتيحه وهاتفه، وخرج بخطواتٍ شبه راكضة. كان عقله يغلي بالتفكير: "ياسمين القوية، الصبورة، المتحفظة حتى والحزن يسكن عينيها.. تلك التي لا تفصح عما يؤلمها، بل تخرج صرخاتها في إبداعٍ ينطق بالجمال؛ جمالٌ لا يدركه إلا من يملك حساً مرهفاً يرى الوجع خلف كل غرزة خيط." في السيارة، ظل يضرب المقود بيده من فرط القلق. لم يكن يملك عنوان منزلها، ولا يعرف أحداً من ذويها، لكن عاطفته الجارفة وخوفه عليها أنسياه كل التفاصيل. فجأة، لاحت له ذكريات ملفات الموظفين؛ استرجع بجهدٍ جهيد كل حرف قرأه في ملفها الشخصي، حتى استطاع تذكر المنطقة التي تسكن فيها. بدأ رحلة البحث كالمجنون، يتصل بهناء كل خمس دقائق: "اسألي سما على المستشفى.. قولي لها إن الشركة عايزة تطمن عشان التأمين.. اختلقي أي حجة يا هناء!" وبينما كان عبد الرحمن يحترق قلقاً، كانت ياسمين ترقد بالفعل في غرف المستشفى الباردة؛ جسدها استسلم أخيراً بعدما عجزت روحها عن الاحتمال. كانت "سما" تجلس بجوارها، لا لدافع الحب الخالص، بل لتمارس دور "الأخت المخلصة" أمام العامة، وتنشر صور مرض أختها استدراراً لعطف "جمال" وجذباً لانتباهه، غير مدركة أن هذه الصور ذاتها هي التي كانت تقود الرجل الذي يحب ياسمين بصدق إلى بابها. . ....................... كانت "اعتدال" تجلس على ذاك الكرسي الخشبي الملازم لسرير ياسمين في المستشفى، وعيناها لا تفارقان وجه ابنتها الشاحب، بينما ينهش الندم والحزن قلبها. استرجعت بمرارة مشهد الصباح الذي زلزل كيانها؛ حين دخلت غرفتها بضيقٍ مصطنع لتوقظها، وهي تردد كلماتها المعتادة: ـ قومي يا ياسمين.. الشغل اتأخرتي عليه، والناس هتقول إيه!" لكن الكلمات تجمدت في حلقها حين وقع بصرها على الفاجعة. لم تكن ياسمين على سريرها، بل كانت جثة هامدة مرتمية على الأرض في مشهدٍ يمزق الروح؛ نصف جسدها الضئيل مستلقٍ على سجادة الصلاة، والنصف الآخر افترش الرخام البارد الذي امتص ما تبقى من دفء أطرافها. ساعتها، شعرَت اعتدال وكأن قلبها قد هوى في سحيقٍ مظلم. هرعت نحوها، هزتها بجنون وهي تنادي باسمها: "ياسمين! ردي عليا يا بنتي.. ياسمين!" لكن لا مجيب، سوى صمتٍ مخيف وبرودةٍ بدأت تسري في ملامح ابنتها التي كانت بالأمس القريب تحذرها من "الغدر" تحت سقف بيتهما. لم تجد الأم المكلومة وسيلةً إلا الصراخ، صرخةٌ شقت سكون البيت واستدعت "رشدي" و"سما" بهلع، صرخة كانت تحمل في طياتها اعترافاً متأخراً بأن "العاقلة" التي لم تكن تشتكي، قد انكسر داخلها شيءٌ لا تبرئه المحاليل ولا الأدوية. انهمرت دموع اعتدال وهي تنظر إلى المحلول المعلق، وتهمس لنفسها: "يا ريتني سمعتلك يا بنتي.. يا ريتني ما كذبت عيني عشان أرضي الناس." بينما كانت سما في الزاوية الأخرى، مشغولة بهاتفها، تقتنص من وجع أختها "كادراً" جديداً تنشره للعامة، غير مدركة أن الصرخة التي أطلقتها أمها في الصباح، قد وصلت أصداؤها بالفعل إلى قلب رجلٍ يقود سيارته الآن كالمجنون في شوارع المدينة، يبحث عن "ياسمين". ,قطع سكون العنبر الرتيب إلا دويّ صوت "جمال" القادم من الممر الخارجي، صوته الذي كان يسبق خطواته المتعجرفة، حاملاً نبرة عصبية مبالغ فيها، وكأنه يمارس سلطةً مطلقة على الجميع. انتفضت "اعتدال" في مقعدها، ورمقت باب العنبر بنظرة قلقة وهي تراه يقتحم المكان بوجه محتقن، صائحاً بلهجة تقطر لوماً: ـ "إزاي يعني محدش يرفع سماعة التليفون يبلغني؟ ياسمين تتعب وتتنقل المستشفى كدة وأنا زيي زي الغريب أعرف بالصدفة؟ دي أصول دي يا عم رشدي؟" ارتبك "رشدي توفيق" وبدا عليه الانكسار وهو يحاول تبرير موقفهم، فمسح عرق جبينه بيده المرتجفة وقال بصوتٍ واهن: ـ "يا ابني اعذرنا، إحنا كنا في عالم تاني.. المنظر كان يرعب وخضتنا على البنت خلتنا منشوفش قدامنا ولا نفتكر حد، يدوب شلناها وجرينا." في تلك اللحظة، انتفضت "سما" بلهفة غريبة، وكأنها كانت تنتظر حضوره لتثبت له تفانيها، فاقتربت منه تحاول استرضاءه وهي تذكره: ـ "أنا اتصلت بيك يا جمال والله كذا مرة عشان أبلغك، بإمارة ما رديت عليا وصوتك كان نعسان خالص وقفت السكة في وشي!" بدلاً من أن يهدأ روعه، انفجر فيها جمال بغضبٍ أشد، ونهرها بقسوة أمام الجميع: ـ "أديكي قلتيها يا غبية! كنت نعسان.. يعني مكنتش مركز ولا واعي للي بتقوليه! كان لازم تكرري المحاولة وتفضلي ورايا لحد ما أفوق وأفهم، مش تسيبيني نايم وتقولي بلغت!" وقعت كلمة "غبية" على مسامع سما كالصفعة، فتراجعت بحرج وأطبقت شفتيها بصمتٍ مخزٍ. رمقته "اعتدال" بنظرة غضبٍ نارية؛ فقد آلمها أن يُهان كبرياء ابنتها بهذه الغلظة في حضرة مرض أختها. أما رشدي، فقد استمر في دور "المسترضي"، وأخذ يسرد لجمال بتفصيلٍ ممل كل لحظات المعاناة والإجراءات الطبية التي مروا بها، وكأنه يقدم كشف حسابٍ لـ "سيد البيت"، بينما كانت ياسمين ترقد هناك.. جثةً خامدة لا تسمع ضجيج النفوس التي تتاجر بوجعها. ....................... بينما كان جمال يملأ المكان ضجيجاً بصياحه المصطنع الأجوف، انشق باب العنبر فجأة عن حضورٍ لم يعهده هذا الرواق البائس. دخل عبد الرحمن بخطى ثابتة وواثقة، مرتدياً بدلته الأنيقة التي بدت كأنها من عالم آخر غير عالم المستشفيات الكئيب. كانت رائحة عطره النفاذة والراقية تسبقه، لتطغى في ثوانٍ على رائحة المعقمات واليود، وتلفت أنظار الجميع؛ مريضات على أسرتهن رفعن رؤوسهن بذهول، ومرافقون توقفوا عن الحديث ليتأملوا هذا الزائر "الغريب" عن بيئتهم. ظن الجميع للوهلة الأولى أنه ضل الطريق، أو أنه يزور شخصية هامة في غرفة خاصة، حتى توقفت قدماه تماماً أمام سرير ياسمين (التي كاد يخطيء اسمها في تلك اللحظة من فرط ارتباكه وتأثره برؤيتها هكذا). تسمرت عيناه على وجهها الشاحب، وسأل بنبرة هادئة وعميقة قطعت خيط صراخ جمال: ـ "هي عاملة إيه دلوقتي؟" ساد صمتٌ مطبق. تنحى رشدي واعتدال جانباً بذهول، وصمت جمال فجأة وهو ينظر لهذا "العملاق" الذي اقتحم ساحته بهيبة أطفأت بريقه المصطنع. لم يصدقوا أنه يقصدهم، حتى ظنوا أنه أخطأ في المريضة. شعر عبد الرحمن بوطأة نظراتهم المستغربة، وتنحنح ليلملم شتات ارتباكه ويصحح خطأه العفوي، ثم قدم نفسه بوقار أخرس الألسنة: ـ "أنا عبد الرحمن.. مدير الآنسة ياسمين في الشركة." كانت سما تنظر إليه بعينين متسعتين، منبهرة بهذا الرقي الذي لم تره في جمال قط، بينما اعتصر الغل قلب جمال وهو يرى هيبة عبد الرحمن تأكل الجو من تحته. أما اعتدال، فقد شعرت لأول مرة منذ الصباح أن هناك اتى بعاطفة صادقة يسأل بقلبٍ موجوع عن حال ابنتها خلف قناع الرسمية. انتفض "رشدي" من مكانه، وبحفاوة مبالغ فيها مد يده ليسلم على عبد الرحمن سلاماً حاراً، وكأنه وجد في هيبته طوق نجاة من ضجيج خطيب ابنته المتحذلق، بدأ يعرفه بالعائلة بصوت يملؤه الفخر الممزوج بالارتباك: ـ "أهلاً يا باشا، نورتنا.. أنا والد ياسمين، ودي والدتها، ودي أختها سما.. وده الأستاذ جمال خطيب أختها." عند الاسم الأخير، تجمدت نظرات عبد الرحمن. تبادل مع جمال نظرة حادة؛ كانت مزيجاً من الدهشة والارتياب من جانب عبد الرحمن، الذي استرجع فوراً مشهد الأمس. "هذا هو الرجل الذي جاء لياسمين في الشركة!"، تذكر مبررها المرتجف وقتها بأنه كان خطيب أختها، لكنه الآن يقف بجوار الأخت ذاتها وكأن شيئاً لم يكن. تعجب عبد الرحمن من سرعة عودته، ومن تلك الفتاة "سما" التي كانت ترمقه بنظرات جريئة، تخلو من أي حياء، بل تقترب من الوقاحة رغم وجود خطيبها بجانبها. قارن عبد الرحمن في سره بين الأختين؛ شتان بين "سما" وبين ياسمينه الرقيقة، التي تخجل من أقل همسة، وتغلّف رقتها بجفاء مصطنع يصل إلى "الغشم" في بعض الاحيان في تعاملها معه، ومع ذلك كان يتقبل كل ذلك بصدر رحب، لأنه يدرك أن خلف تلك الحدة قلباً أبيض يحاول حماية نفسه. أما جمال، فقد استعرت النيران في صدره. كانت نظراته لعبد الرحمن تقطر كرهاً أسود؛ ليس فقط لوسامته الطاغية أو لكونه سحب البساط من تحت قدميه وأطفأ حضوره تماماً، بل لأن هناك سؤالاً ينهش عقله: "كيف عرف هذا الرجل بمرضها بهذه السرعة؟ ولماذا يتكبد مدير شركة عناء المجيء إلى مستشفى حكومي بسيط لأجل موظفة لديه؟" ساد صمت ثقيل، قطعه صوت عبد الرحمن الرخيم وهو يوجه كلامه لرشدي، متجاهلاً وجود جمال تماماً: ـ "ألف سلامة عليها يا حاج رشدي.. ياسمين من أكفأ الناس عندنا في الشركة، ومكانش ينفع أعرف إنها تعبانة ومجيش أطمن عليها بنفسي." التفتت اعتدال إليه بامتنان حقيقي، بينما كانت سما تبتسم برقة مصطنعة وهي تحاول لفت انتباهه بشتى الطرق، في حين وقف جمال يغلي بصمت، شاعراً بأن هذا الغريب يعرف عن ياسمين أكثر مما ينبغي، وأن وجوده هنا ليس مجرد "واجب وظيفي" كما يدعي. "يا أهلاً يا أهلاً.. نورت المستشفى والله يا أستاذ." قطع جمال الصمت بصوتٍ لزج وهو يمد يده بسلامٍ فاتر، والابتسامة الكاذبة ترتسم على وجهه وكأنه يلقي بكلمات مسمومة في ثوب الترحيب: ـ "واضح إنك صاحب واجب قوي، ومبتضيعش وقت.. كدة أول ما تسمع تيجي جري على المستشفى! ده إحنا لسة واصلين من مفيش." ضيق عبد الرحمن عينيه، ونظر إليه بنظرة ثاقبة جعلت يد جمال الممدودة تبدو وكأنها معلقة في الهواء بمهانة، قبل أن يصافحه ببرودٍ شديد وابتسامة صفراء لا تخلو من الاستحقار، وسكت تماماً كأن الرد عليه مضيعة للوقت. في تلك اللحظة، قامت اعتدال بلهفة وحاولت سحب عبد الرحمن من يده ليجلس مكانها، وهي تقول بامتنان: ـ "اتفضل يا ابني، اقعد ريح مكان ملهاش لازمة الوقفة دي، كتر خيرك إنك جيت." رفض عبد الرحمن بذوقٍ حاسم، لكن سما لم تترك الفرصة تمر، فاقتربت منه برقة مصطنعة وابتسامة واسعة لم يرتَح لها عبد الرحمن أبداً، وقالت بدلالٍ فج: ـ "حضرتك محترم وذوق جداً، بس ماما من الصبح قاعدة مكانها وما صدقت قامت، مفيهاش حاجة لو قعدت مكانها.. وبعدين ياسمين كان لازم تعرفنا عليك في ظروف أحسن من كدة بكتير." رمقها عبد الرحمن بطرف عينه بنظرة باردة لم يعطِها فيها أي اعتبار، وكأنها غير موجودة. وكي يتخلص من الحاحها وتملقها، وافق أخيراً وجلس على الكرسي، لكنه قام بشد الكرسي بخفة ليقترب أكثر من رأس ياسمين، مبتعداً عن الدائرة التي يحيطون بها السرير. في تلك اللحظة بالذات، وكأن لروحه مغناطيساً جذب وعيها، بدأت رموش ياسمين ترفرف ببطء. سكنت الضوضاء في أذنها، وانفتحت عيناها الثقيلتان لتستقر مباشرة على وجه عبد الرحمن القابع بجوارها. غابت وجوه أهلها، واختفى صياح جمال، ولم ترَ سوى ملامحه القلقة التي كانت أول ما تطل عليه عيناها، وكأنها كانت تأبى الإفاقة إلا في حضرة وجوده، لتجد في نظراته الأمان الذي افتقدته كانت عينا ياسمين تسبحان في سديمٍ من الأحلام، وصورة "عبد الرحمن" الجالس قبالتها بدت وكأنها طيفٌ من وحي خيالها المتعب. لم تكن تصدق أن تلك الابتسامة الهادئة التي تسكن ملامحه، والنظرة التي تفيض حناناً وقلقاً، حقيقية وليست مجرد تهيؤات انسحب إليها عقلها هرباً من الواقع. همس عبد الرحمن بصوتٍ رخيم، اخترق مسامعها بوقارٍ سحرها: ـ "حمد لله على سلامتك يا ياسمين." كان صوته بالنسبة لها كشاطئ أمانٍ ترسو عليه سفينتها المحطمة، حتى ظنت أن الدنيا توقفت عند تلك اللحظة. لكن السحر لم يدم؛ فقد انشق الفراغ فجأة عن وجهٍ مقيت، وصوتٍ حاد اقتحم خلوتها الروحية كخنجرٍ مسموم. ظهر "جمال" وهو يدفع برأسه أمامها بوقاحة، قائلاً بتمثيلٍ فج: ـ "أخيراً فوقتي يا ياسمين؟ حمد لله على سلامتك.. ده إحنا قلوبنا كانت مولعة نار عليكي!" انكمشت ملامح ياسمين فوراً، وتلاشت لمعة عينيها ليحل محلها نفورٌ و"تكشيرة" عفوية؛ فقد تحول الحلم الجميل إلى كابوسٍ مفزع بمجرد رؤية وجهه. بدأت تستوعب وجود البقية؛ رأت والدها "رشدي" وهو يمسح على رأسها، وأمها "اعتدال" التي انكبت تقبل وجنتها بنبرة صوتٍ مختنقة، خالطها ندمٌ خفي لم تستطع مواراته، وكأنها تعتذر لها عما حدث في المطبخ بالأمس. أما "سما"، فقد كان حضورها "درامياً" كالعادة؛ إذ ألقت بثقل جسدها فوق صدر أختها المنهك، وأخذت تولول بمبالغةٍ مستفزة: ـ "يا حبيبتي يا أختي! ألف سلامة عليكي.. يا ريتني كنت أنا بدالك ولا إن يمس شعرة منك سوء!" تأوهت ياسمين بألمٍ مكتوم من ضغطة سما على جسدها الضعيف، بينما كانت عيناها تتركان الجميع لتعود وتستقر بضعفٍ وانكسار على "عبد الرحمن"، وكأنها استغاثة صامتة منها اليه، تلك العائلة بأكملها لا تعجبه تحدث فجأة، وقد فاض بها من مبالغة تلك الفتاة شقيقتها، وبرود هذا المدعو جمال عن رد.فعل المسمى خطيبها تلك التي كانت مائلة بجسدها بالقرب منه هو الرجل الغريب لدرجة أن جيبتها من الخلف كانت مرتفعة إلى اعلى ركبتها مشهد اثار تقززه رغم انفتاحه على حرية المرأة في ارتداء ما يعجبها من الملابس، لكن هذا الأسلوب يشبه الأداء الرخيص. تجنبا للمزيد، تنحنح بحدةٍ أخرست الجميع، وقال بنبرةٍ آمرة مغلفة بالذوق: "معلش يا جماعة نراعي الظروف شوية، الآنسة ياسمين لسه فايقة وضغطها واطي.. متهيألي محتاجة هدوء ونَفَس، مش كدة؟" انسحبت سما تتراجع بحرج وهي تلملم شتات نفسها، بينما وقف جمال يرمق عبد الرحمن بحقدٍ دفين، وهو يشاهد التأييد المطلق من "اعتدال" التي صاحت بانسجام مع كلام المدير: ـ "أيوه صحيح والله عندك حق.. ابعدي لورا شوية يا سما، وإنت يا رشدي لازق في حلق البت كدة ليه؟ خليها تاخد نفسها! جمال.. ما تروح يا بني تجيب لها علبة عصير تخليها تفتح عيونها وتفوق." من شدة الغيظ، ضغط جمال على فكيه بقوة حتى كادت أسنانه تتهشم، وكان يود الانفجار فيها والاعتراض بأي حجة، إلا أن الرفض القاطع جاء من ياسمين التي رمقته بنظرة كره لم تخفَ على عبد الرحمن الجالس بجوارها، وقالت بصوتٍ واهن يكاد يخرج من صدرها: ـ "محدش يجيب حاجة.. أنا نفسي مش قابلة أصلاً." هنا تصنع جمال الشهامة والحرص الزائد قائلاً: ـ "لا إزاي بس يا ياسمين؟ ده إنتِ لازم تاكلي لقمة خفيفة على الأقل.. أنا هقوم حالاً أجيب لك سندوتشات." همت ياسمين أن توقفه معترضة، ولكن عبد الرحمن كان الأسبق ليقطع عليها الطريق ويوجه الضربة القاضية لجمال: ـ "يا ريت يا أستاذ جمال.. فيه كشك قريب هنا من المستشفى حاجته نضيفة وتفتح النفس، وأكيد ياسمين مش هترفض لو الحاجة جت من إيدك." انفرجت شفتا ياسمين قليلاً تهم بالاعتراض على "توريط" عبد الرحمن لها، إلا أنه زجرها بنظرة محذرة خاطفة أسكتتها فوراً. انعكس هذا المشهد غضباً مشتعلاً في عيني جمال المنتبه لحوار النظرات الصامت بينهما، ولانصياع ياسمين المفاجئ لرغبة عبد الرحمن وكأن هناك لغة تفاهم سرية تجمع بينهما؛ ليجد نفسه مجبراً بفعل هذا "المراوغ" على الخروج من الغرفة. حاول جمال التلكع والمماطلة فسأل بنبرة خبيثة: ـ "ماشي.. أنا رايح أهو، تحبي أجيب لك إيه بالظبط يا ياسمين؟" لكن عبد الرحمن اليقظ بفطنته، تكفل بالرد ليغلق الدائرة تماماً: ـ "يا أخ جمال، جيب لها أي حاجة.. هي فيها نَفَس تشتهي أصلاً؟ وبعدين خطيبتك أدرى باللي بيعجب أختها.. ولا إيه يا آنسة سما؟" تلقت سما مخاطبته لها بلهفة وانبهار بهذا الاهتمام: ـ "طبعاً أكيد يا أستاذ عبد الرحمن! دي أختي وأغلى حاجة عندي كمان.. هجيب لك حاجة تفتح نفسك يا ياسمين. ياللا بينا يا جمال أنا رايحة معاك." سمع جمال كلماتها، وكم ودّ في تلك اللحظة أن يصفعها ويجبرها على الجلوس؛ لتوقف حماقتها التي لا تفهم من ألاعيب الرجال شيئاً، لكنه اضطر للانسحاب جاراً أذيال الخيبة خلفه. ...................... غادر جمال الغرفة وعلى وجهه علامات الضيق التي حاول إخفاءها تحت قناع من الوجوم، تتبعه سما التي لم تتوقف عن الثرثرة حول أنواع العصير والسندوتشات التي "ستفتح نفس" ياسمين. وبمجرد خروجهما، ساد هدوء نسبي في الغرفة، لم يقطعه سوى صوت أنفاس ياسمين المتلاحقة، ونظرات رشدي الحائرة بين المدير "الشهم" وبين ابنته. تنفس عبد الرحمن الصعداء، وكأن جبلًا من الزيف قد انزاح عن صدره برحيل جمال وسما. التفت إلى اعتدال ورشدي، وبنبرة هادئة لا تخلو من المزاح قال: ـ "يا حاج رشدي، يا ست اعتدال... مش هوصيكم على ياسمين , دي شعلة نشاط عندنا في الشركة، وإحنا مش مستغنيين عنها أبدًا." جاء السريع الرد من اعتدال: ـ يوه , انت هتوصيني على بنتي يا استاذ عبد الرحمن, دي في عنيا الجوز، هو انا عندي اغلى منها أضاف عليها رشدي هو الاخر: وعندي انا كمان، دي البكرية ، واول فرحتي، والله ولا تعبتني ابدا في تربيتها يا استاذ عبد الرحمن، زي النسمة من ساعة ما اتولدت لطالما اشمأزت ياسمين داخلها من أفعالهما المكشوفة، لكن في تلك اللحظة كانت تركيزها مع عبد الرحمن ، تنظر اليه بامتنان لا تستطع بالكلمات وصفه، عيناها تلمعان بدموع محبوسة وهي ترى كيف استطاع بذكائه أن يُبعد عنها ذاك "الكابوس" ولو لبعض الوقت. وبمزيد من التملق مالت اعتدال على ابنتها تمسح على جبينها، وقالت بصوت خفيض: ـ "شوفتي يا ياسمين؟ الأستاذ عبد الرحمن كتر ألف خيره، جيه لحد هنا عشان يطمن، لا وبيوصينا كمان عليكي.. صحيح الناس المحترمة بتبان في الشدائد يا بنتي." أطرق رشدي برأسه موافقًا، بينما كان عبد الرحمن يراقب ياسمين بتركيز، وكأنه يقرأ في صمتها كل ما عجزت عن قوله بالأمس، وقهر داخلها لا يعرف أسبابه . اقترب منها قليلًا، وبالكاد سمعت همسه الذي خصها به وحده: ـ "ارتاحي دلوقتي.. مفيش حاجة تستاهل إنك تتعبي نفسك عشانها بالشكل ده. كل حاجة هتتحل، صدقيني." كلماته كانت بمثابة البلسم على جرحها النازف. شعرت ياسمين لأول مرة منذ سنوات أن هناك من يفهم "لغة صمتها"، ومن يقدّر قيمتها بعيدًا عن حسابات المصالح أو المظاهر،. خارج الغرفة، وأثناء سيرهما للخروج، كان جمال يستشيط غضبًا، وقد بدأ يشك أن علاقة ياسمين بمديرها تتجاوز حدود العمل بكثير. وقف في ممر المستشفى يلتفت يمينًا ويسارًا، ثم سحب سما من يدها بعنف قائلًا بصوت مكتوم: ـ "إنتي غبية؟ مش شايفة نظراتهم لبعض؟ في مدير بيجري جري عشان يزور موظفة عنده؟ ولا يقعد براحته كدة على الكرسي جمبها، الراجل ده اكيد نيته مش كويسة، وإنتي زي الهبلة بتساعديه يمشيني من الأوضة، عشان انا الوحيد اللي افهم النوعية اللي زيه!" صدمت سما من رد فعله، وتلعثمت وهي تحاول الدفاع عن نفسها، لكن جمال لم يعطها فرصة، فقد اتخذ قراره بأن يفسد هذا "الانسجام" بأي ثمن، حتى لو اضطر لحرق المعبد على من فيه تفتكروا هيعمل ايه الزفت تابعو الأجزاء الجزء الرابع بعد أن نجح عبد الرحمن بمكره في إبعاد الجميع، لم يمر وقت طويل حتى عاد جمال وحده، مستغلاً انشغال سما في انتظاره في مقهى المشفى" وتأخر الأب والأم في إنهاء إجراءات الخروج. فتحت ياسمين عينيها بعد غفوة قصيرة، لتجده امامها واقفاً فوق رأسها مباشرة، يحدق في وجهها بنظرات مركزة ومخيفة. انتفضت ياسمين وكأنها رأت شيطاناً، وسألته بغضب مكتوم: ـ "إنت إيه اللي جابك هنا؟ وفين بابا وماما؟" ابتسامة مقيتة ظهرت على شفتيه وهو يقترب خطوة، وقال بنبرة لزجة: ـ "مالك يا ياسمين؟ خفتي ليه؟ أنا مش غريب على فكرة.. ده أنا خطيب أختك يعني في حكم أخوكي، وجيت بس أطمن إن المحلول جاب مفعول وفوقتي عشان "تفتحي" عينيكي كويس للي حواليكي." ردت عليه باحتقار وصوت يرتجف من الغيظ: ـ "اخرس.. بلا أخويا بلا زفت، اطلع بره واستنى الكل بره، مفيش راجل يدخل على واحدة لوحدها وهي تعبانة كدة!" رد ببرود وهو يربع يديه، وعينه تتفحص الغرفة وكأنه يبحث عن أثر للمدير: ـ "براحة شوية يا أختي.. هو إنتي شوفتيني اتهجمت عليكي؟ وبعدين هو "المدير" بتاعك كان محرم ليكي يعني عشان يقعد جنبك ويوشوشك؟ اشمعنى هو حلال وأنا حرام يا ست ياسمين؟" شعرت بضيقٍ لا يوصف، وكأن الهواء في الغرفة قد نفد فجأة. هذا الإنسان "عديم الإحساس" لا يكتفي باختراق خصوصيتها، بل يضيق عليها الخناق بصفة لا يملكها، فهو ليس خطيبها، ولا شقيقها، ولا حتى من أقارب الدرجة العاشرة؛ مجرد غريب هبط على حياتهم كـ "غراب البين"، ومنذ دخل بيتهم وهي لم تذق طعم الراحة. كانت تظن أن عملها هو ملاذها الوحيد، وأن "عبد الرحمن" بوقاره وشهامته هو الحصن الذي يحميها من قذارة هذا الواقع، لكن جمال أبى إلا أن يلوث هذا المتنفس الجميل بمقارنةٍ وقحة لا تجوز أصلاً. بعصبية حادة هزت جسدها الهزيل، ردت عليه وهي تحاول كبت صرخة مكتومة: ـ "بغض النظر عن أسلوبك الواطي في رمي الكلام.. إنت مالك أصلاً؟ علاقتي بالمستر تخصني أنا وأهلي، وحضرتك تحترم نفسك وتعرف حدودك، وإلا قسماً بالله هصرخ وألمّ عليك الناس والتمريض كله، والكل هيعرف حقيقتك!" قهقه جمال بسماجة مستفزة، فقال وهو يرمقها بنظرة باردة: ـ "شوف يا أخويا البلاوي اللي بتتحدف علينا! طب لو جدعة يا ياسمين صرخي ولمّي الناس.. عشان يعرفوا إنك اتجننتي وعايزة تتبلي على خطيب أختك الغلبان اللي واقف بعيد عنك أصلاً وداخل بس يطمن عليكي!" اقترب خطوة إضافية، وهبط بصوته لنبرة فحيح الأفاعي: ـ "ولا يكونش الكلام جه على الوجيعة؟ والمستر الحلو مش متحملة حد يجيب سيرته خالص؟ ده إنتِ اتكهربتي أول ما اسمه جه على لساني.. باينة قوي يا ياسمين، بس بلاش تعيشي الدور، عشان المقام عالي عليكي قوي يا قطة!" ارتجفت يد ياسمين وهي تمسك بحافة الفراش، وشعرت برغبة عارمة في البكاء ليس ضعفاً، بل من فرط الغيظ وقهر "قلة الحيلة" أمام إنسان يجيد التلاعب بالكلمات ويقلب الحقائق ببراعة شيطانية. في تلك اللحظة، لم تكن تفكر إلا في شيء واحد، ليتها تملك الوسيلة لفضحه، ولكن كيف تفعل؟ وعاىلتها هم أول من يكذبها. فصاحت به بازدراء؛ - عالي في عينك! إنت إنسان مستفز وقليل الأدب، وقسماً بالله..." قاطعها جمال بنبرة هادئة، هدوءاً يسبق العاصفة، وهو يرفع يديه وكأنه يتبرأ من اتهاماتها: ـ "بلاش تحلفي يا ياسمين عشان أنا مغلطتش فيكي يا غالية، أنا بس بوعّيكي.. وفاتح إيديا الاتنين أهو. أنا ذكي وإنتِ برضه ذكية، ومش هوضح أكتر من كدة، وافهمي لوحدك بقى!" ألقى كلماته المسمومة ذات المغزى الذي وصل لقلبها فوراً، وغادر الغرفة بخطى سريعة قبل أن تدركه أعين والديها، الذان كان في طريقهم إلى غرفتها دخلت "اعتدال" و"رشدي" بعد لحظات قليلة، يحثانها على النهوض لأن سيارة الأجرة (التاكسي) بانتظارهم تحت، بينما أخبرها والدها أن سما وجمال سيستقلان سيارة الأخير، ويفضل أن تركب معهما "لترتاح" في السيارة الخاصة. في تلك اللحظة، انتفضت ياسمين وكأن لدغتها أفعى؛ فالركوب في مساحة ضيقة مع هذا الكائن كان بالنسبة لها انتحاراً. صاحت بحدة غير معهودة فاجأت والديها: ـ "لا.. مش هركب مع حد! أنا كويسة وقادرة أمشي على رجلي، ولو لزم الأمر هاخد مواصلات لوحدي كمان!" أمام إصرارها المتشنج وعينيها اللتين تفيضان بالتحدي والنفور، لم يجدوا بداً من الرضوخ لرغبتها. استسلم رشدي للأمر الواقع، لتركب ياسمين في "التاكسي" بجوار والدتها، بينما اضطر هو للركوب مع سما وجمال. في السيارة الخاصة، كان جمال يضغط على المقود بقوة كادت تحطمه، والغضب ينهش أحشاءه. لم تكن مجرد "عناد" من ياسمين في نظره، بل كانت صرخة تحدٍ واضحة، وإعلاناً صريحاً بأنها ترفض حتى استنشاق الهواء الذي يجمعهما في مكان واحد. كان يغلي بصمت، وعقله الشيطاني يبحث عن وسيلة يكسر بها هذا الكبرياء الذي استمدته فجأة.. ربما من ذاك "المدير" الذي وكأنه قد جاء خصيصا ليفسد عليه كل شيء ............................... في الصباح التالي، وبرغم الوهن الذي كان لا يزال يطوق جسدها، حزمت ياسمين أمرها وقررت الذهاب إلى العمل؛ فلم يعد البيت بالنسبة لها مكاناً للاستشفاء، بل صار سجنًا يضيق عليها بجدرانه وذكريات الأمس الثقيلة. كانت بحاجة إلى استنشاق هواء "الشركة"، ذاك المكان الذي تشعر فيه بكيانها بعيدًا عن منغصات حياتها الخاصة. كان دخولها مفاجأة سارة لـ "عبد الرحمن". وحين لمح وجهها الجميل يطالع الأوراق بهدوء، لم يستطع منع تلك الابتسامة التي أضاءت ملامحه. اقترب منها بخطوات واثقة، ووقف أمام مكتبها كأنه يفتح باباً للفرح في وجهها، ثم قال بنبرة مشاكسة وودودة تعمد أن يسمعها الزملاء المحيطون بها: ـ "ياسمين هانم حاضرة معانا مرة واحدة؟ وأنا أقول الشركة منورة النهاردة ليه.. بصراحة إمبارح كانت مطفية خالص!" كان تواضعه في المزاح معها، وكسره لتلك الحواجز الرسمية أمام الجميع، بمثابة طوق نجاة لروحها المجهدة. غزا الخجل وجنتيها فصبغهما بحمرة رقيقة، لكن الابتسامة لم تستطع أن تختبئ خلف خجلها، فأنارت وجهها بشكلٍ سحر عبد الرحمن أكثر. تفاعل الزملاء مع مزاح المدير بروحٍ طيبة، واندمجوا في الترحيب بها، مما أشعر ياسمين بدفءٍ افتقدته طويلاً. في تلك اللحظة، لم تكن ترى في عبد الرحمن "مديراً" فحسب، بل رأت فيه الأمان الذي يرمم شروخ روحها، والرجل الذي يعرف متى يمزح ومتى يحمي، ليجعل من مكتبها المتواضع أجمل بقعة في العالم ........؟............... كان هذا "الدفع" النفسي الذي يحيط بها الآن هو ما جعل روحها ترفرف من جديد؛ فالمفارقة كانت موجعة، جفاءٌ تعانيه في البيت الذي تربت فيه ومن أهلٍ هم "من لحمها ودمها"، مقابل مودةٍ خالصة وجدتها هنا بين جدران الشركة. لم يفعل أهلها ربع ما فعله زملاؤها منذ أن وطئت قدماها المكتب؛ فهذه تضع أمامها كوباً من "الينسون" الدافئ وتراقبها بحنان، وتلك تضع أمامها شطيرة وتجبرها بلهجةٍ آمرة محببة: *"لازم تفطري يا ياسمين.. مش عايزين نقع تاني"*، بينما لم تبخل زميلة أخرى بقطعة "شوكولاتة" لترفع من معنوياتها. أما في البيت، فقد تبخر خوفهم المزعوم الذي ظهر في المستشفى بمجرد أن حلّ المساء. كأن تعبها وانهيارها كان "حالة مؤقتة" وانتهت، ولم يراعِ أحد جسدها الذي مازال به اثر التوعك في الصباح. كانت غاية اهتمام والدتها جملة فاترة: ـ "يا بت اقعدي النهاردة ارتاحي بدل ما تتعبي وتدوخينا تاني." وحين رأت الأم إصرار ياسمين على الذهاب، جاء رد "رشدي" مغلفاً بتهكمه المعتاد: ـ "خلاص يا ستي.. هي عارفة مصلحتها، لو تعبت أكيد هتتصل بينا وتعرفنا.. صح يا بت؟" ـ "صح يا بابا." خرجت الكلمة من صدر ياسمين مثقلة باليأس والمرارة، قبل أن تنسحب بصمت وتأتي إلى هنا، حيث وجدت "الاستقبال الحافل" الذي رمّم كسر خاطرها. كانت تتابع عبد الرحمن وهو يبتعد نحو مكتبه بعد مزاحه اللطيف، وشعرت لأول مرة أن هذا المكان هو "بيتها الحقيقي"، وأن هؤلاء الغرباء هم أهلها الذين اختارهم لها القدر ليعوضوها عن يتم المشاعر الذي تعيشه في دارها. نظرت إلى زميلاتها بامتنان، وقررت أن تستمتع بهذا الدفء، متناسيةً لوقتٍ قصير أن خلف هذا الصفو يتربص "جمال" كظلٍّ أسود لا يملّ من التدبير. ............. ............ كان يجلس في المطعم بعنجهيةٍ واضحة، ظهره مسند إلى الكرسي وعيناه مسمرتان في شاشة هاتفه، يقلب فيها بمللٍ وغضب مكتوم بينما ينتظر النادل. أما سما، فكانت في عالمها الخاص، غارقة في "هوس" الكاميرا؛ تارةً تميل برأسها لترسم "بوز البطة" الشهير، وتارةً تضبط زاوية الإضاءة لتلتقط صورةً مثالية تنزلها "ستوري" على إنستجرام، مذيلةً إياها بكابشن يفيض تملقاً: "أحلى غدوة في أجمل مكان مع عوض العمر وحبيب قلبي" لم يكن "عوض العمر" منتبهاً لوجودها أصلاً، بل كان غارقاً في أفكاره السوداء. التقطت سما عدة صور للمكان، متبوعةً بفيديوهات قصيرة تستعرض فيها فخامة المطعم، قبل أن تضع هاتفها أخيراً على الطاولة وتنفخ بضيق: ـ "وبعدين بقى؟ أنا جوعت قوي.. هو الأكل كل ده بيجهز؟ ما تنده على الجرسون يا جمال!" قالتها بدلعٍ مصطنع وهي تتمايل أمامه، لكن جمال الذي كان واصلاً لقمة الخنق منها ومن حركاتها، رد بنبرة جافة لا تحمل أي مودة: ـ "جرى إيه يا سما؟ ما إنتي شايفة المكان زحمة والناس كلها مستنية، الجرسون مش هيطير يعني عشان سواد عيوننا! وبعدين إنتي مش كنتي لسه بتصوري؟ مالحقتيش تجوعي في دقيقتين يعني؟" تغيرت ملامح سما قليلاً من رده الجاف، لكنها سرعان ما عادت لابتسامتها المصطنعة وهي تحاول تلطيف الجو، غير مدركة أن جمال في تلك اللحظة لم يكن يرى فيها إلا عبئاً ثقيلاً، بينما كان عقله يقارن بين "تفاهتها" وبين "رزانة" أختها التي تزداد استعصاءً عليه يوماً بعد يوم. في لحظةٍ مباغتة، ترك النظر بهاتفه وسألها بنبرةٍ حاول أن تبدو عادية ومحايدة عن صحة شقيقتها ا: ـ "أختك عاملة إيه النهاردة؟" ردت "سما" دون أن ترفع عينها عن الشاشة، وهي غارقة في محادثات صديقاتها: ـ "كويسة.. كويسة، هي أصلاً راحت الشغل من بدري." ـ "راحت الشغل وهي تعبانة؟!" قالها وهو يلقي بهاتفه على الطاولة بعصبيةٍ جعلتها تنتبه وتفزع، ثم استطرد والشرر يتطاير من عينيه: ـ "امبارح كانت في المستشفى والنهاردة تكون في الشغل؟ طب حتى تقعد يومين على الأقل نعرف الناس إنها تعبت بجد!" حاولت سما بارتباكٍ أن تبرر الموقف، فأخبرته أن ياسمين هي من أصرت، رغم أن والديها بذلا معها المستحيل لتعدل عن قرارها، وهي أيضاً حاولت منعها، لكن ياسمين "نشفت رأسها" كالعادة واضطروا لتركها تفعل ما تريد. أشعل هذا الخبر نيران الغيظ في صدر جمال؛ ففكرة وجودها الآن بجانب "عبد الرحمن" جعلت عقله يصور له آلاف السيناريوهات، خاصةً بعدما رأى بعينه في المستشفى مدى تأثرها بوجوده واستجابتها له. اشتعلت النيران في رأسه، ومن غير مقدمات نهض فجأة وصاح بـ "سما": ـ "بقولك إيه.. لمي حاجتك دي، إحنا لازم نروح لها الشركة ونطمن عليها هناك." تذمرت سما في البداية واستغربت هذا الحماس المفاجئ، ولكن قبل أن ترفض، اشتعل داخلها الشغف، وبذات الحماقة التي تسكنها، تركت هاتفها فجأة وارتسمت على وجهها ابتسامة غريبة، ليس اهتماماً بأختها، بل لأن خيالها "المريض" استرجع فوراً صورة عبد الرحمن بهيبته ووسامته التي خطفت أنفاسها في المستشفى. سألت جمال وهي تلملم حقيبتها بسرعة، واللمعة في عينيها فضحتها: ـ "طب مش هنستنى الأكل الأول؟ ده زمانه على وصول!" رد جمال وهو يدفع الكرسي للخلف بعنف، وعيناه تقدحان شرراً: ـ "أكل إيه وزفت إيه دلوقتي؟ بقولك قومي.. ميبقاش أختك تعبانة ونازلة شغلها وإحنا قاعدين نتمطّع هنا، دي أصول دي؟ على الاقل تطمن عليها ونحسسها انها في اهتمامنا ياللا يا سما!،" كان جمال يغلي؛ فكرة أن ياسمين الآن في "حِمى" عبد الرحمن، يستفرد بها في مكتبه، يواسيها بكلماتٍ معسولة أو يحيطها باهتمامٍ رآه بعينه في المستشفى، كانت كافية لتجعله يفقد صوابه. لم يكن ذهابه للشركة بدافع الاطمئنان، بل كان "غزوة" يخطط لها ليقطع الطريق على أي تقارب، وليثبت لعبد الرحمن قبل ياسمين أنه واقفا لهما بالمرصاد. أما سما، فكانت في عالمٍ آخر، بدأت تعدل من هيئتها وتنظر في مرآة حقيبتها وهي تهمس لنفسها: ـ "أحسن برضه.. أهو الواحد يغير جو الكآبة ده، ونشوف الشركة الشيك دي والمستر اللي يفتح النفس." خرجا من المطعم بخطواتٍ واسعة، جمال يسبقها بخطواتٍ كأنه يسابق الزمن، بينما كانت هي تحاول ملاحقته بكعبها العالي. ......................... في وقت الاستراحة، لم ترغب ياسمين في الانخراط في ضجيج "الكافيه" أو البقاء في مكتبها لتلوك الأحاديث المكررة مع زميلاتها، بل سحبتها قدماها نحو الفناء الخارجي للشركة؛ حيث تقبع بضع شجيراتٍ وارفة داخل السور، تنسجُ بظلالها ملاذاً آمناً من صخب العمل. كان الهواء المنعش يمرُّ كبلسمٍ يداوي جراح الروح، فاستسلمت له، وأغمضت عينيها لتستشعر تلك النسمات وهي تلامس وجهها وتداعب خصلات شعرها في "لحظة صفاء" كانت تفتقدها بشدة. غابت ياسمين عن العالم لثوانٍ، حتى شعرت بظلٍ يقطعُ تسلل الشمس إلى جفونها، ففتحت عينيها فجأة لتجد أمامها "عبد الرحمن". كانت الابتسامة تملأ وجهه، ونظراته تحمل مزيجاً من الإعجاب والسكينة؛ فانتفضت بداخلها وظهر الارتباك جلياً على حركاتها، وكادت أن تعتدل في جلستها بوجل، لكنه تدارك الموقف بلباقته المعهودة وهمس بنبرةٍ هادئة: ـ "أنا أسف.. شكلي قطعت عليكي لحظة صفاء كنتِ محتاجة لها." استجمعت ياسمين أنفاسها، وحاولت مداراة خجلها وهي ترد عليه بصوتٍ مرتعش قليلاً: ـ "لا أبداً يا مستر، حضرتك مش قاطع حاجة.. أنا بس كنت بشم شوية هوا، المكان هنا بجد مريح للأعصاب." ابتسم عبد الرحمن وهو يتأمل هدوء المكان، ثم قال بمشاكسة رقيقة: ـ "معاكي حق، الشجر والضل هنا يخلوا الواحد ينسى ضغط الشغل.. بس قولي لي، صحتك دلوقتي أحسن؟ مش عايزك تضغطي على نفسك، لو لسه تعبانة ممكن تروحي وتكملي راحة." نظرت إليه ياسمين بامتنان، وشعرت أن الهواء الذي كانت تستنشقه صار أكثر عذوبة بوجوده، وردت بعفوية: ـ "والله يا مستر، أنا بقيت أحسن أول ما دخلت الشركة النهاردة.. وجودي وسطكم بيريحني أكتر من القعدة في البيت." كانت الكلمات تخرج من قلبها بصدقٍ لم تستطع إخفاءه، بينما كان عبد الرحمن يراقب ملامحها الرقيقة تحت ظلال الشجر، شاعراً برغبةٍ عارمة في أن يطيل هذا الوقت، بعيداً عن أعين الموظفين.. ـ طيب ممكن اقعد انا كمان؟ كان الطلب مفاجئاً، بل وصادماً لياسمين؛ أن يطلب مدير بهيبته ومكانته مشاركتها الجلوس في هذا الركن المتواضع! شعرت بضربات قلبها تتسارع، ورغم أن الموقف قد يثير همسات الزملاء، إلا أنها لم تقو على كسر خاطره أو رفض طلبه الذي قدمه بمنتهى الرقي. ردت بارتباك وهي تهم بالنهوض: ـ "اتفضل طبعاً يا فندم.. بس المكان هنا مفيش فيه غير كرسي واحد، اقعد حضرتك مكاني وأنا ثواني هروح أجيب كرسي تاني من جوه." ـ "لا.. مفيش داعي لكل ده، خليكي مكانك." قالها عبد الرحمن بهدوء وهو يحسم الأمر، وقبل أن تستوعب ياسمين ما ينوي فعله، اقترب من "جزع شجرة" ضخم كان ملقى بالقرب من مقعدها، ونظفه بيده بخفة ثم جلس عليه. أصبح الآن في مستوى جلستها تماماً، يواجهها بابتسامة واثقة بينما كانت هي تنظر إليه بذهول لم تستطع إخفاءه. كانت جلسته على جزع الشجرة، بتلك البساطة والترفّع عن "البرستيج"، حركة جعلت ياسمين تشعر أن هذا الرجل لا يشبه أحداً؛ فهو يمتلك القدرة على جعل أكثر الأماكن عادية تبدو وكأنها جناح ملكي بفضل حضوره. ساد صمت قصير، قطعه عبد الرحمن وهو ينظر إلى الأفق خلف السور: ـ "عارفة يا ياسمين.. أوقات الواحد بيحتاج يبعد عن المكاتب والتكييفات، ويقعد القعدة البسيطة دي عشان يفتكر إنه إنسان قبل ما يكون مدير وموظف. شكراً إنك سمحتي لي أشاركك اللحظة دي." ابتلعت ياسمين ريقها، وشعرت بحرارة تخترق برودة الجو وتستقر في وجنتيها، ولم تجد كلمات تسعفها للرد على ذوقه الذي يتجاوز كل التوقعات. خيم الصمت بينهما للحظات، كانت ياسمين تشعر فيها بنظراته التي اخترقت حصونها، قبل أن يكسر هو هذا السكون بسؤالٍ مباغت: ـ "أنا مش حابب أكون حشري.. بس تسمحي لي يا ياسمين أسألك عن حياتك العاطفية؟" تصلبت ملامحها، واعتلت وجهها نظرة استهجان لم تستطع مداراتها، وردت بنبرة حادة شابها عدم الارتياح: ـ "حياة عاطفية إزاي يعني؟ حضرتك إيه السؤال ده؟" شعرت برغبة عارمة في النهوض والفرار من هذا الحوار، لكنه تدارك الأمر ببراعة وطمأنها بصوته الرخيم: ـ "ياسمين أرجوكي بلاش تسرع.. أظن الفترة اللي قضيتيها معانا في الشركة وضحت جانب من شخصيتي، على الأقل في أخلاقي.. ولا إنتي شايفة إن أخلاقي تسمح لي أتجاوز معاكي؟" ردت بحرج وقد تراجعت حدتها قليلاً: ـ "لا سمح الله يا فندم، طبعاً مقصدش.. بس السؤال غريب شوية." ـ "وماله السؤال؟ أنا بسأل لغرض، ويا ريت يكون عندك ولو قدر بسيط من الثقة أو الجرأة وتصارحيني.. فيه حد في حياتك؟" قاطعته بلهجة قاطعة وهي تشيح بنظرها عنه: ـ "حضرتك أنا محبش الكلام في المواضيع دي أصلاً." ابتسم عبد الرحمن بمكر، وحاول تلطيف الأجواء وهو يمازحها: ـ "والحكاية دي فيها أحب ومحبش؟ دي مشاعر يا ياسمين، وكلنا بشر.. يعني أنا مثلاً خضت تجارب وعلاقات كنت فاكرها حب حقيقي وطلع العكس، عشان كدة بسأل.. مش عايز أقع على دماغي المرة دي كمان." قطبت حاجبيها بشكٍ بعد جملته الأخيرة، وشعرت بقلبها يخفق بقوة، لكنها حاولت التماسك وأجابت بلجلجة لتنهي النقاش: ـ "أنا فاهمة حضرتك.. وإن كان على التجارب فأنا عمري ما جربت، أما مشاعر الإعجاب فهي حاجات بتعدي وتروح لحالها." لمعت عينا عبد الرحمن ببريقٍ خاص، وقال وهو يقترب منها بنظرةٍ ذات مغزى: ـ "رغم إنك مجاوبتيش على سؤالي بصراحة، بس هجاوبك أنا عن نفسي.. مشاعر الإعجاب عدت عليا كتير، بس دلوقتي شكلي قربت من الإحساس اللي كنت بحلم بيه من زمان، وده كان سبب سؤالي ليكي." سكنت ياسمين مكانها، وتاهت الكلمات على لسانها أمام صراحة نظراته التي كانت تقول الكثير، وأوشكت أن تنطق وتسأله عن مقصده، لولا ذاك الصوت الذي دوى فجأة ليقطع سحر اللحظة مساء الخير....... عليكم!" اقتحم هذا الصوت المزعج أسماعها، فالتفتت برأسها نحو المصدر لتجده هو؛ ذاك الشخص الكريه بذاته، واقفاً أمامها بنظراتٍ ماكرة ومستفزة، يوزع بصره بينها وبين عبد الرحمن بشكٍ فاضح. ظهرت من خلفه سما التي تقدمت نحوهم بلهفةٍ مصطنعة وقالت: ـ "إيه ده! إنتِ هنا يا ياسمين؟ ده إحنا كنا داخلين المبنى عشان نطمن عليكي، نقوم نلاقيكي هنا مع الأستاذ عبد الرحمن.. إزيك يا أستاذ؟" كان عبد الرحمن على وشك رد تحيتها رغم استهجانه للميوعة الواضحة في نطقها، إلا أن جمال قاطعه ليصبَّ سمَّ كلامه: ـ "أيوه فعلاً، كنا جايين وقلقانين عليكي عشان خرجتي من المستشفى وإنتِ تعبانة، بس واضح إن الجو هنا حلو قوي ويشفي العليل! هو إنتوا دايماً كدة شغلكم بيبقى بره في "الطل" بعيد عن المكاتب ولوحدكم؟" أوشكت ياسمين أن تنفجر فيه وتلقنه درساً في الأدب، ردا على. تلميحه السافر، لكن عبد الرحمن كان الأسبق؛ رد بهدوءٍ وثباتٍ عجيبين: ـ "لا يا أستاذ جمال.. مفيش شغل بره المكتب أكيد، ياسمين كانت في فترة استراحة، وأنا استغليت الفرصة عشان أقتحم خلوتها وأتكلم معاها." كان جمال على وشك الجنون من بساطة عبد الرحمن في الرد، ينوي التمادي في تلميحاته القذرة، لكن سما سبقته بحماقتها المعهودة قائلة: ـ "تتكلم معاها؟ لدرجة دي حضرتك متواضع!" ـ "متواضع؟" رددها عبد الرحمن بنبرة ساخرة، قبل أن يلقي بقنبلته التي ألجمت الجميع: ـ "الحكاية مالهاش دعوة بالتواضع.. الحكاية إني كنت بفتح معاها موضوع مهم جداً، موضوع جواز.. أصل أنا ناوي أتقدم لها!" توقف الزمن لثوانٍ في ذلك الفناء الصغير. وقعت كلمات عبد الرحمن على مسامع الجميع كالصاعقة، فتبدلت ملامح كل واحد منهم في تلك اللحظة؛ ياسمين التي اتسعت عيناها بذهول ودهشة لم تكن تتخيلهما في أحلامها، سما التي تجمدت ابتسامتها المبتذلة على وجهها، وأخيراً "جمال" الذي تحول وجهه من السخرية الماكرة إلى حمرة الغضب المكتوم، فقد تحول "الاستفزاز" الذي جاء به إلى رصاصة أصابت كبرياءه في مقتل. أكمل عبد الرحمن كلماته وهو ينهض بوقار عن جزع الشجرة، ماسحاً عن ملابسه بهدوء، ثم ثبت نظره مباشرة في عيني جمال، متجاهلاً تماماً صدمة سما وذهول ياسمين، وقال بنبرة واثقة: ـ "زي ما سمعت يا أستاذ جمال.. الموضوع مهم، ويخصني ويخص ياسمين. مش محتاج أقولك إن وقت العمل للعمل، ووقت المشاعر والارتباط ده موضوع تاني خالص، وأنا بفضل أكون واضح من البداية." كان جمال يضغط على يديه بقوة حتى ابيضت مفاصله، يهم أن ينفجر بهما، لكن يلجمه حضور عبد الرحمن القوي وكلماته المباشرة سما، التي لم تستوعب الصدمة بعد، سألت بحماقة: ـ "تتقدم لها؟! قصدك إنك.. إنك معجب بها يعني؟!" لم يلتفت لها عبد الرحمن، بل ظل ينظر لياسمين التي كانت تحاول استعادة أنفاسها، ثم التفت لجمال وقال بابتسامة باردة: ـ "مش مجرد إعجاب يا آنسة سما.. أنا جيت هنا النهاردة عشان أطمن على ياسمين، ولما لقيتها، قو لت إن ده الوقت المناسب عشان أعلن عن نيتي بشكل رسمي..... انا عايز اتجوز ياسمين ....يتبع بباقي الاجزاء تفتكروا جمال هيسكت ولا سما......؟ الجزء الخامس في غرفتها، كانت ياسمين تقف أمام المرآة، لكنها لم تكن ترى انعكاس صورتها المعتادة، بل كانت ترى امرأة جديدة ولدت من رحم تلك اللحظة الفارقة في الشركة. كانت نبضات قلبها تعزف لحناً من الفرح والترقب؛ فهذه هي المرة الأولى التي تنتظر فيها "عريساً" جاء باختياره الكامل، وبإرادةٍ حطمت كل القيود. لم تكن "جلسة تعارف" باردة كالتي اعتادت عليها في زواج الصالونات، حيث تضطر لتمثيل دور الفتاة الخجولة وهي تحمل همَّ إعجاب الطرف الآخر بها، أو قلقها من رفضه والبحث عن مبررات لا تُغضب "الخُطّابة" أو الأهل. اليوم، العريس هو عبد الرحمن، الرجل الذي انصرف من ساحة الشركة بطريقةٍ تفوق الخيال، محولاً محاولة "جمال" لتشويه سمعتها إلى أكبر انتصارٍ في حياتها. تذكرت بابتسامةٍ حالمة ما حدث بعد ذلك اليوم؛ حين حاولت في اليوم التالي أن تعاتبه بلومٍ رقيق، ظناً منها أنه قال ذلك فقط ليُخرس لسان جمال وينقذ موقفها، لكنها صُدمت برد فعله. يومها، لم يبتسم أو يجامل، بل انفعل عليها بصدقٍ زلزل كيانها، مؤكداً لها أن كلماته لم تكن "تمثيلية" أو مجرد شهامة عابرة، بل كانت إعلاناً عما يجيش في صدره منذ مدة. "ياسمين، أنا مش بطل سينما عشان أمثل دور المنقذ.. أنا قولت اللي قولتُه لأني فعلاً عايزك، وعايزك بكل جوارحي!" هكذا قالها، ولم يكتفِ بالقول؛ ففي نفس اليوم، اتصل بوالدها "رشدي" بصوتٍ يملؤه الوقار والثبات، ليحدد موعداً رسمياً للمجيء مع أهله، وكأنه يسابق الزمن ليثبت لها وللعالم أن حبه لها "فعلٌ" قبل أن يكون "قولاً". وضعت ياسمين اللمسات الأخيرة في زينتها، وهي تشعر بخفةٍ غير معهودة. كانت تتخيل وجه "جمال" الآن وهو يغلي من القهر، ووجه "سما" التي لم تستوعب بعد كيف تحولت أختها "المنطوية" إلى زوجةٍ لرجلٍ تمنته هي لنفسها. قطع تفكيرها صوت جرس الباب الذي دوى في أرجاء الشقة.. تجمدت يدها للحظة، ثم ارتسمت على ثغرها أجمل ابتسامة؛ فقد وصل الرجل الذي حوّل أحلامها إلى حقيقة، وجاء ليأخذها من شتات نفسها إلى رحاب أمانه ولكن خاب املها وتحولت لهفتها إلى طعنة في صدرها؛ بعدما وقفت خلف باب غرفتها، مواربةً إياه بفتحة صغيرة تكفي لمرور نظراتها المشتاقة، تتلهف لرؤية طلعة عبد الرحمن وهو يدخل بيتهم كفارسٍ جاء ليخلصها. لكن الصدمة جمدت الدماء في عروقها حين رأت "الوجه القبيح" لجمال وهو يخطو داخل الصالة بخيلاء مستفز، وكأنه صاحب البيت، يستقبله والدها "رشدي" بترحيب حار وحفاوة مبالغ فيها.. ف تراجعت للخلف وهي تضرب الأرض بقدميها من فرط الغيظ والقهر، شعرت أن جمال كالظل الأسود الذي يصر على تلويث كل لحظة جميلة في حياتها. وفي تلك اللحظة، اندفعت والدتها "اعتدال" إلى الغرفة، والضيق يرتسم على وجهها هي الأخرى، لتسألها بنبرة حادة ممزوجة بالتعجب: ـ "جرى إيه يا ياسمين؟ بتخبطي رجلك في الأرض كدة ليه؟ ردت ياسمين بجدة مدفوعة بغضبها: ـ إيه اللي جاب البني آدم ده هنا النهاردة؟ هو خلاص اتكتب من عيلتنا، كل حاجة حاجة حاشر نفسه فيها؟" ـ وفيها ايه يا بنتي مش خطيب اختك . قالتها اعتدال بسهولة ضاعفت على ياسمين التي عارضتها بصوت مخنوق: ـ وافرضي خطيب الزفتة اختي. برضو يجي ليه ؟ انا متأكدة أن غراب البين ده مش هيسكت غير لما يبوظ الليلة. ـ ليه بس يا بنتي الفال الوحش ده تمتمت بها اعتدال بيأس، ثم حاولت تهدئتها رغم أنها كانت تشاركها نفس الشعور: ـ "أبوكي اللي صمم يا ياسمين ، قال ده خطيب أختها وكبيرها ولازم يحضر، وأنا مقدرتش أفتح بوقي قدام سما وفرحتها بوجوده. اهدئي بقى وامسحي دموعك، مش عايزين عبد الرحمن وأهله يشوفوكي كدة." في الخارج، كان صوت ضحكات جمال السمجة يصل إلى مسمع ياسمين، وهو يتبادل أطراف الحديث مع رشدي، وكأنه يستعد لجولة جديدة من الخبث. وفي تلك الأثناء، دوي جرس الباب مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت الرنة مختلفة، رنة تحمل وقاراً وهيبة؛ لقد وصل عبد الرحمن وعائلته. ............................. اقتحمت سما الغرفة بلهفةٍ طائشة، لم تلمح دموع الغيظ في عيني ياسمين ولا نظرات الأم القلقة، بل كان كل همها "المنظر العام" الذي أبهرها، فصاحت وهي تلوح بيديها: ـ "يا ياسمين.. يا ماما! قوموا بسرعة، عبد الرحمن وأهله وصلوا.. يا خبر على الشياكة! ناس لابسين بدل وفساتين حاجة آخر حلاوة، والبرستيج إيه.. ملوكي!" التفتت اعتدال لابنتها ياسمين بلهفة الأم التي تريد لليلة أن تمر بسلام، وقالت وهي تدفعها برفق نحو المرآة: ـ "سمعتي يا ياسمين؟ قومي يا بنتي بسرعة، رجعي الروح لوشك وظبطي نفسك.. وأنتِ يا سما، ياللا يا حبيبتي روحي حضري صينية العصير والحلويات اللي جهزناها، مفيش وقت." لكن سما، وبمنتهى عدم المسؤولية، ردت وهي تتجه نحو خزانة ملابسها ببرود: ـ "أحضر إيه يا ماما؟ أنا لسه هغير هدومي وألبس حاجة تليق بالناس الشيك اللي بره دي.. مش هطلع كدة أكيد!" خرجت سما من الغرفة تاركةً خلفها نظرات استغراب حارقة من أمها وياسمين؛ ففي الوقت الذي كان يجب أن تسند فيه أختها، لم تفكر إلا في مظهرها الشخصي. تنهدت اعتدال بيأس وخرجت هي الأخرى لتدارك الموقف وتجهيز الضيافة، تاركةً ياسمين وحيدة أمام مرآتها. في تلك اللحظة، شعرت ياسمين ببرودة تسري في أطرافها، ورجلاها بدأت تضربان بعضهما بعضاً من فرط التوتر والقلق. تلاشت صورة جمال القبيحة من خيالها ليحل محلها رهبة الموقف؛ فهي الآن أمام عائلة الرجل الذي أحبته، عائلة "عبد الرحمن" الذي رسمت له في خيالها صورة المثالية. أمسكت ياسمين بفرشاة الزينة بيدٍ مرتجفة، وأخذت تنظر لانعكاسها وهي تهمس بدعاءٍ نابع من أعماق قلبها: "يا رب.. يا رب اجعل لي في قلوبهم قبولاً، ولا تكسر خاطري قدام الناس دي، ولا تشمت فيّ جمال ولا غيره." استجمعت شتات نفسها، وحاولت أن تستمد القوة من وجود عبد الرحمن خلف هذا الباب، فهو الحصن الذي اختارها أمام الجميع، ولن يخذلها اليوم وسط أهله بأذن الله ............................ خرجت ياسمين من المطبخ بخطواتٍ متعثرة، تحمل صينية العصير بيدين ترتجفان كغصنٍ في مهب الريح. كانت عيناها معلقتين بالكؤوس، تخشى أن تخونها قدماها أو تخذلها أعصابها فتسقط الصينية وتتحول ليلة عمرها إلى مأساة. لكن، وبمجرد أن رفعت بصرها نحو الصالون، تجمدت في مكانها؛ فقد خُطفت الأضواء منها قبل أن تبدأ. رأت أختها سما تتمايل ببراعة أمام عائلة عبد الرحمن، بعد أن استبدلت ملابسها بفستانٍ باهر يفوق فستان ياسمين رقةً وتفصيلاً، ووضعت من مساحيق التجميل ما جعلها تبدو وكأنها هي "نجمة الليلة". كانت الصدمة الأكبر في رد فعل والدة عبد الرحمن، التي نهضت بلهفة وانبهار، والابتسامة تملأ وجهها وهي تظن أن هذه الجميلة المندفعة هي العروس، بينما استسلمت سما للدور ببراعة شيطانية، فأطرقت رأسها بتصنعٍ للكسوف دون أن تنطق بكلمة تصحح بها سوء الفهم، تاركةً السيدة تسبغ عليها عبارات المديح والإعجاب. شعرت ياسمين بغصةٍ مريرة شقت حلقها، وببرودة الموت تسري في عروقها. كانت في تلك اللحظة تتمنى لو تبتلعها الأرض أو تعود أدراجها وتختبئ في غرفتها للأبد، لولا ذلك الصوت القوي، الرزين، والحاسم الذي شق ضجيج المجاملات. نطق عبد الرحمن بلهجةٍ واضحة، فيها من الفخر ما جعل الجميع ينتبه، ومن الحزم ما وضع كل شخص في حجمه الحقيقي: ـ دي أختها المخطوبة يا ماما.. أما أنا عروستي القمر اللي جاية هناك أهي. أشار بيده نحو ياسمين الواقفة بذهول، واتجهت الأنظار كلها إليها. كانت كلماته بمثابة "صفعة" رقيقة أعادت لسما صوابها، و"طوق نجاة" انتشل ياسمين من بحر انكسارها. نظر إليها عبد الرحمن بعينين تلمعان بالإعجاب والتشجيع، وكأنه يثبت لها أمام أهله وأمام "جمال" المتربص، أنها هي الوحيدة التي تملأ عينه وقلبه، مهما حاولت الأخريات سرقة الضوء. في تلك اللحظة، شعرت ياسمين أن الصينية لم تعد ثقيلة، وأن قدميها ثبتتا على الأرض؛ فقد أنصفها الرجل الذي اختارته، ووضع حداً لتجاوزات أختها بكلمة واحدة جعلت دماء الخجل والانتصار تتدفق في وجنتيها من جديد ................................... كانت الجلسة تموج بتناقضات غريبة؛ فمن جهة، انطلق "رشدي" في ترحيبٍ مبالغ فيه، يتحدث عن نفسه وأمجاده الوهمية بزهوٍ مفرط، فاتحاً مواضيع جانبية لا طائل منها مع والد عبد الرحمن، ذلك الرجل الوقور الذي كان يشغل منصب مدير مصلحة سابق، والذي لم يجد هو وزوجته "ست البيت" الأصيلة بداً من الرد بابتساماتٍ مهذبة وقصيرة، رغبةً منهما في تجاوز هذه الشكليات والدخول في صلب الموضوع. أما الصراع الصامت، فكان يدور في زوايا الغرفة: عبد الرحمن كان في عالم آخر، عيناه لا تفارقان ياسمين، يحيطها بنظراتٍ مطمئنة كأنه يعتذر لها عما تسببت فيه أختها. وفي المقابل، كانت ياسمين تكاد تذوب خجلاً وقلقاً؛ فنظرات والدة عبد الرحمن إليها لم تعد تحمل ذات اللهفة التي استقبلت بها سما في البداية، ربما بسبب الحرج الذي شعرت به السيدة من ذلك الموقف السخيف، أو لأن سما -بفعلتها- وضعت غشاوة مؤقتة على اللقاء. وعلى الجانب الآخر، كانت سما تجلس كالجمر المشتعل، تأكل في نفسها من تجاهل عبد الرحمن التام لها بعد إحراجه العلني لشخصها. أما جمال، "السمج" كما تصفه ياسمين دائماً، فلم يكن مع خطيبته قلباً ولا قالباً؛ كان كل تركيزه منصباً على عبد الرحمن، يراقبه بعينين تملؤهما الغيرة والغل، محاولاً فهم سر تلك الثقة التي يتمتع بها هذا الرجل الذي جاء ليخطف الأضواء والأنظار في بيتٍ كان جمال يظن أنه السيد المطاع فيه تنحنح والد عبد الرحمن ليقطع استرسال رشدي في الكلام، وقال بوقار وثبات: ـ "يا حاج رشدي، إحنا يشرفنا ويسعدنا نطلب إيد الآنسة ياسمين لابننا عبد الرحمن، وأظن الشباب متفاهمين، وإحنا جينا النهاردة عشان نبارك التفاهم ده ونبقى أهل." هنا، التفت جمال فجأة، وبنبرةٍ حاول أن يجعلها تبدو كـ "ناصح عائلي" لكنها كانت تقطر سماً، قال: ـ "أكيد طبعاً يا فندم، بس يا ريت برضه نعرف نظام شغل الأستاذ عبد الرحمن إيه؟ أصلنا سمعنا إن نظام المكاتب عندكم فيه "انفتاح" شوية؛ ستات داخلة وستات خارجة.. هو شغل الهاند ميد ده تخصص ستات بس؟ مفيش رجالة؟ معلش يعني أنا بسأل بصفتي خطيب سما، ويعني ياسمين دي زي أختي.. ولا إيه يا عم رشدي؟" ساد صمت مفاجئ وثقيل، وتعلقت الأنظار بعبد الرحمن الذي لم تهتز منه شعرة، بينما شعرت ياسمين أن الأرض تميد بها من وقاحة جمال الذي قرر ضرب الليلة في مقتلها. صمت رشدي ولم يعرف بما يرد، أما اعتدال فقد اشتعلت عيناها وهي تراقب الغضب والدهشة التي احتلت ملامح الضيوف، عكس ابنهم "عبد الرحمن" الذي تبسم بثقة، وقرر قصف جبهة المذكور بقوله: ـ "بغض النظر عن تعميمك اللي مش مظبوط، لأن الشركة عندنا فيها رجالة طبعاً، بس أكيد مش قد عدد الستات لأن معظم تخصصات الهاند ميد في إيدهم.. لكن برضه أنا هجيب لك من الآخر: أنا لو شركتي فيها مية ست وأنا الراجل الوحيد وسطهم، ده شيء ميفرقش معايا لأني عارف أخلاقي كويس، وأظن إن ياسمين كمان عارفاها.. ولا إيه يا ياسمين؟" التقطت ياسمين السؤال لتخرج إجابتها مشحونة بالتحدي والقوة والغيظ، وهي تنظر لجمال باحتقار قبل أن تستقر نظرتها على عبد الرحمن بفخر: ـ "مش محتاج تسألني يا عبد الرحمن.. أنا في حياتي ما شوفت، ولا أظن هشوف، حد في أخلاقك العالية دي!" أثلج رد ياسمين الحاسم قلب عبد الرحمن، الذي استند بظهره إلى الكرسي وهو ينظر لجمال بثقة مضاعفة، نظرة كانت بمثابة رصاصة رحمة لغروره الجريح. حتى والدة عبد الرحمن، التي كانت متحفظة قليلاً، بدأت ملامحها تلين وابتسمت لياسمين بإعجاب؛ فهذه الفتاة ليست رقيقة فحسب، بل هي "لبؤة" تدافع عن اختيارها بشراسة. أما جمال، فقد صار حرفياً "يخرج الدخان من أذنيه" من فرط الحريق الذي نشب في جوفه؛ فكلما حاول حفر حفرة لياسمين، ردمها عبد الرحمن وحولها إلى منصة تكريم لها. ضحك رشدي بارتباك وهو يحاول تلطيف الأجواء المشحونة: ـ ـ "أكيد يا جماعة.. الجواب باين من عنوانه، والله بنتنا بتحلف بأخلاقك يا بني، وإحنا بصراحة ما نلاقيش أحسن منك." فتح جمال فمه، وعروق رقبته بارزة، ليلقي بسؤال مستفز آخر يفرغ فيه غله: ـ ـ"أيوه بس يا عمي.. أنا كان قصدي يعني إن..." "اعتدال" لم تمنحه فرصة لنفث سمه مجدداً؛ فقاطعته بحزم وكأنها لا تراه أصلاً، موجهة حديثها لوالد عبد الرحمن: ـ "أنا بقول ندخل في تفاصيل الخطوبة على طول.. الواد والبت شاربين بعض، وإحنا العيلتين موافقين ومباركين، يبقى هنستنى إيه تاني؟ ما تسمعونا صلاة النبي يا جماعة!" ارتفع صوت الجميع بالصلاة على النبي، وضاعت جملة جمال المبتورة في زحمة التأمين على كلام اعتدال. شعر جمال بمهانة لم يذقها من قبل؛ فقد أصبح "خيال مآتة" في الجلسة، بينما كانت سما تجلس بجانبه شاردة، تراقب هذا الاحتفاء بـ "ياسمين" التي كانت بالأمس القريب "المركونة" في البيت، واليوم هي ملكة الحفل. كانت تلك الليلة بالنسبة لياسمين أشبه بحلمٍ وردي لم تستيقظ منه بعد، ليلةٌ فاقت بجمالها وتفاصيلها أبعد حدود خيالها. مرت الساعات بسلامٍ عجيب، وكأن القدر قرر أن يعوضها عن كل لحظة انكسار؛ فإعجاب أهل عبد الرحمن بها لم يعد مجرد "مجاملة"، بل صار حقيقةً ملموسة بعد موقفها القوي في الدفاع عن اختيارها، ذلك الرد الذي ألجم جمال وجعل والدة عبد الرحمن ترى فيها الزوجة الأصيلة والمناسبة لابنها. حتى طلبات والدها "رشدي"، التي كانت تخشى أن تكون تعجيزية، قُبلت بترحاب وكرم شديد من جانب عائلة عبد الرحمن، مما جعل الأمور تسير بيسرٍ لم تحسب له حساباً. والآن، وهي ممددة على فراشها، والهدوء يلف غرفتها، تحتضن هاتفها بابتسامةٍ لا تفارق ثغرها، تستمع إلى صوت عبد الرحمن الدافئ وهو يهمس لها بأعذب كلمات الحب والتقدير قبل أن تنام. قال لها بنبرةٍ تملؤها الثقة والمودة ـ "عارفة يا ياسمين.. النهاردة أنا كنت فخور بيكي أكتر من أي وقت فات. وقفتك وردك خلوني ناقش ريشي كدة فى القعدة ولا سلطان زماني. ما اعذب كلماته كان صوته يأتي اليها عبر الهاتف بمثابة الترياق الذي يرمم روحها، وهو يهمس لها بكلمات تقوي ثقتها بنفسها: ـ "ياسمين، ماما وبابا من ساعة ما رجعنا البيت وهما مابطلوش كلام عنك.. عن أخلاقك وشجاعتك وجمالك الهادي، لدرجة إني بدأت أغير من كلام بابا عليكي يا ياسمين!" ردت بنبرة ممزوجة بالخجل والقلق، تحاول التأكد من حقيقة ما تسمعه: ـ "بجد يا عبد الرحمن؟ هما فعلاً عجبتهم ولا أنت بتقول كدة بس عشان تراضيني وتجبر بخاطري؟" أجابها بيقينٍ يملؤه الحب: ـ "بجد يا قلب عبد الرحمن.. ده كفاية إني اخترتك، ودي عندهم حاجة كبيرة قوي، أصل أنا كنت مطلع عينهم! كل ما يعرضوا عليا واحدة أطلع فيها عيب وأرفض، مفيش واحدة فيهم ملت عيني ولا لمست قلبي غير 'ياسمينتي'." ضحكت ياسمين بامتنان، وشعرت بلهفة تغمرها لدلاله الذي لم تعهده من قبل: ـ "كلمة 'ياسمينتي' دي منك لوحدها حكاية، وباقي كلامك بيخليني طايرة في السما.. أنت إزاي جميل كدة؟" ـ "أنتِ اللي جميلة وقمر يا ياسمين، أنا مابجيبش حاجة من عندي، أنا بوصف اللي شايفه قدامي." رغم فرحتها الشديدة، إلا أن غصةً في حلقها جعلتها تسترجع موقف "سما" المستفز وفستانها الباهر، فسألته بحذر عن انطباع والدته، فهي تظن أن الكفة مالت نحو "سما" بجمالها المبهر، لكن عبد الرحمن لم يغلب، بل أعطاها رداً أعاد لها قيمتها الحقيقية بعيداً عن المظاهر الفارغة كأختها: ـ "يا ياسمين، الجمال اللي بيلفت العين في ثانية ده جمال وقتي، وماما ست واعية وتعرف تفرق. أنتِ بهرتيهم بكلمتك، وبأصلك، وبثباتك قدام جمال، وده أغلى بكتير من أي منظرة فاضية. أنتِ اللي مريحة للعين والقلب، أما اللي بيحبوا الاستعراض دول فآخرهم صورة 'ستوري' وتخلص، لكن أنتِ اللي هتبني معايا بيت وعمر." وهي بتدور على اللي تشيل اسم ابنها وتصون بيته. ماما انبهرت بيكي لأنك كنتِ 'حقيقية'، سكت لحظة وتابع بصوت أعمق وأكثر جدية: ـ "سما أختك حلوة، محدش أنكر، لكنها جمال 'للعرض' فقط.. أما أنتِ يا ياسمين، فجمالك 'للحياة'. الفرق بينكم زي الفرق بين وردة بلاستيك شكلها مبهر بس مالهاش ريحة، وبين وردة بلدي ريحتها بتملا المكان وتعيش العمر كله. ماما شافت فيكي الزوجة، وشافت فيكي السند.. وبقولها لك بجد، هي لو خيروها بين ألف واحدة شبه سما، مش هتختار غير 'ياسمينتي' اللي رفعت راسي النهاردة." انهمرت دموع الفرح من عيني ياسمين، لكن هذه المرة كانت دموعاً تطهر روحها من سنوات المقارنة الظالمة، وردت بصوت يرتجف: ـ "أنا أول مرة أحس إني غالية كدة يا عبد الرحمن.. شكراً إنك شوفتني بجد." رد عليها بحنان يذيب كل همومها: ـ "أنتِ مش غالية بس، أنتِ أغلى ما أملك. ياللا بقى نامي عشان تحلمي بمستقبلنا، وأنا هفضل صاحي أفكر في اليوم اللي هتكوني فيه في بيتي وباسمي .......................... في الغرفة المجاورة، كان المشهد مختلفاً تماماً؛ حيث القلق والغل ينهشان الصدور. كانت سما لا تتوقف عن "الثرثرة" والحديث في تفاهاتٍ لا تنتهي، بينما كان هو يسمع منها عبر الهاتف بصمت ، ساهماً، وكأنه يغزل خيوط مؤامرةٍ جديدة. يقطع ثرثرتها بسؤالٍ مباغت عن تفاصيل ما دار في الجلسة بعد انصراف عبد الرحمن وأهله، فكانت سما "تُخر" بكل كلمة قيلت في البيت، وهو يلتقط المعلومات ويخزنها في ذاكرته المريضة، مدبراً في خفائه ما لا تظهره ملامحه الجامدة. كان جمال يغلي حرفياً؛ فصورة "اعتدال" وهي تكسفه وتلجمه أمام الجميع لا تفارق خياله، وفرحة ياسمين التي كانت "تنير" وجهها كأنها لم تكن يوماً تلك الفتاة المنكسرة، كانت تطعن كبرياءه. قارن نفسه بعبد الرحمن وعائلته؛ أولئك الذين يفخر بحضورهم اي بيت بمستواهم التعليمي الراقي، عكس عائلته التجار و هو الذي لم يكمل تعليمه الجامعي وخرج مطروداً بسبب رسوبه المتكرر وفشله، بينما عبد الرحمن يقف شامخاً بعلمه ومكانته. أما سما، التي كانت تجلس بجانبه وتظن نفسها "الجميلة المبهرة"، فقد كان يراها على حقيقتها؛ رأى كيف كانت عيناها تلمعان ببريق الغيرة وهي تراقب ياسمين وعبد الرحمن، وكأنها تمنت لو كانت مكان أختها، غير مدركة أن خطيبها الذي يجلس بجوارها يغرق في بحرٍ من الحقد، ولا يرى فيها إلا أداةً لوصوله لما يريد. كان جمال يشعر بمهانةٍ لم يسبق لها مثيل، ولا شيء يبرد ناره إلا الرد؛ ردٌّ يشفي غليله ويطفئ جذوة حقده، أو على الأقل يعيد الأمور إلى نصابها الأول. فياسمين كانت "نصيبه" من البداية، ولولا خطأ غبي ارتكبه، لما ضاعت من بين يديه. عاهد نفسه ألا يصمت حتى تذهب هي إلى ذلك "المتزحلق" ـ كما يراه ـ، بينما ينال هو نصيبه من تلك الفتاة التافهة التي تفضحها أفعالها المكشوفة. أتظنه غبياً ولم ينتبه لتمثيلية "الكسوف" المفتعلة التي أؤدتها اليوم أمام والدي عبد الرحمن لتخطف الأضواء؟ لقد رآها، وفهمها، وسيدعها تدفع الثمن مع أختها. أما عن يوم الخطوبة الذي تقرر وحددوا موعده في حضوره، ذلك اليوم الذي من المفترض أن يلبس فيه "العروسان المزعومان" خواتم الارتباط أمام الجميع، فقد أقسم في س ريرة نفسه ألا يأتي، وألا يمر ذلك اليوم كما يخططان. تفتكروا هبنجح؟ خلااااص اللي باقي اهم جزء عايزينه؟ الجزء السادس كانت الغرفة تعجّ بضحكات "اعتدال" الممزوجة بزغاريد مكتومة من فرط الفرحة، بينما كانت ياسمين تجلس وسط "تلال" من علب الهدايا والأكياس الفاخرة التي عادت بها بعد يومٍ طويل قضته بصحبة عبد الرحمن لاختيار "الشبكة". لم تكن مجرد شبكة، بل كانت رحلة من الدلال والتقدير جعلت ياسمين تشعر أنها ملكة متوجة. أخذت الأم تفتح العلب بيديها المرتجفتين من السعادة، تارة تتغزل في خامة الفساتين وتارة ترفع الإكسسوارات لتعكس الضوء أمام عينيها، وهي تشهق بانبهار: ـ "يا اختي إيه الذوق العليوي ده! ده مخلّاش حاجة في نفسه إلا وجابها، ولا البرفان وريحته اللي ترد الروح.. كان رد ياسمين هو ضحك امتزج بخجلها لتردف اعتدال الله يهنيكي يا بنتي، عبد الرحمن ده مفيش منه اتنين." وفي الركن الآخر من الغرفة، كانت سما تجلس صامتة، لكن الصمت كان يداري خلفه عاصفة من الحقد والغل التي كادت تحرق قلبها. كانت تنظر للهدايا التي لم يأتِ "نصّها" حتى مما أحضره لها جمال؛ جمال الذي كان دائماً ما يتباهى أمامها بأبسط الأشياء ويستعرض قوته وماله وهو يمنّ عليها بقطع ملابس عادية، وهي "مثل الهبلة" كانت تصدقه وتظن أنها الفتاة الوحيدة التي يصرف عليها خطيبها بسخاء. قارنت بين الشبكة الراىعة التي اختارها عبد الرحمن لياسمين وبين " تلك " التي قدمها لها جمال، وشعرت لأول مرة بصغر حجمها وقصر نظرها. لم يكن الغل تجاه ياسمين فقط، بل بدأ يتحول لشرارة غضب تجاه جمال نفسه، الذي جعلها تبدو "قليلة" في مقارنةٍ لم تكن هي الرابحة فيها. قالت اعتدال وهي تلتفت لسما بعفوية كادت تقتلها: ـ "شوفتي يا سما؟ شوفتي الذوق والتقدير؟ عقبال ما جمال كدة يفاجئنا بحاجة تشرف في فرحك يا حبيبتي." ابتلعت سما ريقها بصعوبة، ورسمت ابتسامة باهتة على وجهها وهي تقول بنبرة مخنوقة: ـ "أيوة يا ماما.. مبروك عليكي يا ياسمين، حلوين فعلا.... وغاليين خرجت الكلمة من بين شفتيها كالجمر، ثم نهضت فجأة وغادرت الغرفة وهي تشعر بضيق في تنفسها، متوجهة إلى شرفتها لتتصل بجمال، وهي تنوي أن تفرغ في وجهه كل القهر الذي شعرت به في هذه اللحظة. ........................ داخل الغرفة، كانت ياسمين قد انتهت من قياس فستان الخطوبة الذي اختاره عبد الرحمن، لتقف أمام المرآة بذهول وهي تراه "منحوتاً" على جسدها وكأنه صُمم لها خصيصاً. انفجرت ضاحكة بعلو صوتها، وهي تدور حول نفسها بفرحة طفولية: ـ "يا نهار أبيض! ده طلع مظبوط بالمللي زي ما قال عبد الرحمن بالظبط.. وأنا اللي كنت خايفة يطلع ضيق لما صمم إني ماقيسش في المحل واعتمد على نظره!" غمزت بعيناها اعتدال وهي تضرب بكفيها إعجاباً من دقة اختياره، وقالت بمداعبة: ـ "عشان تعرفي إنه نمس ومش سهل! ده أنا اللي أمك ولحد دلوقتي معرفش مقاسك بالظبط وبغلط فيه، بس أقولك إيه.. هما الرجالة السهتانين اللي زيه كدة بيبقى نظرهم رصاص، وعارفين هما بيختاروا إيه كويس." تعالت ضحكات ياسمين أكثر وهي تسمع وصف والدتها له بـ "النميس"، ثم ارتمت على السرير بجسدها المنهك من الفرح، ووضعت يدها على قلبها محاولةً تهدئة أنفاسها المتقطعة. كانت دقات قلبها تقرع بعنف، ليس من المجهود، بل من فرط السعادة التي لم تعتد عليها؛ سعادة أن تجد رجلاً يهتم بأدق تفاصيلها، ويحفظ قياساتها، ويحرص على أن تظهر في أجمل صورة دون أن يرهقها حتى في "القياس". ساد صمت قصير في الغرفة، لم يقطعه إلا تنهيدة ياسمين العميقة وهي تنظر لسقف الغرفة بابتسامة حالمة، شعرت في تلك اللحظة أن كل وجع الماضي تلاشى، وأن عبد الرحمن لم يهدِها فستاناً وشبكة فقط، بل أهداها "أماناً" جعل قلبها يرقص من الفرح لأول مرة بصدق. وتحدثت بنبرة صوت خافتة، مشوبة بصدقٍ جارح: ـ "مكنش يخطر في بالي يا ماما بصراحة إني هلاقي حد زيه كدة.. ده أنا جه عليا وقت افتكرت إني مش هتجوز أصلاً، وكنت خلاص سلّمت بالأمر الواقع." وقعت الكلمات على مسمع اعتدال كوقع الصدمة؛ فتجمدت يداها وهي تطوي أحد الأثواب، وتأملت ابنتها بنظرةٍ غلب عليها الخزي والندم. لأول مرة، رأت اعتدال "ياسمين" الحقيقية، ليس الابنة "العاقلة" التي لا تطلب شيئاً، بل الفتاة التي كادت تفقد الأمل في نصيبها من السعادة بسبب إهمال من حولها. شعرت اعتدال بغصة مريرة؛ فبينما كانت تقضي أيامها ولياليها في تدليل "سما"، وحل مشاكلها التافهة مع خطيبها السمج، والركض وراء رغبات "الدلوعة" التي لا تنتهي، كانت ياسمين تذبل في صمت، وتغرق في بئر الإحباط واليأس دون أن يربت أحد على كتفها. اقتربت اعتدال من ياسمين بخطوات ثقيلة، وجلست بجانبها على طرف السرير، ثم سحبتها من يدها لتغمرها بعناق حمل بداخله كل الاسف المحبوس بقلبها، اسف تخجل من اي تتفوه به بلسانها وياسمين كانت متلقية اعتذارها بكل سماحة وشوق لبداية جديدة .............................. بينما كانت ياسمين ووالدتها غارقتين في حالة من الصفا والتصالح والدفء، كانت النيران مشتعلة في الجانب الآخر؛ حيث انفجرت مشاجرة حامية بين سما وخطيبها جمال عبر الهاتف. بدأ جمال بالهجوم والصراخ، لترد عليه سما وهي في حالة من الانهيار والذهول من بخله وجفائه: ـ "أنا يا جمال معنديش دم ولا إحساس؟! كل ده عشان بس بقولك عايزة ثمن فستان أحضر بيه خطوبة أختي؟" رد الأخير بعصبية وتجبر، وزاد في بجاحته بمجرد أن ذُكرت خطوبة ياسمين: ـ "يا بت أنتِ هبلة وهتعيشي الدور عليا؟ فستان إيه يا أم فستان اللي أجيبهولك عشان خطوبة أختك! ما تلبسي أي زفت من اللي جبتهم لك يوم خطوبتنا ولا في عيد ميلادك، هو أنا فاتحها تكية؟" صاحت سما بقهره: ـ "وإيه دخل ده بده؟ أنا بقولك عايزة فستان سهرة جديد، وشوية إكسسوارات مش هتكمل ألفين جنيه، ده غير حق الكوافير اللي هيظبطني.. دي أختي الوحيدة!" قاطعها جمال بسخرية لاذعة: ـ "والله؟ طب ما أصرف على أكلك في بيتكم كمان بالمرة! اسمعي يا بت أنتِ، أنا آخري معاكي فستان الفرح والمكياج ولا السنفرة اللي هتعمليها يوم فرحنا، ولحد كدة وعظمة على عظمة.. إنما أي مناسبة تانية تحضريها وأنتِ خطيبتي، يبقى مصاريفك على أبوكي يا غالية.. ولا هو مات؟ لو مات يبقى فيها كلام تاني!" صدمت سما من قسوة كلماته وردت بصرخة مخنوقة بالبكاء: ـ "بعد الشر على بابا.. مش عايزة منك حاجة يا جمال، مش عايزة منك حاجة أبداً!" أغلقت سما الهاتف وهي تنهار في بكاء مرير، شعرت لأول مرة بالفرق الشاسع بين رجل يشتري بالحب "الذهب والماس" كما فعل عبد الرحمن، ورجل يمنّ عليها حتى بثمن فستان ويستكثر عليها الفرحة بأختها .......................... اما جمال، فقد كان يصبّ جام غضبه على مقود السيارة التي يقودها، يضربها بيده بقوةٍ وحنق شديدين بعد أن أنهى المكالمة مع "تلك الغبية" التي ارتبط بها. كان يلعن اللحظة التي "عُمي" فيها بصره وفضلها على أختها؛ حين انبهر بجمالها ودلعها المصطنع الذي لم تخجل من إظهاره أمامه منذ اليوم الأول لدخوله بيتهم، ليندفع كالأهبل ويختارها، ويجد نفسه الآن مبتلىً بتفاهتها التي لا تُطاق. زفر بضيقٍ وهو يتذكر محاوراته معها؛ فما من مرةٍ حاول الحديث معها في موضوعٍ جاد إلا ووجدها غارقة في تفاصيل هبلاء تخرجه عن شعوره. حتى حين كان يحاول التريث والهدوء، لم تكن تصغي إلا لما يوافق هواها من أخبار الموضة، أو طلبات الهدايا، أو تفاصيل "الاستوري" التي ستنشرها. ورغم أنه في حياته لم يتمنَّ امرأةً لعقلها أو رجاحة فكرها، إلا أن "هطل" سما وفراغ رأسها جعله يدرك ـ رغماً عنه ـ قيمة تلك النعمة التي تفتقدها خطيبته وتتمتع بها ياسمين. كان يرى الآن بوضوح أن ياسمين التي زهد فيها، هي "الأصل" والثبات، بينما سما ليست سوى قشرةٍ لامعة تخفي خلفها خواءً مستفزاً. تمتم بغل وهو يزيد من سرعة سيارته: ـ "ما هو برضه انا اللي كنت حمار لما رفضت ياسمين اللي عقلها يوزن بلد من اول مرة اشوفها وأقعد معاها نتعارف، عشان اختار عليها واحدة مابتعرفش تنطق كلمتين على بعض غير هات وجيب؟ تعالي نتصور، رد على الاستوري عشان اوريه للبنات واقول دا خطيبي واغيظهم بيك. كانت المقارنة تأكله من الداخل؛ فنجاح ياسمين في لفت أنظار عائلة محترمة كعائلة عبد الرحمن، وثباتها أمام استهزائه، جعله يشعر بمدى خسرانه، وبدلاً من أن يلوم نفسه، صبّ كل هذا الاحتقار على سما، التي أصبحت في نظره مجرد عبءٍ مادي وعقلي لا يطيقه ........................... قاد حتى وصل إلى مقر الشركة التي يعمل بها عبد الرحمن، ركن سيارته بعيداً قليلاً وظل يتأمل واجهة المبنى بتفكيرٍ عميق، يقلب في رأسه تبعيات ما سيحدث خلف المقابلة التي سوف يجريها مع الاخر، ناويا على نجاح مسعاه باي طريقة حسم أمره وترجل من سيارته، متقدماً بخطوات واثقة ليدخل الشركة، حتى وصل إلى مكتب عبد الرحمن. ........................... تفاجأ عبد الرحمن به يقف فوق رأسه دون سابق إنذار، وعلى وجهه ابتسامة "لزجة" مريبة، وهو يقول بمودةٍ مصطنعة: ـ "سلام عليكم يا برنس.. ممكن اخد من وقتك لحظات؟" نظر إليه عبد الرحمن بدهشةٍ لا تخلو من ريبة، لكنه حافظ على وقاره المهني؛ وقف ليصافحه ثم أشار بيده نحو الكرسي المقابل لمكتبه قائلاً بهدوء حذر: ـ "وعليكم السلام.. اتفضل يا جمال، خير؟" جلس المذكور واضعاً قدماً فوق الأخرى بتبجح، وبادر بالحديث ليدخل في غرضه فوراً: ـ "لا مؤاخذة يا صاحبي، أنا جايلك النهاردة في شغل.. مصلحة يعني." رفع عبد الرحمن حاجبه باستنكار وهو يبتسم بسخرية خفيفة: ـ "شغل إيه! هو أنت ليك في 'الهاند ميد'؟ ولا ناوي تتعلم التطريز فجأة؟" تصنع جمال ابتسامة فاترة لا معنى لها، قبل أن ينكر بأسلوبه المراوغ: ـ "لا يا عم مش للدرجة دي طبعاً، بس الأمر يخص واحدة قريبتي، ست غلبانة والله وحالتها تصعب على الكافر." سأله عبد الرحمن بنبرة مهنية: ـ "ومين دي؟ وأقدر أساعدها إزاي بالظبط؟" تصنع جمال الأسى، ملامح وجهه ترسم حزناً مزيفاً وهو يخبره: ـ "دي واحدة قريبتي من ناحية أبويا، قابلتها امبارح والست صعبت عليا قوي وهي بتحكي عن ظروفها الصعبة من ساعة ما مات جوزها. هي بتعمل أي حاجة تساعد في المعيشة، بس حلمها إن شغل الإكسسوارات والحلي اللي بتعمله على الضيق ده يتسوق بطريقة كويسة في المعارض ويتشاف، عشان هو دلوقتي مش جايب همه ومصاريفه." ثم فرد كفه على صدره ليزيد من جرعة الدراما المعتادة: ـ "أنا عن نفسي عرضت عليها مبلغ شهري يساعدها، لكن هي رفضت تماماً.. ست حرة ومعتزة بنفسها، مقبلتش حد يمنّ عليها هي وعيالها." سأله عبد الرحمن بجدية واهتمام، فقد لمست القصة جانباً إنسانياً لديه، لكنه ظل محتفظاً بأسلوب عمله: ـ "طيب، هي شغلها كويس فعلاً ويستحق؟ ولا مجرد محاولات هواة؟ أصل بصراحة نظام الشركة عندنا صارم، ولازم يكون فيه إتقان وتميز عشان نقدر نعرضه باسمنا بتحفزٍ غريب وحماس مفاجئ، أخرج جمال هاتفه من جيب بنطاله وفتحه بسرعة البرق، ثم قربه من عيني عبد الرحمن وهو يقول بلهجة يملؤها الزهو المصطنع: ـ "إلا مميز! ده حلو ومميز وعظمة كمان، حتى بص وشوف بنفسك.. مَلّي عينك يا برنس." ناول جمال الهاتف لعبد الرحمن بعد أن فتح له "الاستوديو" على صورةٍ معينة، وتابع بنبرةٍ تبدو عفوية: ـ "أهو.. قَلّب بنفسك يا باشا وارجع لورا في الصور وشوف التشكيلة." تركزت عينا عبد الرحمن على الشاشة، يتمعن في أول صورة ظهرت أمامه؛ كانت لعقدٍ مشغول بإتقانٍ مذهل، فلم يستطع إخفاء انبهاره وقال بتقدير: ـ "ما شاء الله.. واضح إن كلامك صح، العقد جميل فعلاً وشغله عالي." علق جمال بعجالة ولهفة، وكأنه يدفعه دفعاً لمزيد من المشاهدة: ـ "قَلّب كمان.. شوف في كتير، وارجع في الصور براحتك، أنت مش غريب يا صاحبي." بدأ عبد الرحمن يعود بالصور كما طُلب منه، منبهراً بجودة العمل، بل وبدأ يعطي ملاحظات فنية بصفته خبيراً في هذا المجال.. وفي عز اندماجه وتركيزه، تجمدت أصابعه فجأة فوق الشاشة، واتسعت عيناه بصدمةٍ جعلت الدماء تغلي في عروقه. نزع نظارة الإضاءة التي كان يرتديها للتدقيق في الشغل، وحدق في الصورة التي ظهرت أمامه وكأنها صاعقة، ثم رفع رأسه ونظر لجمال بعيونٍ يقدح منها الشرار، فسأله بنبرةٍ مخنوقة من الغضب والاستنكار: ـ إيه ده؟ إيه اللي جاب صورة ياسمين على تليفونك..؟! أظهر جمال "خضة" مصطنعة وهو يخطف الهاتف من يد عبد الرحمن، ثم نظر إلى الصورة وقال بنبرة تمثيلية يملؤها الأسف الزائف: ـ "يا نهار أبيض! ده أنا كنت ناسي خالص إن الصورة دي لسه موجودة." انتفض عبد الرحمن من مكانه وهدر فيه بغضبٍ زلزل أركان المكتب: ـ "ناسي إيه بالظبط؟ ناسي صورة خطيبتي على تليفونك! رد جمال ببرود واستخفاف مستفز، وهو يضع الهاتف في جيبه بهدوء: ـ "بس أنت لسه مابقتش خطيبها رسمي.. على العموم يا سيدي، اللي حابب أوضحه إني كنت ناسي الصورة فعلاً، أصلها موجودة على التليفون من فترة طويلة قوي، من قبل حتى ما أخطب سما أختها." توقفت أنفاس عبد الرحمن للحظة، وزادت نظراته اشتعالاً وهو يردد الكلمة بذهول وعدم استيعاب: ـ "من قبل ما تخطب سما؟! إزاي يعني؟ إيه بالكلام اللي بتقوله ده؟" هنا، ارتسمت على وجه جمال ضحكة مقيتة، ضحكة المنتصر الذي ألقى بقنبلته وينتظر الانفجار، ورد بنبرةٍ مسمومة: ـ "أيوة يا صاحبي.. قبل ما أخطب سما، أصل ياسمين هي اللي كانت خطيبتي أنا الأول، او اللي كنت هخطبها في البداية، لكن النصيب بقى على حاجات!. سقطت الكلمات على أذني عبد الرحمن كالصاعقة، فتراجع للخلف خطوة على وقع الصدمة وهو يشعر بنارٍ تندلع في صدره، احمرت عيناه حتى صارتا كجمرتين مشتعلتين، وصرخ بصوتٍ هادر حبس أنفاس الموظفين في الخارج: ـ "أنت بتقول إيه يا غبي؟! أنت واعي للي بتهلفط بيه؟ عارف عاقبة كلامك ده إيه؟" ظلت الابتسامة الخبيثة مرسومة على ثغر جمال، وبكل برود الدنيا وضع يديه في جيوبه وقال: ـ "ده على أساس إني بخرف يعني ولا بهلفط زي ما بتقول؟ أنا بقولك اللي حصل.. ياسمين من الأول كانت في حكم خطيبتي، يعني كان فيه كلام، وأخذ ورد، ومشاعر متبادلة.. ده كله قبل ما تظهر سما وتشقلب كياني، وأحوّد العطا عليها هي." لم يتمالك عبد الرحمن نفسه وانقض يمسكه من ياقتي قميصه وهو يصيح بوجهه: ـ أنت حيوان!" قاطعه جمال فوراً ينفض ذراعيه عنه مصطنعاً نبرة الأسف والندم، وهو يهز رأسه بتمثيلٍ متقن: ـ "عندك حق تقول كدة وأكتر كمان.. أنا فعلاً كنت حيوان لأني انهرت قدام جمال سما، وكسرت قلب ياسمين بعد ما كانت اتعلقت بيا وبنت أحلامها عليا.... لكن انا كنت اعمى البصر والبصيرة، أنا بس حبيت أعرفك عشان تبقى فاهم 'الخلفية' اللي أنت داخل عليها." أشار عبد الرحمن بيده نحو الباب، وكان جسده ينتفض من فرط الغضب والرغبة في الفتك بهذا المتبجح، وهو لا يصدق كلمة واحدة مما يتفوه بها: ـ اطلع بره يا حيوان! أنت فاكرني غبي عشان أصدق العته ده؟ اطلع بره قبل ما أعمل فيك حاجة تندمك عمرك كله!" تراجع جمال إلى الخلف ينصاع لامره، مدعياً البراءة المذبوحة، حتى خطا نحو الباب وهو يرمي بكلماته الأخيرة كأنها سمّ زعاف: ـ "الله يسامحك يا صاحبي.. كل ده عشان قلتلك الحقيقة وعايز مصلحتك؟ على العموم، مش مصدقني؟ تقدر تتأكد بنفسك من ياسمين أو من أهلها.. ولو أنكروا يبقى ليك حق عليا،....... ياللا بقى سلام يا عديلي.. هه هه!" خرج وهو يضحك ضحكته المقيتة، تاركاً عبد الرحمن خلفه يسقط على مكتبه وهو يغلي من الغضب، تدور في رأسه آلاف الأسئلة. هل من الممكن أن تكون ياسمين قد أخفت عنه شيئاً كهذا؟ وكيف يكون بعلم أهلها؟ ما هذا العبث؟ لقد منع نفسه بصعوبة من الفتك به، موقنا انه كذاب ولكن....... نبرته الواثقة هي ما تجعل الشك يتسرب لقلبه. ـ ...................... بينما كانت ياسمين تقوم بالبروفة النهائية لإطلالة حفل الخطوبة، تضع اللمسات الأخيرة على فستانها وتضبط الاكسسوارات المناسبو عليه أمام المرآة ، والابتسامة لا تفارق وجهها، قطع صفو اللحظة رنين هاتفها المزعج. نظرت إلى الشاشة لتجد اسم "جمال" زفرت بقرف تلقي الهاتف على الفراش خلفها. ولكن المحاولات منه لم تتوقف، حتى ضجت بازرداء تفتح الاتصال ـ نعم..... بترن ليه حضرتك؟ خطيبتك في الاوضة التانية لو عايزها رن على تليفونها هي جاء صوت جمال من الطرف الآخر، لزجاً ومحتقراً كعادته: ـ بس انا عايزك انتي يا ياسمين، عايز اباركلك يا عروسة، أصل افتكرت اني نسيت ما اباركلك امبارح، قولت اروحلك النهاردة الشركة، لقيتك مش موجودة تجمدت يد ياسمين على الهاتف الممسكة به، وقد تملكها شعور بعدم الارتياح: ـ دا على اساس انك مش عارفة طريق بيتنا مثلا..... روحت الشركة ليه ؟ وكأن صرختها الاخيرة انعشته أكثر ليرد بضحكة خبيثة ـ الله يا ياسمين ما بقولك روحت ابارك يا عروسة، على العموم مشواري مجاش فاشوش، وقابلت عبد الرحمن وقعدت معاه، ورغينا في كل حاجة، طلع ابن حلال بجد مازال يتلاعب بها والاحساس السيء يخنقها، يقبض على روحها، ذلك الخبيث يتحدث بنبرة شامته لا تفهمها، للمرة التانية بسألك، ايه خلاك تروح الشركة لعبد الرحمن ؟ ضحك طويلا ليرد في الاخير قبل ان ينهي المكالمة: ـ تاني برضو يا ياسمين، على العموم خليه هو يفهمك بقى سقط الهاتف من يد ياسمين فوق السرير، واهتزت صورتها الجميلة في المرآة. الشك الذي زرعه جمال بدأ يتسلل إلى أعصابها.. ...................... أنهى جمال المكالمة مع ياسمين وهو يشعر بانتصارٍ زائف، وهو ينطلق بسيارته، يصفر بلحنٍ مستفز، وقد عكر صفو الاثنان، اولها عبد الرحمن الذي لم يكن يهمه إن صدقه في تلك اللحظة نفسها أم لا، فكل ما أراده هو أن يزرع داخله "الشك"؛ ذلك الوحش الصغير الذي سيكبر مع كل نظرة، وكل كلمة، وكل صمت بين العروسين. وها هو يدخل الرعب بقلب ياسمين التي ردت على الاتصال بقرف قبل أن يوقع قلبها بكلماته المبهمة فتترجى منه الاستفسار ولكنه رد الإهانة بإنهاء المكالمة دون أن يريحها. ضاقت عينيه فجأة ليكمل متعته، فتناول هاتفه سريعا يتصل على خطيبته... سما والتي كانت غارقة في بكاءها بعدما كسر بخاطرها بمكالمته ورفضه شراء فستان جديد ، بالإضافة لغضبها من أبويها، فلم تعد محور اهتمامهما الاوحد كما كانت معتادة. كانت لا تريد الرد وقد نوت على تربيته بذكائها الحاد كما تظن، إلا انها خشت غضبه، فقررت معالمته بجفاء ولكن بمجرد أن فتحت الخط، لم يترك لها فرصة للحديث، بل بادرها بنبرة غريبة، هادئة على غير العادة: ـ "حبيبتي يا سما متزعليش مني. أنا فكرت في كلامك لما هديت وقررت اجيبلك الفستان اللي انتي عايزاه ،. إحنا لازم نجهز لخطوبة أختك أحسن تجهيز، وأنا بنفسي اللي هقف في وسط القاعة وأنا ماسك إيدك ونوريهم مين هما العرسان بجد." توقفت سما عن البكاء بذهول، ولم تصدق هذا التحول المفاجئ: ـ "بجد يا جمال؟ يعني هتجيب لي الفستان وتيجي الخطوبة؟" رد بخبث وهو يرسم في خياله القادم من أحداث: ـ "اجيب لك احلى فستان كمان.. أنا بس كنت مضغوط في الشغل. جهزي نفسك، اليوم ده هيكون يوم مشهود، يعني احنا لازم نيقى بنلمع من النضافة والحلاوة كانت سما تطير فرحاً، ظناً منها أن جمال "لان" قلبه، ولم تدرك أنها أصبحت مجرد "ديكور" في مسرحية الانتقام التي ألفها. .................................. كان عبد الرحمن في مكتبه أشبه بمن يسير في حقل ألغام؛ الضجيج في رأسه لا يهدأ، والشكوك تنهش في صدره كأنيابٍ حادة. أفكاره مشتتة بين الغضب والذهول، يضرب كفاً بكف وهو يتساءل: كيف يمكن لدراما بهذا القبح أن تحدث؟ "أختين ورجل واحد؟!".. الفكرة بحد ذاتها كانت تثير غثيانه. دارت التساؤلات في رأسه كالإعصار: لم يعد يدري أي طريق يسلك؛ أيتصل بياسمين ويواجهها؟ أم يقطع الشك باليقين ويذهب إلى بيتها ليسأل والدها ووالدتها مباشرة؟ كانت الفكرة تنهش في صدره: كيف يمكن لرجل أن يخطب فتاة ثم يذهب ليخطب أختها؟ لا بد أن في الأمر سراً خفياً! وتساءل بمرارة: "يا ترى الولد ده قال كدة ليه؟ هل من الممكن أن تكون ياسمين قد حبته في يوم أو شغل بالها؟ يا نهار أسود! دا خطيب أختها، ورجله هتفضل رايحة جاية على بيتهم في وجودي، او من غير وجودي!" كان الصراع يمزقه؛ هل يواجهها الآن ويحرق تلك الفرحة التي رآها في عينيها؟ أم يذهب لرشدي ويعرف حقيقة "الكلام والوعود" التي ادعاها جمال؟ ـ "الله يخرب بيته، دماغي هتنفجر!" غمغم بها وهو يدفن وجهه بين كفيه، وفي تلك اللحظة، اهتز الهاتف فوق المكتب بعنف، وظهر اسم "ياسمين" يلمع على الشاشة. تجمد مكانه.. الرنين في هذه اللحظة كان ثقيلاً، وكأنه نداء استغاثة أو مواجهة قدرية لم يكن مستعداً لها بعد. ولكنه حسم في الاخير ليفتح الخط ويرد عليها : ـ "ألو.. أيوة يا ياسمين، إزيك؟" خرج صوته خافتاً ومكتوماً، فشعرت ياسمين فوراً أن عبد الرحمن ليس بطبيعته؛ وهو الذي كانت ردوده دائماً تفيض بالحماس والبهجة، بدا الآن فاتراً. فخرج ردها إليه بارتباكٍ واضح: ـ "ألوو.. يا عبد الرحمن، أنا.. أنا كنت بتصل أطمن عليك، إيه أخبارك؟" ـ "كويس.. الحمد لله.. ااا..." قطع جملته فجأة، مما زاد من ريبتها وجعلها تسأله مباشرةً لتنهي حالة الشك: ـ "عبد الرحمن، أنت كويس؟ في حاجة شغلاك أو مضايقاك؟" وصلتها عبر سماعة الهاتف أنفاسه القوية والمضطربة، تلاها صمت دام لحظات قبل أن يحسم أمره ويقول بنبرة جادة: ـ "بقولك إيه يا ياسمين، أنا خلصت اللي في إيدي.. إيه رأيك نتقابل دلوقتي ونتغدى في أي مطعم قريب؟" طبعاً كانت موافقتها فورية، وهذا كان غرضها من الأساس؛ أن تلتقي به وجهاً لوجه لتعرف إن كان ذلك المسمى "جمال" قد زاره فعلاً في الشركة أم لا، وإن حدث.. فماذا قال له؟ وكيف استغل جمال غيابها عن العمل بسبب تحضيرات الخطوبة ليبث سمومه في أذنه ..................... في طريقها للخارج، وبينما كانت ياسمين تغادر غرفتها بقلبٍ مثقل، اصطدمت بأختها سما التي كانت تركض بلهفة وعجالة، فاعتذرت لها بكلمات مقتضبة: ـ "معلش يا ياسمين.. أصل مستعجلة قوي، لازم ألحق قبل جمال ما يرجع في كلامه!" وتابعت بضحكة رنانة وهي تهرع نحو غرفتها لتبدل ملابسها، بينما كانت ياسمين تطالع أثرها باستغراب لم يدم طويلاً، إذ قطع الصمت ذلك الصوت المزعج وهو ينادي من الصالة بجفاء: ـ "بسرعة يالا يا سما.. قبل المحلات ما تقفل." التقت عينا ياسمين بعيني جمال، فتابع هو بابتسامة خبيثة تحمل في طياتها مئات المعاني المسمومة: ـ "عايزين نجيب أحلى فستان عشان تحضري بيه الخطوبة المنتظرة.. ولا إيه يا ياسمين؟" لم ترد عليه بكلمة واحدة، بل فضلت الصمت وهي تراقبه، بينما كانت تسمع عبارات الثناء والمديح تنهال عليه من والدها، الذي راح يشيد بشهامته وكرمه مع سما. في تلك اللحظة، شعرت ياسمين برغبة عارمة في الصراخ بوجهه، ومطالبته بتفسير لكلامه الغريب الذي ألقاه على مسامعها في الهاتف منذ قليل، لكن وجود والدهما واندفاع سما قتلا أي فرصة للمواجهة. لم يكن أمامها سوى الانسحاب، والانتظار حتى تصل إلى عبد الرحمن؛ فهو الوحيد الذي سيضع حداً لهذا التخبط، وهو من سيخبرها بما جرى في مكتبه، لتفهم أبعاد اللعبة القذرة التي يحيكها جمال ضدها ......يتبع بالجزء الاخير ر أيكم في القصة المختلفة يا حلويات، وانتظروا بكرة ان شاء الله كشف الستار عن الرواية اللي هتحل محل لأجلها ان شاء الله بعد ما تخلص خواتيمها كونو بالقرب وعلو التفاعل عشان يوصل للجميع ♥️ الجزء السابع كان الصمت في هذه الجلسة يختلف عن صمت لقاءاتهم السابقة؛ فلم يكن صمت "خجل" أو "تأمل"، بل كان صمتاً ثقيلاً ينم عن عاصفةٍ توشك أن تنفجر. جلست ياسمين أمام عبد الرحمن تحاول أن ترتشف من كوب العصير برقة، لكن يدها كانت ترتجف قليلاً وتوجسها ينمو مع كل ثانية تمر. كانت تراقبه بدقة؛ رأت اضطراباً في حركة يديه، وتشتتاً في عينيه اللتين تهربان منها نحو أحد زوايا المطعم الجالسان به، ثم تعودان فجأة لتستقرا على وجهها بنظرة غريبة، نظرة يملؤها التردد والبحث عن حقيقة ضائعة. هذا التوتر الملحوظ أزعج ياسمين، فقررت أن تقطع حبل الكلام الروتيني والمجاملات الباهتة، وتواجهه بما يدور في خلدها. وضعت كوب العصير على الطاولة، وسألته بنبرة مباشرة أصابت قلب الهدف: ـ "جمال خطيب سما قابلني وأنا جاية.. وبلغني إنه راح لك الشركة النهاردة عشان يباركلك." تصلب جسد عبد الرحمن بمجرد نطق اسم "جمال"، وكأن تياراً كهربائياً ضرب أعصابه. وضع يده على جبهته يمسح عرقاً لم يكن موجوداً، وحاول أن يبتسم ابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيه وهو يرد: ـ "أيوة.. فعلاً جه، وكان يوم غريب قوي." لم تكتفِ ياسمين بهذا الرد المقتضب، بل أكملت وهي تحاول قراءة ما وراء ملامحه: ـ يوم غريب ازاي يعني؟ وضح اكتر يا عبد الرحمن. ساد صمت مطبق لثوانٍ، كان عبد الرحمن يصارع فيه نفسه؛ هل يواجهها بصورة الهاتف وكلام جمال المسموم؟ أم يحافظ على هدوئه في ليلةٍ كان من المفترض أن تكون الأجمل؟ لكن الشك كان قد بدأ ينخر في صدره، فنطق بكلمات خرجت منه محملة بمرارة مكتومة: ـ يعني..... هو كان قال حاجة كدة قدامي ، وانا كنت عايز اتأكد عنها منك حبست ياسمين أنفاسها، وشعرت ببرودة تسري في أطرافها؛ فهي تعلم جيداً "خبث" جمال، ومن هيئة عبد الرحمن أيقنت أن القادم ليس خيراً أبداً. قالت بنبرة حاولت جعلها متماسكة: ـ "اتفضل.. قول الحاجة اللي عايز تتأكد منها." ساعتها اتخذ عبد الرحمن قراره، ولم يرد المماطلة أكثر من ذلك؛ أراد مواجهتها بما سمع رغم عدم منطقيته، فقط لينهي ذلك الصراع الذي يمزق رأسه، فسألها مباشرة: ـ "هو أنتِ كان ليكي علاقة باللي اسمه جمال ده قبل ما يخطب أختك؟" شهقت ياسمين بخضة، ولاح على وجهها غضبٌ جعل عبد الرحمن يشعر بفظاظة تعبيره وكيف خانه التوفيق في السؤال، فاستدرك سريعاً: ـ أسف يا ياسمين.. بس أنا شفت صورتك على تليفون الحيوان ده، وهو اللي قالي.." قاطعته ياسمين بقهر، والدموع تنهمر من عينيها فجأة وكأنها كانت تنتظر الإشارة، واسترسلت بمرارة: ـ "قالك إيه؟ ده بني آدم حقود ومريض، ولا أعرفه ولا كان ليا بيه أي علاقة من أساسه! كل الحكاية إنه دخل بيتنا عن طريق صاحب بابا، هو اللي كان عايز يوفق راسين في الحلال.. حكوا لي عن مواصفاته، وشفت صورته، وهو كمان شاف صورتي، ووافقت إنه يدخل بيتنا على الأساس ده، ان ممكن يحصل قبول ما بينا." توقفت تلتقط أنفاسها المتهدجة ثم واصلت: ـ "دخل بيتنا في جلسة تعارف، ودي حاجة معروفة في 'جواز الصالونات'، يعني مش أنا اللي اخترعتها ولا أهلي.. والزيارة تمت على خير، لكن.." حثها عبد الرحمن بلهفة: ـ "لكن إيه يا ياسمين؟ كملي." ردت بصوت مخنوق وعيناها معلقتان بطرف الطاولة أمامها: ـ "تاني يوم لقيت أهلي فجأة وبدون مقدمات بيبلغوني إنه اختار أختي 'سما' بعد ما دخلت وسلمت عليه!" قال عبد الرحمن بذهول: ـ "كده؟ بكل بساطة؟" هزت رأسها بخزي، وأكملت بصوت يخرج بصعوبة: ـ "بابا وماما وسما.. التلاتة كانوا موافقين، وطلبوا مني أنا كمان أوافق وأعتبر إنه متقدمليش من أساسه، عشان محرجش أختي وأكسر فرحتها." في تلك اللحظة كان رد عبد الرحمن هو الصمت المطبق، صمتٌ طال حتى صار ثقيلاً كالرصاص، وعندما رفعت ياسمين رأسها لتنظر إليه، تمنت لو أنها لم تفعل؛ فقد رأت في عينيه نظرة جعلتها تتمنى لو انشقت الأرض وابتلعتها ولا أن تراها نظرة استهجان وربما قرف، كانت جارحة بصورة أوجعت ياسمين في أعماق روحها، لكنها واجهته بثبات رغم اهتزاز صوتها: ـ "أنا عارفة إنه أمر مقزز، بس أهلي ناس على قد حالهم، شافوا إنه فرصة كويسة وأختي زيهم.. يعني أنا مكانش في إيدي حاجة عشان أرفض ولا أوقف الموضوع." للمرة الثانية يقابلها بصمته، لكنه لم يصمد طويلاً حين زفر من صدره أنفاساً مشحونة بغضبه، ثم قال: ـ "طيب ومشاعرك يا ياسمين؟" ـ "مالها مشاعري؟" كانت شجاعة بقوتها أمامه، تجبره على إخراج كل ما يدور برأسه، فأكملت بحدة: ـ "قصدك إني حبيته؟ أو يمكن كنت بغير لما بشوفه مع أختي اللي خدت مكاني وبتحسر من جوايا؟ ولا تقصد إني لسه محتفظة له بحاجة جوايا؟" رد بنبرة دفاعية: ـ "أنا مش قصدي يا ياسمين.." ـ "لا، أنت قصدك كدة، وهو ده اللي بيدور في دماغك دلوقتي." ـ "أي واحد ممكن يفكر كدة!" ـ "فعلاً، أي واحد ممكن يفكر تفكيرك، خصوصاً وهو داخل وخارج على بيتنا، و.." توقفت ياسمين فجأة لما رأت أثر كلماتها وقد أصابت كبد الحقيقة التي بان ضيقها على وجهه، لتقرر في لحظة كبرياء جريح أن تنهي هذا الصراع قبل أن يبدأ: ـ "أجيب لك الناهية يا عبد الرحمن.. هو فعلاً عرف يزرع الشك في قلبك، وما دام الشك دخل ما بينا يبقى مفيش أمل، يعني مهما حاولت اشرح ولا اوصف عن كرهي او قهري من صفة الإنسان دا اللي اتكلمت عنه، برضه مش هتصدق، ومش بعيد تاخدها الناحية العكس يبقى بلاها احسن" سألها بذهول وتوجس: ـ "قصدك إيه يا ياسمين؟" حبست أنفاسها، وجاسرت نفسها لدقائق وهي تنظر ليده التي لم تمتد لتطمئنها، بل ظلت متشنجة من أثر "القرف" الذي شعر به، ففاجأته بقرارها الصاعق. وبيد ترتعش لكنها حاسمة، نزعت الدبلة من إصبعها ووضعتها على الطاولة أمامه بهدوء يسبق العاصفة ـ قصدي ان أوفر عليك وعليا الدخول في الدائرة الجهنمية دي للشك من بدايتها...... واعفيك من أي حرج. ........................ دخلت ياسمين المنزل بأكتافٍ منكسرة وروحٍ مجهدة، وكأنها تحمل ثقل الجبال فوق ظهرها. كان مظهرها كفيلاً بأن يخبر أي عابر سبيل في الشارع بأن هناك خطباً جسيماً قد وقع، فما بالك بالأم التي تقرأ تفاصيل ابنتها ككتاب مفتوح؟ تقدمت "اعتدال" نحوها بتوجس وقلق، تسألها عما أصابها، لكن ياسمين لم تنطق بحرف. سارت بخطوات آلية حتى وصلت إلى أول مقعد صادفها، وسقطت عليه بجمودٍ مخيف، وكأنها لم تعد تشعر بما حولها. كانت عيناها شاردتين في فراغ الردهة، وجسدها متخشباً تماماً رغم محاولات والدتها لتحريكها بهز كتفيها بعنف وهي تصرخ بجزع: ـ "يا بت مالك؟ ردي عليا يا ياسمين! انطقي يا بنتي، لو حد مات أو حصلت مصيبة المهم تردي، متموتنيش من الخوف عليكي كدة!" لم تستجب ياسمين لدموع والدتها ولا لنحيبها؛ فصدمتها في "عبد الرحمن" كانت أشد قسوة من كل ما مرت به. لم تكن تشعر ببرودة جسدها، بل بمرارة الكلمات التي قيلت، وبخيبة الأمل في الشخص الوحيد الذي ظنت أنه سيكون هو "العوض" لها عما عانته طوال سنوات عمرها من تفرقة واضحة بينها وبين شقيقتها من قِبل والديها، وما زالت تعانيه مع دخول ذلك الخبيث وألاعيبه المستمرة في تخريب حياتها. ظلت اعتدال تواصل نداءها وهزها بجزع، وقلبها يكاد يتوقف من الرعب، بينما ياسمين غائبة في عالم آخر، تتذكر بمرارة كيف وضعت "الدبلة" على الطاولة، وكيف تركته وغادرت دون أن تنظر خلفها، تاركة وراءها كل أحلامها التي تهشمت عند أول اختبار حقيقي للثقة. بدرت التفاتة مفاجئة من ياسمين نحو باب البيت، تزامناً مع صوت سما الذي دوى بمرحٍ مستفز وهي تدعو خطيبها للدخول: ـ "تعالي شوفي يا ماما الفستان اللي جابهولي جمال، عشان تعرفي خطيبي وحلاوته وكرمه.. يا ماما! يا ياسمين! إيه ده، أنتوا قاعدين هنا؟" هرولت سما لتقف أمام والدتها وشقيقتها، وبدأت تفتح كيس الفستان بلهفة وتفرده أمامهم، غير مبالية ـ أو ربما متجاهلة ـ لمنظرهم الغريب وحالة الوجوم التي تخيم على المكان. صاحت سما بزهو وهي تتأمل القماش اللامع: ـ "شايفة يا ياسمين؟ الفستان يجنن! هو أينعم شبه فستانك حبتين، بس أنتِ العروسة طبعا ودي حاجة معروفة يعني!" كان جمال يخطو خلفها بخطواتٍ واثقة، وعيناه تلمعان بانتشاءٍ خفي وهو يرى حال ياسمين "المحطم"، أيقن أن سمه قد سرى في عروق عبد الرحمن كما خطط تماماً. تقمص دور البراءة والشهامة وهو يقول بنبرةٍ سمجة: ـ "أنا سبتها تختار اللي هي عايزاه يا ياسمين، يعني ماليش دعوة إن كان شبه فستانك اللي ماشفتوش أصلاً.. المهم هي تكون مبسوطة." ما أقبح ملامحه في تلك اللحظة! وما أشد قبح أختها "المريضة" التي جلبت فستاناً لا يشبه فستان ياسمين فحسب، بل تعمدت أن يتفوق عليه بتفاصيلٍ أكثر فخامة، وكأنها حتى لو تمت فرحة شقيقتها، كانت ستصر على إنقاص فرحتها بأنانيتها المعهودة. نظرت ياسمين إلى الفستان، ثم إلى جمال، ثم إلى أختها التي تتمايل فرحاً بخطفتها الجديدة، وشعرت بغثيانٍ يكتسح صدرها. لم تعد ترى فيهم بشراً، بل مسوخاً تقتات على حزنها. وفي تلك اللحظة، ومع نظرة جمال المتشفية، شعرت ياسمين بشيءٍ ينفجر داخلها؛ لم يعد الصمت خياراً، ولم يعد الانكسار حلاً ـ"مبسوط دلوقتي أكيد بعد ما خربتها وقعدت على تلها؟ اشتريت للمتخلفة اللي معاك اللي يلهيها ويبينك قدام الجميع إنك بريء ومتعرفش حاجة!" قبل أن ينطق جمال بكلمة، أو حتى يظهر عليه رد فعل، سبقته سما الرد بتفاهةٍ مفرطة، دون أن تدرك حجم الكارثة: ـ "مين دي اللي متخلفة يا ياسمين؟ أنتِ بتشتميـني عشان جايبة فستان شبه فستانك؟ ولا عشان عارفة إنه هيليق عليا أكتر منك؟" ـ "اخرسي يا سما.. وخليني أعرف إيه اللي حاصل!" كان هذا صوت "اعتدال" الذي دوي في الأرجاء؛ وقد بدأت الأم تنتبه أخيراً لحرب النظرات المستعرة بين. ابنتها الكبيرة التي كانت منهارة منذ لحظات، ولم ينطق لسانها إلا حين رأت خطيب أختها. جمال الذي كان يتصنع المفاجأة، لكن من ينظر إليه بتمعن يدرك أنه كان ينتظر هذا الرد، فعيناه لم تفارق ياسمين منذ دخوله. حاولت سما المجادلة مجدداً: ـ "يا ماما أنتِ مش سامعة بنتك بتشتمني بإيه؟" ـ "اخرسي بقولك!" صرخت بها اعتدال للمرة الثانية، لتلجم ابنتها وتصدمها بغضبها الجامح. فنهضت عن كرسيها ثم تقدمت لتواجه جمال وجهاً لوجه، مما جعله يتراجع خطوة للخلف وقد بدأت علامات الارتباك تظهر عليه من حدتها غير المتوقعة. سألته بنبرة كالرصاص: ـ "ممكن أعرف أنت عملت إيه مع بنتي بالظبط يخليها تحتد عليك بالطريقة دي؟ اجفل جمال بهيئة اعتدال العدائية والتي ولأول مرة يشهدها اتجاهه، ، حتى خرج صوته بنبرة دفاعية مهزوزة وهو يحلف كذباً: ـ "والله ما أعرف حاجة يا حماتي! ما أنا داخل قدامك أهو مع سما، وكنا بنجيب الفستان اللي هتحضر بيه خطوبة المحروسة.. يعني عملت إيه بس؟" ـ "أيوة.. هي دي العبارة المتوقعة بالضبط!" قالتها ياسمين وهي تنهض بجسدها المنهك، وتقترب منه بخطوات ثابتة حتى وضعت عينها في عينيه بقوة، تواجه نذالته دون تراجع: ـ "لعبة دنيئة ورخيصة، حقيقي.. أنا ماشفتش في حياتي حد يثير الغثيان زيك!" هذه المرة، نجحت كلمات ياسمين ووصفها المقزز له في إخراجه عن حالة "الانتشاء" التي كان يشعر بها، ليحل محلها غضب حقيقي بدأ يظهر في عروق وجهه النافرة، فرد بصياح: ـ "الله الله يا ست ياسمين! إحنا سكتنا له دخل بحماره ولا إيه؟ ما تلمي عني بنتك يا حماتي، أنا محترمها لحد دلوقتي عشان خاطرك بس!" صرخت اعتدال وقد تملكها الشك وفاض بها الكيل من مراوغته: ـ "لا يا خويا ما تحترمنيش! قولي بس البت بتعمل معاك كدة ليه؟ ولو غلطانة يبقى حسابها عليا، المهم أعرف إيه اللي حصل خلى بنتي ترجع مكسورة الخاطر والدبلة مش في إيدها!" وقفت سما مذهولة، تسقط كيس الفستان من يدها وهي تنظر ليد ياسمين الخالية ثم لجمال، بينما ظل جمال يوزع نظراته بين الأم المشتعلة والابنة التي كشفت كل أوراقه. ضغطت ياسمين على أسنانها وقالت بصوت مسموع للكل: "عايزة تعرفي عمل إيه يا ماما؟ راح لعبد الرحمن الشركة.. ورّاله صورتي على تليفونه وقال له إني كنت خطيبته وحبيبته قبله! هي دي كل الحكاية، وآدي النتيجة اللي كان بيخطط لها، ارتحت دلوقتي؟" شهقت اعتدال بجزع وهي تضرب على صدرها من شدة الصدمة: ـ "يا نهار أسود! أنت عملت كدة فعلاً يا جمال؟ تروح تخرب بيت البنت وهي لسه بتسمي وتقول يا هادي؟" انتفض جمال من مكانه محاولاً الإنكار بأسلوبه المراوغ: ـ "وربنا كدابة يا حماتي! ده هو اللي كان بيفتش في التليفون بتاعي ولقى صورة ياسمين اللي كنت أنا أصلاً ناسيها.. حاولت أفهمه إنها صورة قديمة بعتها لي عم محمد اللي كان متصدر للنسب ما بينا، والكلام ده كان قبل ما أدخل بيتكم وأختار سما اصلا.. دي دلوقتي أخت خطيبتي يعني زي أختي بالظبط، هو بقى اللي إنسان شكاك ودماغه وسخة، أنا مالي؟" لم تنتهِ جملة جمال حتى كانت ياسمين تضحك ضحكة قهرٍ مريرة، ضحكة تعبر عن مدى صدمتها من قدرته الفائقة على ليّ الحقائق وتزييفها في ثوانٍ. أما اعتدال، فظلت تنظر إليه بعينين زائغتين، تحاول استيعاب "السم" الذي يدسه في ثنايا تبريره، فصاحت به بنبرة مرتعشة: ـ "ناسيها؟ وناسيها ليه يا جمال؟ وليه أصلاً تفتح تليفونك قدامه وتوريه صور تخصنا؟ وأنت عارف إن النفوس شايلة، وعارف إن عبد الرحمن غيور!" رد جمال بتبجح وهو يحاول كسب "سما" لصفه، فنظر إليها وكأنه يستنجد بعقلها الصغير: ـ "يا حماتي افهمي، إحنا كنا بنتكلم في شغل، والتليفون كان مفتوح قدامه بنشوف صور شغل لواحدة قريبة قريبتي كنت بتوسطلها عنده، انما هو اللي قعد يقلب ويدعبس لغاية ما جاب الصور القديمة! أنا ذنبي إيه إن بنتك ياسمين كانت 'مشروع' جواز قديم وفشل؟ أنا ذنبي إيه لو كانت لسه متأثرة بالموضوع ده وشايفة إن كل حركة بعملها مقصودة؟" هنا انفجرت سما، وبدلاً من أن تدافع عن أختها، جذبتها نار الغيرة التي أشعلها هذا الخبيث بذكاءه: فقالت وهي تنظر لياسمين بحقد: ـ "يعني أنتِ يا ياسمين عايزة تخربي بيتي وتوقعي بيني وبين خطيبي عشان عبد الرحمن طلع شكاك؟ إيه اللي يخلي صورة قديمة تبوظ جوازتكم إلا لو كان هو اللي بتلكك، اكيد في سبب تأني والبيه بيجيبها في خطيبي" نزلت الكلمات على ياسمين كالسوط، التفتت لأختها بذهول وقالت بصوت مخنوق: ـ "أنتِ بتقولي إيه؟ بتصدقي البني آدم ده وتكذبي أختك؟ ده راح له مخصوص عشان يهد البيت فوق راسي، ده قال له إني كنت حبيبته وكسر قلبي! أنتِ مش فاهمة إنه بيلعب بينا كلنا؟" قاطعها جمال بصوته الخشن وهو يتوجه للباب كأنه غاضب ومظلوم: "أنا ماشي يا سما، ولما بيتكم ده يهدى وتعرفوا مين الظالم ومين المظلوم ابقوا كلموني.. أنا مش هقعد في مكان بتهان فيه وأنا معملتش حاجة غير إني حبيت واحدة فيكم واتقيت الله فيها!" ـ "تمشي تروح فين يا جمال؟ حد قالك إن البيت ده مفهوش راجل؟" جاءت الصيحة من رشدي الذي خرج من غرفته فجأة، ليلفت أنظار الجميع إليه بوجهه العابس وهيئته المبعثرة؛ فقد بدا وكأنه استيقظ للتو من نومٍ ثقيل على أثر الضجيج. جأر بصوته جهوراً وهو يوزع نظراته الغاضبة نحو الجميع، بمن فيهم جمال الذي أجفل هو الآخر من هذا الحضور المهيب: ـ "أنا صحيت من النوم على صوت خناقكم، وسمعت كل حاجة يا ولاد الـ... واخدين راحتكم ولا كأن في راجل نايم جوه؟ يا معدومين الأدب والدم!" كانت نظراته الحادة موجهة تلقائياً نحو ياسمين، وكأن قلبه قد امتلأ مسبقاً بالتهمة ضدها، وهو الأمر الذي التقطته شقيقتها سما بذكاءٍ خبيث، لتقترب من أبيها وتستنجد به بمظلوميةٍ مصطنعة: ـ "الحقني يا بابا! تعالى شوف بنتك 'الهانم المحترمة'.. اتخانقت هي وخطيبها ودلوقتي جاية تخرب عليا أنا كمان! عايزة تطفش خطيبي اللي أخدني من إيدي واشترى لي فستان عشان أحضر بيه خطوبتها.. خطوبتها اللي اتفشكلت بسببه، ودلوقتي عايزة تخليني أنا كمان زيها بمجرد أن انتهت سما من جملتها التحريضية، ساد صمتٌ ثقيل لم يقطعه سوى أنفاس رشدي المتلاحقة وهو يقترب من وسط الصالة، وعيناه لا تزالان معلقتين بياسمين بنظرة لومٍ قاسية، وكأنها هي الجاني لا المجني عليه. ـ "كلام أختك ده صح يا بت؟ يعني عشان عبد الرحمن طلع مش راجل وطفش قبل ما نعمل حفلة خطوبتكم، جاية تطلعي غلك في أختك وخطيبها؟ جاية تخرقي المركب باللي فيها؟" ارتعشت شفتا ياسمين بقهرٍ شديد، فخرج ردها في صرخة مدوية احتجت بها على انعدام العدل؛ شقيقةٌ تقلب الحقائق في ثانية، وأبٌ مستعد لرمي التهم عليها دون بينة: ـ "أنا اللي بخرق المركب يا بابا؟! وعبد الرحمن طلع مش راجل؟ ولا أنت اللي ما صدقت تلاقي تهمة ترميها عليا قبل ما تسمعني أو تفهم سبب المصيبة اللي أنا فيها؟ كل ده عشان أنت أب ظالم!" ـ "ظالم يا بت الكلب؟!" لا يدري متى خرجت منه، ولا كيف امتدت كفه لتحط على خد ياسمين بصفعة قوية أجفلت الجميع، حتى صرخت "اعتدال" وهي تتوسط بين ابنتها وزوجها لتمنعه عنها وهي تؤنبه بحدة: ـ "إيه اللي بتعمله ده يا رشدي؟ هي بنتك لسه صغيرة عشان تمد إيدك عليها بالشكل ده؟" كان رشدي متفاجئاً من نفسه أمام أنظار "جمال" الذي لم يتخيل أن يتطور الأمر إلى هذا الحد، ولا "سما" التي أصابها الذهول، لكنه حاول تبرير فعلته بصوتٍ لاهث: ـ "هي السبب.. عايزاني أسكت لها وهي بتبجح فيا وبتقول عليا ظالم؟" اكتفت اعتدال بزجره بنظرة خانقة، ثم التفتت نحو ابنتها التي بدت كتمثالٍ رخامي؛ لم تنزل منها دمعة واحدة، ولم ترفع كفها حتى لتلمس أثر الصفعة التي طبعت أصابعها حمرةً ووجعاً على خدها. كانت ياسمين جامدة بصورة تثير القلق والارتياب، لم ترد بكلمة واحدة على والدتها التي كانت تسألها بجزع لتطمئن عليها ولو بلفتة صغيرة، لكنها لم تفعل.. كل ما فعلته أنها ظلت للحظات محدقة بعيني والدها، الذي كان يجاهد ليدعي القوة أمامها ويوهم نفسه بأنه صاحب حق رغم شعوره القاتل بالخطأ. تجاهلت "جمال" وشقيقتها تماماً، وكأنها لم تعد تراهما، وظلا يرقبانها بوجل في انتظار أي رد فعل، حتى تحركت فجأة بخطوات آلية متوجهة إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بهدوءٍ مرعب، مخلفة وراءها صمتاً أشد إيلاماً من صوت الصفعة ذاتها ................................ كان وقع كلمات "اعتدال" كالمطارق فوق رأس "رشدي"؛ فالحقيقة التي كانت تحاول إخفاءها لسنوات برزت الآن عارية وقاسية أمام عينيه. ـ "كان لازم تسمع منها قبل ما تمد إيدك عليها يا رشدي.. بنتك لو ضاعت مننا هتبقى أنت السبب يا رشدي!" كانت اعتدال بنحيب متواصل توجه اللوم نحو زوجها، الذي كان ضميره يؤنبه بالفعل منذ اللحظة التي لمست فيها كفه وجه ابنته. استمع منها للقصة كاملة، ومنذ تلك الساعة والبيت يلفه صمتٌ جنائزي؛ بنتهما حبيسة غرفتها، ترفض الخروج أو حتى طمأنتهما، ولا تقبل أن "تبل ريقها" بقطرة ماء، رغم أن الوقت قد تجاوز منتصف الليل. كلما حاولا الطرق على الباب، لم يأتِهما سوى رد واحد بصوتٍ واهن مكسور: ـ "عايزة أقعد لوحدي." رد رشدي بعصبية محاولاً التملص من وخز ضميره: ـ "ما خلاص بقى يا اعتدال وكفاياكي تقطيم فيا! أولع في نفسي يعني عشان تستريحي؟ هو لولا بنتك وقلة أدبها أنا كنت همد إيدي عليها؟" ـ "بنتي عمرها ما قلة أدبها!" صرخت بها اعتدال في وجهه وهي تسقط على الأريكة بتعب، ودموعها لا تتوقف: ـ "طول عمرها مفيش في أدبها.. ساكتة وهادية وراسية، بتقبل بقليلها حتى وهي عيلة صغيرة، عقلها دايماً كان سابق سنها. لكن إحنا استغلينا ده وبقينا نيجي عليها في كل حاجة عشان عارفين إنها هترضى، مش زي أختها اللي بتاخد زيادة عن نصيبها وإحنا بنديها بطيب خاطر عشان نأمن إنها متزعلش مننا!" شهقت بالبكاء وهي تواصل بمرارة: ـ "طول عمرنا كنا ظلمة معاها، عمرنا ما كنا عادلين.. فضلنا نضغط ونضيّع عليها كل حاجة حلوة لحد ما وصل الظلم لمستقبلها كمان.. يا رب.. يا رب سامحنا." واصلت اعتدال بكاءها المرير، بينما وقف رشدي عاجزاً عن الرد؛ فكلامها أصاب الحقيقة في مقتل، ولم يجد ما يدافع به عن نفسه سوى الصمت المطبق، بينما كان جمال وسما خلف الأبواب المغلقة داخل غرفهما، كلٌ منهما يواجه شياطينه بطريقته، والبيت كله ينتظر.. ماذا ستفعل ياسمين حين يشرق الصباح .......................... في اليوم التالي، وبمجرد أن انفتح باب غرفة ياسمين، هرعت والدتها إليها بلهفة: ـ "ياسمين! يا بنتي طمنيني عليكي." توقف الكلام على لسان "اعتدال" وهي تشاهد ابنتها مرتدية ملابس الخروج، وتجمع في يدها مجموعة من الأوراق الهامة تضعها في ملفٍ خاص، الأمر الذي أثار استغرابها فتحدثت دون ترتيب: ـ "الحمد لله إنك فتحتي وشوفتك واطمنت عليكي.. أنا وأبوكي طول الليل كنا هنتجنن عليكي، بركة يا حبيبتي إنك كويسة.. يا ريتك بس كنتِ طليتي علينا ولو دقيقة واحدة، ده أنتي وقفتي قلبنا! هو أنتي خارجة فين؟ رايحة الشغل؟" ردت ياسمين بفتورٍ وجفاء: ـ "خلاص مفيش شغل، أنا عندي مشوار تاني." ـ "مشوار إيه؟ وشغل إيه اللي تسيبيه يا ياسمين؟ أكيد عبد الرحمن لا يمكن يرفدك.. هو صحيح مختفي ليه هو كمان؟ من امبارح بنرن عليه وتليفونه مغلق، والست والدته هي كمان بتقول مش عارفة طريقه!" ـ "أنتوا اتصلتوا بوالدته؟!" صرخت ياسمين بجزعٍ أخاف والدتها، قبل أن تحاول تملك أعصابها وتستغفر الله وهي ترجع خصلات شعرها للخلف حين رأت الذعر في عيني أمها، ثم قالت بنبرة حاسمة: ـ "أنا آسفة.. بس أرجوكم، محدش يتدخل ولا يتصل بحد تاني، الموضوع ده انفض وانتهى خلاص." أومأت اعتدال برأسها بطاعة خوفاً من انفجار ابنتها مجدداً، قبل أن يعاودها الفضول: ـ "طيب وأنتي لابسة ومتجهزة كدة رايحة فين، مادام مش رايحة الشغل؟" ردت ياسمين بكلماتٍ سقطت كالصاعقة على مسامع الأم: ـ "أنا بجهز أوراقي للسفر! ........................... في مكان آخر، كانت سما في طريقها لدخول حرم الجامعة قبل أن تتفاجأ بصوت ينادي اسمها بقوة. التفتت نحو مصدر الصوت، ولفت نظرها على الفور هيئة سيارة تعرفها جيداً، خرج منها صاحبها وهو يخلع نظارته الشمسية عن عينيه، فشهقت بشغف وهي تردد اسمه: ـ "عبد الرحمن!" تقدم عبد الرحمن نحوها بخطوات هادئة، لكن ملامحه كا نت تحمل ثقلاً غريباً، ونظراته لم تكن كالمعتاد. تكلم بنبرة رسمية ومقتضبة وهو يطلب منها: ـ "معلش يا سما.. ممكن آخد من وقتك نص ساعة؟" توقعاتكم .... يتبع بالجزء الاخير الجزء الثامن والأخير كانت الصدمة قد ألجمت لسان اعتدال، ظلت تستوعب كلمات ياسمين بصعوبة، لدرجة أنها شعرت برغبة عارمة في تكذيب أذنيها، لكن ثبات ابنتها وتلك الأوراق التي تقبض عليها بيدها أكدت لها أن الأمر ليس مجرد انفعال لحظي. ساد صمتٌ ثقيل قبل أن يخرج صوت اعتدال مرتعشاً: ـ "هتسافري تروحي فين يا ياسمين؟ وتسيبينا لمين يا بنتي؟" ردت ياسمين وهي ما تزال محتفظة بفتورها وجمودها الذي يغلف قلبها الجريح: ـ "عندي عقد شغل مع شركة عالمية في الخليج، صاحبتها شيخة مشهورة في عالم 'البرندات' العالمية، شافت تصميماتي في واحد من المعارض قريب وكلمتني.. أنا كنت مأجلة القرار ده عشان أشوف موضوع الخطوبة اللي..." صمتت للحظة وكأنها تبتلع غصة مريرة، ثم أكملت بقوة: ـ "بس خلاص، دلوقتي معنديش حاجة تعطلني، ومفيش سبب يخليني أستنى هنا يوم واحد زيادة." انفجرت اعتدال بالبكاء والدهشة: ـ "تقومي تقرري مع نفسك كدة من غير ما تقولي لحد؟ كدة في يوم وليلة عايزة تطفشي وتسيبي بيتك؟ طب استني بس لما نشوف موضوعك مع عبد الرحمن و.." ـ "ماما أرجوكي بقى! متجبيش السيرة دي تاني! صرخت ياسمين بوجع هز أركان الغرفة، مما جعل الأم تثور هي الأخرى بانفعال: ـ "أمال أجيب سيرة مين؟ مش هو ده السبب في طفشانك؟ مش هو ده اللي كسر بخاطرك وخلاكِ تقرري الهرب ده؟" نظرت ياسمين لوالدتها بعينين تلمعان بدموعٍ رفضت أن تسقط، وقالت بنبرة حاسمة: ـ "أنا مش بطفش يا ماما.. أنا بنقذ اللي فاضل مني. والسبب مش عبد الرحمن بس، وأنتِ عارفة كدة كويس." شعرت اعتدال بالحرج والارتباك وهي تضغط على عينيها التي تذرف الدموع: ـ "عارفة يا ياسمين ومش هعارضك، أنا بس عايزاكي تصبري يا بنتي وكل حاجة هتتصلح، أنا هحاول..." ـ "هتحاولي تعملي إيه بالظبط؟ هتفسخي خطوبة بنتك من الحيوان خطيبها؟ ما أظنش تقدري، ولو حصل برضو مش هيصلح حاجة." قاطعتها ياسمين والقسوة تطل من عينيها، لترد والدتها بانهيار: ـ "يغور في ستين داهية! أنا أصلاً كرهته وكرهت اسمه، وحتى لو محصلش زي ما بتقولي، يكفي نبص للي جاي يا بنتي.. لو أنتِ قفلتي من عبد الرحمن، بكرة يجي سيد سيده." صدحت ياسمين بضحكة مريرة، ثم تنهدت بنفسٍ جريحة: ـ "للأسف يا ماما كل اللي بتقوليه ده عدى وقته، لأن أنا خلاص قررت ومش هرجع في قراري، البلد دي معدتش تساعني خلاص.. يعني مالهوش لزوم تتعبي نفسك في النقاش معايا." قالت كلماتها وهمت بالتحرك، إلا أن والدتها أوقفتها قبل أن تخرج من الباب متسائلة بمرارة: ـ "قولي بصراحة وما تجيبهاش في البلد يا ياسمين.. أنتِ مش طايقة المكان اللي إحنا موجودين فيه؟" رمقتها ياسمين بنظرة صامتة لعدة لحظات، كانت كافية لأن تتأكد اعتدال من صدق ظنها؛ فابنتها لم تعد تطيق العيش تحت سقفٍ يجمعها بمن خذلوها. سقطت اعتدال على التخت في بكاءٍ مرير عقب مغادرة ابنتها للمنزل، مدركةً أن ياسمين لن ترحل عن البلد فحسب، بل سترحل عن حياتهم التي شوهتها الأنانية ................................. في تلك الأثناء، كانت سما تجلس مع عبد الرحمن في مكانٍ هادئ بناءً على طلبه. وكعادتها عندما يكتنفها الحماس، أخذت تسهب في الحديث عن أي شيء يحيط بها، غير منتبهة للحالة المزرية التي يمر بها من يجلس أمامها، والذي انتظر بروحٍ مجهدة حتى توقفت عن الثرثرة قليلاً ليقول بنبرة حادة: ـ "معلش يا سما، ممكن توقفي كلام عن المطعم اللي أول مرة تدخليه ولا عن ذوقي الراقي، وتنتبهي إني جايبك هنا لسبب محدد مش عشان أفسحك؟ أنا آسف يعني." أخرجها بفظاظته من حالة الانتشاء التي كانت تسيطر عليها، فتحمحمت بخزي وهي تقول: ـ "لا.. من غير أسف، وأنا مقلتش إنك جاي تفسحني، أنت أكيد جايبني عشان تتكلم عن ياسمين." رد عليها بتهكمٍ لاذع: ـ "شاطرة.. برافو عليكي!" ثم تابع وهو يثبت عينيه في عينيها بقوة ـ وبما إنك شاطرة وبتقرئي الأفكار كدة، ممكن بقى تقولي لي 'العك' ده حصل إزاي؟ أنا من امبارح ومش عارف أعقلها في راسي.. إنسان رايح يشوف واحدة عشان الجواز، وبعد ما يقعد معاها يختار أختها! إزاي يعني؟ طب لو أهلك قبلوا، أنتِ نفسك إزاي قبلتيها على كرامتك؟" باغتها بقوله القاسي، لتسارع في التبرير لنفسها بدفاعٍ مستميت: ـ "هو إيه اللي قبلت وماقبلتش؟ جمال دخل بيتنا آه عشان ياسمين، لكنه اختارني أنا بعد ما عجبته وانبهر بجمالي.. إيه اللي يخليني أرفض؟ هو كان متجوزها ولا خطيبها رسمي؟ دي يا دوب كانت قعدة تعارف!" خرج الرد منه بنبرة تلوح فيها السخرية، وهو يرمقها بنظرة فاحصة خالية من أي إعجاب: ـ "انبهر بجمالك؟ على أساس إنك أحلى منها يعني؟ أنا بصراحة مش شايف كدة خالص، بالعكس تماماً!" شحب وجه سما من الصدمة، بينما أكمل عبد الرحمن حديثه بلهجة تقطر مرارة، وهو يحدق في الفراغ وكأنه يحاول تجميع شتات لغزٍ مبعثر: "مش عايز أبقى جلف معاكي، بس أنا بدور على تفسير يريح دماغي اللي ماوقفتش عن التفكير من امبارح.. مش قادر أقتنع إن فيه راجل طبيعي يعمل اللي جمال عمله، لا وكمان لقى اللي يجاريه ويوافق عليه! حاجة غريبة صراحة." ردت عليه بدلال مصطنع يحاول إخفاء ارتباكها: ـ "غريبة ليه؟ بقولك عجبته.. عجبته! شافني جميلة ودلوعة، مش ناشفة ومقفلة زي ياسمين.. هو اللي قالي كدة بنفسه!" كادت تبزغ ابتسامة شقية على شفتيه وهو يستوعب الكلمات التي تفوهت بها؛ فهذه الخرقاء تجيبه عن كل الأسئلة التي تدور في رأسه دون قصد منها، إلا أن ملامحه عادت للتجهم فور تذكره لذلك الخطيب الفاسد، فتابع بتهكم: ـ "طيب، ولما هو دايب في دلالك وجمالك، مش المفروض بقى إنه يحترم نفسه ويبعد عن ياسمين أو ينسى سيرتها نهائياً؟ بعد ما خلاص فاز بيكي يا ست الحسن والدلال!، مش يلف ويدور بخطط هبلة ومفكر كل الناس فكرهم محدود ولا بيخيل عليها..... زيك. ما زال يتحفها بتهكمه الذي يحرق دمها، وهي لا تعرف كيف توقفه، فصاحت به وكانها على وشك الانفجار: ـ "هو أنت عايز إيه بالظبط؟ وجايبني هنا ليه؟" زفر بضيق وهو يرمقها بحدة، ليصفعها بقسوة كلماته: ـ "أكيد مش جايبك عشان أكرر اللي عمله 'خطيب الهنا'.. أخطفك منه وتبقي مكان ياسمين! أصل بصراحة، لا أنا ندل زيه، ولا أنتِ بالحسن اللي يخلي الواحد يفكر أصلاً يعمل كدة.. ده غير إن ياسمينة مالهاش بديل." وكأن أحداً ضربها بمطرقة قاسية على رأسها أفقدتها اتزانها؛ لم تصدق ولم تستوعب ما تناهى إلى مسامعها، فثارت بملامح امتقعت من فرط الغضب: ـ "أنت إنسان قليل الأدب و..." ـ "اخرسي وما تزوديش!" قاطعها بصرامة، ليواصل بثباتٍ غير مبالٍ بانهيارها: ـ "بلاش تقلي أدبك وتعملي فيها الغضبانة، أنا بس بطلع اللي كان بيدور في دماغك.. يعني لو عايزة توصليلي إن هامك مصلحة أختك وجيتي معايا بنية تصالحينا على بعض، فبايخة أوي بصراحة وما تلقش عليكي." نهض فجأة تاركاً إياها في حالة من الذهول، وهو يختم كلماته ببرود: ـ "على العموم، اللي كنت عاوزه منك خدته خلاص.. وكفاية كدة، أنا ماشي. لو حابة تقعدي براحتك خالص، الحساب مدفوع متقلقيش.. أصحاب المكان صحابي." .................................. داخل منزل ياسمين، كان الحزن هو المسيطر الوحيد على الأجواء. اعتدال الجالسة على الأرض داخل غرفتها، لم تتوقف عن البكاء بنحيب مكتوم ونظرات شاردة في صمتٍ قاتل، أما رشدي، فقد جلس أمام التلفاز يدعي المتابعة، متظاهراً بصلابة مزيفة وقناعٍ من الغضب، بينما كانت أفكاره تدور في حلقة مفرغة، ينتظر ياسمين التي أعلنت سفرها دون أن تأخذ رأيه أو تبلغه وهو "كبير البيت". كان يشحن نفسه بالتبريرات، رافضاً بكل كبريائه أن يعترف بخطئه أو يلقي اللوم على نفسه. وبمجرد أن دخلت ياسمين، انتفض واقفاً يستقبلها بتحفزٍ شديد، وانفجر فيها بعدما ألقت التحية بجفاءٍ زاد من اشتعال نيرانه: ـ "مساء الخير." ـ "يا مساء الورد على الهانم! اللي بتقرر من نفسها ولا كأن ليها أب يتاخد برأيه! إياك أكون مِت يا ياسمين عشان يبقى لك الحق تعملي ما بدالك وتخططي لمستقبلك من ورايا؟" جاء ردها بأن وقفت أمامه بجمود لم يعهده فيها من قبل، لم تظهر عليها علامات الخوف أو الارتباك، بل كانت نظراتها تحمل عتاباً أشد قسوة من كلماته، وقالت بنبرة هادئة ومستقرة، رداً على تهكمه وسخريته: ـ "أنا آسفة إني ببلّغك النهاردة، القرار جه مفاجئ." ـ "كدة بكل سهولة؟ أنتِ يا بت أنتِ عايزة تشليني؟ بتنقطيني بالكلمة؟ أنا أبوكي.. مأخدتيش رأيي ليه قبل ما تاخدي قرارك؟ ولا شايفاني 'شخشيخة' قصادك وماليش كلمة عليكي؟ لا فوقي يا بت!" خرجت اعتدال من غرفتها على إثر صرخته المدوية، وأسرعت نحوهما لتجعل من جسدها حاجزاً منيعاً بينه وبين ابنتها، التي كانت تقف بصلابةٍ صامتة ونظراتٍ موجعة اخترقت كل دفاعات رشدي. صرخت اعتدال فيه بنبرة لم يسبق لها مثيل: ـ "بتزعق لياسمين ليه؟ ولا ناوي تمد إيدك عليها مرة تانية؟ والله ما هسمح لك!" فاجأته اعتدال بموقفها، وكأن كلماتها كانت بمثابة صفعة قوية أعادته لوعيه، لكنه حاول تبرير ثورته بانفعالٍ لاهث: ـ "أنتِ كمان هتمسكيها عليا ذلة؟ كانت غلطة في ساعة غصب، إنما دلوقتي لو عملتها محدش يلومني! بنتك عايزة 'تهج' بره البلد من غير ما تاخد شوري؟ ليه.. كيس جوافة أنا هنا؟ طيب إيه رأيك بقى.. مفيش حاجة هتم من غير رضايا شهقت اعتدال ضاربةً على صدرها بجزع من تطور الأمر، لكن ياسمين كانت في حالة من الجمود جعلتها ثابتة لا تهتز أمام تهديداته، بل صدمته بقولها: ـ "للأسف مش هتقدر تمنعني يا بابا.. الإجراءات انتهت بالفعل، وكلها ساعات وأكون في الطيارة. وقبل ما تسأل إزاي، أنا مسافرة في طيارة خاصة تابعة للشيخة اللي هشتغل معاها، وعموماً العقد معايا وتقدر تتأكد بنفسك." فتحت حقيبتها أمام ذهول الاثنين، ووضعت عقد العمل أمام عينيه وهي تواصل الضغط على الجرح بكلمات حادة: ـ "ولو لسه مصمم على منعي وضياع الفرصة دي كمان من إيدي، تقدر تقطع العقد ده بنفسك.. بس في كل الحالات أنا مش هقدر أعيش هنا تاني. الفرق الوحيد إنك لو سبتني أسافر هتفضلوا أهلي وسندي، إنما لو منعتني، هعيش غريبة في بلدي.. ومن غير أهل." ختمت حديثها وتحركت نحو غرفتها فوراً، تاركةً والدتها متجمدة من وقع كلماتها القاسية. لم يشعر رشدي بنفسه إلا بعد أن غابت عن عينه وهرعت زوجته لتلحق بها؛ فسقط على مقعده بقهرٍ دفين. فقد كان حتى اللحظة الأخيرة يمارس سلطته الأبوية بتجبر، رغم أن تصرفه هذه المرة نابع من عجزه عن منعها. منعه كبرياؤه من التوسل إليها لتسامحه على مجمل أخطائه، أو حتى الوعد بإصلاح ما هو آت؛ لكن يبدو أن الفرصة قد ضاعت، وما تبقى ليس سوى "فتافيت" مودة، إن ضاعت هي الأخرى، فقد خسر ابنته للأبد ............................... دخلت "اعتدال" إلى غرفة ابنتها، فوجدت الحقيقة المرة تتجسد أمام عينيها؛ كانت ياسمين قد وضعت حقيبة سفرها على الفراش وبدأت تجمع ملابسها ومتعلقاتها الخاصة من الخزانة بسرعة وإصرار. انقبض قلب الأم وهي تدرك أن ابنتها تمضي فعلاً في طريق الرحيل والابتعاد عنهم، شعرت بعجزها القاتل عن منعها. ومن غير تفكير، هرولت اعتدال نحو ابنتها وجذبتها إلى حضنها، ثم غرقت في نوبة بكاءٍ حارق. ورغم العهد الذي قطعته ياسمين على نفسها بألا تذرف دمعة أخرى، إلا أن مشهد انهيار والدتها جعل عينيها تدمعان رغماً عنها. سرعان ما استعادت ياسمين رباطة جأشها، وحاولت التملص من حضن والدتها لتتحدث إليها بقوة وثبات، بينما كانت اعتدال تردد من بين شهقاتها بنبرة مكسورة: ـ ـ "مش عارفة هعيش في بعادك عني إزاي؟ ولا قادرة أقولك 'بلاش'.. لاضيع عليكي فرصة جديدة وتشيلي مني أكتر." انفجرت اعتدال مرة أخرى في البكاء، وما إن همت ياسمين بالعودة للتخفيف عنها حتى تناهى إلى مسامعها صوت شقيقتها "سما"؛ فعلمت أنها عادت من الخارج. التفتت ياسمين نحو والدتها، ووجهت إليها الرجاء بنبرة حازمة لا تقبل التهاون: ـ "ليا رجاء عندك يا ماما.. حكاية السفر والشغل دي ما تقوليش عنها أي حاجة نهائي قدام بنتك." صمتت اعتدال بشرود وذهول، لتضيف ياسمين بتحذيرٍ أشد: ـ "وتنبهي كمان على جوزك.. لا سما ولا خطيبها جمال يعرفوا مكاني، ولا أي تفاصيل عن شغلي. اعتبريني سافرت سياحة، أو اختفيت.. المهم ميعرفوش طريق ليّا." أومأت اعتدال بطاعة وهي تمسح دموعها، عازمةً على تنفيذ رغبة ابنتها المكلومة، دون جدال أو محاولة لاقناعها عن التراجع، فهي الاعلام بصواب قرارها. خرجت إلى زوجها في الصالة، وكانت نظراتها تحمل إصراراً غريباً وهي تبلغه بتحذير ياسمين؛ فقد أدركت أن كتمان السر هو الخيط الوحيد الذي قد يربطها بابنتها مستقبلاً، بعيداً عن ألاعيب جمال وأنانية سما. .............................. وفي مكانٍ آخر، كان جمال الذي كاد ينفجر من فرط الغيظ، يتصل بـ سما خطيبته ليفرغ فيها شحنة غضبه، بعد التجاهل الذي بدأ يلمسه من والدها ووالدتها، ومنها هي شخصياً كما يدعي الآن. ـ "لا أبوكي ولا أمك ولا حد فيهم بيعبرني ولا يسأل عني! وأنتِ يا هانم كأنك ما صدقتي.. مفيش ولا رنة واحدة حتى؟ في إيه يا بت؟" كانت حالة سما في تلك اللحظة لا تسمح بالنقاش، ولم تعد تملك طاقة لاستعطافه أو تبرير موقفها، خاصة بعد الكلمات القاسية التي تلقّتها من عبد الرحمن "المغرور"، الذي شكك في جمالها وفي ثقتها بنفسها. كانت في أمسّ الحاجة لمَن يربت على كتفها ويحتويها، لا مَن يصرخ في وجهها ويزيد من أوجاعها؛ ألا يكفيها تجاهل والدتها التي ترفض حتى النظر إليها؟ ولا انعزال والدها الذي أغلق على نفسه الأبواب، وكأنه يقلد ياسمين المختفية في غرفتها منذ الأمس؟ ـ:"بابا وماما فيهم اللي مكفيهم يا جمال، يعني أكيد محدش قاصد يهينك بالتجاهل، بس أنت عارف المشكلة اللي حصلت." رد جمال بحدة وهو يحاول قلب الطاولة لصالح تبريراته: ـ "آه يا اختي عارف، بس أنا إيه ذنبي بقى؟ المحروس خطيبها فلت من الخطوبة ومتطلعش راجل قد كلمته فقال يجيبها فيا! وأختك ما صدقت عشان كرهاني، طبعاً شايلة ومعبية من ساعة ما فضلتك أنتِ عليها.. طيب القلب وما يهوى يا ناس، إيه ذنبي أنا بقى؟" استمعت سما لكلماته وكأنها وجدت ضالتها التي تبحث عنها لترمم كرامتها التي جرحها عبد الرحمن، فسألته بنبرة يملؤها الرجاء والترقب: ـ "يعني أنت فعلاً اخترتني عشان حبيتني يا جمال؟" صمت جمال لحظات يستوعب الجملة الغريبة، قبل أن يرد بنبرةٍ يملؤها التعجب: ـ "مش فاهم يعني! أمال هكون خطبتك ليه؟ ما هو أكيد عشان عجبتيني.. . عليكي أسئلة غريبة في أوقات أغرب!" ردت سما بنبرةٍ يائسة تبحث عن أمانٍ مفقود: ـ "ما هو ده وقته يا جمال.. قولي إنك حبيتني عشان شوفتني فتاة أحلامك، حلوة ودلوعة زي ما كنت بتسمعني في بداية خطوبتنا. بطلت ليه تسمعني كلام حلو يا جمال؟" ـ "عشان كنت أهبل!" تمتم بهذه الجملة بصوتٍ خافت وهو يبعد الهاتف عن فمه، ثم عاد إليها بضيقٍ واضح: ـ "هبقى أسمعك يا سما، بس خلي عندك نظر دلوقتي وقدري الوضع اللي إحنا فيه.. الدنيا خربانة في بيتكم وأنتِ عايزاني أسمعك كلام حلو!" مطت شفتيها بغضبٍ وقهر بعدما ألجمها بكلماته الفظة وكسر خاطرها في وقتٍ كانت تنتظر فيه من يهون عليها. قالت بنبرةٍ فاترة: ـ "ماشي يا جمال.. براحتك. تحب أروح أكلم بابا وماما؟" رد بتصميمٍ مريب: ـ "لا متكلميش حد.. أنا اللي هاجي النهاردة أقعد معاهم عشان نتصافى، لازم نتصافى." قالها وهو يضمر في نفسه نيةً أخرى؛ فقد كان يخطط لاستعادة ثقة العائلة من جديد ليكون قريباً من ياسمين، خاصةً بعدما فُسخت خطبتها من "عبد الرحمن". يمني نفسه بأن تعود ياسمين لعقلها وتنظر إليه هذه المرة، وساعتها سيفعل المستحيل ليصلح غلطته، فهو يعرف جيداً كيف يرضي "رشدي" وزوجته، أما "سما الهبلة" ـ كما وصفها في سره ـ فلتذهب إلى الجحيم، فقد سئم منها ومن تفاهتها، ومن طلبها لسماع كلام الحب في غير وقته ........................ كانت الساعة قد تخطت السادسة المغرب، حين خرجت ياسمين تجر حقيبة سفرها، وخلفها والدتها تحمل بعض المتعلقات الخفيفة عنها، بعد وصلة من البكاء والندب استمرت لساعات داخل الغرفة. ها هي اعتدال تجاريها مستسلمة، راضيةً بابتعاد جسد ابنتها عنها، فهو أفضل بكثير من أن تخسر روحها وهي بجوارها، حتى وإن كانت في حضنها. بروحٍ منهكة كانت تتبعها، وفي صمتٍ قاتل قطعته فجأة حين استوقفتها في منتصف الصالة قبل أن تصلا إلى مخرج المنزل، فأشارت نحو غرفة معينة قائلة بنبرة رجاء: ـ "أروح أنده لها تسلّموا على بعض؟ أنتم مهما كان أخوات يا حبيبتي." نظرت ياسمين نحو الغرفة، ثم ابتسمت بزاوية فمها بسخرية مريرة: ـ "هتروحي تصحيها من نومها وتزعجيها؟ معلش.. ابقي أسلم عليها في التليفون بعدين. امشي يا ماما الله يخليكي، سواق الشيخة مستنينا تحت، مش عايزين نتأخر." أومأت اعتدال بيأس تتبعها، حتى تساءلت ابنتها بنبرة حاولَت جعلها عادية: ـ "بابا لسه في أوضته؟" ردت اعتدال بفتور وهي تسبقها لفتح باب المنزل لتساعدها في إخراج حقيبة السفر: ـ "خرج من ساعة لا تنكر ياسمين أن بداخلها كانت تتمنى، على الأقل، أن تصافح والدها رغم خطئه في حقها وقسوة ضربته لها، لكن نظرته إليها اليوم كانت تحمل شيئاً من الانكسار لا تستطيع تخطيه بسهولة، ومع ذلك فقد خرج ولم ينتظر حتى يودعها، أو هكذا ظنت. كان هذا ما يدور بخلدها قبل أن تفاجأ به أسفل البناية، واقفاً عند مدخلها. لا تنكر الاضطراب الذي أصاب أعماقها حين رأته؛ فقد كان الحزن يكسو ملامحه وهو يطرق رأسه بشرود، ولم يرفع عينيه إلا بعدما شعر بوجودهم. ظل رشدي على جموده لحظات، بينما كان سائق السيارة الفاخرة يحمل عنهما الحقائب والمتعلقات ليضعها في الحقيبة الخلفية. وما إن اقتربت ياسمين من باب السيارة، حتى وجدت ذراعاً قوية تجذبها إلى الخلف، ليتلقفها حضن أبيها الذي عرفته لأول مرة في حياتها؛ حضنٌ دافئ، حزين، ومليء بالندم. هو لا يعرف كيف يعبر عن أسفه بالكلمات، ولكن ما فعله وصَل إلى قلبها بوضوح، حتى خانتها دمعاتها وسقطت للمرة الثانية في وداع والديها. استسلمت للحظات في حضنه وكأنها تودع آلام الماضي، قبل أن تستقل السيارة الفاخرة وتغادر، مخلفةً وراءها دمعة أبٍ عرف قيمة جوهرته متأخراً، منطلقةً نحو الطائرة التي ستقلها إلى حياةٍ جديدة، حيث لا مكان فيها للضعف أو الخذلان ................................... بعد لحظات لم تتعدَّ الساعة، كانت ياسمين تجلس داخل قاعة كبار الزوار؛ حيث تُنهى الإجراءات وتُفحص الجوازات بمنتهى السرعة والخصوصية، بعيداً عن صخب الزحام في الصالات العادية. بينما كانت جالسة في تلك القاعة الفخمة، تحتسي قهوتها في هدوءٍ لم تعهده من قبل، بانتظار وصول "الشيخة" بصحبة مديرة أعمالها. نظرت ياسمين من خلف الزجاج الشفاف نحو مدرج الطائرات، وشعرت لأول مرة بأن الهواء الذي تتنفسه أصبح أخف، وكأن القيود التي كانت تكبل روحها قد تلاشت مع كل خطوة ابتعدت بها عن باب منزلها. لم يكن هدوؤها نابعاً من نسيان ما حدث، بل من إدراكها أن صفحة "ياسمين المستسلمة" قد طُويت للأبد، وأن مَن ستصعد تلك الطائرة هي امرأة أخرى، صهرتها النيران فخرجت أكثر صلابة. قطع شرودها صوت خطوات واثقة تقترب، لترفع رأسها وتبتسم بوقار، معلنةً بداية الرحلة التي ستغير مجرى حياتها تماماً ........................... بينما كانت ياسمين في طريقها لبناء حياة جديدة، كان والداها في تلك اللحظة يخوضان جلسة ثقيلة مع ذلك القادم دون موعدٍ مسبق. جلس جمال يتحدث بأريحيةٍ مستفزة وكأنه صاحب المنزل، ضارباً بعرض الحائط غضب أصحاب البيت الحقيقيين، الذين راحا يستمعان لعتابه وتبريراته الواهية وهو يبرئ ساحته مما حدث، مستعيناً بتلك الحمقاء التي كانت تؤيده بغبائها المعهود. قال جمال بنبرة يملؤها الزيف: ـ "والله لولا تقديري للحالة والوضع اللي أنتم فيه، ما كنت دخلت البيت ده تاني ولا عتبته! معلش يعني، أنا مغلطتش عشان يتجاب الذنب عليا.. بس هعذر ياسمين، هي أكيد كانت مصدومة من فعلة الخسيس خطيبها، إنه يسيبها على آخر لحظة.. منه لله!" كانت سما تهز رأسها بالموافقة وهي تنظر لوالدها برجاء أن يصدق كلمات جمال، بينما كان رشدي يجلس بصمتٍ مطبق، ونظراته تخترق جمال ببرودٍ غريب؛ ففي عقله كانت تدور صورة ياسمين وهي تحتضنه قبل قليل، وصوتها وهو يحذر من معرفة هذا الشخص بمكانها. أدرك رشدي الآن، وأكثر من أي وقت مضى، كم كان جمال صغيراً جداً مقارنةً بالابنة التي خسر وجودها في البيت بسببه أما اعتدال فقد كانت أكثر حزماً حين باغتته غير مبالية بكل الحديث الذي مضى، وقالت بنبرةٍ حادة: ـ "صحيح يا جمال.. مش آن الأوان بقى نتفق على ميعاد الفرح والتفاصيل؟" ـ "ميعاد الفرح!" ردد جمال عبارتها بتشتتٍ وارتباك، قبل أن تعيد هي تأكيدها بنبرة لا تخلو من تقريع غير مباشر: ـ "أيوة طبعاً ميعاد الفرح، ولا أنت نسيت؟ شهور وأنت داخل خارج على البيت، وزي ما فهمتنا من البداية إنك جاهز، يبقى فاضل إيه بقى على كتب الكتاب والدخلة؟ لو على دراستها، تكمل سنتها الأخيرة وهي في بيتك، مش ده كان اتفاقنا برضه من البداية؟" ساد الصمت الغرفة، وشعر جمال بأن الأرض بدأت تميد من تحت قدميه؛ فقد كان يظن أن انشغال العائلة بمصيبة "ياسمين" سيمنحه وقتاً إضافياً للمراوغة، لكنه وجد نفسه الآن أمام "اعتدال" أخرى، امرأة تضع النقاط على الحروف وتطالبه بالوفاء بوعوده الاولى قبل ان يغير نظرته ويعيد التفكير في العروس تلك التي تجلس الان جواره وقد اشرق وجهها لتؤيد والدتها بانبهار مستفز كعادتها: ـ أيوة صحيح يا جمال، انا عيني على حتة فستان يجنن، اكيد هيبقى روعة عليا لما البسه يوم فرحنا. .................................. داخل الطائرة بأجوائها الفاخرة التي تعيشها ياسمين لأول مرة، كانت تتلقى الترحيب الحار من "الشيخة" الجميلة التي تستضيفها، والتي لم تكف عن الحديث معها لطمأنتها وتبديد قلقها: ـ "حبيبتي ياسمين، لا تتقيدين في يلستج.. خذي راحتج، تراهي الطيارة مجهزة ومخصصة لهالشي. اشربي مشروبج واستمتعي، ولا تستحين من شي، إنتي مبدعة وهذا مكانج الطبيعي." ردت ياسمين بابتسامة مرتبكة: ـ "مبدعة مرة ثانية يا شيخة؟ اللي يسمعك ياخذ فكرة إني عاملة شيء عظيم، وأنا مجرد وحدة بتصمم وتصنع شنط." ضحكت الشيخة العنود برقي وهي ترفع الحقيبة اليدوية المجاورة لها: ـ "وهل هالجمال يُستهان به؟ شنطة 'هاند ميد' بهالفخامة وبهالمتريال العالي! نحن يا ياسمين مش بس بنكتسح السوق الخليجي، نحن بنغزو أوروبا وبننافس أكبر البراندات العالمية. كلمة 'مبدعة' تراها قليلة في حقج، وباجر بتذكرين كلام العنود." ردت ياسمين بتنهيدة تحمل التمني: ـ "يارب.. يسمع منك يارب، وأتمنى الكلمات اللي سمعتها منك دي في الطيارة تفضل ترن في راسي مع كل خطوة فيها نجاح." ـ "عيل، وخذي هالبشارة بعد عشان تسوي ذكرى ما تنتيحي." قالتها الشيخة وهي تشير بإصبعها نحو الخلف، لتلتفت ياسمين وتفاجأ بآخر شيء كان يمكن أن تتوقعه؛ أجواء احتفالية من المضيفين، ورجلٌ لم تكن تتخيل في أقصى أحلامها أن تراه هنا.. عبد الرحمن! ............................ عودة إلى الأجواء المشحونة داخل منزل رشدي، الذي نفض عنه غبار الشرود والحزن على رحيل ابنته، ليتحول إلى حالة من التحفز التام وهو يتابع المناقشة الحامية بين زوجته وجمال. كان جمال يراوغ بحديثٍ واهٍ لا ينطلي حتى على طفل صغير، محاولاً التملص من حصار اعتدال. ـ "بقولك الشقة لسه محتاجة تشطيب يا حماتي! هو أنا بتكلم إنجليزي ولا هيروغليفي؟" ردت اعتدال بنبرة حادة كالسيف: ـ "يا بني ما أنت كنت بتقول إنها جاهزة، وأخدتنا بنفسك وشوفناها!" ارتبك جمال للحظة لكنه استطرد بمراوغة: ـ "أيوة.. بس ناوي أعمل فيها حاجات تانية، ودي هتاخد وقت." هنا، لم يستطع رشدي الصمت أكثر من ذلك، فتدخل بلهجة أظهرت انفعاله المكتوم وسخطه: ـ "وقت إيه بالظبط اللي تاخده يا جمال؟ ما تنطق من الآخر وتقول السبب الحقيقي اللي مخليك تأجل.. لأن بصراحة ولا كلمة من اللي قلتها دخلت دماغي!" شعر جمال بزيادة الحصار عليه؛ فرشدي لم يعد ذلك الأب المستسلم، واعتدال باتت تطالبه بحق ابنتها سما التي كانت تتابع الموقف بلهفة لعلها تسمع موعداً لتنفيذ ما برأسها من خطط لذلك اليوم المميز حاول جمال تغيير دفة الحديث بابتسامة صفراء غير مفهومة، محاولاً استغلال "الوتر الحساس" للعائلة: ـ "الله! حتى أنت كمان يا حمايا؟ في إيه يا جدعان؟ مالكم النهاردة شادين السلخ عليا كده؟ طيب حتى راعوا البنية اللي خطوبتها اتفسخت قبل ما تتم.. هي فين صحيح؟ أنا عايز أشوفها وأتأسف لها." كان يقصد ياسمين، ظناً منه أنها ما زالت منكسرة في غرفتها، "ما تقومي يا سما اندهي أختك خليها تخرج من أوضتها، أكيد مقهورة.. حرام والله اللي بيحصل معاها ده!" همّت سما أن تنهض بالفعل لتنفيذ أمر خطيبها، إلا أن صوت والدتها أوقفها قبل أن تتحرك خطوة واحدة، وبسخرية لاذعة قالت: ـ "لا شاطرة قوي وبتسمعي الكلام! أختك لا قاعدة في الأوضة ولا في البيت من أساسه." سقطت سما جالسةً مرة أخرى وهي تسأل بذهول: ـ "أمال راحت فين يا ماما؟ رجعت تاني الشغل؟" جاء الرد من أبيها هذه المرة، صاعقاً وحاداً: ـ "ما أنتِ لو عندك دم وسألتي على أختك، كنتِ عرفتي إنها سابت البلد كلها وسافرت! سافرت من غير ما تودعك عشان حضرتك مابتسأليش." وقبل أن تستوعب سما حالة الذهول التي سيطرت عليها، سبقها جمال بانفعالٍ هستيري لم يستطع كبحه: ـ "هي مين اللي سافرت؟ وسافرت فين إن شاء الله؟ وإزاي تسافر من غير ما نعرف؟!" التفتت إليه اعتدال، وبنظرة مفحمة وجرأة لم يعهدها منها، قالت بجماة واحدة ألجمته: ـ "وأنت مالك؟" اختنق جمال من الرد، لكن سما تدخلت بحماقتها المعهودة لتدافع عن "منصب" خطيبها: ـ "إزاي يعني هو ماله؟ طيب وأنا؟ أختي تسافر من غير ما تقولي؟" خرجت ضحكة ساخرة مريرة من صدر رشدي وهو ينظر لابنته بأسى: ـ "دلوقتي يا اختي عرفتي إنها أختك في تلك اللحظة، فقد جمال السيطرة على أعصابه بسبب الأسلوب المتعمد من الاثنين، فصاح بهما بنبرةٍ غاضبة: ـ "جرى إيه؟ هو سر حربي؟ ولا إحنا أعداء وهنأذيها؟ دي أختها وأنا خطيب أختها!" قابلت اعتدال صيحته بحزمٍ تام هذه المرة، ووقفت أمامه كأنها تسد عليه كل ثغرات المراوغة: ـ "اسمع يا بني.. من الآخر كده أنت ميخصكش غير خطيبتك اللي قاعدة جنبك دي. بنتي التانية لا هي أختك ولا تخصك أصلاً! ليك دعوة بس باللي هتتجوزها، وإحنا بنخيرك دلوقتي تحدد ميعاد.. يا كدة يا نفضها سيرة!" برزت عروق وجه جمال، وشعر بأن اللعبة انتهت؛ فلا ياسمين موجودة ليطاردها، ولا سما عادت "الجسر" المريح الذي يستغله. صرخ بجملته وهو ينهض فجأة متوجهاً نحو الباب: ـ "نفضها يا ستي!" غادر المنزل بحالة من الغضب الهستيري، تاركاً الثلاثة في حالة من الذهول وعدم التصديق؛ فقد ألقى بكل وعوده و"حبه" المزعوم في لحظة واحدة، وكأنه كان ينتظر هذه الكلمة ليهرب من مسؤولياته .......................... كان الأمر أشبه بالحلم حين تفاجأت بـ عبد الرحمن معها في الطائرة نفسها، مرتدياً حلةً أنيقة كعادته، يحمل بين يديه باقةً من الزهور الفواحة، ويقترب منها وخلفه مضيفتان؛ واحدة تحمل علبةً مغلفةً بأناقة، والأخرى تحمل قالب "كيك" مزيناً بطريقة رائعة. نظرت ياسمين نحو الشيخة بتساؤلٍ ودهشة، فأجابتها الأخيرة ضاحكة بلهجتها الإماراتية: ـ "أنا مالي خص.. هو اللي شبط فيّ! لقيته محب وغلبان وقررت أركبه معانا الطيارة، دام إنه كدة كدة بيشتغل معانا." التفتت ياسمين إليه برأسها سريعة، ليتحدث هو بنبرة هادئة وواثقة: ـ "معلش، لو تسمحي لي أبقى عضو في فريق تسويق البراند الجديد يا ياسمين.. ده لو ما يزعلكيش يعني." ردت عليه بسخرية لم تخلُ من بريق الفرح في عينيها: ـ "يعني أنت جاي عشان الشغل؟!" ابتسم عبد الرحمن وهز رأسه ببطء، قبل أن يمد إليها باقة الزهور قائلاً بنبرةٍ اخترقت حصونها ـ ـ "لا.. أنا جاي عشان أقدم اعتذاري، وأطلب السماح من 'عطر الياسمين'.. إنه يحنّ عليا ويرضى يديني فرصة تانية في الرجوع." بشيء من الأسى، اختفت الضحكة من على فم ياسمين بتذكرها سبب الانفصال المرير، ففهم عبد الرحمن ما يدور بخلدها، وسارع بطمأنتها بنبرة يملؤها الصدق: ـ "وقسماً بالله ما هيحصل اللي في مخك يا ياسمين.. أنتِ أصلاً فوق مستوى الشك حتى لو كان الأمر مش بإيدك. أنا مقدر مخاوفك، بس عايز أطمنك إني بعد ما فكرت كويس، عرفت إني لا يمكن أقدر أسيبك ولا أتخلى عنك مهما كانت ظروفك." مرت لحظة من الصمت بينهما، وهي تطالعه بتردد وتبحث في عينيه عن الأمان، والشيخة العنود من الناحية الأخرى تتابع الموقف بصبرٍ بدأ ينفد، فتدخلت بلهجتها المحببة: ـ "يلا يا ياسمين.. اعطفي على حال الغلبان، وعلى ضمانتي الشخصية! يلا خلينا نسوي الخطوبة ونفرح بكلمة 'تم'." هنا انفجرت ياسمين ضاحكة، وكأن الضحكة غسلت كل أحزان الماضي: ـ "نعمل الخطوبة هنا في السما؟ فوق السحاب؟" كانت ابتسامتها بمثابة بشرى التقطها عبد الرحمن بلهفة: ـ "يا ستي عشان نبقى مميزين.. بس قولي آه!" ضحكت العنود تؤيده بحماس: ـ "قالها لج يا ياسمين.. قولي آه وريحينا!" في تلك اللحظة، جاء ردها أخيراً لتنير دربها بضحكة صافية: ـ "آه.. موافقة." صدحت على الفور أصوات الزغاريد من المضيفات، وتقدمت المضيفة بالعلبة المغلفة، ليتناولها منها عبد الرحمن ويخرج خاتم الخطوبة الماسي الذي يلمع كبريق عيني ياسمين، ثم أعطاها دبلته الفضية لتلبسها في إصبعه. انحنى عبد الرحمن برقيّ، وضم كفها بين يديه مقبلاً رأسها بتقديرٍ فائق، وسط أجواء احتفالية صاخبة من العنود والعاملين معها، قبل أن يتشاركا في تقطيع قالب الحلوى، إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من حياتهما؛ حياة عنوانها الثقة، وبدايتها من أعلى نقطة في السماء ....... تمت ..... اللي فرحان لياسمين يقول فرحان 😍