قلبي لمن امل نصر
تذمرت سما في البداية واستغربت هذا الحماس المفاجئ، ولكن قبل أن ترفض، اشتعل داخلها الشغف، وبذات الحماقة التي تسكنها، تركت هاتفها فجأة وارتسمت على وجهها ابتسامة غريبة، ليس اهتماماً بأختها، بل لأن خيالها “المريض” استرجع فوراً صورة عبد الرحمن بهيبته ووسامته التي خطفت أنفاسها في المستشفى.
سألت جمال وهي تلملم حقيبتها بسرعة، واللمعة في عينيها فضحتها:
ـ “طب مش هنستنى الأكل الأول؟ ده زمانه على وصول!”
رد جمال وهو يدفع الكرسي للخلف بعنف، وعيناه تقدحان شرراً:
ـ “أكل إيه وزفت إيه دلوقتي؟ بقولك قومي.. ميبقاش أختك تعبانة ونازلة شغلها وإحنا قاعدين نتمطّع هنا، دي أصول دي؟ على الاقل تطمن عليها ونحسسها انها في اهتمامنا ياللا يا سما!،”
كان جمال يغلي؛ فكرة أن ياسمين الآن في “حِمى” عبد الرحمن، يستفرد بها في مكتبه، يواسيها بكلماتٍ معسولة أو يحيطها باهتمامٍ رآه بعينه في المستشفى، كانت كافية لتجعله يفقد صوابه. لم يكن ذهابه للشركة بدافع الاطمئنان، بل كان “غزوة” يخطط لها ليقطع الطريق على أي تقارب، وليثبت لعبد الرحمن قبل ياسمين أنه واقفا لهما بالمرصاد.
أما سما، فكانت في عالمٍ آخر، بدأت تعدل من هيئتها وتنظر في مرآة حقيبتها وهي تهمس لنفسها:
ـ “أحسن برضه.. أهو الواحد يغير جو الكآبة ده، ونشوف الشركة الشيك دي والمستر اللي يفتح النفس.”
خرجا من المطعم بخطواتٍ واسعة، جمال يسبقها بخطواتٍ كأنه يسابق الزمن، بينما كانت هي تحاول ملاحقته بكعبها العالي.
…………………….
في وقت الاستراحة، لم ترغب ياسمين في الانخراط في ضجيج “الكافيه” أو البقاء في مكتبها لتلوك الأحاديث المكررة مع زميلاتها، بل سحبتها قدماها نحو الفناء الخارجي للشركة؛ حيث تقبع بضع شجيراتٍ وارفة داخل السور، تنسجُ بظلالها ملاذاً آمناً من صخب العمل. كان الهواء المنعش يمرُّ كبلسمٍ يداوي جراح الروح، فاستسلمت له، وأغمضت عينيها لتستشعر تلك النسمات وهي تلامس وجهها وتداعب خصلات شعرها في “لحظة صفاء” كانت تفتقدها بشدة.
غابت ياسمين عن العالم لثوانٍ، حتى شعرت بظلٍ يقطعُ تسلل الشمس إلى جفونها، ففتحت عينيها فجأة لتجد أمامها “عبد الرحمن”. كانت الابتسامة تملأ وجهه، ونظراته تحمل مزيجاً من الإعجاب والسكينة؛ فانتفضت بداخلها وظهر الارتباك جلياً على حركاتها، وكادت أن تعتدل في جلستها بوجل، لكنه تدارك الموقف بلباقته المعهودة وهمس بنبرةٍ هادئة: