قلبي لمن امل نصر
مساء الخير……. عليكم!”
اقتحم هذا الصوت المزعج أسماعها، فالتفتت برأسها نحو المصدر لتجده هو؛ ذاك الشخص الكريه بذاته، واقفاً أمامها بنظراتٍ ماكرة ومستفزة، يوزع بصره بينها وبين عبد الرحمن بشكٍ فاضح.
ظهرت من خلفه سما التي تقدمت نحوهم بلهفةٍ مصطنعة وقالت:
ـ “إيه ده! إنتِ هنا يا ياسمين؟ ده إحنا كنا داخلين المبنى عشان نطمن عليكي، نقوم نلاقيكي هنا مع الأستاذ عبد الرحمن.. إزيك يا أستاذ؟”
كان عبد الرحمن على وشك رد تحيتها رغم استهجانه للميوعة الواضحة في نطقها، إلا أن جمال قاطعه ليصبَّ سمَّ كلامه:
ـ “أيوه فعلاً، كنا جايين وقلقانين عليكي عشان خرجتي من المستشفى وإنتِ تعبانة، بس واضح إن الجو هنا حلو قوي ويشفي العليل! هو إنتوا دايماً كدة شغلكم بيبقى بره في “الطل” بعيد عن المكاتب ولوحدكم؟”
أوشكت ياسمين أن تنفجر فيه وتلقنه درساً في الأدب، ردا على. تلميحه السافر، لكن عبد الرحمن كان الأسبق؛ رد بهدوءٍ وثباتٍ عجيبين:
ـ “لا يا أستاذ جمال.. مفيش شغل بره المكتب أكيد، ياسمين كانت في فترة استراحة، وأنا استغليت الفرصة عشان أقتحم خلوتها وأتكلم معاها.”
كان جمال على وشك الجنون من بساطة عبد الرحمن في الرد، ينوي التمادي في تلميحاته القذرة، لكن سما سبقته بحماقتها المعهودة قائلة:
ـ “تتكلم معاها؟ لدرجة دي حضرتك متواضع!”
ـ “متواضع؟”
رددها عبد الرحمن بنبرة ساخرة، قبل أن يلقي بقنبلته التي ألجمت الجميع:
ـ “الحكاية مالهاش دعوة بالتواضع.. الحكاية إني كنت بفتح معاها موضوع مهم جداً، موضوع جواز.. أصل أنا ناوي أتقدم لها!”
توقف الزمن لثوانٍ في ذلك الفناء الصغير. وقعت كلمات عبد الرحمن على مسامع الجميع كالصاعقة، فتبدلت ملامح كل واحد منهم في تلك اللحظة؛ ياسمين التي اتسعت عيناها بذهول ودهشة لم تكن تتخيلهما في أحلامها، سما التي تجمدت ابتسامتها المبتذلة على وجهها، وأخيراً “جمال” الذي تحول وجهه من السخرية الماكرة إلى حمرة الغضب المكتوم، فقد تحول “الاستفزاز” الذي جاء به إلى رصاصة أصابت كبرياءه في مقتل.
أكمل عبد الرحمن كلماته وهو ينهض بوقار عن جزع الشجرة، ماسحاً عن ملابسه بهدوء، ثم ثبت نظره مباشرة في عيني جمال، متجاهلاً تماماً صدمة سما وذهول ياسمين، وقال بنبرة واثقة: