قلبي لمن امل نصر
…………………………..
كان وقع كلمات “اعتدال” كالمطارق فوق رأس “رشدي”؛ فالحقيقة التي كانت تحاول إخفاءها لسنوات برزت الآن عارية وقاسية أمام عينيه.
ـ “كان لازم تسمع منها قبل ما تمد إيدك عليها يا رشدي.. بنتك لو ضاعت مننا هتبقى أنت السبب يا رشدي!”
كانت اعتدال بنحيب متواصل توجه اللوم نحو زوجها، الذي كان ضميره يؤنبه بالفعل منذ اللحظة التي لمست فيها كفه وجه ابنته. استمع منها للقصة كاملة، ومنذ تلك الساعة والبيت يلفه صمتٌ جنائزي؛ بنتهما حبيسة غرفتها، ترفض الخروج أو حتى طمأنتهما، ولا تقبل أن “تبل ريقها” بقطرة ماء، رغم أن الوقت قد تجاوز منتصف الليل.
كلما حاولا الطرق على الباب، لم يأتِهما سوى رد واحد بصوتٍ واهن مكسور:
ـ “عايزة أقعد لوحدي.”
رد رشدي بعصبية محاولاً التملص من وخز ضميره:
ـ “ما خلاص بقى يا اعتدال وكفاياكي تقطيم فيا! أولع في نفسي يعني عشان تستريحي؟ هو لولا بنتك وقلة أدبها أنا كنت همد إيدي عليها؟”
ـ “بنتي عمرها ما قلة أدبها!”
صرخت بها اعتدال في وجهه وهي تسقط على الأريكة بتعب، ودموعها لا تتوقف:
ـ “طول عمرها مفيش في أدبها.. ساكتة وهادية وراسية، بتقبل بقليلها حتى وهي عيلة صغيرة، عقلها دايماً كان سابق سنها. لكن إحنا استغلينا ده وبقينا نيجي عليها في كل حاجة عشان عارفين إنها هترضى، مش زي أختها اللي بتاخد زيادة عن نصيبها وإحنا بنديها بطيب خاطر عشان نأمن إنها متزعلش مننا!”
شهقت بالبكاء وهي تواصل بمرارة:
ـ “طول عمرنا كنا ظلمة معاها، عمرنا ما كنا عادلين.. فضلنا نضغط ونضيّع عليها كل حاجة حلوة لحد ما وصل الظلم لمستقبلها كمان.. يا رب.. يا رب سامحنا.”
واصلت اعتدال بكاءها المرير، بينما وقف رشدي عاجزاً عن الرد؛ فكلامها أصاب الحقيقة في مقتل، ولم يجد ما يدافع به عن نفسه سوى الصمت المطبق، بينما كان جمال وسما خلف الأبواب المغلقة داخل غرفهما، كلٌ منهما يواجه شياطينه بطريقته، والبيت كله ينتظر.. ماذا ستفعل ياسمين حين يشرق الصباح
……………………..
في اليوم التالي، وبمجرد أن انفتح باب غرفة ياسمين، هرعت والدتها إليها بلهفة:
ـ “ياسمين! يا بنتي طمنيني عليكي.”
توقف الكلام على لسان “اعتدال” وهي تشاهد ابنتها مرتدية ملابس الخروج، وتجمع في يدها مجموعة من الأوراق الهامة تضعها في ملفٍ خاص، الأمر الذي أثار استغرابها فتحدثت دون ترتيب: