كاره النساء الجزء الثاني
الفصل العاشر
وضع مروان جبينه على باب حجرة العمليات، الندم يمزق أحشائه، هو الذي ظن نفسه ذئب بشري..قد ماتت الرحمة في قلبه، للحظات ظن أنه كفر بكل النساء..وأنهم كلهن في نظره مجرد أداة للتسلية..للمتعة، للقضاء على الوقت، جومانة وحدها احتلت مكانة خاصة في قلبه، استولت عليه واستحوذت على نبضاته..عينيها أداة التحكم التي تتحكم به كل نظرة منها تزلزله..في لحظة غباء مضى على ثق ذبحها، في لحظة خوف من فقدها قبل أن يمزقها أربا بدم بارد.
همس لنفسه وهو يضرب جبينه في الباب عدة مرات والندم يأكل قلبه:
-ما كانش المفروض أوافق، ما كانش المفروض أقبل..أنا غبي حمار..وحش مفترس ..ضيعتها قبل ما تبقى ملكي.
ظل يخبط رأسه في باب الغرفة ندما.. ويجلد نفسه ويلومها أشد اللوم.. يشعر أنه يريد أن يضرب نفسه بالرصاص عقابا لها على ما فعلته.
على بعد متر واحد جلس عبد الحميد أبيها على مقعد الأنتظار، وكل شئ بداخله متوقف نبضه ..قلبه الذي لا يخفق.. عقله المشلول ، ضميره الميت ..هكذا كان يشعر..صمت رهيب بداخله ينذر بشئ خطير..يريد أن يلوم نفسه ولا يستطيع..يريد أن يتكلم يعاتب ضميره يحاسبه..لكنه عاجز ..فقط كان لسانه ينطق بكلمة ينطقها بروح تحتضر..تخرج بحروف ضعيفة ميتة:
-بنتي..بنتي..بنتي..بنتي.
ساعتين بعدها خرج من الحجرة طبيب نسائي عمره ثمانية وعشرون عاما..أشقر..شعره أصفر ذو تعاريج..شفتاه غليظتان مقلوبتين باشمئزاز من فعلته، وجهه غاضب مستاء لم يخفى ذلك على مروان الذى أطرق وجهه خجلا من نظراته المحتقرة له وحينما قال له الطبيب:
-أنت جوزها.
أومئ مروان برأسه ايجابا.
استطرد الطبيب بنفس تعبيرات وجهه المستاءة:
-ايه ال أنت عملته في مراتك ده..ال أنت عملته ده جريمة، جريمة بشعة.. يحاسبك عليها القانون.
نبض قلب مروان بخوف ليس خوفا على نفسه بل خوفا عليها..حتى انه سأله وهو يحدق فيه باضطراب:
-حصلها ايه؟؛ قولي حصلها أيه.
وكأن الطبيب الشاب أراد أن يعذبه فلم يريحه بل قال له وهو ينظر له باحتقار:
-أدعي ربنا أن يلطف بيها.
ثم تركه وانصرف..كل ذلك وأبيها لم يتحرك قيد أنملة ولم ينظر حتى للطبيب وهو يتحدث وحديثه يسلخ قلبه، لم يهم ليسأله عنها.. والصمت بداخله تحول الى براكين من الغضب ونارا تنتشر بداخله حتى كادت أن تحرقه.. لم ينهض الا عندما رأى ابنته تسوقها الممرضة أمامها على السرير المتحرك ..غائبة عن الوعي معلق في ذراعها المحلول.. حينها قام بصعوبة ساقيه مقيدتان كأنه لا يملك ارادة لتحريكهما ينظر لها وقد جادت عيناه أخيرا بدموع غزيرة يهتف بلوعة:
-بنتي ..بنتي..بنتي.
جذبه مروان من ياقته وظل يهزه بعنف قائلا له من بين أسنانه متوعدا:
-دلوقت بنتك..عارف ياعبد الحميد لو بنتك جرتلها حاجة وربنا محخليك دقيقة واحدة على وش الدنيا.
تعجب مروان من ردة فعله أنه لم يقاوم ولم يحاول حتى أن ينزع يديه عنه..أو حتى أن يدافع عن نفسه..بل تركه يفعل به مايشاء..كأنه تمثال من خشب لا يملك لنفسه أي حول، كأنه يستحق لنفسه ذلك.. ظل مروان يتفرس وجهه الذي بدأ يشحب بشدة ..شفتيه أصبحت سوداء..عيناه اغلقت بأعياء شديد ..ثم سقط فاقد للوعي..رغم عنه صرخ مروان باسمه فزعا:
-عبد الحميد.
حمله بين ذراعيه وتوجه به نحو طبيب ليفحصه..والذي شخص حالته أنه تعرض لجلطة قلبية دخل على أثرها العناية المركذة.
************************************
كان مالك عائد من عمله فوجد نريمان جالسة على مائدة الطعام، دافنة وجهها بين ذراعيها تبكي بحرقة فسألها منزعجا:
-ايه عتبكي ليه؟؛ ايه الحوصل؟؛
رفعت رأسها كان وجهها أحمرا بشدة مبتلا بدموعها قالت بكلمات سريعة:
-جومانة صحبتي حتموت يامالك ..حتموت.
-طب اهدي إكده وفاهميني مالها صاحبتك دي حوصلها ايه.
قالت وهي تشهق:
-معرفش أنا كلمت عزيزة بطمن عليها قالتلي انها في المستشفى، وفي العناية بس مقالتش مالها وايه ال حصلها..عشان خاطري يامالك وديني ليها عايزة أشوفها عشان خاطري أنا قلقانة عليها قوووي.
ثم ارتمت في حضنه وقد تفاجأ بذلك فتسمرت ذراعيه.. حائر هل يضمها اليه أم يبتعد كما يأمره عقله، وبالفعل استجاب لعقله فقال لها وهو يبعدها عن صدره برفق:
-طب ماشي روحي غسلي وشك .. عشان نطمن عليها.
ابتسمت له في امتنان وركضت في حماس بعد أن قبلته في خده.
بعد أن اختفت من أمامه وضع يده على أثر القبلة زافرا بضيق رافضا اياها.
*******************************
-خلاص يابنتي من ساعة ما جيتي من المستشفى وانتي حتموتي نفسك من العياط.
قالتها وداد وهي تشدد من ضمها لابنتها ..ولكن نريمان لا تكف عن البكاء والشهلقة تقبض على حضن أمها بقوة تحتمي بها من مصير كهذا قالت وكلماتها ضائعة من كثرة البكاء:
-مش قادرة ياماما مش قادرة من ساعة ماشفت جومانة راقدة ومش حاسة بالدنيا وأنا حموت عليها..الدكتور قال انها بين الحيا والموت لو النزيف موقفش حتموت ياماما حتموت.
ثم واصلت البكاء بهستريا..ووداد تشدد من ضمها وهي تقول:
-بعد الشر عليها ياحبيبتي ربنا يلطف بيها يارب ويشفيها..والله البنت دي صعبانة عليا مش عارفة أب ايه ده..ال يعمل في بنته كده..ربنا يحرقه البعيد.
رفعت نريمان رأسها من على صدر أمها تسألها بانزعاج:
-ماما..فين مالك..سابني وراح فين.
وداد:
-مالك يابنتي بعد موصلك راح الشغل أبوكي عايزه هناك ضروري.
نريمان بتزمر:
-يووووه بقى هو ده وقته ازاي يسيبني في الحالة دي أنا محتجاله قووي.
أشفقت وداد على ابنتها من شدة تعلقها بزوجها فقالت لها وهي تمسح على شعرها:
-حالا يجيلك يابنتي متقلقيش روحي أنتي بس اغسلي وشك ونامي شوية لحد ما مالك يرجع.
انصاعت نريمان لنصيحة أمها وصعدت الى شقتها وهي في أشد الحاجة الى وجوده بجوارها.
*********************************
في حجرة العناية المركزة القابع بها عبد الحميد، راقد على سريره موصول بأنابيب طبية، وأجهزة تشير لنبض ضعيف وحياة على وشك الأنتهاء، رأسه يروح يمينا ويسارا تحت كمامة التنفس كأنه في معركة..نعم هو الآن في معارك وليس معركة واحدة..معارك الماضي الذي حضر وكأنه يحدث للتو شاهدا على فعلته الشنعاء، حضرت أمامه ذكرى ليلة زواجه..تلك الليلة التي كان ينتظرها على أحر من الجمر في هذه الليلة سوف يتحقق أكبر حلم في حياته وهو زواجه من أجمل فتاة في القرية التي عين بها مهندسا زراعيا.. وهي سلمى ابنة عمدة هذه القرية، فتاة كالفرسة العفية..تملك كل مقومات الجمال، حلم كل رجال القرية ومطمعهم في نفس الوقت.. ذلك من أجل أموال أبيها التي سترثها بمفردها..كان عبد الحميد عريس لقطة بالنسبة للعمدة فهو مهندس، وسلمى لا تجيد حتى القراءاة والكتابة،( العمدة سيناسب المهندس يابلد ) هكذا كان يتحدث العمدة بين رجال القرية.
اقيم عرس كبير بالطبل البلدي، عرس يليق بالعمدة ونسيبه الباش مهندس، في مثل هذا الوقت كان من عادات هذه القرية أن يدخل العريس على عروسه ( دخلة بلدي) لكي يخرج أبيها بعد ذلك بعلم الشرف مرفرفا عاليا أبيا بين أهالي البلدة.. ولكن عبد الحميد رفض تلك العادة المتخلفة، فهذه الليلة ملك له لا يجب أن يتعدى عليه أحد، وأصر عبد الحميد على أن تكون ليلة زفافه له وحده بينه وبين عروسه لا شريك بينهما، ولكن العروس ليست بكرا، يالعارك ياعمدة..خرج عبد الحميد في تلك اللحظة هائجا..سائر وعلم الشرف ناصع البياض..منتكسا بين يديه، يضعه أمام وجهه وهو ينظر لعيناه المزلولة قائلا:
-هو ده الشرف ياعمدة..بتغشوني بتضحكو عليا هي دي بنتك البكر المصون.
لم يستطيع العمدة التفوه ببنت شفة.. كان عرقه يسيل على جبينه بغزارة يشعر أن روحه تزهق بالبطيئ قال له بصوت محشرج:
-استر عليا ياعبد الحميد وال عتطلبه انا حدهولك.. أنا حكتبلك ثروتي كلتها.
توراى الشرف خلف سلطان المال..لمعت عيون عبد الحميد طمعا.. أمام الثروة تنازل عن كل شئ حتى الشرف.
وعاشت سلمى معه مكسورة مقهورة، مسجونة بجريمة عارها، كان عبد الحميد يعاملها معاملة العبيد..لم يغفر لها خطيئتها حتى ابنته التي جاءت بعد عام من زواجها لم يتقبلها، شك بها ولولا التحاليل التي أثبتت بنوتها له ، لكان ألقى بها في الشارع، أو في ملجأ، رحم الله سلمى عندما قبض روحها أثناء ولادتها..ولم يرحمها زوجها.. ذنبها الذي ارتكبته جعلها موصومة بالعار حتى مماتها، بل أنه لم يرحم أبنته التي ليس لها ذنب، عاش بوهم هذا العار ويقينه أن ابنته سوف ترث من أمها سلوكها السيئ..وحتما ستجلب له العار كأمها، فضيق عليها الخناق، وأغلق عليها الأبواب، حبسها في سجن الماضي، كان متزمتا معها..يعد عليها أنفاسها، ويحسب لها خطواتها كل ذلك لكي يحميها أو يحمي نفسه من عارا ظن أنه واقع لا محالة..ولكنا دمائها العفيفة الغزيرة التي فرشت الأرض أحييت ابوته بعثت حنانه من جديد..وولدت أيضا ندما شديدا.
ظل يهمس لنفسه بهستريا ودموعه تسقط من جانب عينيه:
-ابنتي أشرف من الشرف..أبنتي ضاعت بسببي..ضايعتها ..خسرتها بقسوتي..ظلمتها..بنتي جومانة ..جومانة..
وعلى صوته المحتضر باسم جومانه حتى أن الأجهزة ارتفعت أزيزها تنذر بتوقف قلب المريض.. ركضت الممرضة في عجلة..لتنادي على الطبيب..بعد أن حضر الطبيب وبذل كل ما يمكن لأنعاش قلبه.. مرة أخرى دون جدوى فالروح لفظت أنفاسها الأخيرة.
الفصل الحادي عشر
أربعة أيام وجومانة هاربة في غيبوبة ..عقلها الباطن الذي يشجب ما حدث لها، أراد أن يريحها من عذاب الدنيا..فأخذها لعالم الأحلام..دنيا نظيفة خالية من شرور البشر وقسوتهم..استطاع الطبيب الشاب بكل ما أوتي من قوة أن يوقف النزيف ليس من أجل زوجها ذلك القابع بجوارها ليل نهار. والذي يزرف دموع الندم من أجلها دموع تشبه لدموع التماسيح..لقد أنقذ حياتها من أجلها هي..من أجل زهرة شبابها المقهور، كانت رموشها ترتعش..تجاهد أن تفتح عيونها، لكنها خائفة أن تصطدم بواقعها المؤلم، عندما لمح مروان تململها وعيونها التي تحاول فتحهما ابتسم بفرحة وراح ينادي أسمها:
-جومانة..جومانة أصحي..أنا جمبك اهو ..اصحي ياحبيبتي.
كانت ما بين النوم واليقظة..صوته يتسلل لأذنها فينقبض قلبها بخوف..انه هو صوته صوت الذئب الذي نهشها..فتعود للنوم من جديد.
عندما وجدها عادت لغيبوبتها اختفت فرحته فركض لكي يستدعي الطبيب عله يساعدها للعودة الى الحياة من جديد فصرخ بلهفة:
– دكتور أكرم ..يا دكتور.
دلف الى حجرته باندفاع..واستطرد وهو يعتذر:
–أنا آسف..بس جومانة فاقت شوية كانت حتفتح عنيها وبعدين أغمى عليها تاني.
خطف اكرم سماعته وخطى بنشاط نحو حجرتها.. ظل يتفحصها، يفتح عيونها ويسلط عليها ضوء من كشاف طبي صغير..ثم حقنها بحقنة لتنشط خلاياها..بعد لحظات بدأت بالفعل تفيق ..فاقت على صوت مروان وهو يهتف باسمها:
-جومانة ..اصحي..فوقي ياحبيبتي.
عندما اتضح لها صوته الذي باتت تكرهه..ووقعت عيناها على صورته المهزوزة أمامها.. حضر مشهد ليلة زفافها وهو ينقض عليها كالذئب المفترس.. فاختنقت أنفاسها..وشحب وجهها.. وراحت تصرخ وتصرخ..وتبتعد عنه منكمشة كأنها رأت عفريتا يريد أن يتخطفها.
انزعج مروان لرعبها منه وقال محاولا أن يهدأ من روعها:
-جومانة مالك ..جوما…….
ولكن اكرم اوقفه وهو يحذره قائلا:
-من فضلك يا أستاذ مروان لازم تخرج حالا ..واضح أنها بتنهار لما بتشوفك.
مروان معترضا:
-أزاي أخرج و أسيبها بالحالة دي.
اكرم وهو يشير على جومانة:
-لازم تخرج وحالا أنت مش شايف حالتها..لو عايزها تخف لازم تبعد عن وشها..لحد ماتعدي مرحلة الخطر..وجودك قدامها بيسببلها انهيار..لو يهمك يعني مصلحتها.. وعلى فكرة هي محتاجة لدكتور نفسي يتابع حالتها وانا رشحت واحد من أصدقائي.
زفر مروان بضيق..واضطر أن يخرج.
في تلك اللحظة حقنها دكتور أكرم بحقنة مهدئة حتى تهدأ.
جلس مروان على مقعد الأنتظار..يمسد جبينه بضيق..فانتقلت يده نحو رقبته عسى أن يمحو الأختناق الذي انقض عليه..فهمس لنفسه:
-منك لله كله منك يا عبد الحميد..الله يسامحك ياشيخ.
وصدح صوت بداخله يلومه ويقوله له:
( وهل عبد الحميد وحده مسئول عن ما حدث لتلك المسكينة)
وهنا أدرك أنه طرف في ذنب عظيم..لقد أصدر عبد الحميد الحكم بالأعدام..وكان هو عشماوي الذي نفذا هذا الحكم.
-أنت مذنب أيضا يامرون..يكاد ذنبك يكون أعظم.
هكذا هتف ضميره..واستطرد يعاتب نفسه :
-ياترى حتقدر يامرون تصلح ال عملته؟
************************************
ظلت تقلب في يدها جوزات السفر بغير تصديق وهي تهتف بفرحة تخرج من القلب:
-معقول..أنا مش مصدقة عنية.. أخيرا ربنا كتبهالنا وحنروح نزور النبي..ياما أنت كريم يارب..تسلملي ياحج..ربنا ما يحرمني منك يارب.
كان يتأمل سعادتها الطاغية ويبتسم لفرحتها قائلا وهو يربت على ظهرها:
-كل شي لما يعوز ربنا يا أم نريمان..وآهه ربنا رايد أننا نبجى زواره.
قالت وهي ترفع عيناها اللامعة بدموع السعادة للسماء:
-ونعم بالله.
استطردت وهي تنظر له بامتنان:
-بس بصراحة دي مفاجأة حلوة قوووي.
-أنا كنت مأجلها لما نريمان تتدوز واهاه بجت في عصمة رادل..اعتمد عليه..عشان لما أسافر أبجى مطمن عليها.
وداد بابتسامة حامدة:
-بس ياترى نريمان حيكون رد فعلها ايه؟
خالد:
-حتجول ايه يعني حتفرح لينا ..همتك أنتي عاد وجهزي الشنط.
قالت وداد وهو تنظر للجوازات كأنها تتأكد أن الأمر حقيقة وليس أحلام:
-متقلقش يا حج اعتبر كل حاجة جهزت خلاص ان شاء الله.
*********************************
عندما علمت نريمان بأمر سفرهما فرحت من أجلهما ولكنها شعرت بوحدة..وخوف رهيب هجم على قلبها فجأة..ومما زاد من وحدتها اهمال مالك لها وعدم ادراكه لحبها له.
بعد أيام ذهبت مع مالك ليودعا أبيها وأمها وفي العودة وهي جالسة بجواره كان يقود السيارة وكأنها غير موجودة بجواره، شارد أمام الطريق لا يكلمها كلمة واحدة..زفرت بضيق وأجبرت نفسها على النظر من نافذة السيارة..في هذه اللحظة بالذات ودت لو تبكي في حضنه، علها تصب حزنها ووحدتها وخوفها داخل صدره..ضمت نفسها بيديها ولا تعلم اهي تحتمي من هواء النافذة أم من برد مشاعرها.
-يلا أنزلي ..وصلنا.
ترجلت من السيارة دون تعليق منها ركضت صوب حجرتها، وارتمت على فراشها تفرغ كل انفعالاتها على وسادتها.
أما مالك عاد الى عمله دون حتى أن يلقي عليها السلام، كان عقله مشغول في حديث عمه الذي قاله لها قبل أن يسافر.
بعد أن أعياها البكاء رفعت رأسها، مسحت دموعها بأصابعها، وضعت الوسادة على فخذيها وظلت تفكر، تحاور نفسها قائلة:
– هو انتي يعني يانانا عايزاه يحبك وانتي بتتعاملي معاه كده بقرف ..من أول ما جه البيت وعاش معانا وانتي مطهقاه في عيشته وعالطول مقالب فيه لما زهقتيه ..عايزاه بقى يتعامل معاكي ازاي بعد ده كله..مستحيل طبعا يحبك ولا يفكر فيكي أصلا.
أسندت رأسها على السرير ثم استطردت تقول لنفسها كأنها تحلل علاقتها به وتحاول ايجاد حلول له:
– أكيد كرهك من كتر عاميلك فيه عشان كده لازم تصلحي ال أنت هببتيه فيه. . بخيبتك القوية.
طب أعمل ايه دلوقت أنا بجد تعبت من كتر الشد والجذب البينا ..هو دلوقت جوزي نفسي يحبني ويحس بيا.. آاااه ياربي حاسة اني ضايعة من غيره..لما بيبقى جمبي بحس بالأمان مع أنه مش طايقني ..نفسي بقى أشوف نظرة حب في عنيه أمتى ده يحصل؟
تركت فراشها وهي تزفر في يأس تتجول في حجرتها على غير هدى..ثم توقفت خطواتها أمام المرآه تنظر لصورتها المعكوسة ترى الحزن على وجهها..والبؤس في نظراتها.
داعبت شعرها بأصابعها في ملل..ثم ابتسمت فجأة وهي تتمايل يمينا ويسارا في دلال انثوي تهمس لنفسها بأمل:
-طب ليه مفحتش صفحة جديدة معاه..وأحسسه بحبي واسبني بقى من كبريائي ده..والعند ال بيبعده عني أكتر .
اتسعت ابتسامتها وكأن ما قالته لنفسها راق لها، فشعرت بحماسة لأن تتخذ مثل هذه الخطوة..مشوار الحب يبدأ بخطوة..اتجهت لخزانتها وتناولت منها قميصا عاريا يجسد جسدها القد المتناسق..صففت شعرها وجمعته كله على كتفها الأيمن، وضعت عطرها طلت شفتيها بلون وردي زادها جاذبية.
وفي الأخير راق له حسنها وشكلها النهائي، وباتت تتخيل نظراته الولهة المعجبة بجمالها حتما لن يقاوم فتنتها.. سمعت صوته فخفق قلبها وضعت يدها عليه لتهدأ من دقاته.
لا تعلم سر خفقاته اهي فضولها لمعرفة رد فعله عندما يراها هكذا لأول مرة..أم خفقات حب واشتياق .. أم خفقات لشئ مجهول تخشى حدوثه.
فتح مالك باب الحجرة ولما لمحها بذلك المنظر تسمر مكانه ولم يكمل دخوله، أطرقت برأسها خجلا، من نظراته تلك.. رفعت رأسها علها تلمح الأعحاب في عينيه..لكن نظرات عينيه ليست حب..ولا وله ولا أعجاب..بل نظرات نارية، قاسية، نظرات حاقدة كأنها عدائية، حتى انها جعلتها ترتبك وتتراجع للخلف في خوف، خاصة عندما تقدم هو الآخر نحوها في تحفز.. حاولت أن تتماسك وتبتسم له..لكن رغم عنها وجدت نفسها تبتلع ريقها بصعوبة، لا تستطيع أن تتنبأ برد فعله ترى ماذا سيفعل بها.. وعندما أصبح أمامها تمام لا يوجد غير خطوة واحدة تفصلهما.. وجدته يضم شفتيه بغيظ الدنيا كلها وظل يصفعها على وجنتيها صفعات مجنونة..غبية كأنه فقد السيطرة على نفسه يردد:
-مجرفة..مجرفة..كلتكم زي بعض كلتكم زي بعض..كلتكم زي بعض.
تصد صفعاته بذراعيها ،وهي تضرخ متعجبة لا تعلم ما الذنب الذي اقترفته لكي تستحق كل هذه الصفعات:
-بتضربني لييه..بتضربني ليه..عملت ايييه آااااااه؟؛
وكانت صفعاته لها بدون وعي..لم يكف عن صفعها الا بعد أن غابت عن الوعي وخيوط الدماء تنسال من جانب شفتيها..بعدها شعر بداور من فرط الانفعال.. وعيناه أرتخت في تعب وكلل..ثم تركها وانصرف بخطوات مترنحة كأنه سكير أسكره الغضب.. وهو يردد
كسحة تاخد الحريم كلتها.
********************************
في صباح اليوم التالي فاقت جومانة كانت تشعر بخواء ..ضعف يتملكها، قوتها متلاشية..ظلت تتأمل الحجرة حولها وهي تقول باعياء شديد:
-أنا فييين؟؛؛؛
رأت وجه يبتسم لها ويقول:
-متخافيش أنتي في المستشفى.
بنظرة مريضة ونبرة ضعيفة..سألته:
-أنت مين؟؛
-بنفس الأبتسامة أجابها:
-دكتور أكرم سليمان .
هتفت عزيزة بسعادة واحتوتها بنظراتها الحنون:
-حمدالله على سلامتك ياضنايا الف حمدالله على سلامتك .
ابتسمت جومانة بضعف لعزيزة ولكنها لم تستطيع التحدث..
التفتت عزيزة للطبيب عندما قال لها:
-بقولك ايه ياست عزيزة مهمتك بقى انك تأكليها كويس عشان تسترد عافيتها بسرعة .
بحماس هتفت عزيزة:
-من عنية يادكتور حاضر حأكلها.
ثم التفت لجومانة وقال لها باابتسامته العذبة:
-عروستنا بقى الحلوة تقوم وتحاول تاكل.
قبل أن يخرج أوصى الممرضة أن تعطيها الدواء في مواعيده ..وأن تمنع زوجها مروان من زيارتها..ذهب الى صديقه دكتور حافظ رجب استشاري الأمراض العصبية، والنفسية شرح له حالة جومانة فوعده حافظ أن يمر عليه في المساء لكي يراها.
وبالفعل مر دكتور حافظ على جومانة بصحبة أكرم تحدث معها مدة قصيرة وفهم ما هي حالتها.
في حجرة أكرم
بلهفة سأله أكرام:
-حالتها ايه بالظبط ياحافظ طمني عليها.
ضيق حافظ عينيه وهو يتفرس وجه صديقه والاهتمام البادي على وجهه المبالغ فيه، والذي يبديه لاول مرة لمريضة..فهمس له:
-مالك ياأكرم أول مرة أشوفك قلقان كده على مريضة.
تدارك أكرم قلقه بسرعة فقال سريعا وهو يخفي خوفه:
-اا عادي يعني ياحافظ ..يمكن بس عشان صعبت عليا..المهم قولي حالتها ايه؟؛
-قال حافظ وهو يحاول أن يقتنع بتبريره على الرغم من أن بداخله يشعر أن أكرم به شئ مختلف.. فقال بنبرة طبيب يشرح حالة مريضة:
-شوف ياسيدي..هي اتعرضت لصدمة نفسية عنيفة خلتها ترفض الوقع وتغيب عن الوعي اربعة أيام..بالاضافة الى انهيار عصبي لما شافت جوزها لأن رؤيتها له بتفكرها بالحادث البشع ال حصلها على ايديه..دلوقت ياريت تبعدوها عن أي مؤثر يفكرها بالحادثة عشان ميأثرش عليها تأثير سلبي عليها.. ياريت كمان اهلها يحاولوا ان يفرحوها بأي طريقة أو شكل من الأشكال.. وبكده ممكن تخف بسرعة.
استمع أكرم له وهو يهز رأسه بتفهم .
ثم شكره من كل قلبه.
الفصل الثاني عشر
كاره النساء
في عشية وضحاها فوجئت نريمان بمالك يصرف الخدم، ويطلب منها أن تقوم بكل الأعمال المنزلية، تكنس وتمسح وتطبخ كيف لها أن تفعل كل ذلك؟ وهي لا تجيد أي عمل من أولئك، حتى عندما هبت أن تعترض وتقول له:
-ازاي انا اكنس وأطبخ وأمسح وأنا متعوتش أعمل الحاجات دي..الخادمين ال كانوا بيعملوها ولو سمحت بقى ترجعهم.
فكان رده أنه جذبها من شعرها وظل يهزها بعنف ويصرخ بها ثائرا:
-أسمعي أنا محبش الحرمة بتاعتي تعصالي أمر..وال حجولك عليه تنفذيه من غير مجاوحة..خابرة ولا لاه..والا قسما بالله لو اتعوجتي لحتنضري مني ال عمرك منضرتيه.
ثم دفعها بعنف حتى أنها سقطت على الأرض.
ظلت تبكي على وضعها..وتسأل نفسها ما به?أصبح حاد معها عنيف..أهذا انتقامه منها على ما فعلته به؟ وهل ما فعلته يستحق كل تلك القسوة.. أنها تلعن اللحظة التي فكرت فيها أن تتزين له كأي زوجة تتزين لزوجها حتى تستميله لها.. وكانت تنتظر منه القبول والأعجاب..بيد أنها فوجئت بردة فعله وكانت أقسى مما توقعته..لقد ظل يصفعها دون رحمة..بل الأنكا أنه تركها دون حتى أن يحاول ايفاقتها..تبكي وتولو وتتألم بمفردها دون طبطبة من أحد ، قامت مغصوبة تفعل شغل البيت على قدر استيعابها.
كانت حائرة كالغارقة في شبر من المياه، لا تعلم كيف تتصرف؟ ولا ماذا تعد له من الاطعمة..انها لا تجيد طهي أي نوع من المؤكلات، فقررت أن تجري تجربة لبعض من الأصناف التي جلبتها من البحث على مواقع المعلومات.. انتهت من اعداد بعض انواع هذه الاصناف..ثم شرعت في التنظيف باقي من الزمن ساعة ثم يأتي هذا الجلف..مر الوقت وعاد مالك ابتسم بسخرية عندما رآها بشكلها المشعث..وثيابها المببلة ووجهها الملطخ بهباب المطبخ..حتى أنه قال في نفسه ساخرا:
-مالكيش غير إكده..كسحة تاخد النسوان كلتها
ثم خطى نحوها واذ بقدمه تنزلق فكانت الأرض مبللة بالماء والصابون، فوجئت نريمان به فانشقت من بين زهولها ضحكة على منظره وهو واقع كالأطفال، فقام لاعنا اياها وعلى وجهه الغضب ضاما شفتيه يخطو نحوها للأنتقام منها.. كفت نريمان عن الضحك وحل محله الخوف منه، تراجعت للخف وهي تبتلع ريقها بقلق..حتى امسكها من ذراعها بقسوة وقال لها بصوت كالرعد:
-أيه ال أنتي مهبابه ديه.. ايه الفوضى دي .
بتلبك أجابت:
-ك كنت بمسح البيت.
بنبرة غاضبة قال:
-وال يمسح البيت ده يشندل حاله إكده يجيب عاليه واطيه..ويكتر الصابون عشان ال يمشي يتزحلج.
طأطأت رأسها تخفي ضحكة عندما تذكرت مشهد سقوطه..ولكنها رفعتها سريعا عندما صرخ بها:
-يلا خلصيني من الفوضى دي..وحطيلي الوكل عشان متدلي تاني ورايا شغل.
-ح حاضر.
لملمت المكان من حولها سريعا..ثم جهزت له الطعام ونادت عليه..وما ان وضع لقمة في فمه..حتى لفظها على المائدة..وراح يسعل بشدة..حتى جحظت عيناه..وبعد أن هدأ صرخ فيها :
-أيه الجرف ال انتي طبخاه ديه..ده وكل ديه ال انتي مسوياه..مليان ملح وشطة أكل ماسخ ملوش طعم زي ال سوته.
قالت وهي تبكي:
-أنا قلتلك معرفش أطبخ ولا أعمل حاجة.
اردف وهو يشهر سبابته امام وجهها في تحذير وتوعد:
-بجولك ايه..أنا مليش صالح تعرفي تطبخي متعرفيش..المهم أجاي الاجي وكل زين..وبيت نضيف ومترتب، اتعلمي، فاهمة ولا لاه والا ورب العزة لحوريكي ال عمرك ماشفتيه.
كسحة تاخدك وتاخد الحريم كلتها..نسوان فقر.
بعد قوله هذا دفع بالطعام فسقط على الأرض، جعلها تضم كتفيها نحو اذنيها وتغمض عينيها في انزعاج. .ثم تنفست الصعداء عندما انصرف وزفرت في راحة وراحت تغمغم مع نفسها:
-اعمل ايه بقى انا ياربي دلوقت..اصرف ازاي مع الجلف ده..فينك يابابا عشان تخلصني منه فينك ياماما..جلست على المقعد ودفنت وجهها بين ذراعيها وراحت تبكي بقلة حيلة.
*********************************
دلف أكرم الى حجرة جومانة لكي يتابع حالتها، وجدها شاردة، وبعض الدمعات تتلألأ على وجنتيها، قوس فمه شفقة عليها ..ولكن سرعان ما نفض عنه هذا التأثر وقال وهو يبتسم بعذوبة:
-صباح الخير.
مسحت جومانة دموعها بأصابعها سريعا والتفت له وهي تهمس بضعف:
-صباح النور.
بنفس الابتسامة العذبة:
-عاملة ايه دلوقت.
بنفس الهمس الضعيف:
-الحمد لله.
التقط يدها متأملا ساعته حتى يتابع النبض.. واستطردا في فحصها بقياس الضغط وسماع نبضات قلبها، وأثناء هذا الفحص كانت عيناها بعيدة عنه ود لو نظرت له حتى يغوص في عينيها البريئتين الحزينتين..قال لها حتى تنظر له:
-شكلك مش بتاكلي خالص..طب ده ينفع..مش عايزة تخفي ولا ايه؟
– صرخت فجأة وقالت وكانت على وشك الأنهيار:
-أنا مش عايزة اخف..مش عايزة أخف..وياريت أموت واستريح.
انزعج اكرم من ثورتها فقال وهو يربت على يدها:
-طب خلاص اهدي..اهدي ياجومانة لو سمحتي.
نادى على الممرضة وطلب منها حقنة مهدئة بعد أن حقنها بها ..دقائق معدودة وراحت في ثبات عميق..ثم قال للممرضة:
– خليكي جمبها ولما تفوق تقوليلي عالطول
الممرضة وهي تدثر جومانة جيدا:
-حاضر يادكتور.
في المساء حضر أكرم ومعه صديقه حافظ الطبيب النفسي لكي يباشر حالة جومانة النفسية..كان حافظ يحمل بين يديه زهور فهو يعلم مدى تأثيرها على نفسية المريض مدها لها وقال باابتسامة ودودة:
-مساء الخير ازيك ياست البنات..ممكن تقبلي مني الورد ده.
-ردت جومانة بابتسامة وقد جذبتها الزهور بالفعل:
-مساء النور
كانت تنظر للزهور بسعادة..تستمد منها الحياة تداعبها بعينيها. وتقربها من انفها لتستنشق عبيرها وكأنه أكسير الحياة.
نظر أكرم لحافظ بتعجب ممزوج بشفقة.
بعد لحظات سألها حافظ وقد اراد أن يستدرجها للحديث عن نفسها حتى يخرجها من اكتئبها:
-بتحبي الورد ياجومانة؟
-قالت وهي تنظر له بعينان متيمتان:
-ايوة..بحبه قووي.
-بابا كان بيجبلك ورد؟
نظرت لنقطة ما واستعاد وجهها الشحوب سريعا وكأنها تتذكر الماضي.
-عمره ما جبلي وورد
وجدت نفسها وبدون شعور تسرد حكايتها ولم يقاطعها حافظ بل است
كانت تحكي كل شئ عن أبيها وعن قسوته معها..وكيف كان يضيق عليها الخناق..تحكي ودموعها تحكي معها..حتى وصلت لذكرى يوم زفافها بدأت تصفها وتصف احساسها بها وهي ترتعش وجسدها يرتجف كيف شعرت وقتها أنها حيوانة ليس لها شعور ولا احساس، كيف تمرمغت كرامتها تحت وطأة ذكورة متخلفة رجعية، كيف شعرت انها شاة ذبحت وقدمت كربانا في معبد الرجعية، حينها ثارت وتشنجت وظلت تصرخ وتصرخ كأنها تعيش نفس اللحظة القاسية، تستغيث بالأنسانية وبحقوق المرأة المنتهكة اللى الآن.. لم تشعر في خضم ثورتها بحافظ وهو يحقنها بحقنة مهدأة بعد لحظات بدأت تشعر بان روحها تنسحب الى عالم اللاوعى.
قال حافظ بعد ان نامت وكان أكرم في قمة القلق عليها رابتا على كتفه:
-متقلقش جتكون كويسة.
اكرم وهو يشير عليها بانزعاج:
-ازاي دي انهارت وتعبت.
حافظ بكل ثقة:
-قلتلك متخافش ال حصل ده امر طبيعي..ال حصل انها فرغت كل شحنة الغضب واحساسها بالقهر لما حكت لنا كل الحصلها فخففت عبء كبير من على نفسيتها وروحها..صدقني بمجرد ما تفوق حتكون احسن كأنها اخذت دوش فوقها ونظف قلبها من التعب.
اومئ اكرم براسها تفهما لتحليله الطبي الذي لا يجادل امامه.
خرج حافظ وعاد أكرم يتأملها بعينيه المليئة بالشفقة وشعور غريب يتسلل اليه..يقاومه..يردعه دون جدوى نعم انه يعترف انه شئ قوي يجذبه نحوها برغم كل الحدود والممنوعات..والمحظورات كيف له أن يحب فتاة متزوجة..كل شئ يرفض ويلومه..ولكن قلبه يأمره وبقوة، أنه ولو أول مرة ينبض تلك النبضات النادرة ويدق دقات غير طبيعية..تسللت يده رغم عنه الى شعرها يمسح عنها كل ما تشعر به.
ودون انذار سمع صوت جعله ينتفض ويبعد يده سريعا كأنه ماس كهاربائي اصابه انه صوت مرون وهو يقول بسخرية مطعمة بالغضب العارم:
– ايه يادكتور دي طريقة جديدة للعلاج ولا ايه؟؛
************************************
أسبوع مر على نريمان وهي تقوم بكل أعمال البيت.. كانت أعمال شاقة بالنسبة لها لم تعتاد عليها..لقد فكرت بأن تتصل بمربيتها أم أحمد لكي تأتي لها سرا دون علم مالك حتى تساعدها في شئون البيت..وبالفعل ساعدتها أم أحمد ،وعلمتها كيف تطبخ وكيف تهتم بشئون منزلها ،حتى انها كانت تصطحبها للسوق لكي تشتري الخضروات اليومية، بدأت تتعلم وكانت الأ كلات تخرج من تحت يديها نوعا ما مقبولة، حتى أن مالك تعجب وهو يأكل فقد وجدا أن الطعام تغير مذاقه وأصبح مقبولا وشهيا.
حتى أنه قال لها ذات مرة هي واقفة على رأسه منتظرة منه أوامره:
-لاه زين الوكل..أديكي بتتعلمي أهاه.
ثم قام بعد أن انتهى من طعامه وقال لها بأسلوب أمر فظ:
-أنا رايح انعس شوي ساعتين إكده بالتمام وتصحيني عشان عندي معاد شوغل فاهمة.
ثم رماها بنظراته المستاءة وقال جملته التي باتت تكرهها، كسحة تاخد الحريم كلتها.
بعد ساعتين ايقظته نريمان ارتدى مالك ملابسه وذهب الى موعد عمله.. كانت منهكة من أعمال المنزل..مرهقة، شعرت بأوجاع في جميع أنحاء جسدها.. فدخلت الى المرحاض وملئت حوض الأستحمام ونزلت داخله حتى تجلب الاسترخاء لجسدها المتعب..لحظات جلب عقلها لها مشاهد حياتها الأولى قبل أن يدخل مالك حياتها ..كانت حياة باردة بلا هدف بلا لون..عقلها فارغ لا يحمل الا اللهو والتفكير في كيفية خلق مواقف تعزز غرورها وتغذي عنجهيتها..الآن شعور غريب يتسلل اليها تشعر بقيمتها في الحياة انها زوجة تكد وتتعب من أجل أن يكون بيتها في أجمل صورة، حتى التعب الذي تشعر به تجد به حلاوة خاصة بعد انتهاء يومها المليئ بالكد، وعندما يتلقفها فراشها وكأنه يحتضنها لكي يزيل عنها عبئها اليومي.. سعادة تنتشر في خلاياها لا يشوهها غير فظاظة مالك وقسوته عليها كم تمنت وهي في حضن فراشها أن يكون بجوارها زوجها يضمها بحنان وتمتص عيناه العاشقة كل تعبها، انها تتعجب من نفسها كيف تحبه وتشتاقه وهو يعاملها بتلك القسوة..ترى هل تكمن خلف قسوته تلك حنان وحب كبيرين..أنها توقن من ذلك..يوم ما سوف يغدق عليها ذلك الحنان ويصب عليه حبه صبا.
انتهت من حمامها شعرت بعدها بنشاط عجيب دب في جسدها ..قررت أن تنام حتى تستيقظ قبل عودة مالك في المساء بساعة وتعد له العشاء..كانت تصفف شعرها فوجئت بمن يقتحم عليها الحجرة ويفتح بابها بقوة..كان مالك ترى لماذا عاد سريعا؟ نظرت له بتعجب فقد كان شاحب الوجه..عيناه غائرتان، مترنحا كالسكير هيئته غريبة..ما به؟ كان يخطو نحوها في تؤده..خطواته ثقيلة متداخلة في بعضها البعض.. وعندما اقترب منها القى بنفسه بين يديها ثم غاب عن الوعى..فصرخت نريمان باسمه في لوعة وانزعاج:
-ماااااااالك..فيك ايه مالك ياحبيبي؟
الفصل الثالث عشر
كاره النساء
كانت تصفف شعرها فوجئت بمن يقتحم عليها الحجرة ويفتح بابها بقوة..كان مالك ترى لماذا عاد سريعا؟ نظرت له بتعجب فقد كان شاحب الوجه..عيناه غائرتان، مترنحا كالسكير هيئته غريبة..ما به؟ كان يخطو نحوها في تؤده..خطواته ثقيلة متداخلة في بعضها البعض.. عندما اقترب منها القى بنفسه بين يديها ثم غاب عن الوعى..صرخت نريمان باسمه في لوعة وانزعاج:
-ماااااااالك..فيك ايه مالك ياحبيبي؟
اضطربت عند سقوطه بين يديها وقد سقطت معه ..وزادات خفقات قلبها.. وظلت تضرب على وجنتيه ضربات خفيفة عله يفيق لكنه لا يستجيب، حتى قالت بصوت مرتبك حروفه مرتعشة يملؤه القلق:
-اعمل ايه دلوقت يارب مش راضي يفوق..اتصرف ازاي وانا لوحدي ومش معايا حد.
كان جسدها كله يرتعش من فرط خشيتها عليه نهضت وأبعدت رأسه عن صدرها وسارعت الى الهاتف تضرب ازراره بأصابع مرتجفة، فقالت بلهفة عندما أجابها الذي اتصلت به:
-دادة..الحقيني..مالك أغمى عليه فجأة ومش عارفة ماله هاتي دكتور بسرعة وتعالي.
ثم أغلقت الهاتف بسرعة بعد ذلك تناولت زجاجة عطر..ثم عادت الى مالك المسجي على الأرض، قربت الزجاجة من أنفه ولكنه لم يبد أي رد فعل، كانت الدقائق تمر بطيئة ثقيلة تزيد من توترها واضطرابها، ترفع رأسها نحو السماء تتضرع لله أن لا يمسه مكروه..حتى جاءت أم احمد ومن خلفها الطبيب نظرت لمالك وقالت بقلق وهي تضرب على صدرها:
-يلهوي ..سي مالك أيه الحصلك يابني.
نريمان :
شيلي معايا يا دادة نحطه على السرير..وانحنيتا عليه ليحملانه ولكنهما لم يستطيعا فقال الطبيب وهو يضع حقيبته على المنضدة:
-خلي عنكم يامدمات أنا حشيله
وانحنى الطبيب ورفعه من فوق الارض ووضعه على فراشه..وبدأ يفحصه..ثم التفت لنريمان وسألها:
-هو أيه الحصل بالظبط يامدام؟؛
نريمان والكلمات تخرج منها سريعة مضطربة:
-لقيته متغير مش زي عادته..وشه أصفر..وعنيه دبلانه.. وبيطوح كأنه شايل نفسه بالعافية ومرة وحدة اغمى عليه.
لم يعلق الطبيب على كلامها بل راح يستمع بسماعته لدقات قلبه..ويتابع نبضه يفتح عينيه بابهامه وسبابته، ونريمان تنقل بصرها بينه وبين مالك باضطراب شديد، تنتظر بفارغ الصبر ما سيقوله الطبيب، واخيرا أنقذها الطبيب من قلق كاد يقتلها عندما قال بعد أن انهى فحصه:
– معندوش أي حاجة عضوية..ال عنده انهيار عصبي حاد.
قالت نريمان وقد ذاد قلقها:
-يعني ايه يادكتور:
-يعني حضرتك متقلقيش لكن يستحسن تجيبله دكتور نفسي متخصص يتابع حالته.
نريمان وهي تنظر لمالك بانزعاج:
-طب هو ليه مافقش يادكتور.
الطبيب وهو يلملم أدواته ويضعها في حقيبته:
-لانه في غيبوبة نفسية.
قالت وكأنها على وشك البكاء:
-يعني مش حيفوق خالص.
-بنبرة هادئة وباابتسامة وديعة كي يطمئنها:
-لا هو ممكن يفوق في أي وقت بس هو محتاج لطبيب نفسي ضروري عشان يشخص حالته بالظبط..أنا حديكي كارت لواحد صديقي..دكتور كويس جدا حيعرف يشخص حالتة كويس ويعرف يعالجه.
تناولت منه الكارت وما ان خرج حتى اطلقت العنان لدموعها..ترمي رأسها على صدر مالك وتبكي بحرقة، قالت وهي تضمه بذراعيها:
-قوم يامالك..قوم ياحبيبي..حصلك ايه بس؟أنا مش حعرف أعيش من غيرك ولا أعمل أي حاجة.
انتابها خوف شديد..واجتاحتها وحدة فظيعة جعلتها تشعر بخوف من المجهول ولا تعلم لماذا؟ وكأن ما سيأتي سوف يحمل في طياته عذاب كبير لها وآلام لم تعهدها..شعرت بيد تربت على ظهرها في حنان..وصوت همس لها بدفئ:
-متخفيش ياست نريمان ان شاء الله حيكون كويس.. قومي اغسلي وشك واتصلي بالدكتور النفسي وخليه يجي عشان يطمنا عليه.
رفعت نريمان رأسها وصدرها يعج بالتنهدات الموجعة، نبضاتها تصرخ تترقب المستقبل بخوف هيستري..وأفكار سيئة تملأ عقلها، اتصلت على الطبيب وطلبت منه الحضور على الفور.
بعد ساعة حضر الطبيب النفسي، وبعد أن فحصه طلب منها أن يتحدث اليها.. حتى يستفسر عنها عن بعض المعلومات التي ستفيده في علاج المريض فسألها بعملية:
-ممكن يامدام تحكيلي عنه شوية؟
-حضرتك عايز تعرف ايه؟
-كل حاجة..كل ال تعرفيه عن جوزك..وازاي اتجوزتو.. وهل كان جوازكم جواز سعيد ولا في مشاكل.
أطرقت بأسف ثم راحت تحكي له بنبرة حزينة كل ماحدث.. منذ أن اتى مالك الى بيتها وحتى لحظة غيابه عن الوعي..حكت له عن مضيقاتها له وتحديها وكلماتها المهينة التي ترميها في وجهه والتي كان يتلاقاها ببرود مستفز..كيف كانت تكرهه وتتمنى طرده في أي لحظة..وكيف وبدون انذار وجدتت نفسها واقعة في غرامه. حكت له كل شئ ..كانت تحكي والطبيب يدون في أجندته ملاحظاته.
*********************************
انه الآن اعترف أن هناك شئ قوي يجذبه نحوها برغم كل الحدود والممنوعات، والمحظورات .
كيف له أن يحب فتاة متزوجة؟؛
كل شئ يرفض ويلومه
..ولكن قلبه يأمره وبقوة، أنه ولأول مرة ينبض تلك النبضات النادرة ويدق دقاته الغير طبيعية..تسللت يده رغم عنه الى شعرها يمسح عنها كل ما تشعر به.
ودون انذار سمع صوت جعله ينتفض ويبعد يده سريعا كأنه ماس كهربائي أصابه.. أنه صوت مراون الذي صدح بسخرية مطعمة بالغضب العارم:
– ايه يادكتور دي طريقة جديدة للعلاج ولا ايه؟؛
ابتلع أكرم ريقه محاولا السيطرة على هدوءه، معدلا من معطفه الأبيض قائلا بثبات مفتعل :
-ايه يا أستاذ مروان هو في حد يدخل كده من غير استئذان.
مروان بضحكة سخرية من جانب شفتيه:
-لا والله عايزني أستئذن وأنا بدخل أوضة
مراتي.
أكرام بنظرات ثابتة متحدية :
-أوضة مراتك في بيت حضرتك لكن هي هنا في مستشفى يعني حضرتك لازم تراعي الأصول قبل ما تدخل.
احمرا وجه مروان بفعل الغضب وتحدي اكرم السافر له فاشتعلت عيناه غيظا فقال وهو يمسك بتلابيبه:
-أنت بتتكلم عن الذوق والأصول يادكتور؛
وهو من الأصول بردو انك تحط ايدك على شعر مراتي..هي دي أخلاق الدكاترة؟
وبعينان مليئة بالتحدي والأحتقار أيضا أردف أكرم:
-أنا عشان دكتور لازم يبقى في قلبي رحمة خاصة لبنت اتعاملت بحيوانية.
مروان وقد احتقن وجهه واتسعت عيناه بشدة:
-أنت تقصد ايه؟
أكرم: شيل ايدك لحسن أخلي الأمن يرميك بره.
وكاد أن يحتد الشجار بينهما لولا صريخ جومانة الذي انطلق في الهواء كأنه طلقات نارية جعلتهما يتوقفا وينظران لها في انزعاج.
لقد تسلل صوت مروان لأذني جومانة ..عندها استيقظت وعندما فتحت عيونها ورأته يتشاجر مع الطبيب راحت تصرخ وتصرخ..وتزحف على فراشها وتحبس نفسها في أخره.. وعندما تطور الأمر تخلت عن فراشها وركضت نحو النافذة تريد أن تلقي بنفسها منها..لولا أن لحقها أكرام وهو يهتف باسمها في صرخة تحذير:
-لا يا جومانة اوعي تعملي كده أنت لازم تعيشي ..فاهمة لازم تعيشي.
وجومانة تصرخ وتعافر تتلوى كالحمامة بين ذراعيه تحاول أن تحرر أسرها منه بالقوة لكي تتلخص من حياتها:
-اوعى سبني..سبني أموت..أنا عايزة اموت.
رأى مروان ذلك المشهد فتمزقت أحشائه من الغيرة..كاد قلبه أن يلفظ دقاته الأخيرة فضم قبضته بقوة ضاما شفتيه بغضب ..ضاربا الهواء بتلك القبضة الغاضبة.. ترك الحجرة يركض ركوض الليث الغاضب.
أما أكرم فضم جومانة الى صدره يحكم قبضتها بين ضلوعه يحميها من نفسها.. ولكن من يحمي قلبه من هواها؟.
********************************
دلفت الممرضة الى الحجرة بعد ان اذن لها أكرام قائلا لها:
-في ايه منال؟
منال:
-المدير عايز حضرتك يادكتور.
-انا رايحله..خلي بالك منها يا منال متسبيهاش لحظة.
قالها وقد ألقى نظرة أخيرة عليها قبل أن ينصرف.
طرق باب حجرة المدير الذي سمعه يأذن له بالحضور قال بعد جلس أمامه
-ايوة يا افندم تحت أمرك.
المدير بنبرة عاتبة ممزوجة ببعض الحدة:
-ايه يأاكرم ال أنت عملته ده.
-أنا عملت ايه ياافندم.
المدير وعيناه تحذره:
-ياأكرم..ياأكرم مروان خارب الدنيا ومصمم انه ينقل مراته مستشفى تانية وده من حقه طبعا.
هنا نهض أكرام بحركة حادة وقد خشى أن ينفذ مروان تهديده بالفعل.. فماذا يفعل إن أخذها الى مستشفى أخرى..أو اصطحبها الى بيته فصرخ رافضا:
-لا ياافندم مينفعش ..ازاي ينقلها مستشفى تانية.
نهض المدير بدوره واردف:
-هو ايه ال مينفعش..دي مراته يعني محدش يقدر يمنعه.
-يا افندم حضرتك عارف حكايتها كويس وعارف ان جوزها ده حيوان ازاي نقبل أنه ياخدها..دي كانت حتنتحر من شوية.
-منقدرش نمنعه يااكرم..كل ال نقدر نعمله اننا نمضيه على اقرار.. بانه مسئول عن أي أضرار يحصلها لو خدها من هنا.
-يا افندم..ياافندم. ……
قاطعه المدير قائلا بنبرة حاسمة ليس فيها رجعة:
-خلاص يا أكرم..كل ال اقدر اعمله اني أحاول أقنع مروان أنه يخليها على شرط انك مش حتابع حالتها بعد كده.. ودكتور تاني هو ال حيتولى حالتها الطبية.
فكر أكرم لدقائق ووجد أن هذا أفضل حل لكي ينقذ جومانة من قبضة هذا الحيوان..على الاقل انه سوف يكون متواجدا في نفس المستشفى القاطنة بها..فأومئ برأسه موافقا على الحل الذي طرحه المدير.
******************************
يومان ومالك في غيبوبته لم يفق بعد.. كان راقدا على فراشه وهي بجواره، دموعها لا تنضب..تتأمله بحب وافتقاد..أنها تفتقده بشدة وتشتاقه بقوة..تشتاق حتى لقسوته عليها..لجملته التي باتت تعشقها (كسحة تاخد الحريم كلتها) تغمض عينيها بقوة فتفيض دموع على وجنتيها بسخاء..التقطت كف يده تقبلها بتضرع..وتضعها على موضع قلبها لعل دقاته تنعش روحه الغائبة عن الوعي.
طرقات الباب أنتشلتها من حزنها الذي كاد يقضي عليها..مسحت دموعها وقالت:
-مين؟
-أم احمد من الخارج:
-انا يا ست هانم الأستاذ سامر تحت وعايز يقابلك ضروري.
-طيب يادادة قدميله حاجة لغاية ما أنزل.
-من عنية.
قبلت جبهة مالك ومسحت وجنتيه بكفها في بحب قبل أن تتركه.
تجردت من شخصيتها المنهارة لسقوط زوجها الحبيب..وارتدت شخصيتها الأولى القوية الغير مبالية بمن حولها..لكن بغير عنجهية ولا تكبر كانت تتقدم نحو سامر بخطوات واثقة وكأن عمرها زاد أضعافا.. حتى أن سامر نفسه قد لمح تلك الجدية التي تحيطها فنهض وكأنه ينهض احتراما لها مدت يدها قائلة له بترحاب رزين:
-أهلا أستاذ سامر .
-أهلا بيكي ياست البنات
حينما جلس قالت وقد وضعت ساق فوق ساق ..ثم أشارت له بالجلوس:
-اتفضل اقعد..خير يااستاذ سامر
-خير يا ست ياالبنات ان شاء الله..بس طمنيني الأول على الأستاذ مالك عامل ايه دلوقت.
اجابت با اقتضاب ولم تستطيع أخفاء حزنها عليه:
-الحمد لله أحسن.
-تمام ..ربنا يعجل له بالشفاء ان شاء الله..طيب دلوقت حضرتك الشغل هناك متعطل..وفيه حاجات كتير احنا محتاجنيها من الاستاذ مالك..فبقول يعني حضرتك صاحبة المال ..وتقدري تشرفينا وتتابعي مالك بنفسك.
-أيوة بس أنا حفهم ايه في الشغل..واقدر افيدكم بأيه؟؛
لمعت عيناه بشئ خفي يدبر له فهمس بحماس:
-ياافندم مجرد وجودك وسط العمال والموظفين حيحمي اموالك من السرقة..ويخليهم يعرفوا أنه مش مال سايب ووحدة وحدة تتعلمي الشغل ماشي ازاي..لحد ما الأستاذ مالك يخف ويرجعلنا بالسلامة.
شردت قليلا في كلامه فوجدته منطقي..يجب أن تباشر أموالها بنفسها..شئ آخر طرأ على عقلها يضخ بداخلها الحماس اكثر وأكثر..شئ يريد أن يثبت لمالك بعد شفائه ويرى كم هي على قدر المسئولية وأنها ليست من النساء التافهات قد يجعل ذلك الأمر يقترب منها ويغير نظرته لها ..نظرت له في ثقة وقالت:
-خلاص أوكي أستاذ سامر من بكرة حكون في الشغل.
ابتسم سامر في انتصار اخيرا سوف يحقق ما خطط له بالتأكيد.
*********************************
بالفعل وافق مروان على أن تظل جومانة في المستشفى، لقد خشى أن يحدث لها مكروها ويكون هو السبب.. لا يريد أن تتسع الفجوة بينه وبينها أكثر من ذلك.. صحيح أنه يتمزق بداخله..ونار الغيرة تحرق فؤاده لكنه سوف يصبر حتى تتماثل للشفاء، سوف يحاول ويستميت لكي يكتسب قلبها من جديد..من داخله يعلم أن الامر صعب بل أنه مستحيل ولكنه سيبذل أقصى جهده لأنه يحبها..لولا سفره هذا الذي حتمه العمل لكان اصطحبها الى البيت فورا ولكن لا ضير..أسبوع واحد وسيعود ويعيدها لبيته مهما كان الثمن.
عندما علم أكرم أن مروان سافر تنفس الصعداء اخذ سماعته وذهب الى حجرة جومانة ليتفقدها، وجدها شاردة تبكي في صمت فزفر في أسف من حالها زين وجهه باابتسامة وقال:
-مساء الخير .
التفتت له ولم تجيبه ..هي لا تستطيع أن ترد تحيته فكل شئ بداخلها صامت كبيت مجهور خرب..تجاهل صمتها هذا وراح يكلمها حتى لو لم تبادله الحديث كل همه أن يسري عنها بأي طريقة، استطرد وهو يلتقط يدها لكي يتفقد نبضها:
-عاملة ايه دلوقت؟؛
-أنا عايزة أموت..أديني سم أو حاجة تموتني بسرعة..عشان خاطري يادكتور.
أنها تكلمت اخيرا وليتها صمتت..هنا ترك يدها وتأملها بضيق، وانزعاج أنها في حالة رفض تام للحياة، ولو ظلت هكذا سوف تبحث عن أي فرصة لكي تقتل نفسها ولم تتوانى حتى تحقق أمنيتها تلك..فماذا عساه ان يفعل..هل يعطيها محاضرة عن حرمة الأنتحار..هل يعطيها نصائح يوصيها أن لا تقدم على قتل نفسها وهي صغيرة.. وان الدنيا مليئة بالمصائب وعليها أن تتحمل وتصبر حتى يعوضها الله..لأن الله يوفي أجر الصابرين..هل فتاة بمثل سنها؟ تستوعب هذا الكلام وتعمل به ..وجد نفسه وقد حدق بها بقسوة..نظراته حازمة غاضبة منها..وصوته رافضا استسلامها فهتف في حدة:
– ايه مالك كل شوية عايزة اموت..عايزة اموت..ايه الأستسلام ال أنتي في ده..ايه الضعف ده، ليه ترضي بواقع انتي مش عايزاه..قومي كده وارفضي واصرخي..لكن متستلسميش بالشكل ده..وكأنك طفلة عندك سنتين مش عارفة تروحي فين ولا تيجي منين..اقفي في وش جوزك وارفضيه..اخلعيه حتى القانون دلوقت في صفك..قومي كده ومتضيعيش حياتك في اليأس والبكا.
صوته المحتد ونبرته القاسية..ونظراته الصارمة ويديه اللتان وكأنهما على وشك صفعها..كل ذلك جعلها تنكمش على نفسها تلملم جسدها بين ذراعيها، تتراجع في خوف ودموعها تسيل بغزارة على وجنتيها.
اطرق رأسه بندم على ما تفوه به ماكان عليه ان يحدثها في تلك اللحظات..تنفس بعمق ثم قال:
-متخافيش ياجومانة ..انا بقول كده عشان تبقي قوية..مش عشان تخافي مني متزعليش مني.
فوجئ بها تقترب وتلقي نفسها في حضنه وتقول وهي تتشبث بذراعيه تشبث الغريق الذي يأمل في النجاة:
-متسبنيش خليك جمبي..عشان خاطر ربنا..أنا خايفة لما يرجع مروان من السفر ياخدني معاه في البيت زي ما قالتلي دادة أنا مش حقدر أستحمل اعيش معاه.
لقد زغرط قلبه بداخله..لأن حديثه أتى بنتائجه..وحقق ما اراد..لقد ايقظها من نوبة الضعف التي كادت أن تهوي بها الى هوة الأنهيار..لكنه ارتبك خشى أن يدخل أحد ما ويرى هذا الوضع ويفهمه خطأ..فأبعدها عن صدر برفق وقال لها باابتسامة حنونة..ونظرات مفعمة بالود:
-متخافيش انا معاكي أوعدك واني مش حتخلى عنك..ومش حسكت غير لما أعملك كل ال أنتي عايزاه..وأخلصك من اي حد عايز يأذيكي..بس بشرط توعدينك أنك متفكريش في الموت أبدا ..ها توعديني.
أومئت برأسها ثم همست:
-حاضر
بهمس ودود هتف أكرم:
-حاضر أيه.
-أوعدك..اني مش حفكر اموت نفسي.
حدق فيها لثواني في حب وابتسامته العذبة كادت ان تصرخ بكلمة احبك.
لقد بدالته تلك الأبتسامة..باابتسامة امتنان..وثقة كأنها تقول له لقد وضعت ثقتي بك فلا تخذلني.
سريعا انتشل نفسه بعد أن ابتلع ريقه بصعوبة وقال وهو يدثرها:
-نامي دلوقت ومتفكريش في أي حاجة..كله خير باذن الله.
وتركها بخطوات سريعة حتى يلحق نفسه قبل ان تخونه..ويقبلها بين عينيها تلك البريئتين.
*********************************
بقلم سهير عدلي
الفصل الرابع عشر
كاره النساء
لم تجد نريمان الرغبة في الذهاب الى العمل كما وعدت سامر، وذلك بسبب قلقها على مالك ، لم يطاوعها قلبها أن تتركه وهو مازال غارقا في غيبوبة، ولا تعلم كيف ومتى سيفيق منها، حتى عندما سألت الطبيب متى سيعود للواقع؟ قال لها لابد أن يعرف بعض المعلومات عن أيام طفولته، فاخبرته أنها لا تعرف الكثير عن حياته لأنهما كان تقريبا شبه منقطعين، فأخبرها أنه يجب عليها أن تسافر الى بلدته مسقط رأسه ،وتسأل جيرانه أو أصدقائه لعلهم يعرفون أشياء قد تفيده في علاجه.
ولكن مع اصرار سامر وكثرة اتصالاته والحاحه على حضورها اضطرات أن تذهب الى العمل، استقبلها سامر بترحاب مبالغ به، وطلب منها أن تجلس في حجرة مكتب والدها..وما إن جلست عليه شعرت بشئ غريب كأن على كاهلها جبال..مسئولية جسيمة حطت على رأسها..شتان مابين حضورها سابقا عندما كانت تحضر وهي ابنة صاحب المحلات الشهيرة، الفتاة المدللة التي تأتي فقط لكي تأخذ اموال منه وتنصرف على عجل لكي تذهب للتسوق..وبين حضورها الآن كمسئول عن كل تلك الأعمال..شعور غريب جعلها تشعر أنها قد هرمت..خاصة عندما أخذها سامر في جولة لكي تتابع الأعمال عن قرب..شعرت برهبة ورجفة في قلبها..كيف لها أن تتحمل كل تلك الأمور..الآن أدركت قيمة أباها..كيف كان يشقى ويتعب لكي يوفر لها كل أسباب الراحة والمتعة..وجدها سامر شاردة وكأنها طفلة تائهة فسألها في فضول:
-مالك يامدام نريمان..في حاجة مش عجباكي في الشغل؟
قالت وهي تنفض عن نفسها ذلك التيه فغمغمت:
-هه..لا لأ مفيش حاجة…أ أنا تعبت شوية وبقول كفاية كده..أنا حروح بقى.
سامر وهو يخفي ضيقه:
-تحت أمرك..بس بقول يعني في شوية أوراق ياريت توقعيهم.
قالت وهي تضيق عينيها باستفسار:
-أوراق ايه دي؟؛
أردف بثبات وقد هز كتفيه في حركة أن الأمر عادي:
-لا دي شوية أوراق بس خاصة بفواتير وأذون صرف وكده يعني.
لم تفهم نريمان شئ ولكنها قالت له:
-طيب خليهم بكرة لأن أنا فصلت ومش حعرف أركز في حاجة.
-وبنبرة غير مبالية حتى لا يثير شكوكها:
-تمام..مفيش مشاكل خليهم لبكرة.
ثم أمر السائق أن يقوم بتوصيلها الى المنزل وذهب هو الى مكتبه..يخرج بعض من الأوراق درج مكتبه قابضا عليهم بغيظ قائلا:
-مش مهم ..نستنى يوم كمان مش حيجرا حاجة حتروحي مني فين.
ثم زفر في عدم صبر وعيناه تشعان في اصرار حتى يحصل على مراده.
لم تمكث كثيرا في العمل كانت قلقة على مالك للغاية توجهت الى حجرته مباشرة، وجدته نائم ولكنه يبدو عليه كأنه يحلم ..يحلم بشئ مخيف هكذا اتضح من صورته، فقد كان وجهه يتصبب عرقا، ينازع ويصدر اصوات غير مفهومة، وهماهمات كأنها أواجع، ينتفض جسده على الفراش كأنه في نوبات صرع.. ركضت نحوه بانزعاج تهزه وتناديه بهلع:
-مالك..مالك..في ايه حبيبي..قوم يامالك ..اصحى ..اصحي فيك ايه ياحبيبي .
بأصابع ترتعش وانفاس لاهثة خائفة، اخرجت هاتفها تتصل بالطبيب وتخبره باكية:
-الحقني يادكتور.. مالك كأنه بيحلم بكابوس وعمال ينازع..وبيقول كلام مش مفهوم، وشه اصفر ومليان عرق.
الطبيب باهتمام:
-طب كويس ده معناه انه قرب يفوق ..مسافة السكة واكون عندكم.
جلست بجواره على الفراش تمسح عنه عرقه..وهي تزرف دموع الخوف عليه.
عندما حضر الطبيب حقنه ببعض المنشطات حتى تساعده على تنشيط وعيه..وسألها:
-قولي لي قدرتي تجيبي اي معلومات عن حياته؟
هزت رأسها بالنفي قائلة بأسف:
-للاسف يادكتور مقدرتش أروح ..اولا لاني معرفش اروح لوحدي وكمان خفت لانها بلد أرياف وأنا مش حقدر أتعامل معاهم ..ثانيا انا كنت مشغولة جدا عشان شغل والدي وكمان اهتمامي بمالك مقدرتش أسيبه لوحده وأسافر..عشان كده انا بفضل اننا نستنى والدي لما يرجع من السفر هو حيقدر يفيدك اكتر ويجبلك المعلومات الحضرتك عايزها.
أومئ برأسه تفهما فقال على مضص:
-تمام ..ياريت يفوق بقى عشان أسمع منه شخصيا.. المهم أنا عايزك تفضلي جمبه..واظن ان مراعاتك ليه وقعادك معاه وكلامك له كان ليه أثر كبير بانه بيحاول يقاوم غيبوبته..أنا حمشي وأي تطورات اتصلي بيا فورا.
-حاضر يادكتور.
قال وهو يصافحها:
-ربنا يشفيه يارب
-يااارب.
جلست بجواره تتأمله بشفقة جعلت ذراعها فوق رأسه، وأراحت خدها على جبينه مقربة رأسه نحو حضنها أكثر وأكثر وراحت تهمس له باشتياق:
-ياااه يامالك قد ايه أنت واحشني قووي..واحشني صوتك حتى لو كان زعيق وشخط..وحشتني نظراتك حتى لو كانت نظرات كره..وحشتني أوامرك ..وحشني وجودك معايا..قوووم بقى أنا محتجااالك قوووي..حاسة أن جزء مني سايبني وضايع مني..ربنا يشفيك ياحبيبي ويرجعك لي بالسلامة.
جادت عيناها بفيض من الدموع.. دموعها تسقط على وجهه علها تغسله من غياب طال لأيام وكأنها سنوات..وبالفعل دموعها أتت مفعولها فقد ظل يتململ وكأنه يقاوم لكي يخرج من غيبوبته تلك وعندما شعرت بحركته رفعت رأسها وحدقت به بشوق بالغ ولهفة تنتظر وتتمنى لكي يستيقظ.. فظلت تساعده وتخفزه بصوتها الحنون:
-قوم ..قوم يامالك..اصحى..قاوم ياحبيبي.. فوق..فوق ياروحي.
لم تصدق عيناها عندما فتح عيناه ونظر لها بأعياء وكأنه كان نائما مع أهل الكهف حدق بها وغمغم بضعف وأعياء:
-أ أ أنتي مين..أنتي ميين…
فرحتها باستيقاظه جعلتها تصرخ وتنادي على دادتها بصوت ضال اعمى لا تدري ماذا تفعل في ذلك الموقف:
-دادة …ددداداة ..مااالك فاق ..مالك اتكلم.
حتى انها تركته وذهبت اليها..لكي تشاركها تلك اللحظة فقد شعرت أنها لحظة قوية لن تتحملها بمفردها.
*********************************
لأول مرة منذ أن جاءت الى المستشفى في حالة يرثى لها يراها وهي تبتسم ..عندما دلف الى حجرتها وألقى عليها تحية الصباح:
-صباح الخير
فردت عليه تحيته باابتسامة عذبة صنعتها شفتيها خصيصا له:
-صباح النور
قال وهو يدقق في ملامحها التي تبدلت من اليأس الى الأمل ومن التعاسة الى السعادة:
– ايه ده هو انتي بتعرفي تبتسمي زينا؟؛
أطرقت رأسها خجلا وهي تبتسم من مزاحه.
تناول يدها لكي يتابع نبضها وحتى يرفع عنها خجلها:
-وريني ياست الكل.
بينما هو محدق في ساعته كانت هي تراقبه في صمت ملامحه الرجولية ووسامته اللتان آسراها، والأهم حنانه الذي يغدقه عليها ومعاملته الطيبة لها..والتي افتقدتها وحرمت منها من قبل والدها وزوجها..وراح عقلها ينقم على والدها ذلك الوالد القاسي الذي لم يكلف نفسه أن يسأل عليها وكأنه ماصدق وتخلص منها..أي أب هذا..مازالت تجهل خبر موته فلقد فضلوا أن لا تعرف به حتى تتحسن حالتها..هتف باسمها عندما وجدها شاردة:
-مالك ياجومانة..ابتسامتك اختفت ليه مرة وحدة.
-مفيش.
قالتها وهي تضم شفتيها تحاول ان تخفي مشاعرها.
ولكنه طارد تلك المشاعر باصرار حتى لا تختزنها بداخلها فتقتلها:
-مفيش ازاي..وشك باين عليه ايه ال فكرتي فيه خلاكي اضيقتي كده مرة وحدة.
ولم طال صمتها سألها باصرار حتى تبوح بمكنون نفسها:
-قولي ياجومانة مالك في ايه؟؛ أحنا مش اصدقاء..واتفقنا انك متخبيش علياحاجة .
حدقت فيه لثواني هي بالفعل تشعر تجاهه بقرب وراحة فقالت له كأنها تشكو اليه:
-بفكر في بابا ال مسألش عليا ولو مرة وحدة من ساعة ما جيت.
أشاح بوجهه بعيد عنها في حيرة هل يخبرها عن أمر موته..أم لا ؟
وكأنها شعرت أن هناك شئ خفي لا يريد أن ببوح لها به فسألته في توجس:
-فيه ايه يا دكتور..أنت مخبي عليا حاجة؟؛
– ابوكي مات ياجومانة من أول يوم جيتي فيه مستحملش الصدمة ومات .
وجد نفسه يقول ذلك وظل يراقب ردة فعلها لأستقبالها مثل ذلك الخبر .راقب انفعالاتها ووجهها الذي ظل جامدا للحظات وعيناها الشاخصة، محدقة فيه بعدم تصديق وعدم استيعاب..حتى أنه خشى عليها فهتف اسمها بانزعاج:
-جومانة..جومانة قولي أي حاجة.
كانت جومانة في صراع مع نفسها..في تلك اللحظة لم تنقم على أبيها على الرغم مما تسبب لها من متاعب..لقد شعرت بعد أن فقدته كأنها ورقة شجرة سقطت فتلقفتها الريح تطير بها في الهواء..لقد بكت عليه بكت بشدة..برغم من كل ما حدث منه..تبكيه برغم كل الضغوط النفسية التي سببها لها ..تبكيه برغم سجنه لها وحرمانها من حنانه تبكيه.
حب الأبنة لأبيها حب فطري..لا تهدمه أي ظروف حتى لو كانت قاسية.
ارتاح أكرم لدموعها تلك فهي علامة صحية..دموع طبيعية، لقد أطمأن أن هذا الخبر لم يحدث لها أي انتكاسات ربت على يدها وقال مواسيا:
-متبكيش..اكيد ابوكي ليه ظروف خلته قست عليكي كده هي ايه الله اعلم .لكن في النهاية لازم تتطلبيله الرحمة.
لم ترد عليه ولكن راحت تبكي بحرقة ودموعها تسيل بغزارة.. حتى حضرت في تلك اللحظة مربيتها ام أحمد وقد بدى عليها الانزعاج عندما رأتها تبكي ولما سألت الطبيب قال لها بأسف:
-عرفت ان باباها مات خليكي جمبها متسيبهاش.
فاقتربت منها تضمها الى صدره وتمسح على شعرها مرددة في أسف:
-ياضنايا يابنتي..ربنا يزيح عنك ياااارب.
شيعها أكرم قبل أنصرافه بنظرات آسفة..كل يوم يرتبط بها أكثر من الأول..فكيف السبيل من التخلص من هذا الحب المستحيل.
*********************************
-وبعدين الساعة بقت عشرة الصبح ونريمان ماجتش لازم تمضي الورق قبل ما مالك يخف ويرجع الشغل.
قال ذلك سامر وهو يزفر بضيق قاطعا الحجرة ذهابا وإيابا في قلق بالغ قرر أن يتصل بها وتكون حجته سؤاله عن مالك لعله يعرف سبب تأخرها وبالفعل اتصل بها.
وعندما سمع صوتها كسى صوته الطيبة قائلا:
-السلام عليكم
-وعليكم السلام ورحمة الله
-أتأخرتي قوي يامدام نريمان فقلقت قلت اتصل اطمن عليكي.
صدمته عندما قالت له:
-معلش يا أستاذ سامر أنا مش حقدر أجاي مالك في حالة مش طبيعية ..بيفوق ويغمى عليه تاني وأنا جمبه مستنية الدكتور.
أخفى ضيقه بالكاد وقال بلهفة مصتنعة:
-سلامته الف سلامة ..طبعا لازم تفضلي جمبه..طيب لو احتاجتي حاجة رني عليا.
-متشكرة قوي.
اغلق هاتفه وضرب راحته بقبضته في غيظ..وظل يفكر وهو يعض ابهامه في قلق جم ماذا يفعل الآن ..فهداه عقله الى أن يذهب اليها بحجة أن يجب أن يكون بجانبها في مثل هذا الموقف.
كان مالك قد استفاق ولكنه لا يتكلم..عيناه مفتوحة ولكنه لا يرى أحد، بعد أن فرحت نريمان بعودته.. عادت سعادتها لتتحطم من جديد، كانت تحدق في عيناه مباشرة تحدثه ووجهها قريب من وجهه يكاد يلامسه، انفاسها تلفح وجهه كأنها رياح تريد أن تقتلعه من ذلك الجمود..راحت تهمس له وكلماتها تقطر عذاب وألم:
-أنا تعبت يامالك..أنت في عالم تاني..ومش حاسس بيا..أنا تايهة من غيرك..عنيك مفتحة بس مش شيفاني..طب سامعني يا مالك.. طيب فيك أيه..حاسس بايه..كنت فين وجرالك أيه..كنت مع مين..الدكتور ليه ساعة بيكلمك ومقدرش يستفسر منك عن حاجة..بيقول إنك لو اتكلمت حتخف..لو عرف أنت كنت فين أخر مرة حيقدر يعرف سبب الحصلك، في حاجة حصلتلك خلتك منهار كده..ايه الحصلك ياحبيبي.
ولما لم يجيب عليها وكأنها تحدث صنما..أغمضت عيناها بقوة فتولدت دمعات ساخنة ألهبت خديها ولكنها استطردت بصوت محشرج ونبرة مفعمة بالأصرار لكي تجبره على التحدث فأمسكت كتفيه بقبضتيها وراحت تهزه بقوة قائلة:
-أتكلم يامالك..أتكلم..اتكلم بقى حرام عليك تعبتني..تعبتني..فووق…فوق عشان تشيل الحمل عني..قلبي قرب ينفجر من كتر خوفه عليك أتكلم بقى.
ولكنه كالصنم ..حجر ليس فيه روح فاراحت رأسها على صدره تبكي بيأس بكاءا حارا كاد يصدع قلبها.
أخرجها من بكائها صوت مربيتها أم أحمد وهي تقول من خلف الباب:
-ست نريمان الأستاذ سامر تحت وعايز يطمن على الأستاذ مالك.
رفعت رأسها من على صدره..تنهدت بقوة..وكأنها سوف تخرج قلبها مع تلك التنهيدة..واردفت وهي تمسح دموعها:
-طيب قدميله حاجة لحد ما أنزله.
-حاضر يابنتي.. بس بعد أذنك حروح مشوار كده لحد بنتي..وآجي عالطول.. ساعة زمن مش حتأخر.
نريمان على مضض:
-طيب يادادة
ثم غمغمت لنفسها:
-هو ده وقتك أنت كمان
راحت تبدل ثيابها بثياب لائقة لأستقبال سامر.. وقبل أن تخرج نظرت لمالك فرأته على حالته زاهلا متصنما لا يبدي حراك..فاقتربت منه وساعدته أن يرقد بجسده كله دثرته ثم أنصرفت.
فتحت باب حجرتها واذ بها قد اتسعت عيناها فجأة..فتراجت للخلف بعض الخطوات فلقد رأت سامر يدخل ويقول بعد أن تحمحم:
-أنا آسف أضطريت أني اطلع لحد هنا كنت عايز اطمن على مالك وأشوفه لاني قلقان جدا عليه.
المفاجأة أربكتها وقيدت لسانها وعقلها فلم تستطيع أن تبدي أي رد فعل. غير أنها قالت له وهي في قمة حرجها:
-هه ..لا عادي اتفضل.
جلس على مقعد أمام فراش مالك ..فقال سامر بعد أن نظر له ورآه نائما:
-هو عامل ايه دلوقت:
أجابت بخفوت :
-تمام..الحمد لله بقى أحسن.
لحظات صمت ثقيلة مغلفة بالحرج..وراح سامر يتحدث حتى يقضي على ذلك التوتر:
-طيب هو الدكتور قال أيه؟
قالت دون أن تنظر له وكانت خجلة ومازالت تحت تأثير الحرج:
-قال أنه بيتحسن الحمد الله.
جذبه خجلها ..لأول مرة يرى خجلها ذلك، كان دائما لا يرى الا الكبرياء مرسوما على وجهها وكأنه جزء من قسماته، ظل يتأملها بإعجاب وهو يحدث نفسه كأنه وهي في خلوة وليس معهما أحد:
-( كل شئ اتمنيته راح مني أتمنيتك قووي..من أول ما اشتغلت مع أبوكي وكان عمرك عشر سنين وأنا حبيتك وكل ما تكبري يكبر حبك في قلبي.. تعبت وشقيت معاه وفي الآخر مانبنيش غير مرتبي.. أبوكي كبر بفضلي وفضل أفكاري ال كانت بتكبر شغله..من غيري مكنش بقى أكبر تاجر جملة..صحيح كان بيكبر مرتبي ..لكن ده مكنش كفاية ..ثروتكم دي كبرت بفضل عقلي أنا وأنا استحملت وفضلت معاه على أمل لما تكبري أجوزك. . كنت مستني تخلصي دراستك واتقدملك..لكن للأسف أبوكي جوزك بأسرع مما توقعت..استنيتك على الفاضي..كان ممكن أسيب أبوكي واشتغل لحسابي لكن مرتضتش أمشي عشان خاطرك.. بس أنا لازم آخد حقي فيكي وفي فلوس أبوكي ..وحتمضي على الورق ال معايا..ورق يثبت أنك سحبتي مني فلوس لحد ما أبوكي يجي من السفر)
كانت عيناه تخترقها نظراته خليط من الحب والحقد والرغبة..نظرات شعرت بها نريمان حتى أنها وبحركات عفوية راحت تسدل ثوبها.. وتغلق فتحة جيدها بيدها.. نظراته اصبحت صريحة تتحدث بوقاحة حتى شعرت بالأختناق..فقالت حتى تصد نظراته تلك علها تصرفه:
-طيب يا أستاذ سامر هو في حاجة مهمة في الشغل عايزني اعملها.
نطقتها مغلفة باابتسامة مجاملة، ونبرة جاهدت أن تخرج طبيبعية وقد أخفت توترها بالكاد.
لكنه لم يجيبها..وأصر أن يحدق فيها بوقاحة وجرأة لا تفهم لهما سبب..فخفق قلبها وراح ينبض بعنف..وأذ به وبدون سابق أنذار..وجدته ينهض وكأنه فقد عقله فهجم عليها يقبلها ويضمها عنوة وهو يغمغم بحقد وانتقام:
-أنا عايزك أنتي..عايزك أنتي أنا فضلت صابر عشان تكوني ملكي ..لكن خسرتك.. خسرتك..كانت تصده..بكل ما أوتيت من قوة..وهو راح يكمل اعتداؤه عليها كالمجنون المغيب عن الوعي..وهي تصرخ وتصرخ..ضعيفه لم تقوى على صد هجومه الغاشم..فبدأت تستغيث:
-آااااه ..انت اجنننت ..انت بتعمل ايه..سبني ياكلب..سبني..ماااااللك ..مااااالك الحقني..الحقني يامالك..آااااااااه ..لالاا ماااااالك.
********************************
-مش عايزة أروح معاه يادادة بلاش..بلاش تروحيني الله يخليكي.
هتفت بها جومانة، بصوت ضعيف عاجز وقد لجئت لحضن مربيتها كأنها تلوذ به، ضعفها هذه اوجع قلب مربيتها فضمتها اليها بقوة ليتها تستطيع ان تخميها وتصد عنها أي سوء تشعر بها ما حيلتها حيال ذلك غير انها تبث لها كلمات حتى لو بالكذب علها تقويها:
-ياحبيبتي مروان بيه مش حيأذيكي متخافيش..وأنا معاكي مش حسيبك.
رفعت رأسها بحركة حادة وهتفت بحدة:
-لأ أنا خايفة منه ومش طايقة اشوفه..وبعدين ايه ال رجعه بدري مش كان بيقول انه حيفضل اسبوع رجع ليه بعد تلات ايام بس.
-يابنتي مهو خلص شغله بدري ،وبعدين هو انتي حتفضلي هنا في المستشفى عالطول مكان مسيرك تروحي.
اخفت وجهها بين كفيها وهي تغمغم لنفسها:
-ياريت افضل هنا عالطول..لكن حتى ال كنت حقعد عشانه من امبارح مش باين ..هو زهق مني ولا ايه..راح فين ..رحت فين يااكرم
-يلا يابنتي استهدي بالله وقوي غير هدومك عشان مروان بيه مستني بره.
قالتها مربيتها وهي تربت على ظهرها وتجبرها على النهوض.
في النهاية اضطرت جومانة أن تمتثل لارادتها..تشعر أنها سلبت كل شئ..ضعيفة منكسرة..وحيدة..وأنها في أخر مطاف حياتها، دلفت الى المرحاض ظلت ساكنة لفترة لا تعلم ماذا تفعل؟ وجهها جامد ليس به حياة..كأنها تتأرجح بين السماء والأرض، فردت يدها أمامها تنظر لعروق يدها وتضم قبضتها بقوة حتى انتفخت تلك العروق..دموعها تسيل على وجنتيها بصمت مخيف..لماذا تعيش؟ ولمن؟ ومن أجل ماذا؟ تلك الأسئلة كانت تدور في رأسها ..ودقات قلبها اليائسة تحرضها على انهاء حياتها .. في خضم لحظاتها اليائسة تلك سمعت الممرضة تطرق عليها الباب ولم تنتظر اجابتها وفتحته بحركة سريعة..وجزعت عندما رأت منظرها ذلك وهي على وشك التخلص من حياتها فهتفت بانزعاج:
-انتي حتعملي ايه في نفسك؟ .. اوعي تعملي حاجة..الحمد لله لحقتك ..دكتور أكرم كان قلبه حاسس..خدي.. ده جواب منه بيشرحلك فيه كل حاجة اقريه ونفذي ال فيه بالظبط فاهمة.
نظرت لها جومانة بعيون زائغة لقد انقذت حياتها في اللحظة الأخيرة..راحت تتأمل الخطاب كأنه طوق نجاة القشة التي انقذتها..راحت تضمه الى صدرها تشكره لأنه اتى في ميعاده..قرأت خطابه وابتسمت وادعمت في سعادة لقد اعادت كلماته اليها الحياة ومدتها بالقوة.. ارتدت ثيابها وخرجت وهي تقول لمربيتها بثبات:
-يلا يادادة أنا جهزت
-يلا يابنتي.
قالتها وهي تتعجب من سر تبدل ضعفها هذا الى تلك القوة ..والثبات الذي بدى عليها فجأة.
₩₩₩₩₩₩₩₩₩₩₩₩₩₩
الفصل الخامس عشر
كاره النساء
صراخاتها تخترق سمعه، واستغاثتها باسمه تصعق قلبه، فيولد لديه صراع مرير.. بين قلبه الذي يصارع حتى يهب لنجدتها، وعقله الذي يصارع حتى يفيق ويلبي ندائها، فيتململ بقوة كأنه ينازع حتى تعود له الروح..صوتها الحنون الدافئ طوال فترة غيبوبته مازال يتردد في أذنيه..كلمة حبيبي التي أطعمت بها قلبه وغذته إياها كانت لها الفضل في أنعاش روحه ومقاومة غيبوبته، لمساتها مازالت بصمة سوف يجد أثرها حتى بعد أن يفيق..دموعها التي صبتها على صدره أنبتت داخله حنينا لها.
تصرخ باسمه وتستنجد به..اسمه بين شفتيها المستغيثتين تصفع عقله الباطن الذي يتشبث بقوة بعقله الواعي ليظل نائما في غيبات الزهول..ولكن عقله الواعي يصرخ به وكأنه يقول له:
-قم..وهب لنجدتها..انها الآن في أمس الحاجة إليك.
في خضم الصراع الذي يعانيه مالك وهو يحاول أن يقاوم زهوله وخروجه عن الواقع.. صرخات نريمان أسواط تجلده وأخيرا تغلب عقله الواعي واستفاق قلبه ونهض ليراها تسحق تحت ذلك السافل..الذي استباح عرضه أمامه ظنا منه أنه بلا وعي..وأذ بسامر يفاجأ بيد تجذبه من دبر قميصه ويكيل له ضربات سريعة متتالية..قوية.. ولم يتركه حتى سقط ذلك الذئب مغشيا عليه..ونريمان واقفة في ركن الحجرة منزوية على نفسها، شعرها أشعث ثيابها مقطعة..وجهها شاحب تلون بألوان شتى واضعة يدها على فمها وهي ترى مالك يضرب سامر بعنف..وما إن أنتهى وكان كالذي دخل معركة ببقايا قوته ولا يعلم من أتت له تلك القوة..وسرعان ما انهار أو كان على وشك. . ركضت نحوه سريعا ترتمي في حضنه تصب كل دموعها على صدره..دموع الخوف الذي تحول الى أمان بفضله. دموع الضياع الذي أنقذها من براثن ذلكن الذئب..دموع السعادة لعودته الى الحياة..دموع رجولته التي هبت لنجدتها وصارعت غيبوبته من أجلها..كانت تلصق نفسها به بشدة كأنها تريد أن تخترق ضلوعه حتى تشعر بأمان أكثر..ظل لحظات ساكن يديه بجواره مرتخيتين.. وإذ به يرفعهما بتردد وخوف ليحتويها بهما.. فاتسعت عيناها غير مصدقة أنه ضمها اليه.. ولأول مرة يفعل ذلك..فابتسمت وأدمعت حتى انها نظرت لوجهه المرهق كأنها تسأله هل أنت حقيقي ضممتني اليك..فعادت واسندت رأسها على كتفه تثتثمر تلك اللحظات النادرة وتمنت ساعتها الا تنتهي تلك اللحظات..بل أنه شدد من ضمه لها ..وشددت هي بدورها من ضمه اليها كأنه ترجوه أن لا يتركها..فهذه أول ضمة لها منذ أن تزوجها..أول مرة يلمس جسدها جسده..أول مرة يكون قريب منها..أول مرة تشعر أنه زوجها ،سندها، أمانها، رجلها..أنه كل شئ في حياتها..وإذ بها شعرت بجسده يترنح ويديه تخلتا عنها فنظرت له بانزعاج وهي تصيح :
-مالك ..في ايه…مااااالك.
كان قد سقط بين يديها ولكن عيناه مازالتا مفتوحتين بضعف وإعياء يهمس بصوت ضعيف كأنه يقاتل ويستميت حتى يبقى مستيقظا من أجلها ومن أجل أن تشعر بالأمان:
-مت..مت متخفيشي.
لم تتخلى عنه بعد أن سقط وانما ظلت يديها الضعيفتان تحملانه وتساندنه وهي تقول وصوتها المنهار تتوسله:
-أوعى يامالك يغمى عليك تاني أنا مصدقت انك رجعتلي تاني..قاوم ..قاوم أرجوك..أنا ..أنا حتصل بالدكتور..بس مش عارفة أعمل ايه أسيبك ولا أستنى داداة ولا أعمل ايه..ساعدني يامالك ساعدني عشان خاطري.
بعينين مرتخيتين..ووجه أصفر شاحب..وشفتين زرقاء أومأ برأسه رافعا يده نحو وجنتها يربت عليها بمعنى لا تخافي، ابتسمت له وحاوطت كتفها بساعده، والتف ذراعها حول خصره ترفعه حتى ينهض تهمس بصوتها الذي يعاني وهي ترفعه:
-قووووم..قوم معايا نام على السرير لحد ما يجي الدكتور.
قاوم مالك حتى استقر على فراشه.
نظرت نريمان باحتقار لجسد سامر المسجي ثم خرجت مسرعة لكي تتصل بالشرطة..وهاتفت ايضا الطبيب الذي سردت له كل ما حدث واستبشر خيرا وأخبرها أنه سوف يحضر على الفور وقد أوصاها أن تضع له طعاما حتى يسترد بعض من قوته.
***********************************
أين تماسكها الذي كانت تتحلى به، أين شجاعتها التي اقتبستها من كلمات أكرم حتى أنها شعرت أن بمقدورها أن تواجه الليث في عرينه، لماذا تبخرتا الآن؟ وبمجرد دخولها حجرتها ومروان خلفها وقد أغلق الباب بالمفتاح..حتى شعرت بخوار داخلها وتبخر تلك القوة، وماتت شجاعتها، وارتعش جسدها، وانتفض قلبها كأنه يدق آخر دقاته، خطواته التي تقترب منها جعلت نبض قلبها يسرع بجنون كأنه في سباق للركض..ولقد حضر مشهد ليلة زفافها وكأنه مشهد سينمائي يعاد تصويره..حتى أنها تراجعت للخلف في زعر..وبدأت تصرخ وتصرخ بأعلى صوتها:
-لا..لأ..ﻻ..ﻻ..متقربيليش..أبعد..أ بعد..أبعد..أب….
لم تكمل استغاثتها فقد سقطت في بئر الأنهيار.
-جوماااانة.
هتف بها مروان بانزعاج..وهو يسرع اليها ..يحملها ويضعها على فراشها..رأسها مستريحة على ذراعه..ويده تزيل شعرها من على وجهها الشاحب..الغاضب..ازعجه خوفها منه..وتذكرها لليلة زفافه..شعر بغصة في حلقه، يغمض عينيه بقوة وألم يضم رأسها الى صدره قائلا في مرارة:
– متخفيش مني ياجومانة..متخفيش مني ياحبيبتي..سامحيني..سامحيني ياروحي..أوعدك أني مش حأذيكي تاني..أوعدك أني حعوضك عن كل الشفتيه مني ومن أبوكي الله يرحمه.. متخفيش من جوزك ..أنا جوزك وحبيبك .
كانت في عالم آخر لم تسمع توسلاته..ولم ترى دمعاته..ولم تشعر بندمه ولا حبه الذي يبثه لها.
لقد اتصل بطبيب وبعد أن فحصها علم منه أنها في حالة انهيار عصبي، وتحتاج للراحة وعدم تعرضها لأي تأثيرات نفسية سيئة حقنها الطبيب بمهدئ يجعلها تنام حتى الصباح..لم يستطيع مروان النوم..لقد مكث بجانبها يتأمل وجهها الشاحب المكسو بالخوف بل الرعب، وللأسف هو السبب في ذلك ماذا يفعل لكي يزيل عنها هذا الخوف الشديد ، كانت زفراته حارة كأنه يقتبس حرارتها من جهنم..يضم رأسها الى صدره علها تشعر بالنار التي تكوي فؤاده نار الندم التي يتلظى بها..ولم يشعر بنفسه حتى غفى على وضعه هذه..غفى وهو ضاما لها.
********************************
لقد عادت أم أحمد مربيتها وهي ترى الهرج والمرج الذي سباباه خروج الشرطة وهي قابضة على سامر تدفع به أمامها بقسوة، فاتسعت عيناها في انزعاج..ضربت على صدرها وهي تتمتم لنفسها بجهل للأمور:
-ياخرابي ايه الحصل في غيابي.
ثم هرولت متجهة صوب حجرة نريمان فطرقت الباب ثم دلفت وهي تتفقدهما بعيون تملؤها الجزع ثم هتفت :
-ست نريمان ايه الحصل..أنتو كويسين.
التفتت نريمان لها وأجابتها بعد أن تركت مكانها بجوار مالك وتقدمت نحوها:
-متخافيش يادادة احنا كويسين الحمد لله.
-طب البوليس ده ال ساحب سي سامر ليه ..هو عمل ايه؟؛
-تعالي معايا في المطبخ وأنا احكيلك.
قالتها بهمس وهي تسحبها من يدها متجهة بها صوب المطبخ.
ثم قصت لها ما حدث تحت نظرات الزهول التي بدت في عينان ام احمد..هذه الأخيرة التي هتفت بانزعاج:
-يخرب بيته بقى كل ده يطلع من الأستاذ سامر..
-اهو ده الحصل يادادة ..المهم دلوقت بقى عايزاكي تعملي اكل لمالك عشان ياكل ويشد حيله قبل ما يجي الدكتور.
– بس كده من عنية حاضر ..ده كفاية انه ربنا خد بايده وفاق ياما انت كريم يارب.
هتفت بها في سعادة وراحت تشرع في اعداد الطعام في حماس.
مرت أكثر من ساعة على الأحداث التي حدثت..بعدها حضر الطبيب كان مالك وقتها قد أكل واسترد القليل من عافيته، ألقى عليه الطبيب تحية مغلفة باابتسامة تنم عن سعادته بعودته من الغيبوبة:
– السلام عليكم.
ردت نريمان ومالك بصوت خافت ضعيف:
-وعليكم السلام ورحمة الله.
جلس الطبيب في مقعد بجوار مالك فهتف وهو يفحصه:
-عامل ايه دلوقت؟
مالك بصوت خافت:
-زين.
الطبيب وقد انتهى من فحصه المعتاد:
-طيب تقدر تتكلم دلوقت ولا حتتعب؟
مالك باعياء:
-لاه حجدر.
قبل أن يتحدث مالك التفت لنريمان ثم قال لها:
-أتركينا لحالنا دلوك لو سامحتي.
طلبه تسبب لها في الضيق ولكنها اخفته مؤقتا، وفضلت أن تخرج حتى يستطيع الكلام..وكم كانت تتوق لسماع حديثه فالفضول يقتلها لكي تعرف سبب ما حدث له ولكن هي الآن تتمنى عافيته قبل أي شئ.
ما إن خرجت حتى تنهد مالك براحة..وعلى أثر هذه التنهيدة سأله الطبيب :
-ليه مش عايزها تعرف ال حصل.
-إكده أحسن .
اضطر الطبيب أن يحترم رغبته تلك حتى يتحدث على سجيته ثم استطرد:
-طيب قولي.. ايه الحصل معاك خلاك توصل للأنهيار لدرجة انك تفقد الوعي؟؛
تنهد مالك بعمق يمسح وجهه بيديه بطريقة عنيفة كأنه يحاول أن يسيطر على انفعالاته، وأخيرا طاوعته حروفه فخرجت كأنها تنازع:
-فاليوم ديه كنت في الشغل..وخلاص إمروح..لجيت مدام زهرة بتدخل عليا المكتب
-مين مدام زهرة دي.
قاطعه الطبيب بها وهو يدون ملاحظاته في مفكرته.
استطرد مالك وقد نظر له بعينان زابلة:
-دي زبونة مهمة كان عمي عرفني عليها في بداية شوغلي معااه.
فلاش باك……….
في اليوم ديه استغربت عشان أول مرة تاجي متأخر إكده وكمانيتي كانوا كل الموظفين والعمال تقريبا روحو، لجيتها بتجولي:
-مساء الخيييير
تفوهت بها بغنج ودلال تمط حروفها كأنها تراقصها.
نظر مالك إليها فضيق مابين حاجبيه في استياء ..سببه سحنتها الملطخة بمساحيق تجميل صارخة، وكأنها غانية، أتت لتعرض بضاعتها الرخيصة عليه..جسدها الذي تتمايل به في ثوبها الضيق اللامع كأنه أفعى على وشك أن تبخ سمها فيه، كعبها العالي الذي يصدر أنغاما صاخبة مع خطواتها المتمايعة تحرضك على قتلها، حاول مالك أن يكتم غيظه ويوئد سخطه علها تنصرف سريعا..لذلك أجابها دون إكتراث وتصنع أنه مشغول في فحص بعض الدفاتر وبنبرة جافة:
-مساء النور.
ولأنها أمرأة ذكية وتعلم أنه يفتعل عدم الاهتمام بها لكي يتملص منها، وتعلم أيضا أنه رجل غير كل الرجال اللذين قابلتهم ، لذلك سوف تمرر له كل ما يفعله فهو صيد ثمين له مذاق مختلف لن تجعله يفلت منها أبدا، فحرصت على أن ترمي له طعم جيد لكي تصطاده بها..وكان هذا الطعم يتمثل في حركاتها اللعوب..وصوتها الذي تحشوه بالرقة، وجسدها البض المتناسق الذي يهتز بدون سبب.
اقتربت منه وكل لفتة منها تدعوه، وترغبه وترواده عن نفسه حتى كادت أن تلتصق به فهمست بصوت يملؤه الأغراء:
-أزييك عامل أيه..تعرف أنك وحشتني قوووي طول ماانا مسافرة وأنا فكر فيك.
وهنا لم يستطيع مالك كبح غضبه، أحمرت عيناه..وانتفخت أوداجه ونفرت عروق رقبته فأبعدها عنه وثار في وجهها غاضبا:
-أييه يامرة أنتي..متجفي عدل وتتحددتي زين ولمي…..
قاطعته زهرة ولم تبالي بثورته ولا غضبه بل اقتربت منه وحاوطت رأسه بيديها وشبكت أصابعها خلف رقبته وراحت تهمس وأنفاسها تلفح وجهه:
-بقولك ايه مكفاية تقل بقى..صدقني لو جربتتي مرة مش حتسلاني..أنا مفيش حد قدر قبل كده يقاومني..تعالى معايا البيت..وأنا حبسطك قوي..ثم نفخت في وجهه واستطردت تقول بصوت يحرضه على الفحش:
-هاه قلت ايه يا حبيبي.
ظل ينظر لها بحقارة أنفاسه متهدجة..قربها منه نارا تكوي جسده..أنفاسها كأنها تأتي من الجحيم..حاول أن ينزع يديها من حول رقبته ..ولكنها تتشبث به بقوة.. مغمغمة في اصرار:
-متحاولش أنت أسيري انهاردة ومش حروح غير بيك.
وكأن ما يحدث له من غزو لتلك المرأة اللعوب كان شبيها لمشهد حدث أمامه في الماضي..كان صغير عمره ست سنوات، يرى أمرأة حركاتها تشبه لحركات زهرة..ملابسها الفاضحة مثل ملابس تلك المرأة ..ميوعتها..حديثها ذو النبرة المتمايعة..شعرها الغجري وكأنه يحرضه مثلها..اصرارها في اقتناص فريستها..كل ذلك يشبه لتلك المرأة تلك المرأة التي بغضها من كل قلبه..لم يشعر الا ويديه تطبقان على رقبتها يريد أن يزهق روحها أم تراه يزهق الماضي محاولا اغتياله حتى يمحوه من عقله الى الأبد..ماضي ظل وبات يؤرقه..اتسعت عينان زهرة بقوة وحاولت أن تسعل فلم تستطيع..تشهق بعذاب محاولة ان تجلب لنفسها الهواء.. يديها تحاول بلا أمل أن تنزع يديها من على رقبتها ولكن مالك راح يضغط في اصرار حتى شخص بصرها وترنحت بين يديه..تركها أخيرا ..ينظر لوجهها الذي ازرقا.. وعيناها الشاخصة..ممدة على الارض جثة هامدة..راح يلهث بشدة يتأمل يديه اللاتي ازهقت روح تلك الغانية، كان يرجع الى الوراء بخطوات ثقيلة..زاهلة في لحظة سار قاتل..قاتل..أنه قاتل.
-مالك ..مالك حاسس بايه؟؛
هتف بها الطبيب عندما وجده يتنفس بصعوبة..ووجهه بدأ يشحب ويصير ازرق كان يصارع بيديه وقدميه كأنه يحتضر..لقد تأثر بما يحكي فعادت اليه ذكرى ذلك الحادث الأليم..نهض على الفور وحقنه بمهدأ ..وبعد أن اشتغل مفعوله ونام ..خرج الطبيب فوجد نريمان جالسة مع مربيتها يحتسان الشاي وما إن رأته حتى هرولت اليه وسألته بلهفة:
-دكتور ..مالك قالك ايه طمني؟
بصعوبة أخفى أسفه.. تذكر رغبة مالك في عدم سماعها لما يقوله..لأن ما قاله بالتأكيد أكبر من استيعابها له..لذلك لم يفصح لها بشئ حتى يظهره صاحبه..ابتسم بعملية بعدها أردف:
-يعني مفيش حاجة مهمة قوي..هو لسة تعبان عشان كده مقدرش يتكلم..أنا اديته منوم مش حيفوق قبل بكرة الصبح. . وأنا حكون هنا قبل ما يفوق باذن الله.
-طيب يادكتور.
قالتها وهي تشعر بداخلها أن الطبيب يخفي شئ عنها خاصة عندما انصرف بعجل ولم يعطها الفرصة لكي تسأله أسئلة اضافية ..بعد انصراف الطبيب ظلت شاردة تفكر في مالك وما حدث له حتى أن مربيتها أسفت لحالها فربتت على كتفها قائل:
-خليها على الله يابنتي وأدعيله ..والله أنا حاسة أن حيخف وحيبقى زي الفل.
-يارب يادادة.
-الا قوليلي ياست نريمان هما الحج والحجة متصلوش بيكي من ساعة ما مشيو .
-اتصلوا مرة وحدة وطمنتهم علينا..وأنا كمان اطمنت عليهم.
-مقالوش حيرجعوا امتى.
-لسة شوية يا دادة خمستاشر يوم كمان ويرجعوا..والله وحشوني قوي ونفسي بقى يرجعوا عشان يشيلو الحمل عني الشوية.
-ان شاء يرجعوا بألف سلامة.
-يارب يادادة يااارب.. بقولك ايه روحي انتي شوفي ال وراكي ..وأنا حدخل لمالك اطمن عليه.
-حاضر من عنية ولو عوزتي حاجة اندهيلي.
-ربنا ما يحرمني منك يارب ..أنا مش عارفة من غيرك كنتي عملتي ايه.
-متقوليش كده يضنايا انتي زي بنتي ربنا يفك كربك يااارب.
قالتها وهي تضمها لصدرها تربت على صدرها في حنان بالغ.
**********************************
استيقظت جومانة تنظر حولها في تيه، تتأمل تلك الحجرة التي تضمها كانت هي الحجرة التي ذبحت فيها، لقد تذكرت ما حدث أنه عاد بها ليعذبها بذكرى تلك الليلة المشئومة فظلت تدثر نفسها بالغطاء في ذعر وخوف، ليس لها ونيس غير دموعها، وبعد أن هدأت قليلا.. قامت من على فراشها بهدوء وحذر..نحو الباب..ووضعت أذنها عليه فلم تسمع أي صوت..أحكمت أغلاقه بالمفتاح..حتى شعرت بقليل من الأمان ..عادت الى فراشها تلملم ضعفها خلفها..جلست عليه واندست تحت الغطاء حتى تذكرت خطاب أكرم..فراحت تبحث عنه كالمجنونة تحاول أن تتذكر أين خبئته..حتى تذكرت انها دسته في حقيبتها ..نهضت سريعا تبحث عن الحقيبة حتى وجدتها بجوارها على( الكومود) فتحتها وبحثت عنه فعثرت عليه ..فتنهدت في راحة..جلست على فراشها وفتحته تقرأه مرة أخرى بل مرات ومرات حتى يطمئن قلبها.
( جوجو حبيبتي
أنا بكتبلك الجواب ده وأنا مستعجل عشان مكنش عندي وقت..انا فوجئت أن اتنقلت للصعيد..وكان لازم انفذ النقل ده فور والا يوقفوني عن العمل..لكن مدير المستشفى وعشان انا في معزة ابنه بعتني لمؤتمر طبي في قبرص..لغاية ما يحاول يلغى النقل ده..أنا عرفت ياجومانة أن مروان هو السبب في نقلي عشان يبعدني عنك..لكن متخفيش انا مش حتخلى عنك..كل ال بطلبه منك انك تصمدي وتقاومي لحد ما أرجع ..هو شهر واحد بس ياحبيبتي وحرجع وحخلصك من الحيوان ده.. جومانة مش عايزك تخافي..ولازم تعرفي اني انا جمبك حتى لو أنا بعيد..أستنيني ياحبيبتي حرجعلك بسرعة..خلي بالك من نفسك..أوعديني انك متأذيش نفسك
حتلاقي في ظهر الجواب اميلي كلميني منه..
استودعك الله
أكرم)
ضمته بعيون مغرورقة بدموع الحب ضمته اليها كأنها تضمه هو..انتشلها من تلك اللحظة طرقات على باب حجرتها ففزعت .
بسرعة خبئت الخطاب تحت وسادتها وقامت لكي تفتح الباب..كانت مربيتها جالبة لها الطعام.
-عاملة ايه ياحبيبتي.
اجابت جومانة في استقطاب:
-كويسة.
-طب يلا بقى عشان تاكلي أنتي مكلتيش من أمبارح.
صاحت جومانة ثائرة:
-انا مش عايزة أكل ويلا شيلي الأكل ده وسبيني لوحدي لو سمحتي.
سمعت أقدام تقترب من حجرتها انها خطواته..تحفظها جيدا عن ظهر قلب خطوات ثقيلة قوية تدب على الأرض دبا.. فبسرعة اندست تحت الغطاء وهي تتصنع النوم.. غطت رأسها حتى لا تراه منكمشة كالطفل في بطن أمه..مدت يدها تحت الوسادة وسحبت الخطاب..تضمه الى صدرها ..تستمد منه العون والقوة وتبكي في صمت.
لقد رآها وهي تختبئ تحت غطائها بسرعة لكي تهرب منه..أشار بعينيه للمربية حتى تخرج من الحجرة.. لاتدري أن بفعلتها هذه قد طعنته في فؤاده بخنجر سام..زوجته وحبيبته تخافه وتفر منه ،وتهرب ،وتختبئ حتى لا تراه..هو الذي يجب أن يحميها وتفر إليه وليس منه جلس بجوارها على الفراش ولقد لاحظ ارتعاشة جسدها دون ارداة منها لقربه هذا..فأغمض عينيه بقوة يكبح غضبه يعض على شفته السفلى ليخفي ألمه.. ود لو أن ينزع عنها ذلك الغطاء الذي يحجبها عنه كحاجز منيع..ود لو أن يضع يده على جسدها هذا المكفن بكفن الرعب..عله بلمساته يجلب لها الأمان..ولكنه يخشى العواقب..يخشى عليها من ضغوط على نفسيتها أكثر فاكتفى بأن همس بصوت أودع فيه كل حبه وأسفه لما تفعله به:
-يااه للدرجادي مش طايقة وشي ومش عايزة تشوفيني..عالعموم أنا مش حزعل منك..لأني عارف انك ليكي عذرك ..بس عايزك تعرفي أني حصبر عليكي لحد مترجعيلي، لانك مراتي وملكي أنا ومحدش يستجري مهما كان مين أنه يخدك مني.
جملته الأخيرة تلك ماذا تعني..اهي تهديد لي ووعيد أم ماذا..انسابت دموعها في صمت تحت الغطاء تضم ذلك الخطاب اليها أكثر واكثر كأنها تقول لصاحبه:
-أدركني ياأكرم..أغثني من ذلك الوحش ..أغثني ياحبيبي.
*********************************
الفصل السادس عشر
كاره النساء
أخيرا استيقظ مالك واستعاد بعض من نشاطه وحيويته وكان أفضل بكثير من أمس عندما تركه الطبيب، لقد حضر طبيبه مبكرا وظل ينتظره حتى فاق، فسأله باستقطاب:
-حتقدر تكمل؟
همس مالك بعد أن تنهد وكأنه يلفظ ذلك الثقل الذي يجثم على قلبه:
-أنا نفسي اتحدد وأحكي عن كل حاجة..يمكن أرتاح بجى.
-وأنا سامعك..اتكلم يامالك قول كل ال جواك.
-اجول ايه..وأبدأ منين مخبرش
قالها وهو يمسد جبهته كأنه يأمر عقله بان يلفظ كل ما في داخله من ذكريات مؤلمة.
همس الطبيب حتى يساعده:
-اتكلم عن أي شئ يخطر ببالك..عن طفولتك مثلا.
أغمض مالك عيناه لثواني كأنه يفتح صندوق ذكرياته ويبحث عن أيام الطفولة وما حدث فيها.
فتح عيناه ونظر لنقطة مجهولة ثم تنفس بعمق وأخرج ذلك النفس دفعة واحدة وبدأ يحكي بصوت كأنه يأتي من الماضي:
فلاش باك:
يوم كباقي الأيام التي تعود مالك فيها أن يذهب لصديقه عز الدين حسانين لكي يذاكر معه وكان وقتئذ عمره ثماني سنوات ..تستقبله والدة عز الدين صديقه باابتسامة حنون..ابتسامة أم حقيقية كل اهتماماتها العناية بأطفالها..سيدة ثلاثينية..محجبة يشع من وجهها نور الطيبة سبحتها لا تفارق يدها، كانت تسحبه من يده وهي تقول له:
-عامل يامالك ياولدي..مش زين إكده؟
فيرد مالك الذي يرتاح لابتسامتها تلك ويشعر معها بالأمان وكأنها هي أمه التي يتمناها:
-مليح ياخالة..زين جوي.
وبنفس الابتسامة المريحة همست ام زين له:
-لاه منجولش إكده يامالك..ال يسألنا عن حالنا نجوله الحمد لله..نجوله أيه؟
أجاب بصوت خافت وهو يطأطأ الرأس خجلا:
-نجول الحمد لله.
-شاطر ياحبيبي..يلا خش لزين وذاكروا مليح وأنا حاروح أعملوكم ساندوتشات حلوة جووي.
وتظل تلك المرأة النشيطة تعمل على رعايتهما وتساعدهما في الأستذكار.. بل تحثهما ايضا على صلاة الفرائض..تمنحهما وقتا من الراحة..فتحكي لهما قصصا عن الصحابة..وعن الرسل..وكان مالك يستمع لها بكل جوارحه وتخترق قلبه كلماتها اختراقا..بل تخترق روحه..يتأملها وهي تصلي..ثم تباشر أعمالها المنزلية بكل حب..وفي يوم لا ينساه حضر عم زين صديقه يسأل عن أخيه ،فلم تدخله أم زين وقد تحدثت معه بعض كلمات وهي تتوارى خلف الباب ثم انصرف وأغلقته خلفه..فتعجب مالك من أمرها لماذا لم تدخل أخو زوجها الى البيت فسأل زين عن ذلك متعجبا:
-جولي يازين.
تحولت عينا زين من الكتاب اليه فاجابه:
-اجولك ايه يامالك؟؛
-هي أمك مدخلتش عمك ليه البيت..ليه حددته إكده من ورا الباب أكنه غريب.
اجاب زين ببراءة:
-أمي يامالك مبدتخلش حد البيت واصل طول ما أبوي مش فيه..حتى لو كان عمي ذات نفسيه..عشان عيب وحرام أمي بتجول إكده وأبوي كمانيتي..ولما ياجي عمي يجعد مع أبوي لحاله..وأمي تجعد في المندرة لحالها لحد ما يمشي.
مالك:
-طب وافرض عمك عاز شاي ولا حاجة؟؛
زين:
-أمي تعمله وأنا أوديه ليهم.
زين:
-يلا ياعم نذاكروا بجى لحسن أمي تاجي وتلاجينا بنرغوا ومهملين مذاكرتنا.
همس مالك بنبرة شاردة حزينة:
-يلا.
وبعد أن ينتهي المساء يضطر مالك للعودة لبيته..الذي يبغض العودة له، كم تمنى أن يحظى ببيت مثل بيت صديقه..وأم مثل أم زين..يصل مالك لبيته فلا يجد أمه فيظل ينادي عليها فيأتيه صوتها من حجرتها..أمام المرآه تتزين وتمشط شعرها بحماس..تضع مساحيق كثيرة على وجهها، شعرها سارح على كتفيها..ثوبها الضيق مكشوف الذراعين فيرهق عيناه كل ذلك فيقتطب جبينه غضبا و يمط شفتيه امتعاضا..اقترب منها على وجل قائلا بتردد خشية تعنيفها:
-آمه..عايز أكل.
فتهتف بعدم اكتراث ودون النظر له. بنبرة تؤكد رغبتها في التخلص منه سريعا:
– الوكل عنديك في المطبخ غور حط لحالك وكل.
ولكن مالك يظل متسمر مكانه وسؤال يراوده في رأسه الصغير ولكنه يخشى أن يتفوه به، وتلاحظ والدته تصنمه مكانه فتصرخ فيه بقسوة ليس لها داعي:
-مالك إكده متسمر مكانك زي السدرة متغور تطفح.
ولكن مالك يظل محدقا فيها بوجه عبوس وأخيرا تشجع وسألها:
-أنتي ليه عاملة في نفسك إكده، متزوقة كيف الأروجوز..ليه متبجيش زية خالة أم زين صاحبي.. حشمة ومبتحطش لوحمر ولا لوبيض..ليه مبتصليش زييها.
التفتت له ورمقته بغضب تركت تزيينها وقامت تصرخ فيه وهي توسعه ضربا:
-بجى أنا أرجوز ياابن الكلب..قبر يلمك أنت وابوك في يوم واحد عشان استريح منيكم.
وظلت تضربه بقسوة..ثم جرته كالجرو الصغير و ألقت به في حجرته وهي تصرخ فيه بتهديد ووعيد:
-أنت حتتحبس إهنيه يومين ومش حتروح لزين الزفت ديه واصل..وإياك تطلع من مندرتك دي ولو شفت وشك حجطع رجبتك داك الطين أنت و زين وأمه وال يتشددله قمان.
وعلى أثر ضربها له وتعنيفها..انزوى مالك في ركن حجرته يبكي بحرقة.. وبعد مرور بضعا من الوقت لم يدري مالك كم هو..سمع صوت همهمات فتصنت على الباب كان صوت أمه تهمس بخفوت مرحبة برجل غريب، وعندما نظر من ثقب الباب كانت الصدمة اذ كانت أمه في حضن عمه.. شعر بجسده يرتعش لاأراديا وكأنه أصابته حمى شديدة.
لم يعلم كيف يتصرف؟ وحتى أذا اراد أن يفعل شئ فماذا يفعل وهو حبيسا..ولم وجد نفسه عاجز..لملم نفسه المحطمة وروحه المهشمة ونام تحت غطاءه وقد زادت أرتعاشة جسده كأنه داخل ثلاجة.
منذ تلك اللحظة وتغيرت نظرة مالك لأمه، ذلك التمثال المقدس تهشم في تلك الليلة، ظل ايام حبسه يعاني من حمى الصدمة، لقد اصابته حمى حقيقية..حتى هي تعاملت مع مرضه بكل استهتار..ولسوء حظه كان أبيه في ذلك الوقت مسافر، وعندما عاد ووجده على وشك الموت ظل يعنفها ويصرخ بها، كيف تهمله وتتركه حتى كاد أن يلفظ أنفاسه.
مسح مالك وجهه فقد تعرق بفعل انفعاله وهو يحكي يستعير بعض من الهواء ليعينه على تكملة الحديث زفر زفيرا حارا ثم استطرد:
-كل يوم كنت بكرهها عن اليوم ال جبله..وأنا ناضر بعيني عربدتها ومشيها على حل شعرها وأنا لازمن أحط لساني في خاشمي عشان كنت خايف على أبوي، ولما رحت الجامعة ج…….
وهنا قاطعه الطبيب ليسأله:
-قولي يامالك وأنت بتخنق ال أسمها زهرة دي كنت شايفها أمك؟
أومئ مالك مالك برأسه مأكد استنتاجه ثم همس:
-أي كنت شايفها هي..حركاتها..لبسها..حتى حسها كأنته هو.
-لكن أنت مقلتليش حصلها أيه؟
-بعد ما وجعت جلت دي ماتت..من الصدمة جعت على حيلي ربع ساعة إكده وبعدين جلت أسيبها وأمشي كنت بمشي بالعافية..كانت رجليا مش شيلاني..لكني سمعتها بتسعل فضلت تتوعدني بصوت مبحوح أنها حتنتجم مني..بعدها معرفتش وصلت البيت كييف ..ومدريتش بحالي بعد إكده.
-ظهور زهرة في حياتك صحى الماضي تاني..صحى كرهك لأمك..ولما زهرة روادتك عن نفسك..ولقيت افعلها تشبه لأفعال والدتك فبدون شعور حاولت انك تخنقها، وأنت من جواك عايز تقتل فيها أمك.
-لكن دي مش أمي..مش أمي.
صرخ بها ينفي انتسابه لها وانتسابها له..مما جعل طبيبه يحدق فيه بعدم فهم قائلا:
-مش أمك ازاي..تقصد انك اتبريت منها:
بصوت يملؤه الأنفعال:
-لاه هي مش أمي عرفت بعد إكده أنها مش أمي.
-أزاي.
مسح وجهه ينفض عنه ألم الماضي فهمس بصوت ضعيف مجهد:
-كفاية إكده مجدرش اتحدد ..تعبت..وعايز ارتاح.
قال الطبيب على مضض:
-خلاص كفاية كده أنهاردة وبكرة باذن الله نكمل.
**********************************
– فيه أيه؟؛
هتفت بها جومانة في تعصب عندما سمعت طرقات على حجرتها..حجرتها التي تغلقها عليها بالمفتاح دائما، ولا تجعل أحد يمر عليها الا بصعوبة..رأت خادمات تحمل بين يديها أكياس كثيرة يريدون أن يدخلون بها الحجرة فردت الخادمة التي عانت من حمل ما في يدها:
-ممكن ندخل ياست هاتم ونفهمك.
