قلبي لمن امل نصر

استدار رشدي وغادر الغرفة، تاركاً ياسمين تواجه وحدها صمت الحيطان الذي بات الآن ثقيلاً وموحشاً كقبرها.

…………….

مساء

في غرفتها، كانت ياسمين تجلس وسط خيوط المكرمية وقطع الجلد، أصابعها تتحرك بمهارةٍ آلية، بينما قلبها يتمزق في صمت. كان ضجيج الصالة يصل إليها كأنه طعنات؛ أصوات الضحكات، “زغرودة” مكتومة، ووقع خطوات العريس وأهله الذين جاؤوا لترسيم “الخيانة” في إطارٍ شرعي.

تتجاهل ياسمين الوجع بتركيزها في عملها اليدوي، تُحكم عقدة الخيط بقوة كأنها تخنق أحزانها، لكن “ملح” الجرح كان أشد من أن يواريه الانشغال. فجأة، انفتح الباب دون استئذان، وطلت والدتها “اعتدال” بوجهٍ يملؤه التوتر والإصرار، وألقت نظرة شامتة على شنط الهاند ميد:

ـ “يا بنتي حرام عليكي نفسك، لسة بتضيعي وقتك في الشنط اللي لا بتودي ولا بتجيب دي؟ قومي يا ياسمين، الناس بره بيسألوا عليكي، وأمه عايزة تسلم عليكي مخصوص.. ما تخليش شكلنا وحش قدامهم، أرجوكي، خلّي الليلة تعدي على خير.”

حاولت ياسمين أن تصمد، أن ترفض، أن تقول إن كرامتها أغلى من “الأصول” الزائفة:

ـ “يا ماما حرام عليكي، سيبيني في حالي.. عايزاني أخرج أعمل إيه؟ أبارك لهم؟ أضحك وأنا قلبي بيتقطع؟ مش هقدر يا ماما، كفاية اللي أنا فيه.”

لم تستمع اعتدال لرجائها، بل بدأت في شدها من ذراعها بقوةٍ تداريها خلف نبرةٍ حنونة زائفة:

ـ “يا حبيبتي ده أصول، والناس بره بقوا سمن على عسل، وما صدقوا يصفوا النية، بلاش تطلعينا بمظهر الوحشة اللي بتحسد أختها ولا بتغل منها، قومي، البسي طرحتك واطلعي ارمي السلام، وبعدها ادخلي تاني.”

تحت “زن” والدتها القاسي، استسلمت ياسمين، ليس اقتناعاً، بل لتكف عن ملاحقتها. خرجت وهي تجر أقدامها، وما إن وطئت قدماها الصالة حتى كانت الصدمة الأولى: سما تجلس بجوار عريسها، يتهامسان بابتساماتٍ خجولة، جسدهما متلاصق في مشهدٍ استفزازي يعلن انتصار “المدللة”.

وقبل أن تستوعب ياسمين الموقف، انتفضت والدة العريس، سيدة ترتدي قناعاً من الود المفتعل، لتخطف ياسمين في حضنٍ خانق، هامسةً في أذنها بمكرٍ لا يدركه إلا أهل الخبرة:

ـ “كنتِ غايبة فين يا حبيبة قلبي؟ مفيش فرحة هتكمل من غيرك يا ياسمين.. إحنا برضه كنا عايزين نطمن إنك معانا ومباركة للنسب اللي يجمع ما بينا ايا كانت ياسمين ولا سما، انتوا الاتنين بنات اصول وعيلة محترمة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *