قلبي لمن امل نصر
ـ “يا بت مالك؟ ردي عليا يا ياسمين! انطقي يا بنتي، لو حد مات أو حصلت مصيبة المهم تردي، متموتنيش من الخوف عليكي كدة!”
لم تستجب ياسمين لدموع والدتها ولا لنحيبها؛ فصدمتها في “عبد الرحمن” كانت أشد قسوة من كل ما مرت به. لم تكن تشعر ببرودة جسدها، بل بمرارة الكلمات التي قيلت، وبخيبة الأمل في الشخص الوحيد الذي ظنت أنه سيكون هو “العوض” لها عما عانته طوال سنوات عمرها من تفرقة واضحة بينها وبين شقيقتها من قِبل والديها، وما زالت تعانيه مع دخول ذلك الخبيث وألاعيبه المستمرة في تخريب حياتها.
ظلت اعتدال تواصل نداءها وهزها بجزع، وقلبها يكاد يتوقف من الرعب، بينما ياسمين غائبة في عالم آخر، تتذكر بمرارة كيف وضعت “الدبلة” على الطاولة، وكيف تركته وغادرت دون أن تنظر خلفها، تاركة وراءها كل أحلامها التي تهشمت عند أول اختبار حقيقي للثقة.
بدرت التفاتة مفاجئة من ياسمين نحو باب البيت، تزامناً مع صوت سما الذي دوى بمرحٍ مستفز وهي تدعو خطيبها للدخول:
ـ “تعالي شوفي يا ماما الفستان اللي جابهولي جمال، عشان تعرفي خطيبي وحلاوته وكرمه.. يا ماما! يا ياسمين! إيه ده، أنتوا قاعدين هنا؟”
هرولت سما لتقف أمام والدتها وشقيقتها، وبدأت تفتح كيس الفستان بلهفة وتفرده أمامهم، غير مبالية ـ أو ربما متجاهلة ـ لمنظرهم الغريب وحالة الوجوم التي تخيم على المكان. صاحت سما بزهو وهي تتأمل القماش اللامع:
ـ “شايفة يا ياسمين؟ الفستان يجنن! هو أينعم شبه فستانك حبتين، بس أنتِ العروسة طبعا ودي حاجة معروفة يعني!”
كان جمال يخطو خلفها بخطواتٍ واثقة، وعيناه تلمعان بانتشاءٍ خفي وهو يرى حال ياسمين “المحطم”، أيقن أن سمه قد سرى في عروق عبد الرحمن كما خطط تماماً. تقمص دور البراءة والشهامة وهو يقول بنبرةٍ سمجة:
ـ “أنا سبتها تختار اللي هي عايزاه يا ياسمين، يعني ماليش دعوة إن كان شبه فستانك اللي ماشفتوش أصلاً.. المهم هي تكون مبسوطة.”
ما أقبح ملامحه في تلك اللحظة! وما أشد قبح أختها “المريضة” التي جلبت فستاناً لا يشبه فستان ياسمين فحسب، بل تعمدت أن يتفوق عليه بتفاصيلٍ أكثر فخامة، وكأنها حتى لو تمت فرحة شقيقتها، كانت ستصر على إنقاص فرحتها بأنانيتها المعهودة.