قلبي لمن امل نصر
في تلك اللحظة، فقد جمال السيطرة على أعصابه بسبب الأسلوب المتعمد من الاثنين، فصاح بهما بنبرةٍ غاضبة:
ـ “جرى إيه؟ هو سر حربي؟ ولا إحنا أعداء وهنأذيها؟ دي أختها وأنا خطيب أختها!”
قابلت اعتدال صيحته بحزمٍ تام هذه المرة، ووقفت أمامه كأنها تسد عليه كل ثغرات المراوغة:
ـ “اسمع يا بني.. من الآخر كده أنت ميخصكش غير خطيبتك اللي قاعدة جنبك دي. بنتي التانية لا هي أختك ولا تخصك أصلاً! ليك دعوة بس باللي هتتجوزها، وإحنا بنخيرك دلوقتي تحدد ميعاد.. يا كدة يا نفضها سيرة!”
برزت عروق وجه جمال، وشعر بأن اللعبة انتهت؛ فلا ياسمين موجودة ليطاردها، ولا سما عادت “الجسر” المريح الذي يستغله. صرخ بجملته وهو ينهض فجأة متوجهاً نحو الباب:
ـ “نفضها يا ستي!”
غادر المنزل بحالة من الغضب الهستيري، تاركاً الثلاثة في حالة من الذهول وعدم التصديق؛ فقد ألقى بكل وعوده و”حبه” المزعوم في لحظة واحدة، وكأنه كان ينتظر هذه الكلمة ليهرب من مسؤولياته
……………………..
كان الأمر أشبه بالحلم حين تفاجأت بـ عبد الرحمن معها في الطائرة نفسها، مرتدياً حلةً أنيقة كعادته، يحمل بين يديه باقةً من الزهور الفواحة، ويقترب منها وخلفه مضيفتان؛ واحدة تحمل علبةً مغلفةً بأناقة، والأخرى تحمل قالب “كيك” مزيناً بطريقة رائعة.
نظرت ياسمين نحو الشيخة بتساؤلٍ ودهشة، فأجابتها الأخيرة ضاحكة بلهجتها الإماراتية:
ـ “أنا مالي خص.. هو اللي شبط فيّ! لقيته محب وغلبان وقررت أركبه معانا الطيارة، دام إنه كدة كدة بيشتغل معانا.”
التفتت ياسمين إليه برأسها سريعة، ليتحدث هو بنبرة هادئة وواثقة:
ـ “معلش، لو تسمحي لي أبقى عضو في فريق تسويق البراند الجديد يا ياسمين.. ده لو ما يزعلكيش يعني.”
ردت عليه بسخرية لم تخلُ من بريق الفرح في عينيها:
ـ “يعني أنت جاي عشان الشغل؟!”
ابتسم عبد الرحمن وهز رأسه ببطء، قبل أن يمد إليها باقة الزهور قائلاً بنبرةٍ اخترقت حصونها
ـ ـ “لا.. أنا جاي عشان أقدم اعتذاري، وأطلب السماح من ‘عطر الياسمين’.. إنه يحنّ عليا ويرضى يديني فرصة تانية في الرجوع.”
بشيء من الأسى، اختفت الضحكة من على فم ياسمين بتذكرها سبب الانفصال المرير، ففهم عبد الرحمن ما يدور بخلدها، وسارع بطمأنتها بنبرة يملؤها الصدق:
ـ “وقسماً بالله ما هيحصل اللي في مخك يا ياسمين.. أنتِ أصلاً فوق مستوى الشك حتى لو كان الأمر مش بإيدك. أنا مقدر مخاوفك، بس عايز أطمنك إني بعد ما فكرت كويس، عرفت إني لا يمكن أقدر أسيبك ولا أتخلى عنك مهما كانت ظروفك.”
مرت لحظة من الصمت بينهما، وهي تطالعه بتردد وتبحث في عينيه عن الأمان، والشيخة العنود من الناحية الأخرى تتابع الموقف بصبرٍ بدأ ينفد، فتدخلت بلهجتها المحببة:
ـ “يلا يا ياسمين.. اعطفي على حال الغلبان، وعلى ضمانتي الشخصية! يلا خلينا نسوي الخطوبة ونفرح بكلمة ‘تم’.”
هنا انفجرت ياسمين ضاحكة، وكأن الضحكة غسلت كل أحزان الماضي:
ـ “نعمل الخطوبة هنا في السما؟ فوق السحاب؟”
كانت ابتسامتها بمثابة بشرى التقطها عبد الرحمن بلهفة:
ـ “يا ستي عشان نبقى مميزين.. بس قولي آه!”
ضحكت العنود تؤيده بحماس:
ـ “قالها لج يا ياسمين.. قولي آه وريحينا!”
في تلك اللحظة، جاء ردها أخيراً لتنير دربها بضحكة صافية:
ـ “آه.. موافقة.”
صدحت على الفور أصوات الزغاريد من المضيفات، وتقدمت المضيفة بالعلبة المغلفة، ليتناولها منها عبد الرحمن ويخرج خاتم الخطوبة الماسي الذي يلمع كبريق عيني ياسمين، ثم أعطاها دبلته الفضية لتلبسها في إصبعه. انحنى عبد الرحمن برقيّ، وضم كفها بين يديه مقبلاً رأسها بتقديرٍ فائق، وسط أجواء احتفالية صاخبة من العنود والعاملين معها، قبل أن يتشاركا في تقطيع قالب الحلوى، إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من حياتهما؛ حياة عنوانها الثقة، وبدايتها من أعلى نقطة في السماء