لقد اشفقت جومانة عليها فقد كان باديا على وجهها كم المعاناة بسبب ما تحمله فقالت على مضض:
-ادخلي.
دخلت الى الحجرة ومن خلفها خادمتين أخريتان، يضعون ما في أيديهم وسط الحجرة
فسألت جومانة في استفسار:
-ايه ال في الأكياس دي بقى؟؛
غمغمت الخادمة بصوت يملؤه الأجهاد:
-دي حاجات بعتها مروان بيه.
فصرخت جومانة في تعصب:
-بقولك ايه انتي تاخدي الحاجات دي وتغوري بيها من هنا انا مش عايزة أي حاجة منه فاهمة.
بنبرة متوسلة ووجهه عليه علامات الخوف والبؤس قالت الخادمة:
-منقدرش يا ست هاتم نرجع بيهم لو نزلنا بيهم تاني حيرفدنا وانتي ميرضكيش ان عيشنا يتقطع..احنا عبد المؤمور ياست هانم.
أغمضض عينيها بقوة وضمت شفتيها في محاولة لكتم غيظها فهتفت من بين أسنانها:
– طيب سبيهم وغوري من وشي.
وبعد أن خرجت زفرت بقوة وتخصرت وهي تنظر للاكياس بضيق وتسأل ماذا بداخلها؟
أي شئ من طرفه باتت تكرهه وبشدة..وعلى الرغم من كل ذلك الأستياء من تلك الاشياء التي أرسلها لها ..الا أن فضولها الأنثوي يحثها على تفقد ما بداخل تلك الأكياس، وبالفعل فضتهم ورأت ما جعلت عيناها تتسع من فرط الأنبهار، كانت أزياء في غاية الرقي أزياء عالمية تبدو عليها من علاماتها المسجلة..أحذية انيقة مناسبة لتلك الازياء، اكسسوارات خلبت لبها.. لا تنكر أن قلبها قد زاد خفاقنه ..وهي تخرج الأغراض وتتفقدهم قطعة قطعة وكل قطعة تخطفها وتجعلها تشهق من فرط أعجابها بها..لقد لعب مروان على وتر شغف أي انثى بالازياء وما يخصها فما من أنثى الا يستهويها عالم الموضة..خاصة عندما تكون واردة من عقر دارها وهي باريس..لقد انبهرت جومانة بكم الفساتين التي جلبها لها مروان وقد حرص على أن يكونوا مكتملين بأحذيتهم وأكسسواراتهم حتى العطور كانت من أفخم وأثمن الأنواع، ظلت تشاهدهم جميعا.. وتجربهم واحد تلو الآخر ولا تنكر كم السعادة وهي تجرب تلك الملابس ..فهي في النهاية طفلة عمرها ستة عشر عاما استهوتها تلك الأشياء ونست صاحبها ..ونست من أرسلها..نست حتى حقدها عليه.
حتى ذكرتها نغمة هاتفها التي تعلن عن وصول رسالة من أكرم على الواتس..ولا تعلم لماذا خفق قلبها بخوف.. فانقشعت فرحتها فجأة..وشعرت بالخجل كيف لها أن تقبل تلك الأشياء من هذا الانسان الذي تسبب لها في الأذى..بل كيف تفرح بها؟
تركت تلك الأشياء وركضت نحو الهاتف لكي ترد على حبيبها..فكتبت بلهفة:
-اكرم ازيك وحشتني.
-وانتي كمان ياحبيبتي.عاملة ايه طمنيني عليكي.
– أ أأنا كويسة .
-حاسس من حروفك أنك بتكدبي مالك.
لقد شعر بها..ترددت ماذا تكتب له هل تخبره بأمر تلك الهدايا التي أرسلها لها..قطع حيرتها عندما ارسل لها رسالة تستعجلها كاتبا لها:
-جومانة مالك..مش بتردي ليه؟
-بصرحة في حاجة حصلت ومش عارفة أقولك عليها ولا لأ.
-حاجة ايه قلقتيني.
– أصل من شوية بعتلي هدايا ..فساتيين كتييير قووي..وجزم وبرفانات واكسسورات وحاجات كتتتير..
-وانتي حتقبلي الحاجات دي؟ ايه ده تمن ال عمله فيكي ولا عشان يذلك تاني..روحي ارميهم في وشه..قوليلوا مش عايزة حاجة منك..ثم أرسل لها ملصق يعبر عن غضبه.. فقالت له :
-حاضر حرميهم في وشه ومش حقبل منه اي حاجة تانية..بس عشان خاطري متزعلش.
-ماشي مش حزعل خلي بالك من نفسك وأوعي يأثر عليكي.
-متخفش أنا دايما قافلة على نفسي بالمفتاح..ومن ساعة ما جيت البيت هنا وانا مش مدياه فرصة يكلمني.
-شاطرة ياحبيبتي..خلي بالك اوعي تضعفي قدامه مهما عمل اوعي تصدقيه..وخليكي قوية لحد ما أرجع..أنا مضطر أقفل عشان عندي شغل حكلمك تاني مع السلامة.
-مع السلامة.
مع تلك الكلمة الاخيرة التي كتبتها تنهدت باشتياق وضمت هاتفها الى صدرها..وقررت أن تعيد له هداياه .
ولملمت تلك الأشياء واحتوتهم بين ذراعيها لتعيدهم اليها.. وهمت أن تفتح الباب بقدمها وإذ به تجده أمامها بهامته الطويلة المخيفة بالنسبة لها ونظراته الثاقبة..فتراجعت للخلف تلقائيا..حاولت أن تبتلع خوفها مع ريقها وتستجمع قوتها فغمغمت بشجاعة واهية:
-أ أ أ أ أنا مش عايزة حاجة منك اتفضل حاجتك اهي.
ثم القت بتلك الأشياء على الأرض واشاحت بوجهها بعيدا عنه ..لم يبالي هو بنظرات الاحتقار التي رمته بها..ولا رفضها القاطع لهداياه بل توجه بكل ثبات نحو فراشها يلتقط هاتفها ويفتح تلك الرسائل ويقرأها ثم يضعها أمام وجهها وهو يسألها:
-أيه ده؟
لقد اتسعت عيناها بدهشة..تنقل بصرها بينه وبين الهاتف كيف عرف أنها تحدثه عبر الرسائل الألكترونية؟ على رغم من التوتر الذي أصابها الا أنها وجدت نفسها وبجرأة لا تعلم كيف حضرت اليها والتبستها، وكأنها أرادت أن تنتقم منه على مافعله بها وترد له الصاع صاعين:
-ملكش دعوة دي حاجة تخصني..وو أه أنا بحبه ولما يرجع حيطلقني منك.. أنا أنا بكرهك بكرهك..ومش عايزة أعيش معاك .
لا ينكر أنه لم يكن يتوقع ردها ذلك..ولا ينكر ايضا أن كلماتها طعنته في صميم قلبه..
ولكنه استطاع أن يدفن كل ذلك تحت دقات قلبه التي تعشقها.
حدق بها بعينان تحملان عقابا لم تخمنه..لقد ظل صامتا لبضع دقائق..بوجه لا يبد عليه أي تعبير..صمته جعل أوصالها ترتجف رغما عنها حتى انها ارادت أن تبكي..ولكن تذكرت توصية اكرم لها دائما
( كوني قوية)
فابتلعت دموعها وتصنعت الصمود وقد تأبطت ذراعيها أمام صدرها في لامبالاة..أما هو فقد وضع هاتفها في جيبه..ثم اقترب منها خطوة مخيفة يهمس لها بالقرب من وجهها حتى احرقتها انفاسه:
-نص ساعة تكوني لابسة فستان من دول وجاهزة عشان حنسهر الليلة مع بعض .
وقبل أن تفيق من اندهاشها على ردة فعله الذي لم تتوقعه كان قد خرج من الحجرة.
حتى انها اتبعته بعيناها بتعجب حتى توارى خلف الباب..ثم هتفت لنفسها:
-ايه البيعمله ده بقى.. وقصده ايه من سكوته ده..لكن هو عرف ازاي ان أنا بكلم أكرم في التليفون..دخلته على التليفون عدل بيقول انه كان عارف..عقلها الصغير وتفكيرها المتواضع لم يوصلاها الى شئ فزفرت بحيرة..وهي تضع ابهامها في فمها تسأل نفسها ماذا تفعل فيما قال؟
هل ستنفذ ما طلبه.. انها لا تريد أن تخرج معه بل لا تريد رؤيته من الأصل..أخرجت اصبعها من فمها وزفرت في حيرة مفعمة بغيظ..تنظر لهداياه بنقم..وفي النهاية ركلتهم بقدمها في ضيق.
كان مروان يشاهد كل ماتفعله عبر شاشة المراقبة الموصلة بكاميرات في حجرتها..يتسلى بتلك الصغيرة التي بدأت تتمرد عليه..ولكن هيهات ياصغيرتي فأنت ملكي ولن يستحوذ عليك غيري..ضغط على زر في مكتبه..حضرت على أثره الخادمة فورا وهي تقول ملبية:
-نعم يابيه.
-روحي قولي للهانم بعد ربع ساعة تنزل وتكون جاهزة والا البيه حيطلع بنفسه يلبسك.
-حاضر يابيه.
وقبل ان تنصرف هتف لها:
-ياريت تساعديها عشان تجهز بسرعة.
-حاضر يا أفندم.
ثم أطفأ شاشة المراقبة ونهض من على مكتبه ينظر من نافذة مكتبه يدخن سيجارته ..يفكر في تلك الصغيرة التي سرقت قلبه بخجلها وبرائتها وهاه هي تسرقه من جديد بتمردها وثوب القوة المهترئ التي ترتديه.
عندما أبلغتها الخادمة تحذيره لها أنها لو لم تجهز خلال ربع ساعة سوف يأتي بنفسه ويلبسها ثيباها..تلك الجملة جعلت جسدها يقشعر رغما عنها لمجرد التخيل، فاضطرت ان تجهز نفسها حتى تتخلص من ذلك المتعسف، بعد ربع ساعة وأقل كانت أمامه ظل يتأملها ورغم انبهاره بجمالها ورقتها لكنه سألها وصوته غير راضي:
-ليه ملبستيش فستان من أل انا اشتريتهم:
قالت ووجهها لا ينظر له:
-كلهم مكشوفين وأنا محجبة.
كانت قد ارتدت فستان لها أبيض طويل قماشه من التل المنقط ،وحجابها الابيض اضفى عليها مظهرا ملائكي، جعله ينحي اعتراضه جانبا..وسار أمامها وهو يشير لها باصبعه:
-يلا عشان منتأخرش.
اتبعته وركبت بجواره السيارة جلست بعيدة عنه..وودت لو تسأله عن مكان وجهتهم..ولكنها صمتت وانتظرت مصيرها..كان عقلها يهيئ لها انه سوف يأخذها الى مكان بعيد نائي ليس به أحد ليعيد ما فعله معها ليلة زفافها.. اغمضت عنيها بقوة تطرد عنها تلك المخاوف..وهو بجوارها يراقبها من جانب عينيه..ويرى علامات التوجس التي تبدو واضحة على ملامحها..فابتسم بخفة من جانب شفتيه..يكاد يتوقع ما تفكر به تلك الصغيرة الساذجة..هي في نظره مجرد طفلة..بكل تصرفاتها وأفعالها معه طفلة بريئة..عندما توقفت السيارة سألته بتوجس لم تستطيع اخفاءه:
-أ أ احنا رايحين فين؟
همس وهو يقترب بجذعه حتى قارب ملامسة وجهها وكانت هي تبتعد بجسدها حتى التصقت ببابا السيارة:
-متخفيش مش حخطفك في حتة..ترجل من السيارة وقال بصوت آمر
-يلا انزلي.
-هو بيقرا أفكاري كمان.
همست بها لنفسها..ثم زحفت حتى ترجلت من السيارة.. وجدته قد قبض على يدها بقوة..مخترقا باصابعه الجافه فرغات أصابعها الناعمة حتى انها همست وهي تتأوه:
-آااه أيدي.
لم يبالي لها بل عصر يدها بأصابعه.. تحملت الألم رغما عنها وهي تسأل نفسها..هل هذا هو عقابه لي.
كانت خطواته سريعة حتى انها كانت تجري خلفه.
أصابعها بين يديه تلامس دقات قلبه..يؤكد لها ولنفسه أنها ملكه وحده..ولن يفلتها من يده ابدا ويجعل أحد يستحوذ عليها.
توقف بها على باب فندق كبير يعدل من نفسه ويجبرها أن تتأبط ذراعه هامسا له بتخذير:
-الحفلة دي معمولة من اكبر الشركاء ليا احتفالا بجوازنا عايز الكل يتأكد أننا سعدا..أي تصرف منك يوحيلهم غير كده متلوميش غير نفسك..ابتسمي يلا.
ابتسم وأجبرها على الأبتسام وخطى داخل الفندق ملك وملكة يقبلان على التتويج.
************************
الفصل السابع عشر
كاره النساء
وقف مروان بها على باب فندق كبير يعدل من نفسه ويجبرها أن تتأبط ذراعه هامسا لها بتحذير:
-الحفلة دي معمولة من أكبر الشركاء ليا احتفالا بجوازنا، عايز الكل يتأكد أننا سعدا..أي تصرف منك يوحيلهم غير كده متلوميش غير نفسك..ابتسمي يلا.
رسم على شفتيه ابتسامة دبلوماسية، وأجبرها على الأبتسام وخطى داخل الفندق ملك وملكة مقبلان على التتويج.
جمع كبير من رجال الأعمال اللذين يعرفهم كانوا في انتظارهما ..تصفيق حارا عند رؤيتهما جعل قلبها يختلج رهبة..فهي لم تعتاد على هذه الجموع..ولا هذه المناسبات.. كانت حياتها منحصرة ما بين مدرستها وحجرتها التي لا تفارقها ابدا..هذا العالم الجديد كبييير للغاية تشعر أنها تائهه غريبة فيه.. بل هي تاهت بالفعل احساس بالوحدة سيطر عليها، ودت لو تهرب وتركض مثل سندريلا فرار قبل أن تعود لصورتها الأولى، وكأنه شعر بارتباكها فجذب يدها برفق لتتخلل ذراعه أكثر فيربت عليها وهو يهمس باحتواء:
-متخفيش أنا جمبك.
فنظرت له فإذ بعيناه تكاد تقترن بعيناها وأنفاسه تقبل وجهها، تنهدت على مضض منصاعة للموقف الذي زجت فيه رغما عنها..ثم عادت والتفتت للمدعوين اللذين كانوا يتأملونها بتمعن..فتاة صغيرة لم يتجاوز عمرها ستة عشر عاما قرينة للرجل على مشارف الأربعون، الربيع يعانق الخريف، عيون حاسدة وأخرى منبهرة..وغيرها معجبة جعلت مروان يندم على قبول تلك الدعوة ويجعل زوجته فريسة لتلك العيون..لقد اخترق يدها بأصابعه من جديد في استحواذ، حتى يبين للجميع أن هذه العروسة هذه الملكة ملك له وحده .
حتى عندما جلسا على الطاولة التي خصصت لهما لم يترك يدها..جعلها تنظر له وتهمس بضيق:
-ممكن تسيب أيدي بقى.
همس دون أن ينظر لها وكأنها لم تتحدث، بل راح يبتسم بمجاملة للمدعوين الذين يحيونه:
-هشششش.
زفرت بعجز، وراحت تتأمل المدعوين، والمكان بملل..فلم ترتاح لوجودها وسط هذا الحشد، احساسها بالغربة يتملقها، تمنت الفرار من هذه الأجواء الخانقة، جاء على بالها أكرم بحنانه وابتسامته، ليته كان معها الآن، ليته يأتي ويخطفها من ذلك المتسلط، كانت تستعيد كلامه لها ..وحديثه الحنون معها..أخرجها من شرودها عندما شعرت به ينهض ويجبرها على النهوض مما جعلها تحدق فيه بدهشة متساءلة:
-أيه..حنروح خلاص.
همس بعينان قاسية وكأنه علم أنها تفكر في غيره:
-لأ حنرقص.
غمغمت بيأسا:
-نرقص؟؛ لكن أنا ….
قاطعها بتحذير مخيف:
-أنتي أيه؟
-مفييييش.
بترت رغبتها في أن تطلب منه العودة الى البيت..فقد خشت نظراته المخيفة والمحذرة دائما..أخذها الى ساحة واسعة وظل يراقصها، عيونها نافرة عنه، ترقص مضطرة، كأنها دمية يحركها بين ذراعيه زاد من ضيقها التحامه بها وكلما ابتعدت جذبها اليه أكثر هامسا لها:
-بصيلي.
ولكنها لم تستطيع النظر اليه..عيناه تخيفها تربكها، تجعل قلبها بداخلها يختبئ بين ضلوعها كالفأر المزعور.
صرخ بصوت خافت لم تسمعه الا هي:
-قلتلك بصيلي.
نظرت له بوجه محتقن كل خلجة فيه غاضبة ،خائفة، ترتعش، أنفاسها بداخل صدرها تقفز بجنون..كادت تبكي..حتى همست وكأنها ترجوه:
-أنا عايزة أروح بقى.
استعطفته بنبرتها الضعيفة المستسلمة، فرق لدموعها التي تتلألأ في عينيها الحزينة..فهمس بالقرب من أذنها بعد أن أسكن خده على وجنتها ويده تستقر على ظهرها باحتلال محتوى مساحته باصابعه الكبيرة:
-ماشي حنروح.. بس مش عالطول كده عشان الناس متلاحظش حاجة.
تشعر بيده الكبيرة تخترق ظهرها فينفر جسدها من تلك اللمسات الغاشمة، ومهما حاولات الفرار لكنه يزج بها داخل ضلوعه غير عابئ بكل العيون التي ترمقهما بحسد.
بعد ساعة استطاع مروان أن يختلق أعذار لكي ينسحب من الحفل، فتنفست جومانة الصعداء عندما وجدت نفسها في السيارة تشم نسيم الليل الذي يداعب وجهها وحجابها، العجيب أنه لا يزال محتفظا بكف يدها بين يديه، اضطرت أن تتحمل حتى تعود لحجرتها، عند وصولها للبيت ترجل من السيارة فنظرت ليدها التي مازالت مسجونة بين يده تنظر لها بغيظ ألم يئن أن يحررها، تبعته ودلف بها داخل البيت..أرادت ان تسحب يدها لتصعد حجرتها..ولكنه يتشبث بها بقوة يلقى مفاتيحه غير عابئ بمحاولتها للتملص منه وفي الآخر قالت له بتزمر:
-ممكن بقى تسيب أيدي عايزة أطلع أوضتي .
رمقها بنظرات خاوية من أي تعبير ولم يجيبها بشئ بل خطى وهو يسحبها من يدها التي يبدو انه من كثرة تشبثه بها التصقت في يدها هكذا شعرت صعد بها الدرج، وهي خلفه تجري تصرخ وتعترض وصمته المقيت يخنقها حتى توقفت وأجبرته على التوقف قائلة بنبرة ثائرة:
-أنت ساحبني كده ليه..وموديني فين؟؛
رمقها بنظراته الثلجية وصمته البارد أثارها أكثر ..جذبها مرة أخرى وأكمل خطواته السريعة صوب حجرتها..ما أن فتح بابها ودلف بداخلها وسحبها معه ثم أغلق الباب ..حتى اتسعت عيناها رعبا وهمست بحروف تقطر انزعاجا:
-ف ف في ايه؟؛
أرعبها همسه وهو ينزع رباط عنقه وينزع بذته ويلقي بها على الفراش:
-مفيش حنتعشى هنا مع بعض.
ابتلعت ريقها بصعوبة وتراجعت للخلف عندما رأته يخلع عنه بذته فهمست وأصابعها تتعارك مع بعضها في توتر:
– بس أنا مش جعانة ومش عايزة أكل..وووعايزة أنام.
ظل يقترب منها وهى تتراجع للخلف وهو يتقدم منها حتى اصدمت في خزانة الملابس سجنها بين ذراعيه عندما اتكأ بكفيه على الخزانة وهمس وهو ينظر في عيناها مباشرة:
-حتروحي فين تاني حتهدي الحيطة عشان تهربي مني..رفع ذقنها بأبهامه حتى يتأمل عيناها الخجلة، تابع بصوت خافت:
-أنتي مكلتيش حاجة في الحفلة..وأنا مرتضتش اكل عشان ناكل سوا..أيه مش عايزة تاكلي معايا؟
ارتعش جسدها لا اراديا واحمر وجهها عندما اقترب بشفتاه كاد أن يقبلها، وقبل أن يحقق رغبته أطرقت برأسها في حياء شديد ..وهمست في وجل:
-ح حاكل.
قالتها حتى تتخلص من غزوه لها انحنت بقامتها ومرت من أسفل ذراعه ،جلست على الفراش ويديها في حجرها في حرب، مطرقة برأسها كأنها مذنبة، ابتسم لخجلها الشديد هذا وكأنها كادت أن تذوب..نادى الخادمة وطلب منها أن تجلب لهما العشاء، عاد يجلس بجوارها على الفراش يرمقها بحب..أثاره خجلها وضعفها أمامه ..زحف بالقرب منها..وهي ظلت تزحف حتى تبتعد عنه ولكنه أمسك يدها ليستوقفها، أقترب حتى التصق بها، ابتلعت ريقها وانكمش جسدها..واقشعر على أثر اقترابه، وعندما همس بالقرب من أذنها ارتفع كتفها رهبة:
-قومي غيري هدومك لحد مايجي العشا:
رددت بصعوبة كأن الكلام محي من لسانها:
-ل ل مش دلوقت.
استطرد بهمسه الجرئ:
-مكسوفة تغيري قدامي
فشلت في أن تنقذ نفسها من محاصرة عيناه فغمغت وصدرها يختلج بداخلها:
-ل لما أكل حبقى حغير .
اقتربت يده دون استئذان من حجابها لتحرره فأبعدت رأسها في حركة عفوية، تمسك حجابها بيدها تمنعه من تحريره قائلة:
-خلاص أنا حقلعه بنفسي.
ولكنه لم يستمع لها بل راح ينزع حجابها بيده وعيناه تلتهم وجهها..شعرت انه ينزع روحها منها، وما أن تحرر شعرها الأسود الناعم حتى وارى نصف وجهها لثمت عيناه نوعمته، تخلله بأصابعه ثم أبعده وجعله خلف أذنيها، محاوط وجنتيها بكفيه، راح يتلمس خديها بابهاميه، وعيناه تغني لعيناها أغنية الشغف، وظل يقترب بشفتيه، يريد أن يقتطف زهر خديها..وهي تتراجع برأسها تغمض عيناها بقوة..تدمعان بتوسل لكي يتركها، ولكن كيف يترك نبعا سيروي ظمأه؟ يجذبها من يدها لكي يقرب رأسها التي كادت أن ترتطم برأس السرير، وجاءت طرقات الباب نجدة لها فأجبرته على تركها وهو يزفر بغيظ زفيرا حارا كأنه خارج من فوهة بركان.
ودخلت الخادمة تدفع أمامها عربة أعد عليها العشاء..حمدت جومانة ربها في سرها..وضعت يدها موضع قلبها الذي اختلج بين ضلوعها..تدعو الله أن يمرر تلك اللحظات العصيبة على خير..خرجت الخادمة وظلا يأكلان.. شاردة تفكر ماذا سيحدث بعد العشاء ماذا سيفعل بها أعتصرت عيناها بقوة لمجرد التكهن..رددت بداخلها يااارب..ولحسن حظها جاءت له مكالمة اضطرته للاصراف فورا..ما ان اختفى من أمامها حتى تنفست الصعداء..وهتفت بصوت خافت:
-هوووف أخيرا مشي الحمد لله يارب..امتى بقى اخلص منه يااارب خلصني بقى..ثم اطلقت العنان لدموعها ..دموع الخوف..دموع الارتباك..دموع اللحظات الثقيلة التي قضتها بجواره ..وتذكرت أكرم ودت لو تحدثه في تلك اللحظات ولكن كيف..وهو سد عليها كل منافذ الاتصال به.. وظلت تناديه وتهتف باسمه في استغاثة :
-أكرم..أكرم.. اكرم
******************************
-صباح الخير
هتفت بها نريمان بثغر باسم تحمل بين يديها صينية الأفطار تضعها أمامه على الفراش هاتفة :
-أنا قلت آجي أفطر معاك قبل ما أمشي.
رد صباحها وهو يتأملها بملابس الخروج فسألها وهو قاطب الجبين:
-رايحة وين عالصبح إكده؟
-رايحة الشغل أنت ناسي أن سامر اتقبض عليه ولازم حد يباشر المحلات.
أومأ على مضض.
-تصور اللئيم كان عايز يمضيني على ورق يثبت أني ساحبه منه فلوس كتتيير قوي.
-أنا من الاول مرتحتش ليه البني أدم ديه
-عامل ايه دلوقت؟
همست بها تحاول أن تخفي زفير الحب الذي كاد أن يعانق سؤالها.
-زين.. الحمد لله.
-أنا ليا يومين مشفتكش..الدكتور استحوذ عليك..بيجي يقعد معاك..ويسيبك بعد ما تكون نمت.
ودت لو تهتف بكل حرارة :
-وحشتني
لكنها ابتلعتها أنه لا ينظر لها، عيناه تجهلها تمام ..لو يلمحها فقط لرأى عينان تفيضان شوقا..لرأى صدر يعلو ويهبط في جنون ..لرأى شفتان تشققتا من فرط الجفاف زفرت بيأس وحاولت أن تستعيد طبيعتها فقالت له:
-مش حتاكل بقى قبل الدكتور ما يجي.
أومأ ..ثم شرعا في الطعام سويا..كانت هي تأكل وعيناها مشغولتان بوجهه الحزين..تتأمل عيناه الحزينة الزابلة..أنفه المستقيم..شفتيه المريضة التي تأكل ببطء ..سماره الذي تعكر بلون أصفر..لون الضعف والمرض، تفاحة ادم تلك التي برزت من جراء وضعفه.
أنه يشعر بعيناها تلك التي تخترقه بسوادها، كأنها تعاتبه عتاب طويل ..تلومه على صمته وبعده عنها..ترجوه وتتوسله عله يرق لكن لا حيلة له..تمتم بالحمد معلنا انتهائه من طعامه، حتى ينتهي من محاصرة عيناها له.
هي الأخرى نطقت بالحمد .. مقوسة شفتيها في يأس هامسة لنفسها “لا فائدة منك” رفعت الصنية وأخرجتها ثم عادت له ترتدى حقيبتها في كتفها ثم سألته:
-أنا حمشي بقى عايز حاجة؟
-لاه مع السلامة.
نظرت له بحنق أنه يأبى أن ينظر لها..كأنه يريد أن يتخلص منها سريعا.
انحنت وقبلته في جبينه وهي تهمس، سلا……
قاطع همسها قبضتيه اللاتي ضمت كتفيها وأبعدتها عنه محدقا فيها بغضب وتعجب، قاطب الجبين..ضاغطا على كتفيها بقسوة..وبرغم الألم الا انها غاصت في تلك النظرات كأنها تريد أن تعرف ماهيتها..تحللها..هل هي نظرات غاضبة رافضة لتلك القبلة، هل هي نظرات قاسية تريد فعل شئ يخشى منه، تشعر بأنفاسه المتهدجة وكأنه يقاوم شئ ما، هل يقاومها..أم يقاوم رغبته في تقبيلها، غضبه هذا ماذا يعني؟ هل جرمي عظيم لهذا الحد..الست بزوجي ومن الطبيعي توديعك بقبلة هكذا تساءلت وهي تتعمق في عيناه.
-أنا أسفة مكنتش اقصد ازعجك.
خرجت تلك الجملة محملة بأنفاسها التي لفحت وجهه..ارادت أن تضغط عليه لترى ردة فعله ماذا ستكون؟
وإذ به يلتهم شفتيها بقبلة محمومة.
لا تنكر أنها تلقت تلك القبلة بصدمة فلم تتوقعها..ومع ذلك بادلته اياها في ظمأ كبير، قطع تلك القبلة طرقات الباب تلاحقت انفاسهما وتشتت الملامح..بلع ريقهما بصعوبة وبالكاد استطاع جماع شتاتهما، توجهت للباب دون ادني كلمة..وجدت الخادمة تعلن عن قدوم الطبيب، تركته وهي تحمل اثار قبلته حتى انها راحت تتلمسها بأصابعها ..تشعر أن أنفاسه مازالت عالقة في رئتيها أغمضت عيناها وهي تعانق نفسها تشعر ببرد بعده .. تتنفس بحب متوجهة الى عملها وكأنه معها.
” أنا ضعفت لييه بس”
هتف بها وهو يصر على أسنانه قابضا على شراشف السرير بغيظ.
دلف الطبيب وهو يلقي عليه التحية وقد لاحظ بحكم مهنته ومن ملامحه المحتقنه أن به شئ فسأله:
-مالك..أنت كويس؟
-لاه أنا مش زين أنا مخنوج..أنا معرفتش أتحكم في جلبي.
-طيب ممكن تهدى
قالها طبيبه وهو يخرج حقنة مهدئة لكي يحقنه بها..بعد برهة من الوقت.
-هاه هديت
أومأ مالك.
فاستطرد الطبيب:
تحب تحكيلي ال حصل وخلاك تنفعل وتتدايق ولا تكمل.
-لاه نكمل..فالأمر الذي حدث بينه وبين زوجته سوف يحكيه له ولكن ليس الآن.
-تمام ..أنا سامعك.
تنفس مالك بعمق ثم أخرجه على مهل..فتابع وقدر شرد بعيدا.
فلاش باك:.
منذ ذلك اليوم ومالك طفل معذب مع أم تعامله بقسوة..تنهره دائما..تضربه تكرهه وبشدة وكأنه ليس ابنها، طفل صغير يعاني يتساءل عن سر تلك المعاملة السيئة، ولكنه لم يعثر على أجابة، ما كان يهون عليه والدة صديقه التي وجد فيها أم حقيقية..أم تفنى من أجل سعادة أبنها..تسهر على راحته..أم محتشمة..تصلي لا تقابل رجال غرباء..لا تتحدث بصوت عالي..لا تضرب ولا تقسو..كم تمنى مثل تلك الأم..تعايش مالك مع أمه أو من كان يظنها أمه حتى سار صبي عمره أربعة عشر عاما..في يوم كان يذاكر كعادته عند صديقه..وعائد لبيته وقبل أن يفتح الباب سمع أبيه يصرخ وصوت أمه مرتفع علم أنهما يتشاجران ..تسمر مكانه لم يستطيع الدخول..لا لكي يسمع شجارهما..بل لم يرغب أن يزج نفسه في مثل تلك المشاجرات استند بظهره على الحائط وأراح رأسه يعبث بكتبه التي في يده..وانتظر حتى تنتهي تلك المشاجرات.. كان أبيه يصرخ حتى بح صوته قائلا:
-أنا غلطت أني ادوزتك من الاول كنت فاكرك أكتر واخدة حتخافي على ولدي..لجيتك اكتر حد عذبه انتي متنفعيش تبجي أم.
-يااخي..جرفتني أنت وولدك ياريتك ياشيخ مادوزتني دفنتني معاك ومعاه بالحيا وحرمتني من الرادل ال بعشجه.
القتها في وجهه بكل جرأة.. ولم تبالي بغضبه ويبدو من صوتها الاشمئزاز من تلك الحياة..ونفاذ صبرها.
وبصدمة استطرد ابيه:
-عتجولي ايه..ولما أنتي زهجتي منينا ومن عيشتنا ليه جبلتي من الاول بينا.
وبنبرة تتراقص بتهكم استطردت:
-يعني مش عارف أنا جبلتك ليه..هو أنا كنت ريداك من اصلو مش ابوي هو ال غصبني أدوزك عشان أربي ابن أختي..لكن أنا زنبي ايه ادجوز واحد مبحبوش..اعيش حياة مش حياتي..وأكمل عيشة مش عيشتي..اختي ماتت وهي بتولده..ذنبي أيه أنا أعيش عيشتها..واعيش معاك وأنا مبحبكش ومش طيجاج..ذنبي ايه انا هاه جولي..ذنبي أيييه.
بعد هذه الكلمات اعتدل مالك واتسعت عيناه في صدمة..هذه الأم القاسية ليست أمه..اتسعت شفتيه من السعادة..نعم هو في غاية السعادة هذه الأم السيئة التي تبرى منها بيبه وبين نفسه ليست أمه..أمه امرأة جيدة ماتت وهي تلده راحة شهيدة وجوده في الحياة..لقد ساقه الله ليستمع لهذا الشجار..ليعيد له الحياة من جديد ليعيد له الأمل ، ليشعر من داخله أنه انسان سوي ليس هناك شئ يكسره..أو يستعر منه.
بعد شد وجذب مع أبيه وخالته سمع خطواتها الغاضبة، تتجه صوب حجرتها وقد صفعت الباب خلفها بعنف احتار وقتها هل يدخل بيته فيجلب لأبيه الحزن لو شك أنه سمع شجارهما بل سمع الحقيقة..لذلك فضل أن يتجول في القرية بعض الوقت ثم يعود.
كان سبب الشجار وقتها أنها أردات أن تلحقه بعمل في قرية بعيدة حتى تتخلص منه ومن عيونه التي تحاصرها دائما..وتجلدها بنظراته المحتقرة لها..وبالطبع رفض أباه فهو صغير على العمل وخشى ايضا على دراساته..
ولكن مالك وافق وجدها فرصة..يبتعد عن تلك العاهرة، انها وباء، وقد أقنع أباه بذلك، وبالفعل
سافر لقرية تبعد عن قريته ساعة اشتغل مع صاحب محل ،ومن حسن حظه أن صاحب المحل كان رجل كريم طيب عامله كأبن له، لقد ارتاح مالك معه كان يعود كل خميس لقريته فقط ليطمئن على أبيه، ولولا أبيه ماكان عاد حتى لا يرى تلك المرأة اللعينة، مكث مالك مع هذا الرجل حتى شب و التحق بالجامعة..وفي أول عام لكليته تعرف على فتاة منتقبة أحبها وجد فيها صورة مثالية لفتاة أحلامه، أعادت له زهوة الدنيا، غيرت حياته ..محت بداخله صورة زوجة أبيه أو خالته ..الصورة السيئة للمرأة التي رآها فيها..أحبها من كل قلبه..ونسج معها مستقبل باهر..لقد بني معها بيتهما بصورة مثالية صورة حلم بها بيت هادئ مبني على الحب والتدين..ولكن كل ذلك ضاع هباءا..لقد اكتشف خيانة تلك الفتاة.. وكان النقاب ماهو الا ستار لسيرها البطال..فهدمت احلامه وضاعت هباءا..ومن هنا كره كل نساء العالم.. بغض كل أنثى، وبات يكره حتى النظر لهن.
-ايه تعبت؟
تفوه بها الطبيب عندما لاحظ شحوب وجهه وأحتقانه على أثر انفعاله وتأثره بذكرياته..فأوما مالك ..ناوله الطبيب كوبا من الماء قائلا له:
– خد اشرب واتنفس بعمق واهدى
فعل مالك ما نصحه به.
-بص يامالك.. واسمعني كويس
تفوه بها حتى يلفت انتباهه له ثم استطرد قائلا:
-عقدتك اتكونت بسبب والدتك او خالتك..أنت كنت بتتمنى الصورة الطبيعية لأي أم..الفطرة ال خلقنا عليها ربنا..اي انسان صورته عن امه هي الصورة المثالية..الأم الا بتسهر على راحة أبنائها..وبتربيهم كويس وبتكون قدوة ليهم ومثال للشرف والأخلاق..ولما صورة الأم بتتشوه..بنفقد الثقة في جميع الستات..وده ال حصلك..وال زود عقدتك صدمتك في أول حب ليك..حتى الفتاة ال انت حبيتها كانت في الصورة ال بتتمناها من جواك..ولما اتصدمت فيها..عززت عندك كرهك ليهم..لكن أنا عايزة اقولك أن قانون الدنيا هو الخير والشر..حتى لو كان الشر اكتر..لكن يبقى الخير في الدنيا..ولازم تقنع نفسك ان زي ما في ستات وحشة في كمان ستات كويسة وشريفة ومحترمة زي أم صاحبك الست ال أنت تمنيت أمك تكون زيها.. انت دلوقت يامالك عرفت عقدتك الباقي عليك بقى أنك تطرد احساسك ده من جواك..وتقاومه وتحاربه عشان تقدر تعيش في سلام ..متعيش وأنت بتتعذب بسبب ماضي انتهى.
انا حسيبك تستريح..وبكرة حتكون اخر جلسة لينا..تمام.
أومأ مالك وهو يهتف:
-تمام.
**********************************
دخل مروان الى حجرة جومانة، ومد لها يده بجريدة دارات عيناها بينه وبين الجريدة في عدم فهم فسألته متعجبة:
-ايه ده؟؛
عيناه تلمع بخبث قال لها كأنه يتشفي من أمر ما :
-اقري.
القاها لها ثم تركها..تتلقى الصدمة بمفردها.
ظلت تتصفح الجريدة بعينان متلهفة وقلبها ينبض بجنون ..وأذ بها تتسع عيناها عند خبر معين صورة لأكرم جعلتها تصرخ باسمه في جزع رهييب:
-أكرررررررررررررم.
*******************************
الفصل الثامن عشر
كاره النساء
دخل مروان إلى حجرة جومانة، ومد لها يده بجريدة.. دارت عيناها بينه وبين الجريدة في عدم فهم فسألته متعجبة:
-إيه ده؟؛
عيناه تلمع بخبث قال لها كأنه يتشفي من أمر ما :
-اقري.
القاها لها ثم تركها..تتلقى الصدمة بمفردها.
ظلت تتصفح الجريدة بعينان متلهفة وقلب ينبض بجنون ..وإذ بها تتسع عيناها في صدمة عند خبر معين صورة لأكرم جعلتها تصرخ باسمه في جزع رهييب:
-أكرررررررررررررم.
مازالت لا تصدق ما قرأته تحدق في الصورة والخبر بزهول يدها على فمها تكتم شهاقتها ..تهز رأسها يمينا ويسارا في عدم استيعاب..تغمغم بروح واهية:
-أكررم ..م م مات.. أ أتتقتل..طب أزاي ..أزاي ..دد ده كان كويس ..ك كان كويس وبيكلمني..لا لأ لأ لا ..أكرم اكرم أكرم.
وظلت تهتف باسمه في جنون وتصرخ عله يسمعها حتى يطمئنها عليه….لكنه لا يستجيب.. ظلت تمزق الجريدة بعصبية..رافضة هذا الخبر حتى لو كان صحيح..بل راحت تهشم كل محتويات الغرفة، ما أوقفها غير ظلام حالك ضربها على رأسها فسقطت في غيبات الأنهيار.
على باب حجرتها كانت واقفة خادتها تترقبها كما أمرها سيدها، سمعت جنونها وهي تهشم محتويات الحجرة بغضب عارم..وما ان خفت صوتها حتى ضربت صدرها بانزعاج فركضت الى سيدها تخبره بصوت مضطرب:
-الحقني يابيه..الست هانم فضلت تصرخ و تصرخ، وكان باين زي ما تكون بتكسر في الاوضة وبعدين حسها سكت فجأة، وسمعت حاجة دبت في الارض بينلها وقعت واغمى عليها.
وما إن سمع مروان منها ما سمعه..حتى هرول اليها فتح الباب وجدها مطروحة على الأرض، وجهها محتقنا كأن الدماء تجمعت فيه، شعرها مفرودا فوق رأسها بحزن..اقترب منها وحملها وضعها على سريرها ثم التفت للخادمة وقال لها بنبرة سريعة منزعجة:
-بسرعة اتصلي بالدكتور.
-حاضر يابيه.
أخذ رأسها على ذراعه وظل يضمها اليه وهو يهمس لها :
-وبعدين معاكي في البتعمليه في نفسك ده وفيا، بس معلش..يومين وتنسي دكتور الزفت بتاعك ده..وحترجعي ليا..أنا مروان حبيبك..أنا بحبك.. دفن وجهه داخل رقبتها يلثم رائحتها ويبكي كالطفل..ويوصل همسه وتوسله وبكاؤه:
-بحبك ياجوجو بحبك ..انسيه بقى ودووبي فيا
حبيني وحسي بيا، حسي بقلبي ال محتاجلك أنت ليا، ليا أنا بس فاهمة أنت بتاعتي ،ملكي أنا ومحدش حيقدر ياخدك مني..وال ياخدك مني اقتله..اقتله..فاهمة..اقتله.
قال كلمته الاخيرة وهو يهزها بعنف كأنها تستمع له..كأنها بوعيها.. طرقات الباب جعلته يفيق ،كان في غيبوبة الندم يهزي بحبه لها..ابتلع ريقه ومسح دمعاته وقال في ثبات استجمعه بصعوبة:
-ادخل.
الخادمة: الدكتور يابيه
-خليه يدخل.
₩₩₩₩₩₩₩₩₩₩₩₩₩₩₩₩
-وبعدهالك يامالك..حتعمل ايه عاد؟ لحد ميتة حتداري حجيجتك..لحد ميتة حتتضحك عليها، أنت عشقتها ياخوي؟؛ وده كان أتفاجنا بردك، مسح على رأسه يحاول أن يبتلع تلك الغصة، ثم تابع حديثه مع نفسه.. يااااابوي أعمل ايه في ال أنا فيه ديه ال لكان عالخاطر واصل، تذكر حديث الطبيب عندما صارحه بحقيقة مشاعره نحوه زوجته ولكن هناك اتفاقا بينه وبينه حماه يحتم عليه وئد ذلك الحب، كان رأي الطبيب أن هذا الاتفاق ظالم لها..ولابد أن يصارحها بحقيقته..وساعتها تستطيع وحدها أن تقبل هذا أو ترفضه.
دلوجت أبوها ياجي ونطلق وأبعد عنها..احسن بردك أنا تعبت من اللعبة دي عاد خليني أبعد عنها..ياريتني ما كنت وافجت من الاول..يارياتني ماشفتك يانريمان ولا عرفتك من أصله..ولا حبيت………
قطع همسه الخفي مع ذاته عندما شعر بذراعين تطوقان خصره من الخلف انتفض والتفت خلفه فوجدها هي نريمان ارتعش جسده وكأن ماس كهربائيا صعقه..فصرخ بها وهو عاقد جبينه قائلا بغضب:
-ايه العتعمليه ديه..مش حتبطلي حركاتك ديي.
كانت نريمان عائدة من العمل تشعر بارهاق شديد، عايناها غائرتان، وجهها شاحب، تتنفس بصعوبة من فرط أرهاقها وكأن الهواء من حولها نفذا، أبصرته واقف في الشرفة يديه مختبئة في جيوبه وظهره لها، يبدو عليه الشرود..لا تعلم لماذا سيطرت عليها رغبة في أن تحتضنه، هل لأنها في حاجة الى الراحة بعد عناء يوم شاق، أم انها اشتاقت له، ولم تتردد بل حققت ما تمنته..وعندما احتضنته أصابها اليأس عندما تلقت رد فعله الذي كانت تتوقعه ولكن لم تتوقع ان يكون عنيفا هكذا..ما كل هذا الغضب، ألست بزوجته ومن حقي أن احتضنه في أي وقت.
وبالفعل وجاهته بمكنون صدرها قائلة:
-أنا عملت ايه غلط أنت مش جوزي؟؛
صمت عاجزا عن الرد عليها كان يتنهد بشدة..اعطاها ظهره نعم انه يهرب منها ولكن هذه الصغيرة تطارده..تطارد مشاعره تركض خلف حبه كأنها تعلم الحقيقة فتلعب على الوتر الحساس دون ان تدري او تخطط لذلك، استدارت حتى اصبحت امامه فسألته :
-مالك أنت بتكرهني ؟؛.
لم يجبها آه انها تتلمس شتاته ومعاناته الآن.. استطردت في اصرار:
-رد عليا ..أنت بتكرهني للدرجادي..لدرجة انك مش بتطيق حتى أني المسك.
ظل صامتا ووقف متنصنعا الجمود.
قالت وقد رققت نبرتها كأنها ترجوه أن يسمعها:
-أنا عارفة اني زودتها قوي معاك في البداية..عارفة أني غلست عليك ورذلت كتير..عارفة أن أحرجتك قدام بابا وماما واني كمان كنت مش طيقاك ساعتها وكنت عايزة اطفشك..بس ده كان في الأول..قبل ما..قبل ما أاحببك..أنا بحبك يامالك..والله بحبك..ومش عارفة اعمل ايه عشان تسامحني..أنا تعبت انهاردة في الشغل قووي تعبت لدرجة اني حاسة أني شايلة حمل فوق طاقتي..نفسي بقى ترجع الشغل وتشيل عني الهم التقيل ده..أنا محتاجلك جمبي..عرفت بقمتك صدقني قالت جملتها الأخيرة واقتربت منه للغاية تلتقط ذقنه بيدها تنظر في عيناه بتعمق كأنها تنقب في عمقهما عن ذرة حب لها..ولكنها لم تجد غير البرود الذي أتقنه..أغمضت عيناها في خزي وانكسار ثم ارتمت على المقعد و اجهشت في البكاء.
كلماتها الصادقة البريئة مزقته، فتت قلبه..انها ومن غير قصد لعبت على نقطة ضعفه وهي دموعها الذي لم يحتملها، ولن يتحمل رؤيتها تلمع على وجنتيها، ظل ينظر لها وهو عاجز حائر..قلبه يأمره أن يضمها الى صدره ويمسح دمعاتها..هو يعلم مدى تعبها انها صغيرة وضعيفة على تحمل تلك المسئولية الجسيمة التي يئن لها أشد الرجال..ولكن عقله ويمينه الذي بينه وبين ابيها يردعه حتى لا يحنث..
عزم أن يعترف لها كما نصحه الطبيب
انحنى والتقط مرفقيها فجعلها تنهض هامسا باسمها ..فنظرت له من بين دموعها تتنتظر ماذا وراء همسه؟ هل سيضمها لصدره ويعترف لها بحبه؟ هل سيكفكف دموعها ، هل سيطلب منها السماح على جفاءه لها وبروده، ابتلع مالك ريقه قبل ان يقول:
-أسمعيني يانريمان زين……
-نريمان؛ قاطعته وهي تردد اسمها في تعجب لتستطرد وهي تبتسم بحب:
-أول مرة من ساعة معرفتك اسمعك تنطق اسمي..يااااه اسمي من بين شفايفك حلو قوووي..أنا حبيت اسمي اكتر لما نطقته.
لم يعد يحتمل هجوم عشقها ..ولا بثها بحبها له اكثر من ذلك حبها الجارف له يزلزله يقضي على بقايا تمسكه..ولكنه صرخ وهو يهزها:
-أكتمي واسمعيني عاد.. أني..أني مش ود عمك.
اتسعت عيناها في صدمة فتمتمت:
-اييه مش ابن عمي؟؛ أمال انت تبقى ايه؟؛
-أنا……
قطع أعترافه رنين هاتفه أجاب الأتصال وما إن تحدث الطرف الثاني حتى اتسعت عيناه بصدمة فصرخ غير مصدقا:
-اييه ..ميين..عمييي؛؛
ملامحه المصدومة جعلت قلبها ينبض بخوف فسألته:
-ماله بابا يامالك.
-لازمن نروح السفارة طواالي.
-لييه؟؛
-مخبرش حنفهم إهناك.
عندما وصلا الى السفارة، كانت الصدمة الكبرى لهما لقد ماتا ابيها وأمها على اثر حادثا تعرضا له، وما إن تلقت الصدمة حتى صرخت فاغشي عليها.
كان مالك في موقف لا يحسد عليه حائر ما بين زوجته التي لم تتحمل الصدمة..وموت والديها ..نقلها الى المستشفى فورا .
