الجزء الثاني من الفصل الثالث عشر لولا الغرام روز أمين
«بسم الله لا قوة إلا بالله»
«لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.»
“تنويه هاااام، هذه الرواية أحداثها حقيقية وكل ما ورد بها من أحداث قد حدثت بالفعل”
الجزء الثاني من 🔹الفصل الثالث عشر 🔹
«لَوْلاَ الغَرَامُ»
#_لَوْلاَ_الغَرَامُ،بقلمي روز أمين
هذه الرواية مسجلة حصريًا بإسمي “روز أمين”
وممنوع نقلها لأية مدونة أو موقع أو صفحات أخري ومن يفعل هذا قد يعرض حالهُ للمسائلة القانونية.
__________________________
التفتت نهلة تلقائيًا نحو البوابة الرئيسية للجامعة، لتصيبها الدهشة وهي تلمح يحيى يخطو إلى الداخل، التفتت إلى رشيد،ورمته بنظرة عتاب ممزوجة باللوم والضيق، وهي تقول مستنكرة:
-معقولة يا رشيد؟ بقى مخليني أسيب محاضراتي وجايبني هنا علشان اصطبح بخلقة الزفت ده؟!
كان يقف بثبات وثقة، عاقدًا يديه فوق صدره، لم يُحرك ساكنًا، بل ظلت عيناه مُثبتتين على ذلك الخائن، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة غامضة.
ثم التفت إليها قليلاً وقال بنبرة هادئة تحمل وعيدًا مبطنًا:
-اصبري واتقلي يا نهلة، ده انتِ هتشوفي عرض، عمرك ما هتنسيه من قوته .
طالعته باستغراب حذر، لكن ثقتها المطلقة به جعلتها تتراجع وتلتزم الصمت، مقررة الانتظار لترى ما يخبئه حبيبها خلف تلك الابتسامةٍ المريبة.
وصل يحيى إلى ساحة التجمع، ليفاجأ بوجود حسن، أحد زملائهم الذين شهدوا على واقعة سرقة الساعة في فندق الغردقة، تقدم ليقف في المنتصف، مواجهًا يحيى مباشرة،ثم رفع صوته قائلاً بحماسٍ جذب انتباه الجميع:
-طبعاً كلكم عاوزين تعرفوا أنا جمعتكم ليه يا شباب؟ وقولت لكم إن فيه حوار كبير جداً وخطير حصل، وعاوزكم تبقوا شهود عليه.
وقف يحيى يترقب الموقف، مستغربًا من هذا التجمع الحاشد ومن نبرة حسن المليئة بالتحدي ، انتبه الآخر لنظراته، فنظر في عينيه مباشرة وتابع حديثه:
-تعملوا إيه يا شباب، لو حد فيكم كان شاهد على حادثة سرقة، والمصيبة إن اللي سرق ده مش محتاج؟ بل على العكس تماماً.
في تلك اللحظة، شعر يحيى بقشعريرة باردة تقتحم جسده بعنفٍ، وأحس بالخطر يطوقه من جميع الجوانب، ابتلع ريقه بصعوبة وهمس لنفسه بهلعٍ:
(أيعقل أن أكون أنا المعني بهذا الحديث؟)
زاد توتره حين بدأ حسن يتحرك بثقة، ويدور حوله،بدأت أعصابه تنهار حرفيًا مع كل خطوة، استطرد حسن حديثه المبهم بلهجة حادة وصلت حد القسوة:
-عارفين أبشع وأقذر ما في الموضوع إيه؟ إن البني آدم ده سرق مش علشان محتاج، خاالص.
توقف فجأة، وثبّت نظراته الحادة في عيني الآخر، في تلك اللحظة، التمعت عينا يحيى بتوسل صامت، وراحت ترجوه ألا يفضح سره وألا يهتك ستره أمام الحاضرين، تطلع حسن إليه، واستحضر في ذهنه كل ما أخبره به رشيد ليلة أمس، فلم يجد في قلبه ذرة شفقة تجاه هذا الحقير، ومضى يكمل حديثه بلا رحمة أمام للجميع:
-الحكاية بدأت لما شلة شباب أصحاب من نفس الجامعة، اتفقوا مع بعض وراحوا الغردقة يشتغلوا في الإجازة، يعني، علشان يطلعوا مصاريفهم بنفسهم بدل ما يمدوا إيديهم لأهاليهم حتى في الاجازة.
التمعت عينا نهلة، وأدركت أخيرًا مغزى الحديث وبوصلة اتجاهه، مالت نحو رشيد وهمست له بنبرة متسائلة:
-حسن بيتكلم عن شلتكم، صح يا رشيد؟
لم ينظر إليها، وظل مستغرقًا في متابعة هذا العرض الدرامي، مكتفيًا بهزة رأس خفيفة، كانت كفيلة بجعل نهلة تحبس أنفاسها، وتُركز بكل حواسها مع كل حرف ينطق به حسن، الذي تابع سرد الحكاية ببراعة:
-الشباب وصلوا الغردقة واستلموا شغلهم، والحقيقة كانوا مبسوطين جداً
تابع حسن روايته بنبرة مسرحية، وهو يتحرك بمرونة مستخدمًا إشارات يديه كأنه يعتلي خشبة مسرح أمام جمهورًا مشدودًا للمتابعة:
-بس يا خسارة، فرحتهم مكملتش، لما صاحبهم اللي عرفوا مؤخراً إنه ندل لحقهم على هناك.
جال حسن بعينيه في وجوه الحاضرين، مستشعرًا شغفهم لمعرفة القادم، ليتساءل بنبرة درامية:
-تفتكروا صاحبهم الندل ده أكتفى بإنه اقتحم هدوئهم وسرق منهم سلامهم النفسي ؟ لأ طبعاً، مع إن الشباب تقبلوا الأمر الواقع وحاولوا يتعايشوا مع وجوده المزعج، لكن هو كان جواه غل مش طبيعي.
إنهارت أعصاب يحيى تمامًا، وشعر بأن أنفاسه تضيق في صدره، فاتخذ قرار الهروب فورًا قبل أن تتطور الأمور إلى ما لا تحمد عقباه.
بمجرد أن التفت ليخطو خطوة واحدة نحو الخارج، كانت قبضة حسن الأسرع، إذ انقضت على كتفه بقوة لتثبته مكانه وهتف بجفاءٍ حاد:
-رايح فين يا يحيى؟
التفت إليه وتطايرت من عينيه شرارات مليئة بالغيظ الممتزج بالوعيد، وراح يهتف بنبرة حادة:
-سيبني أمشي أحسن لك يا حسن
ليرد عليه الآخر ببرودٍ وثباتٍ يحسد عليه:
-أسيبك إزاي يا صاحبي؟ هو ينفع تمشي قبل ما تكمل معانا العرض؟
فقد السيطرة على أعصابه،وراح يهتف بغضبٍ أعمى:
-أنت اتجننت؟! بقولك سيبني.
إلى هنا وتدخل صديقهم “عمر”، الشاهد الرابع على تلك الليلة وتلك الرحلة المشؤومة، اقترب بخطوات هادئة، وطوق يحيى بذراعه متظاهرًا باحتوائه، ثم همس في أذنه بنبرة حملت وعيدًا مبطنًا بذكاء وخداع:
-اهدى كده واسمع الكلام وخليك عاقل، بدل ما شكلك يبقى زبالة قدام الجامعة كلها، واطمن يا سيدي، إحنا مش هنقول اسم صاحبنا الندل، إحنا بس هنحكي الحكاية للتوثيق.
رمقه يحيى بنظرةٍ مليئة بالتوجس، ورغم أنه كان بستشعر الخطر، إلا أنه وجد نفسه مجبرًا على الاستسلام لسببين لا ثالث لهما، الأول، أنه لو حاول الفرار بالقوة سيبدو للجميع كأنه الجاني الفعلي، وبذلك يفضح نفسه بيده ويهدم المكانة التي صنعها لنفسه طوال سنوات دراسته الأربع.
والسبب الثاني، أنه تعلّق بقشة أمل واهية، متمنيًا أن يكون كلام عمر صادقًا وألا يقوم بذكر اسمه، وأكثر ما طمأنه، هو أن رشيد ورفاقه يتمتعون بالشهامة وأنهم رجال يلتزمون بكلمتهم.
لذا فقد وقف مستسلمًا على مضض، فتابع حسن سرد الحكاية بهدوءٍ:
-صاحبهم الندل ده طلع جاي وراهم مخصوص علشان يشوه سمعة واحد بعينه من زمايله، فقرر يسرق ساعة زبون غالية جداً من الفندق، وخباها في دولاب الشخص اللي المفروض إنه صاحب عمره، واللي واكل معاه عيش وملح في بيته.
وتابع وهو يرمق يحيى بنظراتٍ تقطر اشمئزازً:
-ومش بس كده، ده كمان راح بلغ إدارة المكان إنه شاف فلان وهو بيخبي الساعة في دولابه،عمركم شوفتوا حقارة وندالة وخسة أكتر من كده.
اتسعت عينا نهلة بذهول وصدمة، وشعرت برعشة تسرى في جسدها بعد أن بدأت خيوط اللعبة تتضح أمامها بالكامل، التفتت إلى رشيد وسألته بنبرة يسيطر عليها الذهولِ وعدم الاستيعاب:
-خباها في دولابك انتَ؟!
طالعها، وكانت عيناه تحملان غصة مليئة بالوجع، لكنه اكتفى بابتسامة سخرية مريرة هزت كيانها.
تابعت نهلة بذهولٍ غير مستوعبة أن يصل الشر في القلوب إلى هذا الحد:
-علشان كده رجعتوا على طول ومكملتوش شغل هناك؟!
اجتاحت قلبها موجة عارمة من القهر والألم لأجله،وراحت تسأل حالها، كيف استطاع تحمل كل هذا الغدر وحده؟ وكيف كتم هذا الوجع دون أن يشعرها بشيء أو يشاركها به؟، عادت بنظراتها نحو حسن الذي استمر في سرد تفاصيل الواقعة بدقة وترتيب مثير للفضول، جعل كل الطلاب في حالة تركيز تام.
وبعد أن أنهى كلماته، التفت ببطء نحو يحيى، وخطى بتمهلٍ اتجاهه ثم قال بصوت جهوري:
-طبعاً كلكم الفضول قاتلكم وعاوزين تعرفوا مين البني آدم الحقير ده؟
رمقه يحيى بنظرة وعيد أخيرة يرجوه فيها الستر، لكن حسن وضع يده بثقة على كتف يحيى، وصاح مستخدمًا نبرة لا تقبل الشك:
-اسمحوا لي أقدم لكم، أحقر وأبشع وأزبل بني آدم ممكن تقابلوه في حياتكم كلها.
ثم ركز عينيه القاسيتين في عيني يحيى المرتعبتين وأكمل بصوت هز المكان برمته:
-يحيى عبد الحق، الحرامي، الخاين، الغدار،بايع صاحبه والعشرة والعيش والملح.
جن جنون يحيى، فقد ظل حتى الثانية الأخيرة يُمني نفسه بأنهم سيوفون بالوعد ويحجبون الأسماء، لكنهم في نظره بدوا “أندالاً”لقد حطموا كبرياءه.
نفض يد حسن بعنفٍ وصرخ بأعلى صوته بثقة وثبات جاهد لاستحضارهم:
-أنت اتجننت؟! هي حصلت تتبلى عليا وتلفق لي تهمة بشعة زي دي؟!
ذهبت صرخاته أدراج الرياح، فقد بدأ الهمس واللمز يتصاعد في المكان كالنار في الهشيم، وبدأ الطلاب يتبادلون نظرات الاشمئزاز والاحتقار الموجهة نحوه، لم يكن هذا الهجوم ليمر لولا ذكاء رشيد، فقد اختار حسن تحديدًا لهذه المهمة لما يتمتع به من حب ومكانة كبيرة في قلوب الطلبة، فهو الشاب المتدين، الخلوق، والمساعد للجميع، والجميع يثق بكلمته دون أدنى تشكيك.
كان يحيى يدور في مكانه كالمذعور، يلقي بكلماته محاولاً بأقصى جهد ترميم صورته التي تهشمت، لكن حسن اخترق دفاعاته بنظرة صلبة، وقال بلهجة حاسمة لا تقبل الجدل:
-أنا ما بكدبش يا يحيى، وأنت عارف كدة كويس أوي
ثم التفت إلى الوجوه حولهم، وأشار إليهم مكملاً:
-والناس اللي واففة دي كلها، عارفين مين فينا الكداب ومين الصادق.
ثم ثبت عينيه على سامر، واستجوبه بحدة:
-الكلام ده حصل ولا ما حصلش يا سامر؟
نظر سامر إلى يحيى، ورفع كتفيه ببرود يحمل تحديًا سافرًا، بينما كانت عيناه تشتعلان بغضبٍ مكتوم انتصارًا لصديقه رشيد، وأجاب بصوت رخيم:
-حصل يا حسن، ودي شهادة هتحاسب عليها قدام ربنا.
إلى هُنا وقد فقد يحيى آخر ذرات ثباته، صاح بجنون وعيناه تفيضان بالشر:
-انتوا كدابين، شوية حاقدين عاوزين تشوهوا صورتي قدام الطلبة،بس ده بعينكم.
تحولت همسات الطلاب إلى نظرات ازدراء صامتة حاصرت يحيى كمتهمٍ داخل قفص إتهامٍ، شعر رشيد بنشوة انتصار غريبة لم يألفها من قبل، لم يكن يوماً شخصاً يحمل الضغينة أو يشمت في مصائب الآخرين، لكن تصرفات ذلك الخائن هي من أوصلته لأول مرة إلى حافة الكراهية.
التفت فالتقت عيناه بخاصتي “نهلة”،لتغمرهُ بنظراتٍ دافئة كانت كفيلة بتهدئة الصراع الذي يملأ صدره، لتمنحه في خضم هذه المعركة طمأنينةً وحبًا وهدوءٍ نفسي.
استعاد تركيزه حين نفذ حسن الخطوة التالية من خطتهم المشتركة، حيث هتف متهكماً:
-طب تمام، أنا وسامر وعمر شوية حاقدين وبنغير منك يا نابغة عصرك وفريد زمانك.
ثم التفت للطلاب متسائلاً بدهاءٍ:
-طب إيه رأيكم يا شباب في شهادة رئيس اتحاد الطلبة بنفسه؟
تحولت الرؤوس كلها تلقائياً نحو رشيد، وساد صمتٍ مترقب، قطعه صوت أحد الطلاب وهو يوجه سؤاله مباشرة:
-الكلام اللي بيتقال ده فعلاً حصل يا رشيد؟
تحرك بثقة وثبات، لتنفيذ الجزء الخاص به من الخطة، وطلب من نهلة عدم التدخل مهما حدث،دخل إلى قلب الدائرة، ليقف مواجهاً ليحيى، وفرد ظهره بكبرياء، ثم تحدث بنبرة هادئة مغلفة بأسى أجاد صنعهُ:
-للأسف يا شباب، أنا مكنتش حابب أتدخل في الموضوع، مهما كان يحيى زميلي وعشرة عمر.
تلاقت عيناه بعيني يحيى القاتمتين بالحقد، فرفع رشيد يديه بإشارة مسرحية مدروسة، وتابع بنبرة ذات مغزى:
-بس طالما الشباب طلبوني للشهادة، فدي أمانة، وانا مقدرش أكتم شهادة حق
وتابع مؤكدًا:
– وبصراحة، كل اللي حسن قاله حصل بالحرف الواحد، وأكتر من كدة كمان.
واشار ليحيى متهكمًا بسخرية:
-طب والله الراجل كارمك آخر كرم
انفجر يحيى بهذيان وهيستيريا ، وأشار بسبابته نحو رشيد صارخاً بزيف تحت ملامح الآخر المذهول من كم الكذب والتمثيل:
-كدة ظهرت الرؤية يا اخوانا، البيه، الباشمهندس المحترم، اتفق عليا هو وأصحابه الصيع وألفوا فيلم هابط ورخيص.
وتابع مسترسلاً بسؤالٍ:
– كل ده ليه يا رشيد؟ معقولة الغيرة توصلك للمستوى الرخيص ده؟!
تراجع رشيد خطوة للوراء من فرط الصدمة، لم يكن يحيى مجرد شخص خائن وقذر فحسب، بل أثبت أيضًا أنه ممثلاً محترفاً يملك قدرة مرعبة على قلب الحقائق والعبث بها.
رمقه بنظرة ساخرة قبل أن يقول بسخرية:
-هايل، تصدق يَلاَ إنتَ وحش تمثيل، أنا إزاي ما اكتشفتش موهبتك دي قبل كده؟ والله لو
اكتشفتها لكنت ضيفتك لفريق التمثيل بتاع الجامعة، وكنا خدنا بيك جوایز في الأوسكار كمان.
-يخرب عقلك، ده أنت طلعت جبار.
ارتسمت على شفتي يحيى ضحكة متهكمة، ورد بنبرة حادة:
-كعادتك يا رشيد، قلبت الموضوع لهزار علشان تداري حقيقتك الوسـ….. عن الطلبة اللي مخدوعين فيك.
في تلك اللحظة، اقتربت منهما إحدى الطالبات، ونظرت إلى يحيى بعينين يملؤهما التهكم وسألته مستنكرة:
-وإيه الدافع اللي يخلي واحد زي رشيد يغير منك يا يحيى؟
ثم تابعت بسخرية لاذعة:
-أذكى منه مثلاً؟ ولا محبوب عنه بين الطلبة؟ ده أنت ليك سنتين بتتقدم قصاده في الانتخابات علشان تخطف منه رئاسة الاتحاد، وفي كل مرة مابتأخدش عشر أصوات على بعض.
تعالت ضحكات الطلبة، بينما تأجج الحقد في صدر يحيى، وأشار بأصبعه نحو الجميع مصوبًا نحوهم غيظه وهو يصيح بمرارة:
-علشان كلكم أغبية وبتتخدعوا في نظرته الحنينة ونحنحته وكلامه المعسول اللي بيضحك بيه عليكم، وانتوا أصلاً ماتعرفوش عنه أي حاجة.
تقدم سامر بخطوات واثقة، وقال بنبرة تهديد واضحة، وهو يرمق يحيى بنظرات تحذيرية صارمة :
-إوعى تفكر تجيب سيرة رشيد على لسانك، رشيد ده أشرف منك ومن اللي خلفوك وقصروا في تربيتك،وبلونا بيك وبأخلاقك.
لم يحتمل الإهانة التي طعنت كبرياءه في مقتل، فقد صوابه تمامًا واندفع نحو سامر كالوحش الهائج،
يمطره بأبشع الألفاظ النابية، قبل أن يسدد له لكمة قوية استقرت في وجهه، لم يتردد سامر لثانية واحدة، بل ارتد خطوة للخلف ورد له اللكمة بأخرى أشد قوة وعنفًا.
تعالت صرخات الفتيات ذعرًا، وتراجع الجميع إلى الخلف والهلع يسيطر على الأجواء، في تلك اللحظة الصاخبة، وجد حسن وعمر فرصة سانحة للانتقام، فتكالبا على يحيى وأمطراه بضربات متتالية.
وفي وسط هذه الفوضى العارمة، تحرك رشيد بذكاء وهدوء يناسبان منصبه كرئيس لاتحاد الطلاب، استدعى أمن الجامعة على الفور، والذين سارعوا بتطويق يحيى واقتياده مباشرة إلى مكتب عميد الكلية، استدعى العميد كافة الأطراف، وفتح تحقيقًا رسميًا وعاجلًا.
اصطف الطلاب للإدلاء بشهاداتهم، وأجمع الكل على أن يحيى هو من بدأ بالهجوم، كما كشفوا الستار عن واقعة السرقة القديمة، شعر يحيى بخوفٍ ينهش صدره، وأدرك أن مستقبله الجامعي بات على حافة الهاوية، لكنه قرر القتال حتى الرمق الأخير، فهتف بملامح حادة ثابتة:
-دول كدابين يا فندم،صدقني هما بيتبلوا عليا.
التفت العميد نحو رشيد، وسأله عن صحة هذا الاتهام، فأجابه رشيد بكل ثقة وثبات:
-الموضوع حصل فعلاً يا فندم، وهو اعترف بارتكابه السرقة.
ثم مد يده إلى جيبه وأخرج بطاقة كان قد احتفظ بها خصيصًا لهذه اللحظة، وقدمها للعميد قائلًا:
-ده كارت الفندق وفيه رقم التليفون الخاص بيهم، تقدر حضرتك تتصل بيهم وتتأكد بنفسك من مدير الفندق ومدير أمن المكان، اللي حقق بنفسه في الموضوع.
كان الرجل يثق برشيد ثقة عمياء لما عهده فيه من استقامة، لذا وقعت الكلمات في نفسه موقع اليقين، ومع ذلك، وجه إليه نظرة عتاب لائمة وقال بحدة:
-صِدق كلامك لا يعني إعفاءك من الغلط يا رشيد، إنت رئيس اتحاد الطلبة، مش مجرد طالب عادي علشان تسمح بالمهزلة اللي حصلت دي.
تذكر الخطة المحكمة التي نسجها مع رفاقه، فرسم على وجهه ملامح البراءة والجهل بالأمر وقال:
-يا فندم أنا معرفش حاجة، المشكلة كانت بين يحيى وحسن، ولما حسن طلبني للشهادة مقدرتش أكتمها، دي شهادة حق يا فندم.
قاطعه العميد بغضب وضيق، ضاربًا بكفيه على المكتب:
-إنتَ مش في نيابة ومجبر على إنك تقدم شهادتك يا باشمهندس، كان واجب عليك تهدى بينهم وتفض تجمهر الطلبة.
تدخل سامر بجدية ليرفع الحرج عن صديقه:
-يا فندم رشيد برة الموضوع، ملوش علاقة بأي حاجة حصلت،هو كان واقف بعيد أصلاً وما حضرش المشكلة غير في الآخر.
توالت تأكيدات حسن وعمر وبعض الطلاب لتبرئة رشيد، تنهد العميد بعمق، ثم نقل نظراته الصارمة إلى يحيى الذي كان يغلي من الغيظ، وأصدر حكمه وهو يقول:
-فصل من الجامعة لمدة شهر على أمور البلطجة اللي أنت عملتها، وضربك لزمايلك في الحرم الجامعي.
انتفض يحيى صارخًا باعتراضٍ وهياج:
-يا فندم دول كدابين، هو حضرتك صدقت الحقير رشيد؟!
دق العميد بقوة على مكتبه، وهتف بصوت رعدي هز أركان المكتب:
-احترم نفسك واتكلم بأدب وأنت قدامي
ثم رمقه بنظرة تفيض بالازدراء والتقزز وتابع:
-أنا لو أملك الحق في إني أعاقبك على واقعة السرقة، كنت فصلتك نهائي من الجامعة، لاني لا يشرفني تخرج مهندس من جامعتي بأخلاقك المتدنية دي.
نزلت هذه الكلمات على رأس يحيى كالصاعقة، شعر بضآلته وتقزمه أمام الجميع، وتمنى لو انشقت الأرض وابتلعته، لم ينتهِ الأمر عند هذا الحد، بل أكمل العميد معاقبة سامر وحسن وعمر بالفصل لمدة أسبوع لكل منهم، وعلى الرغم من علامات الحزن التي ظهرت على وجه رشيد لأجل أصدقائه، إلا أن الرضا كان يملأ قلوبهم، فقد كانوا يعلمون ثمن هذه المواجهة مسبقًا، وها هي خطة الانتقام قد أتت بثمارها المرجوة كاملةً.
******
انعطف صادق بسيارته في ممر القرية، حتى توقف أمام بيت والدته، ترجل من السيارة بلهفة سرعان ما انطفأت وتحولت إلى دهشة، حين وقعت عيناه على ذلك القفل الحديدي فوق الباب المغلق، تنهد بقلق، وتلفت حوله فلمح جارة والدته الستينية تجلس أمام منزلها.
ألقى عليها السلام بنبرة حائرة:
-سلام عليكم، ازيك يا أم ابراهيم؟
نهضت المرأة وعلت وجهها ابتسامة ترحيب حارة وهي تقول:
– وعليكم السلام، أهلاً يا أستاذ صادق، حمد الله على السلامة.
سألها وعيناه تلتفتان نحو القفل من جديد:
– الله يسلمك، ما تعرفيش ماما فين؟
ردت المرأة بنبرة مطمئنة:
-الدكتور محمد أخوك كان هنا من يومين، وأخدها معاه على مصر .
شكرها واستقل سيارته مجدداً، وعلامات الحيرة ترتسم على جبينه، التفت نحو زوجته وقال بنبرة تملؤها الريبة:
-غريبة أوي، من إمتى أمي بتروح تقعد عند محمد؟
حاولت تهدئة روعه، فربتت على كفه قائلة برفق:
-خير إن شاء الله، يمكن دكتور محمد أصر عليها علشان تغير جو وتفك عن نفسها شوية.
أدار محكّ السيارة وانطلق بها، ثم أجابها بصوتٍ خافت ونظراته شاردة في الطريق يلتهمها القلق:
-الوقت نعرف كل حاجة من فاطمة.
لم يجد ملاذاً سوى منزل شقيقته الكبرى ، التي ما إن فتحت الباب ورأته حتى تهلل وجهها بالفرحة، استقبلتهم بالأحضان الدافئة، جلس الجميع في الفراندا ، لكن القلق كان ينهش قلب صادق، فلم يصبر طويلاً حتى سأل شقيقته بلهفة:
-ماما عند محمد بتعمل إيه يا أبلة؟
أجابته بهدوء حاولت فيه امتصاص توتره:
– محمد كان بيزورها من يومين ، ولما لقى رجليها وجعاها ، قال لها إنه يعرف دكتور ممتاز زميله، وأخدها معاه تكشف وتقعد كام يوم عنده تغير فيهم جو.
ارتجف صوته هلعًا على والدته وراح يسألها بلهفة:
-يعني إيه رجليها وجعاها ؟ وازاي حاجة زي دي تحصل وأنا آخر من يعلم يا أبلة؟
واسترسل لائمًا:
-ليه ما بلغتنيش في التليفون علشان أروح لها عند محمد؟
بادرت بالحديثِ مسرعةً، وابتسامةٌ حانية ملئت وجهها لتغرس الطمأنينة في قلبه:
-يا حبيبي اهدا، ده وجع عادي مفيش حاجة تخوف يعني.
وراحت تشرح له:
-هي بقا لها فترة بتشتكي وتقول رجليا تقيلة والحركة بقت صعبة، وشكلها كده اشتكت لمحمد لما جه، فأخدها يتطمن عليها.
تدخلت “منى” بنبرتها الهادئة كعادتها لتهدئة الأجواء:
-ألف سلامة عليها يا أبلة، تروح وترجع بالسلامة إن شاءالله.
ردت فاطمة بنبرة ممتنة:
– الله يسلمك يا حبيبتي.
حاول صادق تغيير مجرى الحديث، فنظر حوله وسألها:
-أمال الحاج علام مش هنا ولا إيه؟
– الحاج في الغيط، بقاله مدة مرحش يبص على الأرض والزرع، فاستغل الأجازة وراح.
سألها باهتمام وهو يعلم طبيعة أملاكهم:
– هو الحاج مش مأجر الأرض دي؟
– لأ يا حبيبي، مديها لواحد يزرعها، هو بالمجهود ، وإحنا بالأرض، والمصاريف بالنص.
التفتت نحو ابنة أخيها، حيث كانت تجلس هادئة كعادتها،تحدثت إليها بحنان يتدفق من عينيها:
-عاملة إيه يا قلب عمتك؟
أجابتها بابتسامةٍ خجولة امتزجت بنبرة حزينة:
– الحمد لله يا طنط، بس أنا زعلانة أوي.
