قلبي لمن امل نصر
ـ “أنا أسف.. شكلي قطعت عليكي لحظة صفاء كنتِ محتاجة لها.”
استجمعت ياسمين أنفاسها، وحاولت مداراة خجلها وهي ترد عليه بصوتٍ مرتعش قليلاً:
ـ “لا أبداً يا مستر، حضرتك مش قاطع حاجة.. أنا بس كنت بشم شوية هوا، المكان هنا بجد مريح للأعصاب.”
ابتسم عبد الرحمن وهو يتأمل هدوء المكان، ثم قال بمشاكسة رقيقة:
ـ “معاكي حق، الشجر والضل هنا يخلوا الواحد ينسى ضغط الشغل.. بس قولي لي، صحتك دلوقتي أحسن؟ مش عايزك تضغطي على نفسك، لو لسه تعبانة ممكن تروحي وتكملي راحة.”
نظرت إليه ياسمين بامتنان، وشعرت أن الهواء الذي كانت تستنشقه صار أكثر عذوبة بوجوده، وردت بعفوية:
ـ “والله يا مستر، أنا بقيت أحسن أول ما دخلت الشركة النهاردة.. وجودي وسطكم بيريحني أكتر من القعدة في البيت.”
كانت الكلمات تخرج من قلبها بصدقٍ لم تستطع إخفاءه، بينما كان عبد الرحمن يراقب ملامحها الرقيقة تحت ظلال الشجر، شاعراً برغبةٍ عارمة في أن يطيل هذا الوقت، بعيداً عن أعين الموظفين..
ـ طيب ممكن اقعد انا كمان؟
كان الطلب مفاجئاً، بل وصادماً لياسمين؛ أن يطلب مدير بهيبته ومكانته مشاركتها الجلوس في هذا الركن المتواضع! شعرت بضربات قلبها تتسارع، ورغم أن الموقف قد يثير همسات الزملاء، إلا أنها لم تقو على كسر خاطره أو رفض طلبه الذي قدمه بمنتهى الرقي.
ردت بارتباك وهي تهم بالنهوض:
ـ “اتفضل طبعاً يا فندم.. بس المكان هنا مفيش فيه غير كرسي واحد، اقعد حضرتك مكاني وأنا ثواني هروح أجيب كرسي تاني من جوه.”
ـ “لا.. مفيش داعي لكل ده، خليكي مكانك.”
قالها عبد الرحمن بهدوء وهو يحسم الأمر، وقبل أن تستوعب ياسمين ما ينوي فعله، اقترب من “جزع شجرة” ضخم كان ملقى بالقرب من مقعدها، ونظفه بيده بخفة ثم جلس عليه. أصبح الآن في مستوى جلستها تماماً، يواجهها بابتسامة واثقة بينما كانت هي تنظر إليه بذهول لم تستطع إخفاءه.
كانت جلسته على جزع الشجرة، بتلك البساطة والترفّع عن “البرستيج”، حركة جعلت ياسمين تشعر أن هذا الرجل لا يشبه أحداً؛ فهو يمتلك القدرة على جعل أكثر الأماكن عادية تبدو وكأنها جناح ملكي بفضل حضوره.
ساد صمت قصير، قطعه عبد الرحمن وهو ينظر إلى الأفق خلف السور:
ـ “عارفة يا ياسمين.. أوقات الواحد بيحتاج يبعد عن المكاتب والتكييفات، ويقعد القعدة البسيطة دي عشان يفتكر إنه إنسان قبل ما يكون مدير وموظف. شكراً إنك سمحتي لي أشاركك اللحظة دي.”