قلبي لمن امل نصر
بمجرد أن انتهت سما من جملتها التحريضية، ساد صمتٌ ثقيل لم يقطعه سوى أنفاس رشدي المتلاحقة وهو يقترب من وسط الصالة، وعيناه لا تزالان معلقتين بياسمين بنظرة لومٍ قاسية، وكأنها هي الجاني لا المجني عليه.
ـ “كلام أختك ده صح يا بت؟ يعني عشان عبد الرحمن طلع مش راجل وطفش قبل ما نعمل حفلة خطوبتكم، جاية تطلعي غلك في أختك وخطيبها؟ جاية تخرقي المركب باللي فيها؟”
ارتعشت شفتا ياسمين بقهرٍ شديد، فخرج ردها في صرخة مدوية احتجت بها على انعدام العدل؛ شقيقةٌ تقلب الحقائق في ثانية، وأبٌ مستعد لرمي التهم عليها دون بينة:
ـ “أنا اللي بخرق المركب يا بابا؟! وعبد الرحمن طلع مش راجل؟ ولا أنت اللي ما صدقت تلاقي تهمة ترميها عليا قبل ما تسمعني أو تفهم سبب المصيبة اللي أنا فيها؟ كل ده عشان أنت أب ظالم!”
ـ “ظالم يا بت الكلب؟!”
لا يدري متى خرجت منه، ولا كيف امتدت كفه لتحط على خد ياسمين بصفعة قوية أجفلت الجميع، حتى صرخت “اعتدال” وهي تتوسط بين ابنتها وزوجها لتمنعه عنها وهي تؤنبه بحدة:
ـ “إيه اللي بتعمله ده يا رشدي؟ هي بنتك لسه صغيرة عشان تمد إيدك عليها بالشكل ده؟”
كان رشدي متفاجئاً من نفسه أمام أنظار “جمال” الذي لم يتخيل أن يتطور الأمر إلى هذا الحد، ولا “سما” التي أصابها الذهول، لكنه حاول تبرير فعلته بصوتٍ لاهث:
ـ “هي السبب.. عايزاني أسكت لها وهي بتبجح فيا وبتقول عليا ظالم؟”
اكتفت اعتدال بزجره بنظرة خانقة، ثم التفتت نحو ابنتها التي بدت كتمثالٍ رخامي؛ لم تنزل منها دمعة واحدة، ولم ترفع كفها حتى لتلمس أثر الصفعة التي طبعت أصابعها حمرةً ووجعاً على خدها.
كانت ياسمين جامدة بصورة تثير القلق والارتياب، لم ترد بكلمة واحدة على والدتها التي كانت تسألها بجزع لتطمئن عليها ولو بلفتة صغيرة، لكنها لم تفعل.. كل ما فعلته أنها ظلت للحظات محدقة بعيني والدها، الذي كان يجاهد ليدعي القوة أمامها ويوهم نفسه بأنه صاحب حق رغم شعوره القاتل بالخطأ.
تجاهلت “جمال” وشقيقتها تماماً، وكأنها لم تعد تراهما، وظلا يرقبانها بوجل في انتظار أي رد فعل، حتى تحركت فجأة بخطوات آلية متوجهة إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بهدوءٍ مرعب، مخلفة وراءها صمتاً أشد إيلاماً من صوت الصفعة ذاتها