قلبي لمن امل نصر
ـ “أنت بتبعت الكلام ده لمين يا بني آدم أنت؟ احترم نفسك وخليك في خطيبتك، وإياك رقمي يظهر عندك تاني!”
رد بابتسامة صفراء لا تفارق وجهه، وهو يرفع يديه ببراءة مستفزة:
ـ “يا خبر يا ياسمين! أنتِ فهمتي إيه؟ دي رسالة كنت باعتها لسما وراحت لك بالخطأ، أصل الأسماء عندي جنب بعض، والواحد بيبقى مش مركز وهو بيكتب لحبيبته.. أنتِ قلبك أسود قوي يا ياسمين، خليكي ‘فريش’ زي سما.”
نظراته كانت تقول غير ذلك تماماً، كانت عيناه تلاحقها في ردهات الشقة، وتراقب نجاحها الذي بدأ يغير ملامحها ويجعلها أجمل وأقوى، كأنه نادم على اختياره السريع لـ “الطفلة المدللة” حين رأى “المرأة الناجحة” التي ولدت من رحم الوجع.
حتى جاء ذلك اليوم
كانت ياسمين قد خرجت من باب الشركة بخطوات متسارعة، وصوت رنين هاتفها لا يتوقف، وكأن (جمال) قد فقد صوابه أو قرر أن يحرق ما تبقى لها من أعصابها. نظرت إلى الشاشة بغيظ وقهر، ثم وبحركة حاسمة ضغطت على زر الإغلاق تماماً. سألت نفسها بمرارة: “بيرن ليه دلوقتي؟ مش كفاية اللي عمله؟ مش كفاية النظرات والرسائل؟ ده بني آدم معندوش دم!”
وقفت على الرصيف في انتظار تاكسي، والزحام من حولها يزيد من ضيق صدرها. وفجأة، هدأت سرعة سيارة سوداء أنيقة أمامها، وانخفض الزجاج ليطل وجه “عبد الرحمن” بابتسامته المشاكسة المعتادة التي تسبق كلامه دائماً.
ـ “ايه ده دا آنسة ياسمين.. هو الجميل واقف مستني القطر ولا حاجة؟
كان ردها ابتسامة خفيفة ليواصل هو
– التاكسيات في الوقت ده عملة نادرة، اركبي أوصلك في سكتي، وفري ‘تمن’ التاكسي لعلبة خيوط جديدة أحسن.”
حاولت ياسمين أن تحافظ على وقارها المعتاد وردت بخجل:
ـ “شكراً يا أستاذ عبد الرحمن، التاكسي زمانه جاي، مش عايزة أتعب حضرتك.”
لم يستسلم عبد الرحمن، بل زاد في إلحاحه بطريقة طريفة وهو يسند ذراعه على المقود:
ـ “تعب إيه؟ ده أنا مصدق ألاقي حجة عشان أراجع معاكي ‘التقفيل’ بتاع الشنطة الأخيرة وإحنا في الطريق. يلا يا ياسمين، السواقين النهاردة خلقهم ضيق ومش هيقفوا.”
رغم الحاحه اللطيف، أصرت ياسمين على موقفها، فهي لا تريد أن تفتح باباً للقيل والقال، خاصة وهي في حالة نفسية لا تسمح بالمزاح. حين وجدها متمسكة برأيها، تنهد عبد الرحمن بعمق، ورمقها بنظرة طويلة هادئة، نظرة كانت أبلغ من كل كلمات المشاكسة، نظرة جعلت دقات قلبها تتسارع وخجلها يفيض على وجهها.