سألتها بفضولٍ ونبرة غلبت عليها الدلال:
-زعلانة من إيه يا حبيبتي؟ ومين يقدر يزعلك وأنا موجودة؟
أطرقت برأسها قليلاً، وحركت رموشها برقة امتزجت بنبرة حزينة:
-هي تيتا هترجع بيتها إمتى؟
طمأنتها بابتسامة هادئة:
-يومين تلاتة بالكتير،وان شاء الله ترجع تنور بيتها تاني.
تنفست الصعداء وقالت بخيبة أمل بدت جليًا على ملامحها:
خسارة،كده مش هنقضي الإجازة هنا، وهنرجع القاهرة تاني.
تدخل شقيقها أحمد مستنكراً ببراءة:
-وهنرجع ليه يا دليلة؟
ردت عليه بعفوية مطلقة:
-وهنقعد فين يا أحمد؟ إنت مش شُفت بيت تيتا مقفول بالقفل الكبير ازاي؟
أطلقت فاطمة ضحكة ساخرة وداعبت وجنتي الفتاة،وهي تقول بتهكمٍ ودود:
– هنقعدكم على كنبة جدتك اللي قدام البوابة في الشارع.
ثم حولت بصرها نحو صادق وتمتمت بنبرة عاتبة لا تخلو من اللوم الطفيف:
– ما تشوف بنتك بتقول إيه يا صادق؟
ورغم توتره الذي تملك منه بفضل والدته،إلا أنه ابتسم رغماً عنه،وأجابها محاولاً تلطيف الأجواء:
-دي عيلة لسة يا أبلة
ثم تابع بهدوءٍ :
– اتصلي بعايدة وأماني خليهم ييجوا علشان نتغدى كلنا سوا، وبالليل هاخد منك مفتاح بيت ماما وننام هناك.
هتفت بقوة وإصرارٍ لا يقبلان النقاش:
– والله ما يحصل أبدًا، ولا هتحرك خطوة برة البيت طول أجازتك، بيتي هو بيتك يا صادق.
وتابعت تذكره بالماضي:
-ولا نسيت انك قضيت في البيت ده أكتر من اللي عيشته في بيت أبوك؟
إبتسم لها ولم يراجعها، فهو يعلم تماماً كرمها الزائد وعنادها الذي لا يُكسر.
همت بالنهوض لتجهيز الطعام، أوقفها ليخبرها إنه قام بحجز وجبات جاهزة وستصل إلى المنزل بوقتٍ قريب، عاتبته على هذا التصرف، فبرر لها أنه فعل ذلك حتى لا يرهق والدته في تجهيز الطعام.
وفي ذلك الوقت، داخل إحدى الغرف بالمنزل، كان “أشرف” مستغرقاً في نومه، تسرب إلى وعيه صدى لأصواتٍ مألوفةٍ له، صوت خاله، وصوت ضحكة رقيقة وناعمة لامست أوتار قلبه مباشرة.
ظن في البداية أنه لا يزال أسيراً لحلم من أحلامه الجميلة التي تزوره ليلاً، فتح عينيه ببطء، محاولاً طرد بقايا النعاس، لكن الضحكة تكررت، كانت لدليلة وهي تتحدث مع والدته.
انتفض من رقدته كأن تياراً كهربائياً مباغتاً قد سرى في جسده، جلس فوق فراشهِ محاولاً التقاط أنفاسهِ اللاهثة، بينما أخذ قلبهُ يدق بعنفٍ، كان مرتبكاً، تائهاً، يتساءلُ بنبضٍ مرتجف، هل حقاً حضرت ملاكه البرئ؟ وهل حانت تلك الفرصة التي طال انتظارها، ليقتطع لنفسهِ تذكرة عبورٍ أبديةٍ إلى حنايا قلبها، ويوقع صك انتمائها الأبدي إلى حياته.
______*_____
تحرك أشرف بنشاط، دلف إلى الحمام ليحظى بأخذ حمامًا سريع من الماء البارد لينعشهُ، دقائق معدودة وكان يقف أمام مرآته مرتديًا ثيابًا بيتية، يمرر المشط في خصلات شعره المائل للاصفرار، وينثر عطر المفضل.
تطلع إلى انعكاس صورته برضا كامل، فملامحه الأوروبية وعيناه الخضراوان اللتان تشبهان ملامح معظم سكان مدينة “المنصورة” تمنحانه جاذبية خاصة.
تنهد بعمق، ساحبًا كمية كبيرة من الهواء في محاولة يائسة لتهدئة عاصفة صدره، ثم خطا بضع خطوات إلى الخارج، بالكاد لمح وجهها فانتفض قلبه بين ضلوعه بضربات متسارعة تكاد تُسمع.
يا الله، ما الذي يحدث له مؤخرًا؟، لم يعهد نفسه ضعيفًا هكذا، لكن تلك الصغيرة سلبته لبّه، وجعلته يشارف على الجنون في حضورها.
أشاح بنظره عنها فورًا، يحتمي بالهروب ليقهر ارتباكه ويخفي مشاعر تكاد أن تفضحها عيناه، ألقى تحية الصباح بنبرة حاول جاهدًا أن تكون ثابته، لترد عليه أمه “فاطمة” بعيون تشع دفئًا وحنانًا:
-أنت صحيت يا حبيبي؟
نهض “صادق” ليستقبله بعناق حار، لتعلق الأم بابتسامة خافتة:
-أصله لسه واصل إمبارح من الجيش، إن شاءالله دي آخر أجازة وهيروح يقعد شهر ويخلص على خير.
تمتمت “منى”بمباركة:
-مبروك يا أشرف، تخلص على خير ان شاءالله.
صافحها بامتنان قائلاً:
-الله يبارك فيكِ يا مرات خالي، تسلمي.
انتقل بنبضه الهائج ليواجه ملاكه الصغير، امتدت يده لتتلقف كفها، واحتضنها بنعومة وهو ينظر إليها بعينين يقفز منهما العشق والاشتياق الذي فاق قدرته على الكتمان:
-إزيك يا دليلة.
وعلى النقيض تمامًا، قابلت فيض مشاعره المتدفقة بابتسامتها الهادئة المعتادة،لتجيبه بخفة وبرودٍ :
-الله يسلمك يا أشرف.
سحبت يدها برقة من حصار كفه الدافئ وعادت لتجلس مكانها، تنفس ببطء ليتجاوز خيبته المؤقتة، ثم التفت نحو الصغير، وقبل رأسه بحنوٍ وهو يقول:
-إزيك يا أحمد.
رد الصبي بأدب:
-الحمد لله يا أبيه.
جلس أشرف وانخرطوا في حديث عائلي دافئ، بينما كانت عيناه تتجولان، لتسرقا نظرات متسللة إلى عينيها العسليتين التي يذوب في تفاصيلهما، لم تمر سوى ساعة حتى اكتمل شمل العائلة بوصول عايدة وأماني برفقة أزواجهما والحاضر من أولادهما، وقد قام صادق بإجراء اتصال بمحل الطعام من قبل، ليطلب مزيدًا من الأصناف لتكفي هذا التجمع، تناول الجميع غداءهم في أجواء غمرها الدفء والألفةِ والحنان.
_______*________
انقضى اليوم الدراسي، خطى رشيد خطواته خارج أسوار الجامعة،ليجد رفاقه الثلاثة، سامر وحسن وعمر، بانتظاره في الخارج، بعد أن دخل قرار الفصل بحقهم حيز التنفيذ فورًا.
نظر إليهم والأسى يفيض من عينيه، ثم قال بنبرة تفيضُ آسفًا:
-أنا آسف، حقكم عليا.
ابتسم عمر برضا، وربت على كتفه قائلًا:
-بتتأسف على إيه يا ابني؟ ما احنا عارفين إن كل ده هيحصل من الأول،وبعدين مش مهم، ده مجرد أسبوع فصل وهنرجع تاني.
أراد سامر أن يكسر حدة الحزن ويخفف عن صديقه وطأة اللوم، فضحك قائلًا بمرحه المعتاد:
-أهو على الأقل نرتاح شوية من الصحيان بدري، ونقضيها بقى سهر وديسكوهات أنا والشلة.
تعالت ضحكات الأصدقاء، وتحركوا معًا يقطعون الطريق، لكن راحتهم لم تدم طويلًا، إذ تفاجأوا بيحيى يقف في طريقهم كالشيطان، ما إن لمح رشيد حتى اندفع نحوه وعيونه تشتعل بالغل، وهتف بحقد أعمى:
-بقا أنا تعملوا فيا كده يا شوية رمم؟!
وقبل أن يرفع يده ليوجه ضربته، كان رشيد الأسرع، إذ خرجت من يده لكمة قوية ومباغتة، استقرت في وجه يحيى لتطيح به أرضًا، بدت تلك اللكمة وكأنها القنبلة التي فجر فيها رشيد كل غضبه المكتوم وحنقه على خيانة يحيى الدنيئة له.
نهض من الأرض بنفضة سريعة، وعاد يندفع نحو رشيد وهو يصرخ بتهديدٍ واعد:
-والله يا رشيد لأدفعك تمن اللي عملته فيا أضعاف.
لم يتراجع رشيد، بل سدد له ضربتين متتاليتين في وجهه شلتا حركته، ثم وقف أمامه يلهث بقوة، وعيونه مصوبةً نحوه وترمقهُ بنظرات حارقة، ثم هتف بزفير ساخن:
-تمن إيه اللي هتدفعهوني؟ تمن خيانتك ومرواحك لمكتب أخو نهلة علشان تحكي له اللي بيني وبينها، وتنهي بإيديك قصة حبنا؟!
تجمدت الدماء في عروق يحيى، وارتبكت ملامحه تمامًا، إذ لم يكن يتوقع أبدًا أن ينكشف أمر ذهابه لشقيق نهلة،ثم ثبت رشيد عينيه في عيني يحيى المرتعشتين، وتابع بحدة وغضب زلزلا المكان:
-ولا تكونش ناوي تدفعني تمن كسرتي قدام أبويا وأمي لما كشفت لهم سري مع نهلة؟!
اشتعلت النيران في صدره، فلم يأتي بمخيلته أن يفتن والدا رشيد عليه، رغم أنه ترجاهما ألا يذكرا اسمه، لكنهما خذلاه في النهاية.
صرخ رشيد فيه مجددًا وهو يرى صمته:
-ما ترد عليا، ولا مش لاقي كلام ترد بيه على وساختك وحقارتك وخيانتك ليا؟!
ورغم محاصرته بالحقائق، إلا أنه قرر أن يستمر في قناع الكذب والتمثيل حتى النهاية، فهتف بنبرة مصطنعة مليئةً بالعتاب:
-جاي بتحاسبني على إيه يا رشيد؟ أيوه أنا اللي قولت لهم، بس ما سألتش نفسك ليه؟!
قاطعه سامر بضحكة ساخرة يقطر منها المرارة:
– أكيد علشان بتحبه وخايف عليه.
تعالت ضحكات الأصدقاء بتهكمٍ، لكن يحيى لم يستسلم، بل أكمل مسرحيته وتشبث بموقفه صائحًا فيهم:
-إنتَ بتتريق؟ أنا فعلاً عملت كده من خوفي عليه.
ثم أشار بإصبعه نحوهم باتهام وتابع بنبرة مسرحية:
-وده الفرق بيني وبينكم، أنتم بتزقوه وبتشجعوه على أذية نفسه وضياع مستقبله، لكن أنا بفكر بعقلي وبحميه من نفسه.
اقترب رشيد منه حتى تلاقت أنفاسهما، ورفع سبابته في وجهه بتهديدٍ صارم، وقال بصوت برغم انخفاضه لكنه حاد:
-اسمع يَلاَ، لآخر مرة هقول لك تبعد عني، وده علشان مصلحتك، وأديك شوفت النهاردة جزء بسيط من اللي ممكن أعمله فيك.
وتابع تهديدهُ:
-وإياك تفتكر إني جبت آخري معاك وتفكر تلعب معايا تاني، علشان أنا جرابي لسه مليان، واللي فيه ممكن يدمرك وما تقوملكش قومة تاني.
صمت للحظة ليترك لكلماته أثرًا، ثم أردف بوعيد أكثر حدة:
-وزي ما جيت لأهلي وكشفتني قدامهم، أنا كمان ممكن أجي لأهلك وأقول لهم على جريمة السرقة، وأخليك واقف بلبوص قدامهم، تلاشانى وبلاش تخليني أخرج أسوأ ما فيا عليك، لأنك والله يا ابني ما هتتحمل .
ثم أشار لأصدقائه بالتحرك، واستداروا تاركين ذلك الندل خلفهم، غارقًا في بحر من الهزيمة والندم،راح يلعن حظه العاثر، فكل ما خطط له بدقة انقلب ضده كالسحر على الساحر، وكالعادة، خرج رشيد في ثوب البطل المنتصر، بينما خسر هو كل شيء، احترامه، ومستقبله، وهيبته أمام الجميع.
_______*________
مع حلول الليل، خيم الهدوء على أرجاء المنزل، وحمل معه مشاعر دافئة غمرت قلوب الجميع، داخل غرفة الضيوف التي ضمت سريرين متقابلين، استسلمت عائلة صادق للنوم،غفى صادق وابنه أحمد على تختٍ ، بينما ضمت منى ابنتها إلى حضنها على السرير الآخر.
أما في الغرفة المجاورة، كان أشرف يذرع الغرفة ذهابًا وإيابًا،لقد جافاه النوم، وظل عقله يدور في حلقة مفرغة من التفكير، كيف سيخبرها أن عشقها قد تغلغل في القلب واستوطن؟ وكيف لها أن تتقبل رغبته في التقرب منها لطلب يدها للزواج؟
توقف عند شرفة الغرفة، وراح يتطلع إلى السماء المرصعة بالنجوم، جذب شعره للخلف محاولاً ترتيب كلماته، وعيناه تعكسان إصرارًا جديدًا على إخبارها، فلن يترك تلك الفرصة التي أتت إليه أن تمر دون أن يقتنصها.
******
في اليوم التالي، وتحديداً بعد العصر، تألقت الفتاة بثوبٍ جعلها تبدوا كفراشة،توجهت إلى منزل عمتها عايدة، لقضاء وقت ممتع برفقة ابنتها شهيرة، وابنة عمتها الأخرى هالة، وعلى حين غرةٍ، انقلب الطقس فجأة وبلا مقدمات، وتلبدت السماء بغيوم سوداء أمطرت بغزارة، تحول الأمر سريعاً إلى عاصفة هوجاء، غمرت المياه الشوارع، واختلطت بالأتربة لتتحول الطرقات إلى برك عميقة من الطين اللزج الذي شل الحركة تماماً.
وفي بيت عزام، جلس عزام وصادق وفاطمة وأشرف يراقبون العاصفة من خلف النوافذ بوجوم، انتظرت “منى” حتى هدأت الامطار ثم انتفضت فجأة وهي تشعر بالخوف ينهش قلبها على ابنتها، فالتفتت إلى صادق قائلة بهلع:
-أنا هروح أجيب دليلة من عند عمتها يا صادق.
استوقفها على الفور،وتحدث محاولاً تهدئة روعها:
-تروحي فين بس والشوارع برا معجونة بالطين يا منى؟ اصبري لما الدنيا تهدى شوية وأنا بنفسي هروح أجيبها.
تدخلت فاطمة بعفوية تحاول تبسيط الأمر:
-ما تسبيها تنام عند عمتها النهاردة يا منى.
هزت رأسها برفض قاطع، فكرة مبيت ابنتها خارج المنزل كانت مرفوضة تماماً في قاموسها، خاصة وأن بيت عمتها ليس خالياً من الرجال،فلديها ولدان، “محمد” مسافر إلى قطر، و “عاصم” يعمل هنا في المدينة ويعود كل ليلة متأخراً.
التفتت إلى فاطمة وقالت بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش:
-مش هينفع يا أبلة، أنا مبعرفش أنام وبنتي بعيدة عن حضني.
وافقها عزام الرأي، وأشرف أيضًا كان يرفض الفكرة من أساسها، ويشعر بضيق يمزق صدره منذ أن ابتعدت عن هنا، وقف ببسالة وقال بهدوءٍ:
-ارتاحي إنتِ وأنا هروح أجيبها يا مرات خالي.
جذبت فاطمة كف المرأة برفق لتجلسها وهي تقول لطمأنتها:
-أهو أشرف هيروح يجيبها لك بنفسه، اقعدي بقى واشربي الشاي بتاعك وهو سخن.
استسلمت منى وجلست لتأخذ منها كوب الشاي، وعيناها تلاحق أشرف الذي كان يستعد للخروج، ارتدى قبعةً فوق رأسه، وحمل في يده آخرى ليحميها من المطر، ثم انتعل حذاءً بلاستيكياً طويلاً ليتمكن من خوض الطين.
وصل أشرف أخيراً إلى منزل خالته بعد عناء، ولم تمضِ دقائق حتى كان يخرج برفقة حبيبته، ليبدأ رحلة العودة وسط تلك الأجواء الصعبة، لم يكادا يبتعدان خطوتين عن عتبة الباب حتى توقفت دليلة فجأة، ونظرت بحزن وانكسار إلى حذائها الأبيض الأنيق المزين بفيونكة وردية رقيقة، ثم هتفت بملامح مستاءة:
-استنى يا أشرف.
ثم تابعت وهي تنظر بأسى إلى الحذاء:
-الجزمة اتبهدلت خالص.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة أمام برائتها، ونقل بصره إلى حذائها، فلمح بقع الطين اللزجة بدأت تتسلل إلى قدميها، أمسك كفها برفق وقادها نحو درجات سلم بيت جانبي ليحتميا به، وبكل هدوء، انحنى يخلع حذاءه البلاستيكي الطويل، ثم التفت إليها قائلاً بحنوٍ تجلى بنبراته:
-اقلعي جزمتك وخدي البوت ده البسيه عشان رجليكي ما تتبهدلش .
نظرت إلى ضخامة الحذاء، ثم قطبت جبينها بملامح ممتعضة، ورفعت عينيها لتنظر في خاصتيه مباشرة، نظرة اخترقت حصونه وأحدثت هزة عنيفة في قلبه، وتابعت بتذمر لطيف:
-بس ده كبير أوي عليا، هلبسه إزاي بس؟!
ابتلع ريقه بصعوبة وهو يشعر بالذوبان في سحر عينيها ولونهما الآسر، فحاول الهروب من ارتباكه بالمزاح قائلاً:
-مش أحسن ما جزمتك الغالية دي تتبهدل وتتقهري من الزعل عليها؟
تنهدت بعمق، وفكرت في صحة كلماته، فهي تعشق هذا الحذاء وتعتبره الأقرب إلى قلبها، لذا وافقت على الفور رغبةً في إنقاذه.
انحنى على الأرض يبسط يديه ليساعدها في إدخال قدمها الصغيرة داخل الحذاء العملاق، كانت رقبة “البوت” طويلة للغاية، وحين استقرت قدمها فيه، ارتفعت الرقبة لتصل إلى حدود ركبتيها تماماً.
لم تستطع تمالك نفسها، فانفجرت ضاحكة بهستيرية وهي تقول:
-أنا شكلي بقى مسخرة أوي يا أشرف.
ثبّت نظراته عليها، وخرج صوته دافئاً، عميقاً، يفيض بهيام جارف لم يستطيع مداراته:
-إنتِ شكلك زي قمر في كل حالاتك يا دليلة.
تعثرت الكلمات في حلقها، واحمرت وجنتاها خجلاً، ثم ابتسمت ورفعت رأسها تشكره بنبرة رقيقة:
-ميرسي.
انحنى والتقط حذاءها الأبيض بحرص شديد، قابضاً عليه بيد واحدة، بينما امتدت يده الأخرى لتحتضن كفها الصغير، انتفضت وحاولت سحب يدها، فاستوقفها قائلاً بنبرة تحذيرية:
-لو سبتك هتتزحلقي وتقعي، الشارع كله طين زي ما انتِ شايفة.
لكنها أصرت وجذبت يدها بقوة وهي تقول بعناد:
-ما تخافش، هسند نفسي كويس وهعرف أمشي.
تنهد مستسلماً لعنادها، ثم أشار بيده نحو الطريق وقال:
-اتفضلي وريني شطارتك.
سارت خطوة، لكنها تذكرت شيئاً، فنظرت إلى قدميه العاريتين وقالت بضيقٍ وشعورًا لالذنب:
– طب وإنت هتلبس إيه؟
رفع كتفيه بلامبالاة وأجابها:
-ولا حاجة.
اتسعت عيناها بدهشة وقالت:
-هتمشي حافي في الطين ده؟!
ابتسم لها بحنان وسألها:
-عندك حل تاني؟
رفعت كتفيها بحيرة، فبادلها هو بابتسامة،وقال مشجعًا:
-طب يلا بينا.
تحركت بجانبه، عادت حبات المطر تتساقط بخفةٍ ونعومة، لتتراقص فوق القبعة، الذي وضعها على رأسها لكي يحميها، رفعت وجهها نحو السماء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة ساحرة وهي تشعر ببرودة قطرات المطر تلامس بشرتها بنعومة.
كان يراقب حركاتها وتعبيرات وجهها، وقد غمرته فرحةً هائلة، لرؤيتها سعيدة، وفجأة، اختل توازنها وانزلقت قدمها فوق الطين، كادت أن تسقط لولا ذراعه التي أسرعت ليتلقفها بمهارة ممسكاً إياها من خصرها، شعر بنبضات قلبه تتسارع وتنتفض بعنف لشدة قربها، نظر إلى عينيها المذعورتين، وقال بنبرة لائمة يغلفها الخوف عليها:
-مش قلت لك لو سبتك هتقعي؟
استعادت توازنها وثباتها بمساعدته، فمد يده إليها مجدداً، منتظراً استسلامها، نظرت إلى كفه الممدودة، وشعرت أنه لا مفر، وبكل استسلام، مدت كفها الصغير لتستقر داخل قبضة يده الدافئة، لم يكن أمامها حل آخر، تابعا السير معاً.
كان يشعر بأن قلبه يتراقصُ طربًا من شدة سعادته، فبرغم مشقة السير، وغزارة المطر، والطين الذي يملأ الشوارع، إلا أن تلك اللحظات القاسية تحولت في وجدانه إلى أمتع وأجمل الذكريات، لحظاتٌ حُفرت تفاصيلها في أعماقه، وأدرك يقيناً أنه لن ينساها ما حيا.
_____*_____
انتهى الليل وحمل الصباح معه بداية يوم جديد. اجتمعت العائلة حول مائدة الإفطار في أجواء دافئة، وانضمت إليهم عايدة وأماني لقضاء الساعات الأخيرة مع شقيقهم وعائلته قبل انتهاء إجازتهم والرحيل غدًا.
في المطبخ، كانت عايدة تقف بتركيز أمام موقد الغاز تُعد مشروب القهوة للجميع، حين دلف أشرف بهدوء ووقف إلى جوارها وعلامات التشتت واضحة على وجهه.
التفتت إليه وسألته باهتمام :
-أخدت رأي دليلة في موضوعك؟
هز رأسه نفيًا وعيناه مثبتتان على الأرض، فقالت باستنكار ولوم:
-ليه يا فالح؟
أجابها بصوتٍ مكظومًا بالغيظ:
-هو أنا عارف أستفرد بيها دقيقة واحدة؟ دي مرات خالي ماشية وراها زي ضلها، مابتسيبهاش لحظة واحدة.
رمقته بنظرة ازدراءٍ وقالت عاتبة:
-ما كانت معاك إمبارح لما جيت أخدتها من عندي
نظر إليها بدهشة واستنكار لتفكيرها الغريب، وقال مستنكرًا:
-إنتِ عاوزاني أعترف للبنت بحبي ليها واحنا في وسط الطين يا خالتي؟
انفجرت ضاحكة وقالت مداعبة:
-وماله؟ دول حتى بيقولوا إن الشتا رمز للرومانسية.
تنهد أشرف بضيق شديد، فربتت على كتفه قائلة بجدية:
-حاول تتكلم معاها النهاردة قبل ما يسافروا، أنا مش عاوزة أفاتح خالك وانتَ مش ضامن رأي البنت يا أشرف.
أومأ لها موافقًا، ثم حملا أكواب القهوة وخرجا إلى الصالة حيث يجلس الجميع، خرجت فاطمة من الحمام وهي تحمل وعاءً بلاستيكيًا كبيرًا مليئًا بالملابس المبللة، وقالت بصوت لاهث من التعب:
-وحياتك يا دليلة تاخدي الهدوم بتاعت الجيش بتاعت أشرف تنشريها على السطوح، مش قادرة أطلع السلالم.
كانت ترتشف مشروب الكاكاو الساخن، فوضعت الكوب بسرعة وقامت لتلبي طلبها، أخذت الوعاء وصعدت السلالم، بينما اندمج صادق مع الجميع في حديث عائلي.
استغل أشرف انشغالهم، وتحرك بذكاء ليلحق بها قبل أن تذهب من بين يديه الفرصة الأخيرة، فوق السطوح، كانت تقف أمام الحبال تنشر الملابس بهدوء، شعرت بحركة خلفها، فالتفتت بذعر لتجد أشرف يقف على مقربة منها والارتباك يكسو ملامحه. انتفض جسدها بالكامل وسرت فيه رعشة خوف حين قفزت إلى ذهنها نصائح والدتها الصارمة بعدم التواجد مع أي شاب بمفردهما في مكان معزول.
كانت تُمسك بآخر قطعة ملابس في يدها، ألقتها على الحبل بعشوائية، وتحركت بسرعة مغادرة المكان دون أن تلتفت حتى لأخذ الوعاء البلاستيكي.
ناداها بنبرة غلفت بالرجاء:
-استني يا دليلة، عاوز اتكلم معاكِ في موضوع مهم.
لم تعره اهتمامًا، بل تسارعت خطواتها ونزلت على الدرج راكضة، وباندفاع أخرق ناتج عن إحباطه، ركض خلفها مباشرة محاولاً إيقافها واللحاق بفرصته الأخيرة.
في الأسفل، لمح صادق ظلالاً تتحرك بسرعة على السُلم، وحين دقق النظر، رأى ابنته تنزل ويتبعها أشرف وعيناه معلقتان بها ، جن جنونه واشتعل الخوف والشك في قلبه على ابنته.
لم يشعر بنفسه إلا وهو ينتفض من مقعده كالبرق، متوجهًا نحوها، ليقبض على يدها بقوة ويجرها خلفه بغضبٍ مكتوم إلى الغرفة المخصصة لهم، تاركًا خلفه علامات الذهول والصدمة على وجوه الجميع.
تلبكت الأم وهي ترى زوجها يسحب الفتاة خلفه بعنفٍ فعلمت أن شيئًا ما قد حدث مما جعل زوجها الهاديء يثور، نهضت سريعًا لتلحق بهما، بالكاد أمسكت بالباب قبل أن يقوم بغلقه، أغلقته هي بعدما دخلت ليهتف الأب متسائلاً بعينين تطلقُ شزرًا:
-كنتي بتعملي إيه مع أشرف إبن عمتك فوق لوحدكم؟!
-أنا كنت بنشر الغسيل وهو اللي طلع ورايا…بالكاد أنهت جملتها لتُصيب بصاعقة هزت جسدها بالكامل عندما نزلت تلك الصفعة القوية التي استقرت على وجنتها، اتسعت عيناها بذهولٍ وهي تتطلع بعتابٍ إلى والدها، وقد شل عدم الاستيعاب حركتها، فتلك هي المرة الأولى التي يعنفها فيها والدها جسديًا، لم يكتفي بصفعها فحسب، بل اندفع نحوها وقبض على رسغها بقوة، وراح يهزها بعنفٍ مدفوعاً بذعرٍ شديد على فلذة كبده البريئة:
……….
انتهى البارت
#لَوْلاَ_الغَرَامُ_بقلمي ىوز أمين
إنتظروني الإثنين القادم مع الفصل الرابع عشر.