قلبي لمن امل نصر

…………………….

دخلت ياسمين الشركة في الصباح كمن يدخل معركة، عيناها المحتقنتان من قلة النوم أخفتهما بتركيز مبالغ فيه على أوراقها وخيوطها. انغمست في العمل لدرجة الإرهاق، كانت تعاقب جسدها حتى يتوقف عقلها عن استرجاع كلمات “جمال” المسمومة أو مشهد خذلان أهلها.

ومع ذلك، لم يكن من السهل تجاهل وجود “عبد الرحمن”. كان يمر من أمام مكتبها كغريب، معاملته أصبحت رسمية لدرجة الجليد، وجمل المشاكسة التي كانت تملأ المكان اختفت تماماً. كانت تلمح في نظراته عتاباً مكبوماً وكلاماً كثيراً يرفض الخروج، مما جعل الحيرة تنهشها. “أكيد أنا موهومة.. هو ماله ومالي؟ أنا هنا موظفة وبس”، هكذا كانت تبرر لنفسها وهي تغرس إبرتها في الجلد بقسوة.

حانت لحظة الاجتماع لمناقشة تسليم الطلبية الجديدة. جلس عبد الرحمن أمامها بوقار حاد، ودار النقاش جافاً، تقنياً، وخالياً من أي روح. بعد أن انتهيا واتفقا على كل التفاصيل، جمعت ياسمين أوراقها وهمت بالمغادرة، لكن صوته استوقفها عند الباب، كان صوتاً مخنوقاً بالفضول والقهر:

ـ “آنسة ياسمين.. واضح إن المشاوير الخارجية واللقاءات ‘المفاجئة’ بدأت تأثر على المواعيد، يا ريت نركز في الشغل الفترة الجاية أكتر.”

تسمرت ياسمين مكانها، واستدارت ببطء مستغربة من نبرته المبطنة:

ـ “حضرتك تقصد إيه؟ أنا تسليماتي في موعدها، ومفيش لقاءات أثرت على شغلي.”

بدأ عبد الرحمن يفقد سيطرته على هدوئه المزيف، ووقف خلف مكتبه وهو يرمقها بنظرة حادة:

ـ “أنا مقلتش أثرت على الجودة، أنا بتكلم عن ‘الجو العام’. الشركة هنا مكان للشغل، مش لمقابلات شخصية عند الباب الخارجي مع ناس غريبة.. إلا لو كان الشخص ده يهمك لدرجة إنك تخرجي معاه في وقت العمل.”

شعرت ياسمين بالإهانة، وقررت مراوغته ببرود مستفز:

ـ “والله دي أمور شخصية، وأنا حرة في وقتي طالما شغلي خلصان، متهيألي مفيش داعي للتحقيق ده.”

هنا انفتح بركان الغضب عند عبد الرحمن، وضرب بيده على المكتب وهو يصيح بعصبية:

ـ “لا بقى مش حرية شخصية لما أشوفك خارجة مع واحد وانا معرفش مين ده؟ لازم اضايق. حضرتك عاملة فيها الوقورة والمتحفظة، تخرجي مع الشخص ده بالذات ليه بقى؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *