قلبي لمن امل نصر
ـ “هي عاملة إيه دلوقتي؟”
ساد صمتٌ مطبق. تنحى رشدي واعتدال جانباً بذهول، وصمت جمال فجأة وهو ينظر لهذا “العملاق” الذي اقتحم ساحته بهيبة أطفأت بريقه المصطنع. لم يصدقوا أنه يقصدهم، حتى ظنوا أنه أخطأ في المريضة.
شعر عبد الرحمن بوطأة نظراتهم المستغربة، وتنحنح ليلملم شتات ارتباكه ويصحح خطأه العفوي، ثم قدم نفسه بوقار أخرس الألسنة:
ـ “أنا عبد الرحمن.. مدير الآنسة ياسمين في الشركة.”
كانت سما تنظر إليه بعينين متسعتين، منبهرة بهذا الرقي الذي لم تره في جمال قط، بينما اعتصر الغل قلب جمال وهو يرى هيبة عبد الرحمن تأكل الجو من تحته. أما اعتدال، فقد شعرت لأول مرة منذ الصباح أن هناك اتى بعاطفة صادقة يسأل بقلبٍ موجوع عن حال ابنتها خلف قناع الرسمية.
انتفض “رشدي” من مكانه، وبحفاوة مبالغ فيها مد يده ليسلم على عبد الرحمن سلاماً حاراً، وكأنه وجد في هيبته طوق نجاة من ضجيج خطيب ابنته المتحذلق، بدأ يعرفه بالعائلة بصوت يملؤه الفخر الممزوج بالارتباك:
ـ “أهلاً يا باشا، نورتنا.. أنا والد ياسمين، ودي والدتها، ودي أختها سما.. وده الأستاذ جمال خطيب أختها.”
عند الاسم الأخير، تجمدت نظرات عبد الرحمن. تبادل مع جمال نظرة حادة؛ كانت مزيجاً من الدهشة والارتياب من جانب عبد الرحمن، الذي استرجع فوراً مشهد الأمس. “هذا هو الرجل الذي جاء لياسمين في الشركة!”، تذكر مبررها المرتجف وقتها بأنه كان خطيب أختها، لكنه الآن يقف بجوار الأخت ذاتها وكأن شيئاً لم يكن. تعجب عبد الرحمن من سرعة عودته، ومن تلك الفتاة “سما” التي كانت ترمقه بنظرات جريئة، تخلو من أي حياء، بل تقترب من الوقاحة رغم وجود خطيبها بجانبها.
قارن عبد الرحمن في سره بين الأختين؛ شتان بين “سما” وبين ياسمينه الرقيقة، التي تخجل من أقل همسة، وتغلّف رقتها بجفاء مصطنع يصل إلى “الغشم” في بعض الاحيان في تعاملها معه، ومع ذلك كان يتقبل كل ذلك بصدر رحب، لأنه يدرك أن خلف تلك الحدة قلباً أبيض يحاول حماية نفسه.
أما جمال، فقد استعرت النيران في صدره. كانت نظراته لعبد الرحمن تقطر كرهاً أسود؛ ليس فقط لوسامته الطاغية أو لكونه سحب البساط من تحت قدميه وأطفأ حضوره تماماً، بل لأن هناك سؤالاً ينهش عقله: “كيف عرف هذا الرجل بمرضها بهذه السرعة؟ ولماذا يتكبد مدير شركة عناء المجيء إلى مستشفى حكومي بسيط لأجل موظفة لديه؟”