قلبي لمن امل نصر

التقطت ياسمين السؤال لتخرج إجابتها مشحونة بالتحدي والقوة والغيظ، وهي تنظر لجمال باحتقار قبل أن تستقر نظرتها على عبد الرحمن بفخر:

ـ “مش محتاج تسألني يا عبد الرحمن.. أنا في حياتي ما شوفت، ولا أظن هشوف، حد في أخلاقك العالية دي!”

أثلج رد ياسمين الحاسم قلب عبد الرحمن، الذي استند بظهره إلى الكرسي وهو ينظر لجمال بثقة مضاعفة، نظرة كانت بمثابة رصاصة رحمة لغروره الجريح. حتى والدة عبد الرحمن، التي كانت متحفظة قليلاً، بدأت ملامحها تلين وابتسمت لياسمين بإعجاب؛ فهذه الفتاة ليست رقيقة فحسب، بل هي “لبؤة” تدافع عن اختيارها بشراسة. أما جمال، فقد صار حرفياً “يخرج الدخان من أذنيه” من فرط الحريق الذي نشب في جوفه؛ فكلما حاول حفر حفرة لياسمين، ردمها عبد الرحمن وحولها إلى منصة تكريم لها. ضحك رشدي بارتباك وهو يحاول تلطيف الأجواء المشحونة: ـ

ـ “أكيد يا جماعة.. الجواب باين من عنوانه، والله بنتنا بتحلف بأخلاقك يا بني، وإحنا بصراحة ما نلاقيش أحسن منك.” فتح جمال فمه، وعروق رقبته بارزة، ليلقي بسؤال مستفز آخر يفرغ فيه غله: ـ

ـ”أيوه بس يا عمي.. أنا كان قصدي يعني إن…”

“اعتدال” لم تمنحه فرصة لنفث سمه مجدداً؛ فقاطعته بحزم وكأنها لا تراه أصلاً، موجهة حديثها لوالد عبد الرحمن:

ـ “أنا بقول ندخل في تفاصيل الخطوبة على طول.. الواد والبت شاربين بعض، وإحنا العيلتين موافقين ومباركين، يبقى هنستنى إيه تاني؟ ما تسمعونا صلاة النبي يا جماعة!” ارتفع صوت الجميع بالصلاة على النبي، وضاعت جملة جمال المبتورة في زحمة التأمين على كلام اعتدال. شعر جمال بمهانة لم يذقها من قبل؛ فقد أصبح “خيال مآتة” في الجلسة، بينما كانت سما تجلس بجانبه شاردة، تراقب هذا الاحتفاء بـ “ياسمين” التي كانت بالأمس القريب “المركونة” في البيت، واليوم هي ملكة الحفل.

كانت تلك الليلة بالنسبة لياسمين أشبه بحلمٍ وردي لم تستيقظ منه بعد، ليلةٌ فاقت بجمالها وتفاصيلها أبعد حدود خيالها. مرت الساعات بسلامٍ عجيب، وكأن القدر قرر أن يعوضها عن كل لحظة انكسار؛ فإعجاب أهل عبد الرحمن بها لم يعد مجرد “مجاملة”، بل صار حقيقةً ملموسة بعد موقفها القوي في الدفاع عن اختيارها، ذلك الرد الذي ألجم جمال وجعل والدة عبد الرحمن ترى فيها الزوجة الأصيلة والمناسبة لابنها. حتى طلبات والدها “رشدي”، التي كانت تخشى أن تكون تعجيزية، قُبلت بترحاب وكرم شديد من جانب عائلة عبد الرحمن، مما جعل الأمور تسير بيسرٍ لم تحسب له حساباً. والآن، وهي ممددة على فراشها، والهدوء يلف غرفتها، تحتضن هاتفها بابتسامةٍ لا تفارق ثغرها، تستمع إلى صوت عبد الرحمن الدافئ وهو يهمس لها بأعذب كلمات الحب والتقدير قبل أن تنام. قال لها بنبرةٍ تملؤها الثقة والمودة

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *