قلبي لمن امل نصر
خرجت الكلمة من بين شفتيها كالجمر، ثم نهضت فجأة وغادرت الغرفة وهي تشعر بضيق في تنفسها، متوجهة إلى شرفتها لتتصل بجمال، وهي تنوي أن تفرغ في وجهه كل القهر الذي شعرت به في هذه اللحظة.
……………………
داخل الغرفة، كانت ياسمين قد انتهت من قياس فستان الخطوبة الذي اختاره عبد الرحمن، لتقف أمام المرآة بذهول وهي تراه “منحوتاً” على جسدها وكأنه صُمم لها خصيصاً. انفجرت ضاحكة بعلو صوتها، وهي تدور حول نفسها بفرحة طفولية:
ـ “يا نهار أبيض! ده طلع مظبوط بالمللي زي ما قال عبد الرحمن بالظبط.. وأنا اللي كنت خايفة يطلع ضيق لما صمم إني ماقيسش في المحل واعتمد على نظره!”
غمزت بعيناها اعتدال وهي تضرب بكفيها إعجاباً من دقة اختياره، وقالت بمداعبة:
ـ “عشان تعرفي إنه نمس ومش سهل! ده أنا اللي أمك ولحد دلوقتي معرفش مقاسك بالظبط وبغلط فيه، بس أقولك إيه.. هما الرجالة السهتانين اللي زيه كدة بيبقى نظرهم رصاص، وعارفين هما بيختاروا إيه كويس.”
تعالت ضحكات ياسمين أكثر وهي تسمع وصف والدتها له بـ “النميس”، ثم ارتمت على السرير بجسدها المنهك من الفرح، ووضعت يدها على قلبها محاولةً تهدئة أنفاسها المتقطعة. كانت دقات قلبها تقرع بعنف، ليس من المجهود، بل من فرط السعادة التي لم تعتد عليها؛ سعادة أن تجد رجلاً يهتم بأدق تفاصيلها، ويحفظ قياساتها، ويحرص على أن تظهر في أجمل صورة دون أن يرهقها حتى في “القياس”.
ساد صمت قصير في الغرفة، لم يقطعه إلا تنهيدة ياسمين العميقة وهي تنظر لسقف الغرفة بابتسامة حالمة، شعرت في تلك اللحظة أن كل وجع الماضي تلاشى، وأن عبد الرحمن لم يهدِها فستاناً وشبكة فقط، بل أهداها “أماناً” جعل قلبها يرقص من الفرح لأول مرة بصدق.
وتحدثت بنبرة صوت خافتة، مشوبة بصدقٍ جارح:
ـ “مكنش يخطر في بالي يا ماما بصراحة إني هلاقي حد زيه كدة.. ده أنا جه عليا وقت افتكرت إني مش هتجوز أصلاً، وكنت خلاص سلّمت بالأمر الواقع.”
وقعت الكلمات على مسمع اعتدال كوقع الصدمة؛ فتجمدت يداها وهي تطوي أحد الأثواب، وتأملت ابنتها بنظرةٍ غلب عليها الخزي والندم. لأول مرة، رأت اعتدال “ياسمين” الحقيقية، ليس الابنة “العاقلة” التي لا تطلب شيئاً، بل الفتاة التي كادت تفقد الأمل في نصيبها من السعادة بسبب إهمال من حولها.