قلبي لمن امل نصر
أما الصراع الصامت، فكان يدور في زوايا الغرفة: عبد الرحمن كان في عالم آخر، عيناه لا تفارقان ياسمين، يحيطها بنظراتٍ مطمئنة كأنه يعتذر لها عما تسببت فيه أختها. وفي المقابل، كانت ياسمين تكاد تذوب خجلاً وقلقاً؛ فنظرات والدة عبد الرحمن إليها لم تعد تحمل ذات اللهفة التي استقبلت بها سما في البداية، ربما بسبب الحرج الذي شعرت به السيدة من ذلك الموقف السخيف، أو لأن سما -بفعلتها- وضعت غشاوة مؤقتة على اللقاء.
وعلى الجانب الآخر، كانت سما تجلس كالجمر المشتعل، تأكل في نفسها من تجاهل عبد الرحمن التام لها بعد إحراجه العلني لشخصها. أما جمال، “السمج” كما تصفه ياسمين دائماً، فلم يكن مع خطيبته قلباً ولا قالباً؛ كان كل تركيزه منصباً على عبد الرحمن، يراقبه بعينين تملؤهما الغيرة والغل، محاولاً فهم سر تلك الثقة التي يتمتع بها هذا الرجل الذي جاء ليخطف الأضواء والأنظار في بيتٍ كان جمال يظن أنه السيد المطاع فيه
تنحنح والد عبد الرحمن ليقطع استرسال رشدي في الكلام، وقال بوقار وثبات:
ـ “يا حاج رشدي، إحنا يشرفنا ويسعدنا نطلب إيد الآنسة ياسمين لابننا عبد الرحمن، وأظن الشباب متفاهمين، وإحنا جينا النهاردة عشان نبارك التفاهم ده ونبقى أهل.” هنا، التفت جمال فجأة، وبنبرةٍ حاول أن يجعلها تبدو كـ “ناصح عائلي” لكنها كانت تقطر سماً، قال: ـ
“أكيد طبعاً يا فندم، بس يا ريت برضه نعرف نظام شغل الأستاذ عبد الرحمن إيه؟ أصلنا سمعنا إن نظام المكاتب عندكم فيه “انفتاح” شوية؛ ستات داخلة وستات خارجة.. هو شغل الهاند ميد ده تخصص ستات بس؟ مفيش رجالة؟ معلش يعني أنا بسأل بصفتي خطيب سما، ويعني ياسمين دي زي أختي.. ولا إيه يا عم رشدي؟”
ساد صمت مفاجئ وثقيل، وتعلقت الأنظار بعبد الرحمن الذي لم تهتز منه شعرة، بينما شعرت ياسمين أن الأرض تميد بها من وقاحة جمال الذي قرر ضرب الليلة في مقتلها. صمت رشدي ولم يعرف بما يرد، أما اعتدال فقد اشتعلت عيناها وهي تراقب الغضب والدهشة التي احتلت ملامح الضيوف، عكس ابنهم “عبد الرحمن” الذي تبسم بثقة، وقرر قصف جبهة المذكور بقوله:
ـ “بغض النظر عن تعميمك اللي مش مظبوط، لأن الشركة عندنا فيها رجالة طبعاً، بس أكيد مش قد عدد الستات لأن معظم تخصصات الهاند ميد في إيدهم.. لكن برضه أنا هجيب لك من الآخر: أنا لو شركتي فيها مية ست وأنا الراجل الوحيد وسطهم، ده شيء ميفرقش معايا لأني عارف أخلاقي كويس، وأظن إن ياسمين كمان عارفاها.. ولا إيه يا ياسمين؟”