قلبي لمن امل نصر
ـ “رزق؟ ده جالي الشركة يا ماما! طلب يقابلني، وقعد معايا في كازينو، وقالها لي في وشي.. إنه ندمان إنه خطب سما، وعايزني أنا! البني آدم ده مش جاي عشان سما، ده جاي عشان يكسرنا كلنا ويشوف نفسه علينا.”
ساد صمتٌ قاتل في المطبخ، صمتٌ لم تقطعه إلا أنفاس ياسمين المتلاحقة. رمقتها والدتها بنظرة لن تنساها ياسمين ما حييت؛ نظرة مزيجاً من عدم التصديق، والإنكار الجاحد، وإشفاقاً مهيناً وكأنها تنظر لمريضة تهذي. لم يكن في عيني الأم غضب على “جمال”، بل كان فيهما لومٌ مبطن لياسمين لأنها تجرأت وعكرت صفو هذه “الفرحة” المستوردة.
شعرت ياسمين بنظرة أمها تجرح كرامتها أكثر من كلمات جمال نفسه. لم تلمس في أمها غيرة الأم على ابنتها، بل لمست رغبةً في “إخراس” الحقيقة حتى لا ينهار سقف البيت الهش.
لملمت ياسمين ما تبقى من عزة نفسها، ووقفت بصلابة وهي تتراجع نحو الباب، قائلةً كلمتها الأخيرة والجارحة:
ـ “على العموم.. أنا عملت اللي عليا، وبلغتك بالحقيقة عشان ذمتي قدام ربنا. إنتوا حرين، بس افتكروا كويس إني حذرتكم من التعبان اللي قاعد معاكم بره ده.”
خرجت ياسمين من المطبخ وهي تشعر أنها غريبة تماماً عن هذه العائلة، وأن معركتها الحقيقية لن تكون مع جمال وحده، بل مع “الخوف” الذي يسكن قلوب أهلها ويجعلهم يفضلون “الخيانة” على المواجهة.
…………………
وسط هذا السكون المخيف الذي أعقب مغادرة جمال ووالدته، تحول جدار غرفتها إلى مرايا تعكس عجزها. كانت ياسمين تشعر وكأن هناك جبلًا جاثمًا على صدرها، وصوت ضحكات سما في الصالة وهي تتباهى بهدايا “عريس الهنا” ينساب من تحت عقب الباب كأنه سمّ بطيء.
لكن تلك الرسالة كانت القشة التي قصمت ظهر صبرها. قرأتها مرة واثنتين، وعيناها تتسعان من فرط البجاحة: “كدة برضو يا ياسمين.. دا أنا اتصورت إني أشوف الفرحة لأختك في عينك بعد رجوعي ليها، حبيبتي الغالية، الاقي زيها فين بس!”.. كلمات تقطر مكرًا، كأنه يغرز خنجره في جرحها ويطلب منها أن تبتسم.
انهارت ياسمين على سجادة صلاتها، ورفعت بصرها نحو السماء بدموع محبوسة، ولسان حالها يصرخ بمرارة: “يا رب.. أنت الحليم وأنا الضعيفة، أنت الحق وأنا المظلومة.. ماليش غيرك يشوف لي حل في الكابوس ده.”