قلبي لمن امل نصر

…………………….

عادت ياسمين إلى المنزل، تجر أذيال خيبةٍ لم تتوقعها وقرفاً يملأ حلقها من ذلك المتبجح. دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، وكأنها تغلقه على العالم أجمع. رمت حقيبتها بعنف، وجلست على طرف سريرها تحاول التقاط أنفاسها المتهدجة.

“كيف؟” سألت نفسها بقهر، “كيف يجرؤ أن يظن ولو للحظة أنني سأقبل به؟ أيظنني سلعة تُباع وتُشترى، أو جائزة ترضية ينتقل إليها بعدما ملّ من أختي؟” لكن العجب سرعان ما تلاشى ليحل محله إدراكٌ مرّ؛ فأهلها هم من رسموا له هذا الطريق. تساهلهم معه، وفتحهم أبواب البيت له وكأنه واحد منهم قبل الأوان، وتدليلهم لسما على حساب كرامة ياسمين.. كل ذلك غدّى داخل “جمال” هذا الإحساس البغيض بأنه “الغنيمة” التي يحق لها الاختيار والتبديل كما يشاء.

حانت ساعة الغداء، وارتفع صوت والدتها “اعتدال” من الصالة تناديها بآلية مفرطة، دون حتى أن تقترب من باب غرفتها:

ـ “ياسمين.. يلا الغدا جاهز، اطلعي كلي لقمة معانا”

ردت ياسمين بصوتٍ مخنوق، محاولةً قدر الإمكان أن تبدو طبيعية:

ـ “مليش نفس يا ماما.. سيبوني دلوقتي.”

لم تكلف الأم نفسها عناء الدخول لتسأل: “ما بكِ؟ لماذا لا تشتهين الطعام؟” بل استمرت الحياة في الصالة وكأن ياسمين مجرد قطعة أثاث في زاوية الغرفة. لم تدخل سما، “المكتئبة” التي لا تخرج من غرفتها إلا لمصلحة أو لتطلب “شغلة” من ياسمين، ولم يدخل الأب ليطمئن.

استلقت ياسمين على سريرها، ونظرت إلى سقف الغرفة بمرارة. شعرت أنها منسية تماماً؛ ففي هذا البيت، يُسمح لسما بالانهيار والاكتئاب لأنها “الصغيرة المدللة”، ويُسمح للأب والأم بالحزن عليها ومواساتها. أما ياسمين، فمن حقهم أن يتركوها وحيدة ليومين أو أكثر، لا لثقتهم في “عقلها وحكمتها” كما يدّعون، بل لأنهم استسهلوا صمتها، واعتبروا صمودها فرضاً واجباً.

“إحساسي فليذهب إلى الجحيم”؛ هكذا همست لنفسها وهي تغمض عينيها بقوة. فالجميع هنا مطمئن لأن ياسمين “عاقلة”، والعاقل في شرعهم هو من يبتلع جمره ويصمت، بينما “المجنون” والأناني هو من يحصد كل الاهتمام.

وسط هذا القهر، قفزت إلى مخيلتها فجأة صورة “عبد الرحمن”.. نظرته الطويلة لها أمام الشركة، وشكوكه التي لمحتها في عينيه. شعرت بوخزة في قلبها؛ فبينما يتجاهلها أهلها تماماً، هناك من يراقب تفاصيل حركتها ويشعر بنقص فرحتها، حتى وإن كان ذلك بطريقة “مستفزة” تثير أعصابها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *