قلبي لمن امل نصر
ـ “هتروحي تصحيها من نومها وتزعجيها؟ معلش.. ابقي أسلم عليها في التليفون بعدين. امشي يا ماما الله يخليكي، سواق الشيخة مستنينا تحت، مش عايزين نتأخر.”
أومأت اعتدال بيأس تتبعها، حتى تساءلت ابنتها بنبرة حاولَت جعلها عادية:
ـ “بابا لسه في أوضته؟”
ردت اعتدال بفتور وهي تسبقها لفتح باب المنزل لتساعدها في إخراج حقيبة السفر:
ـ “خرج من ساعة
لا تنكر ياسمين أن بداخلها كانت تتمنى، على الأقل، أن تصافح والدها رغم خطئه في حقها وقسوة ضربته لها، لكن نظرته إليها اليوم كانت تحمل شيئاً من الانكسار لا تستطيع تخطيه بسهولة، ومع ذلك فقد خرج ولم ينتظر حتى يودعها، أو هكذا ظنت.
كان هذا ما يدور بخلدها قبل أن تفاجأ به أسفل البناية، واقفاً عند مدخلها. لا تنكر الاضطراب الذي أصاب أعماقها حين رأته؛ فقد كان الحزن يكسو ملامحه وهو يطرق رأسه بشرود، ولم يرفع عينيه إلا بعدما شعر بوجودهم.
ظل رشدي على جموده لحظات، بينما كان سائق السيارة الفاخرة يحمل عنهما الحقائب والمتعلقات ليضعها في الحقيبة الخلفية. وما إن اقتربت ياسمين من باب السيارة، حتى وجدت ذراعاً قوية تجذبها إلى الخلف، ليتلقفها حضن أبيها الذي عرفته لأول مرة في حياتها؛ حضنٌ دافئ، حزين، ومليء بالندم.
هو لا يعرف كيف يعبر عن أسفه بالكلمات، ولكن ما فعله وصَل إلى قلبها بوضوح، حتى خانتها دمعاتها وسقطت للمرة الثانية في وداع والديها. استسلمت للحظات في حضنه وكأنها تودع آلام الماضي، قبل أن تستقل السيارة الفاخرة وتغادر، مخلفةً وراءها دمعة أبٍ عرف قيمة جوهرته متأخراً، منطلقةً نحو الطائرة التي ستقلها إلى حياةٍ جديدة، حيث لا مكان فيها للضعف أو الخذلان
……………………………..
بعد لحظات لم تتعدَّ الساعة، كانت ياسمين تجلس داخل قاعة كبار الزوار؛ حيث تُنهى الإجراءات وتُفحص الجوازات بمنتهى السرعة والخصوصية، بعيداً عن صخب الزحام في الصالات العادية.
بينما كانت جالسة في تلك القاعة الفخمة، تحتسي قهوتها في هدوءٍ لم تعهده من قبل، بانتظار وصول “الشيخة” بصحبة مديرة أعمالها. نظرت ياسمين من خلف الزجاج الشفاف نحو مدرج الطائرات، وشعرت لأول مرة بأن الهواء الذي تتنفسه أصبح أخف، وكأن القيود التي كانت تكبل روحها قد تلاشت مع كل خطوة ابتعدت بها عن باب منزلها.