شعر أن الامور تعقدت للغاية ماذا سيفعل؟ كل شئ دبر له هدم مرة واحدة..صحيح أنت تريد وأنا اريد والله يفعل ما يريد، ابيها نفسه لم يعمل حسابا للموت..ماذا سيفعل الآن؟ هل ينفذ ما عزم عليه..يطلقها كما اتفق مع ابيها..ام يستمر في اخفاء الأمر عليها..ويستمر في زواجها، فكيف يترك فتاة صغيرة في هذه الدنيا تواجهها بمفردها، ستكون مطمع بثروتها للجميع..زفر بحيرة عاجز عن اتخاذ القرار.
₩₩₩₩₩₩₩₩₩₩₩₩₩₩₩₩₩
يومان مرا منذ أن قرأت خبر حادث موت أكرم وجومانة خارج الدنيا، لا تتكلم ولا تستجيب لأحد..كل شئ بها صامت صمت الموتى..عيناها فقدت بريقهما..كأنها لا تريد الحياة، كم حاول مروان بكل الطرق أن يعيدها للحياة دون فائدة، مربيتها تبكي عليها في صمت ..وردة زبلت وأوشكت على السقوط، دلف مروان مساءا عليها يتفقدها كعادته..وجدها جالسة، شاردة، لا تحرك ساكنا، أشار للمربية بالخروج ..جلس بجوارها يتأملها بنظرات تقطر ندما، لقد قتل اكرم من أجلها من أجل أن يحتفظ بها..من أجل أن تكون له وحده..ابتلع غصته وحاول أن يبدو طبيعيا همس لها:
– وحشتيني قووي ياجوجو..ايه رايك نخرج انهاردة نتعشى مع بعض واخدك افسحك..تعرفي بفكر نروح الملاهي..ايه رأيك؟ لم تستجيب له، كانت كالصنم ليس به روح ولا حياة، شئ حثه على الأقتراب منها بل تقبيلها لعلها تبتعد عنه أو تلومه أو تبدي أي رد فعل، المهم أن يخرجها بأي ثمن من تصنمها هذا..وبالفعل قبلها في جانب فمها قبلة رقيقة، ود لو يلتهم شفتيها التهاما، ولكنه اكتفى بقبلة رقيقة، ولكنها ايضا تبدي أي رد فعل..أو تخجل أو حتى تبعده عنها، تأسف لذلك أكثر ..هتف بنفاذ صبر
-فوقي بقى خلاص المات مات..لازم تعيشي حياتك..انسي وتعالي نبدأ من جديد.
همست بصوت ضعيف واهن:
-ع عايزة ماما.
-بتقولي ايه؟؛ بتقولي ايه ياجومانة انتي اتكلمتي ولا انا متهيألي..قولتي ايه؟؛
-عايزة ماما.
-عايزة ماما..رددها في تعجب ماذا تعني..هل تريد ان تموت وتذهب لأمها ام ماذا تعني..
مسح على شعرها وهويهمس بحنان:
-جوجو حبيبتي متخافيش أنا جمبك.
تحول همسها الى صرخة :
-عايزة اروح عند ماما..عايزة ازور ماما.
-حاضر..حاضر حوديكي تزوري قبرها بس اهدي حبيبتي.. بكرة باذن الله نروح نزور قبرها.
*********************************
الفصل التاسع عشر
كاره النساء
صرخة مدوية أطلقتها نريمان داخل حجرتها بالمستشفى..صرخة لوعة تنادي بها على الذين غادرا الحياة ولن يعودا مرة أخرى:
-باااااابا….ماااااما..مجوش ليه، هما فين؟ مجوش ليه لحد دلوقت، عايزة بابا..عايزة ماما..عايزة أروحلهم.
انتبه مالك الذي كان غافيا على المقعد امامها وقفز من عليه ليهتف في انزاعاج:
-ايه ..حوصل ايه؟؛
بعقل رافض أن يصدق موتهما راحت تهذي وتنزع عنها الأنابيب الطبية الموصلة في يدها بعصبية، تحاول النهوض لكي تذهب لهما.
يعيدها الى فراشها ويثبتها في سريرها برفق قائلا بشفقة:
-هدي يانريمان ..هدي ..حاضر حنروحلهم طوالي.
-أكيد الخبر غلط يامالك مش كده؛ هما..هما حالا يوصلوا اكيد حيتصلوا بينا..يلا نرحلهم يلا نروحلهم احنا.
اكيد هما عايزين يشفوني انا وحشتهم انا عارفة انا وحشتهم قوي زي ماهما وحشوووني قوووي..لازم نسافر بسرعة.
-جولتلك حنروحلهم بس هدي طيب.. متعمليش في روحك إكده.
احتقن وجهها على أثر الأنفعال وتمرد صوتها صارخا، تدفع مالك بكل قوتها الذي أمسك يديها حتى يمنعها من ترك سريرها، ثم صرخت:
-مش عايزة اهدى..مش عايزة اهدى انا عايزة بابا وماما عايزاهم..عايزة ارحلهم.
-طيب ..طيب جومي غيري خلجاتك.. وياجي الضاكتور يشيلك المحلول ديه ..وحنفذلك ال انتي ريداه.. حنروحلهم طوالي سوا بس هدي عشان خاطري.
ثم جذبها الى حضنه يربت على ظهرها بحنان..زافرا بأسف..شهقاتها تمزق صدره..نحيبها يوجعه..تعافر لكي تتخلص منه وهي تردد سبني.. سبني اروحلهم سبني أمشي
ولكنه تشبث بها متحملا ضرباتها على صدره يهمس بجوار اذنيها:
-لاه مش حسيبك ياحبيبتي هدي أنا جمبك أهه روقي ياجلبي عشان خاطري، ابوكي وامك في مكان احسن من اهنيه..هما حاسين بيكي دلوك، شايفينك وسامعينك، متخلهمش يشفوكي إكده منهارة..عشان ميزعلوش منيكي.
ثم ضمها اليه بقوة كأنها طفلة في حضن أبيها، ظلت في حضنه حتى أعياها البكاء، ومن فرط المجهود الذي بذلته من صراخ ووعويل نامت على صدره.
بعد يومان خرجت نريمان من المستشفى هزيلة ضعيفة..قد نقص وزنها..وجهها شاحب، انطفأ لمعان عينيها، وزبلت شفتيها، ما إن خطت داخل البيت حتى جادت عيناها بدموع الذكرى فقد أخذت تتجول بعينيها في كل مكان تتلمس فيه أثر أبيها وأمها، حديثهما لها وصوتهما يترددا في أذنيها بصدى الحنين..صوت امها عندما توقظها وترفع عنها الغطاء:
(قومي يانانا بقى بطلي كسل..لحد امتى حتفضلي نايمة)
تقريعها لها عندما ارتدت ملابس غير لائقة في عزاء عمها:
( يابنتي ده لبس تلبيسه في عزا ..جيبة قصيرة، وبلوزة من غير أكمام..أنتي اتجننتي، احنا رايحين بلد أرياف أمتى تعقلي بقى؟)
تعتصر عينيها حسرة على خسارة لن تعوضها
صوت ابيها وهو يدللها وهي صغيرة..مكافأته لها بسيارة حديثة عندما نجحت..لم يثور عليها يوما..ولم يغضب عليها لحظة..دفئ حضنه لها مازال يسري في عروقها تتلمسه بيديها حول ذراعيها..كأنها أصبحت عارية من بعده.
ومالك يراقبها بأسف وحرص.. يعلم أنها الآن تطوف في محراب الذكريات، قال لها محاولا أن ينتشلها من ذكرياتها حتى لا تنهار:
-تعالي يانريمان نطلعوا فوج عشان تستريحي هبابة.
قالت بصوت يملؤه الحسرة وكأنها لم تسمعه:
-خلاص راحوا مش حشفهم تاني ..سابوني يامالك خلاص حتى مش حقدر اودعهم..ولا احضر دفنتهم، طب لييه لييه..طب كان حتى فضل حد منهم معايا، الاتنين يسيبوني كده لوحدي
مش حدلع على بابا تاني ولا اقوله هات وهات وأنا بستغل حبه ليا وضعفه قدامي..مش حياخدني تاني في حضنه ولا اشم ريحته، ولا حشوف الخضة في عنيه لما اعيى.. ماما ال دايما كنت بغيظها مش عارفة ليه؟؛ يمكن عشان كانت بتضايق من بابا وتدليله ليا..كانت دايما بتزعقلي على غلطي..بس أنا كان ولا يهمني، عشان كنت بستقوى بيه، كنت بفرح قوي لما انتصر عليها ورأي انا ال يمشي عشان بابا كان واقف معايا وينفذلي طلباتي.. عمري مقلتلها كلمة حلوة ولا ابتسمت في وشها، كنت دايما حادة معاها..بس والله انا بحبها ..والله بحبها كانت طيب تستنى شوية لما اعتذرلها وتشوفني بعد ما غيرتني يامالك..وبابا كمان كان نفسي يشوفني وأنا بتحمل المسئولية وبطلت الدلع والسلبية.. ليه يموتو بسرعة كده ليييييه..لييه يامالك لييه.
اعقبت حديثها بدموع غزيرة اختلطت بشهقاتها ونحيبها وهي تئن وتنادي بحسرة:
-ليه يابابا..ليا يا ماما ليه سبتوني ليه؟
مسح مالك رأسه بأسف..وزفر بشفقة اقترب منها محاوط كتفها بيده وأمسك يدها بيده الأخرى يسوقها الى أعلى نحو حجرتها قائلا لها بخفوت:
– وبعدين معاكي ملوش عازة الحديت ديه تعالي معايا يانريمان ، دلوجت لازمن تنامي وتستريحي .
تحررت منه وهي تدقق في عيناه بقسوة كأنها ناقمة عليه قائلة بسخرية مطعمة بعتاب:
-عايزني انام عشان اصحى والقيك أنت كمان سبتني؟؛ مستني ايه؟ متسبني من دلوقت اتفضل يلا ومتخافش عليا اكيد حتعود على الوحدة.
لا ينكر أنه تفاجأ بحديثها هذا ظن أن موت أبيها وأمها سوف يجعلها تطويه لحين أن تفيق من صدمتها، ولكن أن تذكره برغبته وعهده الذي لا تعرفه وطلاقه لها فهذا مالم يتوقعه، أطرق برأسه وقد عجز عن الرد..فماذا يقول لها؟ خاصة وهي في تلك الظروف وكأنها أدركت عجزه وحيرته فقالت وقد عزمت على معرفة كل شئ:
-اتفضل امشي مستني ايه؟
ابتلع ريقه ثم حدق بها وهو يتناول وجهها بين يديه، هامسا بصدق:
– لو الواحد يجدر يفارق روحه كنت فارجتك من زمان..لكن صدجيني غصب عني .
غاصت في سواد عيناه الحائر وكأنها تنظر لليل ليس له أول ولا آخر فهمست وقد ضيقت عيناها باستفهام:
-يعني ايه مش فاهمة؟؛
-تعالي معاي وأنا حجولك كل حاجة.
قال ذلك وهو يسحبها خلفه من يدها صوب حجرته، وبعد دخوله وهي معه أغلق الباب جلس خلف مكتبه وأشار لها أن تجلس في المقعد الذي أمامه، ثم شرع يحكي لها ولم يبالي بنظرات التعجب الذي رمته به:
– اسمعيني يا نريمان زين وبعدين اتحدتي كيف ما أنتي رايدة، أنا زي أي عيل في الدنيا اتمنيت أم ترعاني وتحبني..وتخاف عليا أم أتشرف بيها جدام الناس، لكن أمي أنا أو ال افتكرتها أمي كانت ست بطالة عايشة لحالها وبس، كل همها تسعد روحها، أما أنا فمش في حسابتها واصل، كانت مهملة فيا، طوالي بتضربني، لو عملتلي أكل تعمله بعد طلوع الروح وتوكلهولي بالضرب والشتيمة، عاملتني أزفت معاملة، لما كنت أشوف أم صاحبي..وأخلاجها الزينة، ومعاملتها ليه كنت بتحسر على حالي، خلتني كرهتها..وال كرهني فيها أكتر لما عرفت انها مش أمي طلعت خالتي، أجبرها جدي تددوز أبويا عشان ترعاني بعد ما أمي ماتت وهي بتولدني، لكن خالتي حست إن ابوها ظلمها أجبرها على عيشة هي مش رايداها، وحرمها كمان من الرادل ال بتحبه عشان إكده عاملتني وعاملت أبويا معاملة عفشة.. وأنا ال أتظلمت منيها أكتر.
لما بجى عمري 14 سنة خالتي طلبت من أبوي يشغلني عشان تخلص مني.. كنت من غير جصد اطللها بجرف وحجد وألومها على عاميلها واهب فيها من غير مخاف منيها:
-ليه بتعملي إكده ليه متبجيش مرة زينة زي أم صاحبي
ولم تسمع إكده تجوم تضربني على خدي وجسمي وتجولي سد خاشمك لجطع رقبتك..وبعدين تحبسني في اوضتي باليومين.
زفر بأسى ثم استطرد بعد أن ابتلع ريقه:
– المهم لم ابويا وافج يشغلني ويبعدني عنيها كان هم ابويا بردك يبعدني عنها عشان أذكر كويس وأفلح في مدرستي..و على كد ما كنت مضايج عشان عايزة تبعدني عن البيت وأبويا وصاحبي كمان، لكن كنت فرحان عشان حسيبها وأغور من وشها ..أبويا لجالي شغل في بلد جريبة من بلدنا عند واحد طيب..تعرفي يانريمان مين الواحد ديه؟
-نطقها وهو يدقق في ملامحها حتى تنتبه له أكثر..أما نريمان فكانت تسمعه وكأنها تسمع حدوته لطفل يتيم وتعرف معاناته مع زوجة أبيه لقد قرأ مالك في عيونها الشفقة والأسف له فهمست والفضول سيطر عليها:
-ميين؟؛
-أبوكي.
-أيه…بابا؛
نطقتها بدهشة ثم تابعت بأنفاس غير مستوعبة لهذه المفاجأة:
-ازاي انا رحت المحل كتير وعمري ماشفتك هناك.
عشان عمري مارحت محلاته ال في الجاهرة، أبوكي لما بدأ شغله اشترى محل في قرية جمب بلدنا..وكان يعرف أبوي وشغلني عنديه..مسكتله الدكان ديه. أروح المدرسة وأرجع أجف في الدكان..لما شغل أبوكي كبر فتح دكان تاني في مصر، وعرض عليا أروح وياه لكن أنا مرضيتش.
سألته متعجبة:
-ليه مرتضتش تروح.
-خفت.
-خفت…. من أيه.
رددت كلمته في عدم فهم..فقال :
-عشان مرة رحت معاه مصر نشتري أنا وهو بضاعة للمحل..في اليوم ديه شفت الزحمة وأغلب النسوان وخلجاتهم العريانة والضيجة، ضحكهم العالي..مرجعتهم ومياعتهم مشيهم العوج.. جرفت منيهم ومن الستات كلتها حسيت حالي بكرهم كلتهم مبجاش في خشى ولا حيى..عشان إكده حلفت مشتغلش ابدا في مصر لو حتى جطعوا رجبتي، وكتييير جوي عم خالد اتحايل عليا عشان اروح معاه..مجدرش يجنعني، كنت سعيد في المحل الصغير، واوضتي الجواه كنت بنام وأصحى وأذاكر فيه..وال ريحني أكتر إني كنت بتعامل مع ما يخص الشباب بس..أي ملابس حريمي مليش فيه.
أنا وأبوكي بجينا صحاب حبيبته جوي وهو كمان حبني..وبالرغم فرج السنن البناتنا لكن انا وهو كنا متفاهمين..كان دايما يحكيلي عنك وعن عندك ودماغك الناشفة.
ابتسمت أبتسامة خفيفة وهي تخفض رأسها خجلا..رفعت رأسها مرة اخرى عندما تابع وقال:
-أنا كمان كنت بفضفض إمعاه عرف عني كل حاجة، وعرف أن بجى عندي عقدة من النسوان كلتها..لدرجة أني كرهتهم، لحد ما فيوم فوجئت بخالتي مضت أبوي على الأرض ال حلتنا والبيت وطفشت مع حبيبها ال هو عمي أصلا..أبوي مستحملش خيانتها مع أخوه طب ساكت، مات، كنت بسأل نفسي ليه ابوي متحملها ومتحمل جرفها ..ولما سألته عرفت أنه بيحبها جوي.
اتصلت بعمي خالد عشان يحضر الدفنة..جالي في الصوان أنه مفهمك أن ابوي عمك وأنا ابن عمك..ولما جلتله عملت ليه إكده جالي حفهمك كل حاجة بعدين وبع…..
قاطعته وهي تسأله:
-طب ولما أنت مش أبن عمي..أنت بقى مين؟؛
-لو صبر الجاتل على المجتول.
زفرت على مضض وهي تهمس:
-طب قول.
استطرد وهو يهز رأسه يمينا ويسارا منزعجا من عدم صبرها:
-حجولك أنا مين..أنا ياستي وعم خالد بلديات يعني من بلد وحدة..ابن عمك مهاجر من زمان في استراليا، عمك بجى كان عايش في البلد بس كان مجاطع أبوكي عشان أدوز مصرواية..عمك من سنتين ولده بعتله وراح وياه وسافرله بعد مامرات عمك ماتت وبنات عمك ادوزو وبجى لحاله، لما مات أبوي اصر عم خالد أن ياخدني معاه لمصر عشان أعيش معاه..اضطريت أوافج لأن مكنش جدامي حل غير إكده، وعشت معاكم وأنتي فاكرة أني ابن عمك..لحد ماعرفت من عم خالد أنه عمل إكده عشان مترفضيش أنتي أني أعيش معاكم طوالي، أمك كمان كانت عارفة ومتفجة وياه، لحد مطلب مني أني أدوزك لمدة معينة إكده وبعدين أطلجج.
-ليه؟؛؛
خرجت من فمها بحقد وضيق.
تجاهل نظرات الغيظ والضيق الباديين في عيونها ثم تابع:
-ابوكي لما كبر حس إن من كتر حبه ليكي دلعك زيادة عن اللزوم ..ومبجيش عارف يسيطر عليكي بعد إكده..ولما لاجاني وجفت في وشك من أول يوم..عرف ان محدش حيشكمك غيري ففكر يدوزني ليكي عشان أربيكي من جديد وو…….
-نعممممم ليه بقى إن شاء الله أنا مش متربية ولا ايه دا انا متربية احسن منك مليون مرة دا أنا….
نهضت بحركة حادة وهي تصرخ في وجهه وقد اقتربا حاجباها غضبا من جملته التي استفزتها تشيح بيديها نافية تلك الجملة الكريهة …ولكنه قاطعها ايضا بان أمسك معصمها وأجبرها على الجلوس قائلا:
-ايه أنتي مصدجتي بلاعة طفحت في وشي..معلهش ياستي حجك عليا..اجولهالك بطريجة أحلى من إكده باللغة الفصحة عشان تكون أشيك..أدوزتك عشان أروضك..زين إكده؟
عقدت ذراعيها أمام صدرها مشيحة بوجهها بعيد عن مقوسة فمها في ضيق.
تجاهل ضيقها وتابع:
-طبعا مجدرتش ارفضله طلب..لان أبوكي فضله بعد ربنا كبيير جوي عليه..من صغري وجف معاي..وكان بيعاملني صح كيف ولد أخوه..كان جايلي انه نفسه يروح يحج ولما طلب مني ادوزك اتفقنا اني اعاهده بعد ما يجاي من السفر أطلجج..لانه بردك مكنش عايز يظلمك ويدوزك لحد أنتي مش ريداه لأنه كان بيحبك جوي، وأنا وافجت طبعا ال معملناش حسابه حتى أبوكي نفسه موته وال معملتش حسابه أنا كمان أ أ أني فعلا ح..حبيتك.
حدقت به وعيناها مغرورقة بالدموع..حنينا لابيها الذي مات..وتوقفت عند آخر كلمة قالها:
“حبيتك”
تلك الكلمة التي خرجت بصوت هامس عاشق حائر، نعم حائر ولا تعلم سر حيرته.. ظلا يحدقان في بعضهما لبعض كأن على رؤوسهما الطير وكأن الكلمة التي تفوها بها..صلاة يجب الخشوع لها.. دقات قلبيهما أجراس تدعو لتقيم تلك الصلاة…قطع صمتهما صوت صديقتها جومانة..يسأل عنها في جزع:
-فين نريمان يا ام محمد انديها بسرعة من فضلك.
-حاضر يابنتي ثواني اقولها انك هنا.
وطبعا لأن نريمان تفاجأت بحضور جومانة الى بيتها بعد فترة طويلة لم تراها فيه فهرولت اليها فورا وهي تصرخ بسعادة:
-جوجو حبيبتي ..انا مش مصدقة عنية أخيرا شفتك.
-نانا.
قالتها وهي ترتمي في حضنها ثم أطلقت لدموعها العنان. في البداية ظنت نريمان أن جومانة تبكي على موت ولديها ولكن شعرت أن الدموع لها أسباب أخرى عندما همست جومانة وهي على صدرها:
-أنا تعبانة قوي يانانا..مبقيتش قادرة استحمل الحيوان ال اسمه مروان ده..عايزة اخلص منه بقى.
أخرجتها نريمان من حضنها وسألتها وهي تدقق في عينيها بقلق:
-في ايه ياجوجو مالك ياحبيبتي؟
قبل ساعة من هذا الموقف،،،،
كان مروان قد يئس من أن يخرج جومانة من حالة الصمت والزهول اللذان سيطرا عليها، منذ ان قرأت خبر موت أكرم، كان قلقا عليها للغاية، لا ملاطفته لها وكلامه المغمس بالحب والحنان شفعا له عندها..ولكنها فجأة في خضم صمتها هذا طلبت منه :
-أنا عايزة أروح لنريمان صاحبتي.
تعجب لطلبها..ولا ينكر أنه سعد لأنها خرجت من صمتها واحتار أيضا هل يقبل أم يرفض..ولكن حسم الأمر نبرتها المتوسلة له:
-من فضلك سبني أروحلها.
الطريقة التي نطقتها بها توحي أنها كانت عى حافة الانهيار ولو أنه رفض سوف تكون العواقب وخيمة.. فهمس على مضض ؛
-طيب حخليكي تروحيلها.. حخلي السواق يوصلك هي ساعة زمن وابعته يجيبك ماشي؟
أومئت بالموافقة.
-اتكلمي ياجوجو مالك ايه ال حصل.
هتفت بها نريمان وهي تشجعها على الحديث.. كان مالك على وشك الانصراف حتى يتركهما على راحتهما ولكن جومانة استوقفته قائلة:
-لأ متمشيش لو سمحت أنا عايزة أحكيلكم ال حصلي عشان تساعدوني..أنا مليش حد دلوقت غيركم ..بعد ما بابا مات.
-ايه باباكي مات امتى وليه مقلتليش.
صرخت بها نريمان بنبرة منزعجة..وهي تضرب على صدرها بخفة من وقع صدمتها بالخبر..نظرت لها جمانة قائلة:
-حتعرفي كل حاجة لما احكيلك..
ثم حكت لهم كل شئ حدث لها منذ يوم زفافها الدامي حتى لحظة جلوسها معهم وقد انهت حديثها بانها قالت:
-أنا مش عايزة أعيش معاه تاني..أنا بكرهه بخاف منه..كل ما يقرب من جسمي بيقشعر..انقذوني منه عشان خاطري.. أنا عايزاه يطلقني.
سارت حمية مالك خاصة أنه صعيدي فقد استاء مما سمع..أما نريمان فأخذتها في حضنها علها تلملم شتاتها..تمسح دموع القهر عنها..هبا مالك قائلا بشهامة وصوته يحمل كل معاني العزم والأصرار على حماية تلك الصبية المقهورة:
-متخافيش انت من إهنيه في حمايتي..وان شاء الله حخلصك من الردل الواطي ديه وحطلجج منه ويبجى يفكر بس يمس شعرة منك.
خديها يانريمان واطلعوا فوج .
نريمان: حاضر.
بقلم سهير عدلي.