أنا جوزك الجزء الثاني بقلم شيماء سعيد
الفصل التاسع.
بغرفة صالح و سمارة بالجبل..
اعتدلت بجلستها بعدما تأكدت من معنى كل كلمة خرجت منه، ازاحت الغطاء عن ساقيها ليبرز جمالها الواضح، رفع حاجبه إليها منتظرا أي رد فعل جنوني منها.
لفت شرشف الفراش حول صدرها ثم وقفت على ركبتيها بنهاية الفراش أمامه بشكل مباشر أردفت بعدها بمرح :
_ ذيع يا حبيبي خلي الناس تعيش بقى..
ماذا تقول تلك الفتاة؟!.. ابتسامتها الواسعة بموقف مثل هذا لا يدل على شيء سوا جنونها، لاعبت له حاجبها قائلة ببرود :
_ أخص عليك يا صالح بجد، يعني عرفت عني كل حاجة و كان المفروض في وسط معلوماتك عني تعرف إني عارفة عنك كل تفاصيل حياتك..
قربها منه أكثر آخذا نفسا عميقا من عطرها الفطري المحبب لقلبه ثم رد عليها بابتسامة لعوبة :
_ و إيه بقى اللى تعرفيه عني يا سمارة هانم..
رفعت كفها ممررة إياه على ذقنه الخفيفة مردفة :
_ إنك راجل و سيد الرجالة يا صالح، تفتكر إني ممكن أعشق إلا راجل زيك حمش، أظن إنك مستحيل تخون عرضك…
رغم أنه كان يرغب في بث الرعب بداخلها إلا أن ثقتها العمياء به جعلته من يرغب ببقائها بجواره الي الأبد، أبتسم إليها إبتسامة حلوة سرحت عينيها بملامحه المبتسمة مثل البلهاء ليقول :
_ ماشي يا ستي طلعتي ذكية، قوليلي بقى شعيب طلب منك إيه؟!..
ابتعدت عنه و عادت بجسدها على الفراش قبل أن تقول ببساطة :
_ و لا أي حاجة أخوك بيحبك جداً و عرف إن في واحدة هبلة كمان بتحبك فطلب مني أصلح حالك المايل، بس أنا بقى مش عايزة أصلح حالك مبسوطة بيك كدة أوي…
أنهت جملتها بهيام و نظرة فخر به كأنه عالم كيمياء، حرك رأسه بمعنى لا فائدة من التعامل مع حمقاء مثلها، جلس على الفراش ليتفاجأ بها تضمه من الخلف و كفها يلعب بشعره هامسة :
_ قولي يا صالح فين نسبتي من العملية اللي فاتت..
كان صالح بعالم آخر، مستمتعا لأقصى درجة بتلك اللمسات البسيطة التي تتجول بين كل خصلة و الثانية بكل حرية، أغلق عينيه لعدة ثواني يريد الشعور فقط دون فعل شئ آخر.
قادرة على إشعال النيران بداخله تلك النيران التي لن تقدر إمرأة على اطفائها إلا هي، وصل إليه جملتها لتخرجه من حالته، لحظة واحدة التفت إليها مردفا بسخرية :
_ نصيبك من أنهي عملية بتاعت بيت عمك أخدتي نصيبك بنفسك و الأخيرة كانت اختبار مني ليكي عايزة ايه بقى.
اشتعلت عيناها بغضب قبل أن تصرخ برفض :
_ لا يا دكتور آخر عملية كانت إختبار مكنتش اختبار ماليش دعوة أنا شقيت فيها و أخدت مني مجهود ده غير الولية اللي في السجن.
شعر بالملل من صوتها المرتفع هو يرغبها الآن و لا يرغب بكثرة الحديث، جذب ذراعها إليه قائلا :
_ ماشي هديكي الفلوس اللي كنتي عايزاها من الخزنة..
حركت رأسها برفض قائلة :
_ لأ أنا مش عايزة فلوس..
علق بتعجب ساخر :
_ أمال عايزة إيه؟!..
تعلقت بعنقه مثل المجنونة بحماس قائلة :
_ دبلة عايزة دبلة مش المفروض أي ست متجوزة تبقى لبسة دبلة..
_ هجبلك يا عروسة..
ألقى بها على الفراش بعنف، قرأت عينيه بوضوح، أخفت نظرة الألم الموجودة بمقلتها، ثم وضعت كفها على صدره تمنعه من القرب منها، فكرة إنه لا يكن لها حب بالعلاقة مؤذية جداً لمشاعرها كإمرأة، قامت من على الفراش سريعا ثم قالت :
_ أنا رايحة الحمام..
جذبها من جديد هامسا برفض :
_ مفيش حمام دلوقتي خالص يا حضرة المحامية….
______ شيماء سعيد _____
بعد ساعة قرر تركها لتنام معطيا لها قبلة طويلة على خصلاتها قبل أن يترك لها الغرفة، شدت الغطاء لها ثم أخذت نفس طويل كتمته بداخل صدرها لعدة ثواني قبل أن تخرجه بتهيدة حارة، ما تعيشه معه جنون و لكنها دائماً ما تشعر بنقص شيء بتلك العلاقة ” الحب” آه ربما ينقصها عمود استمرارية زواجها منه….
أخذت هاتفها من جوارها باشتياق تقوم بالاتصال على شقيقتها التي ردت عليها سريعا بلهفة قائلة :
_ سمارة وحشتيني أوي أنا من غيرك ضايعة..
ردت عليها سمارة بنفس اللهفة مردفة :
_ مال صوتك يا صافية حاسة فيكي حاجة مش طبيعية.
أزالت صافية دموعها سريعاً ثم ضحكت بمرح حتى لا تقلق سمارة عليها كفى عليها ما هي فيه قائلة :
_ مفيش فيا حاجة أنا زي الفل أختك وحش يا بت، بس وحشتيني أوي أنتِ عارفة إنك طول عمرنا كل حاجة ليا مش قادرة أعيش من غيرك حاسة إني غريبة وسط الناس…
سألتها سمارة بشك :
_ طيب و شعيب بيتعامل معاكي إزاي، هو مزعلك؟!…
ردت عليها صافية سريعا :
_ لأ لأ بالعكس شعيب بيتعامل معايا كويس جداً حتى مامته شوفتها و بتتعامل معايا على إني بنتها و أكتر شوية كمان، أنا كل حاجة عندي كويسة قوليلي أنتِ أخبارك إيه مع صالح باشا؟!…
ذكر إسمه بمفرده قادر على التأثير على كيانها، تذكرت لحظاتهم النارية منذ قليل ثم حاولت إبعاد رأسها عن التفكير به مردفة بنبرة متحشرجة :
_ أنا كويسة جداً مع صالح يا صافية و خلاص تقدري تيجي تعيشي معايا مهمة شعيب معاكي خلصت لحد هنا..
سقط الحديث عليها مثل الصاعقة، انتهت رحلتها الصغيرة قبل أن تحصل على أمان روحها و البقاء بأحضان رجل فريد مثل شعيب، غصة مريرة لم تقدر على ابتلاعها إلا إنها فعلتها رغما عنها مردفة بنبرة متقطعة :
_بجد.. طيب كويس جداً، هقوله كمان شوية و هكون عندك بعد الطلاق في أقرب وقت…
_ ماشي يا صافية خدي بالك من نفسك يا حبيبتى مع السلامة..
______ شيماء سعيد _____
بمنزل والدة شعيب…
بحث عنها بعينيه بغرفة السفرة إلا أنه لم يجد سوا والدته و غادة، أين ذهبت و هي لم تأكل شيئا منذ الصباح؟!.. حاول إخفاء توتره عليها إلا أنه لم يستطع ابتلاع لقمة واحدة دونها، من أول يوم زواج بينهما و هو معتاد على تناول الطعام معها و من صنع يديها…
وضع الشوكة من يده ثم أردف بصوت حاول جعله هاديء بقدر المستطاع :
_ هي صافية فين يا ماما؟!.. ده معاد الغدا…
رسمت غادة ابتسامة بسيطة على وجهها مجيبة عليه بدلا من والدته :
_ صافية قاعدة برة مع سامر أخويا من أول ما شافته و هي متعلقة بيه…
من أول ما رأت متعلقة به؟!.. سامر الذي على وشك الدخول للجامعة فهو تقريبا من سنها، لم يشعر بنفسه إلا و هو يترك السفرة متجها للحديقة، سيخرج بروحها بيده حتى لا تقترب من أي رجل علي الاطلاق، هي الآن زوجته و تحمل إسمه ليس من حقها الاقتراب من غيره إلا بعد الطلاق…
وقف بالحديقة بذهول و هو يراها تضع وشاح على عينيها و تبحث عن سامر الذي يختفي بعيدا عنها بعض الشيء، اقترب منها لتضحك بمرح قبل أن تمسكه من خصلاته قائلة :
_ مسكتك يا سامر مسكتك أنا كسبت و أنت خسرت..
لم يرد عليها حملها على ظهره مثل شوال البطاطس، شعرت بصدمة كبيرة من هذا التصرف، كيف لسامر أن يتجرأ عليها بتلك الطريقة؟!… ض,ربته بكل قوتها على ظهره صارخة :
_ أنت إزاي تتجرأ و تشيلني يا حيوان.
أخرسها شعيب بقرصة حادة على خصرها ثم أردف :
_ أنا شعيب أخرسي مش عايز أسمع لك صوت…
نفذت أوامره و صمتت رغماً عنها، حتى وصل بها لغرفة نومه، أنزلها على الأرض و عاد ليغلق باب الغرفة بالمفتاح ثم وضع المفتاح بجيبه..
عادت خطوة للخلف لتسقط على الفراش برعب، ابتلعت لعابها و هو يزيح الوشاح عن عينيها قائلا بنبرة هادئة بشكل مرعب :
_ عايز تفسير منطقي للي حصل تحت قصاد عيني ده…
أشارت إليه بالهدوء ليحرك رأسه يحثها على الحديث، أخرجت طرف لسانها بللت به شفتيها لتعطي إليه بعض الطراوة مردفة ببراءة لا تليق على الموقف :
_ كنت بلعب مع سامر تحت عملت إيه دلوقتي غلط بس…
أعاد نفس جملتها اليه من ساعات صارخا :
_ أنتِ كلك على بعضك غلط مفيش فيكي حاجة صح، في ست محترمة تلعب مع شاب و جوزها قاعد جوا زي الإريل…
حركت كتفها بهدوء قائلة :
_ عادي بتحصل زي ما بيبقى في راجل قاعد يبوس ست في نفس الجنينة و مراته زي الاريل جوا، مفيش فرق نفس قلة الذوق و عدم الشعور بالطرف التاني…
ترد له فعلته مع غادة أهذا ما أرادت أن تجعله يشعر به؟!.. نيران الغيرة الحارقة، لكن هو لا يغار عليها هو فقط يغير على رجولته و إسمه كرجل، جز على أسنانه مردفا :
_ دي غير دي أنا…
قاطعته بسخرية :
_ أنت راجل و حر أما أنا ست مقيدة بأسمك لحد ما تسبني مش صح كدة؟!..
مثل الأحمق أومأ لها مؤكدا على حديثها لتقول هي بقوة :
_ و أنت دلوقتي يا سيدي مش مضطر تعيش الأجواء دي..
رفع شعيب حاجبه بترقب قائلا :
_ بمعنى ايه؟!.. كملي كلامك…
رفعت رأسها بشموخ و هي تبعده عنها بمسافة مسموح بها ثم ردت عليه ببساطة :
_ سمارة و صالح حياتهم بقت كويسة أنا لسة متكلمة معاها من شوية، تقدر دلوقتي تطلقني و تفك الطوق من حوالين نفسك…
______ شيماء سعيد ______
عودة للجبل…
أخذت سمارة تتجول بالغرفة ذهابا و ايابا، حبسها و أغلق باب الشقة عليها بالمفتاح ثم اختفى لا تعلم أين ذهب، أعصابها بدأت تنهار من حرقها و توترها، ألقت بجسدها على الفراش بغضب صارخة :
_ بقى أنا يحصل فيا كدة يا صالح ماشي ماشي..
ساعة مرت و هي مثلما هي تأكل أظافرها بغل حتى سمعت صوت الباب و بعده خطوات وقورة تعلم صاحبها جيدا، ركضت سريعا لتراه يدلف للمكان و هو حامل بيده حقيبة كبيرة فقالت بغيظ :
_ أنت كنت فين يا جدع أنت كل ده أنا أعصابي باظت..
إبتسم إليها بهدوء ثم وضع الحقيبة على الفراش مردفا :
_ كنت بجيب شوية حاجات هنحتاج وجودهم الفترة الجاية طول فترة شهر عسلنا…
نسيت عتابها إليه و كل ما كانت تريد قوله و هي تقفز عدة مرات بسعادة قائلة :
_ شهر عسل هو احنا هنعمل شهر عسل؟!..
أومأ إليها بهدوء لتلقي بنفسها داخل أحضانه، استقبلها بكل رحابة صدر منتعشا بهذا العناق اللذيذ يعتصرها بين يديه، سمارة عاشت سنوات تبحث عن الأمان و ها هي وجدته معه، دفنت رأسها بصدره مرددة :
_ ريحتك حلوة أوي..
أبعدها عنه قليلا ثم قبل أعلى رأسها بهدوء، صالح يرسل لها رسالة واضحة لا يوجد بينهما حب لكن سيكون الاحترام سيد الموقف بتلك العلاقة، جذبها لتجلس على الفراش مردفا ببحة رجولية مميزة :
_ تعالي..
جلست على الفراش بطاعة غريبة عليها ليخرج من جيبه علبة قطيفة زرقاء فتحها أمامها لتشهق بسعادة، دبلة الزواج التي طلبتها منه أتى بها إليها، مميز هذا الصالح بطريقة تخطف الأنفاس، مدت كفها إليه ليضعها بأحد أصابعها، رفع عينه و هو يأخذ كفها بين شفتيه، لمعة الدموع بعينيها جعلته يتعجب فأردف :
_ بتعيطي ليه؟!.
_ مبسوطة..
_ و هو المبسوط بيعيط مش جديدة دي؟!…
حركت رأسها بنفي مجيبة :
_ دي إسمها دموع الفرح يا عديم الإحساس أنت..
قهقه على لسانها الذي يفسد أي لحظة رومانسية مهما كانت مميزة ثم أخرج من جيبه علبة أخرى بها خاتم زواج من الفضة خاص به هو مردفا بعدما مد يده لها :
_ طيب يلا زي ما لبستك دبلتك لبسيني دبلتي..
أومأت إليه عدة مرات بحماس ثم وضعت الخاتم بأحد أصابعه بقوة قائلة بنبرة تحذيرية واضحة :
_ إياك يطلع من إيدك إلا في حالة واحدة بس لما نشيله قبل ما نغسلك و بعدها على المقبرة عدل…
رسمت على ملامحه معالم التقزز من ألفاظها ثواني ثم ابتسم جاذبا جسدها إليه، من نظراته علمت ما يريد لتقول بتوتر :
_ أنا جعانة أوي يا صالح…
_ قدامنا ساعة على ما حسن يوصل بالأكل نعمل فيها حاجات كتير جداً بس الأول لازم تاخدي دي…
نظرت لشريط الحبوب الموجود بيده بنظرات مدققة قبل أن تقول بشك تتمنى أن لا يكون حقيقة :
_ برشام إيه ده..
حرك كتفه مردفا بهدوء و بساطة و كأن الأمر عادي جداً لا يستحق منه القليل من التوتر :
_ دي حبوب منع الحمل يا سمارة…
الفصل العاشر.
_ دي حبوب منع الحمل يا سمارة…
لماذا دائماً يغلق أي باب للسعادة بينهما؟!.. أبعدته عنها بقوة ثم قامت من على الفراش تدور حول نفسها بالغرفة، مصدومة ربما و لكن الأقوى من الصدمة هو علمها بأن ما يحدث أمر واقع عليها تقبله مهما كان رغماً عن رغبتها..
أراح جسده على الفراش و بيده يحمل شريط الحبوب ينتظرها حتى تأتي و تأخذه بنفسها، يلعب على وتر حبها أو يلعب على قوته لا يعلم بالتحديد، فقط يتابع ما يصدر منها بهدوء و ثقة..
ضغطت على خصلاتها بقوة لو بداخل كابوس لعلها تفيق منه، عادت بخطوات بطيئة للفراش مجدداً ثم أخذت الشريط منه مردفة بتردد و عيون لمعت بالدموع :
_ معنى الشريط ده إنك مش عايز تخلف مني صح؟!…
حرك رأسه بنفي ثم وضع أحد أصابعه تحت ذقنها يرفع وجهها إليه مردفا بهدوء :
_ غلط يا سمارة بالعكس عايز منك بدل الطفل عشرة، لكن مش دلوقتي في وقتنا الحالي مينفعش ييجي طفل للدنيا أنتِ ذكية جداً و قوية كمان فاهمة إن دلوقتي مينفعش..
أشاحت بوجهها بعيداً عنه و عقلها شارد بنقطة واحدة، هي ترغب بشدة بطفل صغير تحمله ببطنها و يكبر يوم بعد يوم، تشعر بحركاته، يفرح معها و يحزن معها، يكن هذا الونس و السند الذي طالما حلمت به، حركت رأسها عدة مرات نافية قبل أن تقول :
_ أنا مش فارق معايا كل ده أنا عايزة طفل دلوقتي مهما كانت الظروف إيه هي، أنا و أنت محتاجين حاجة زي دي في حياتنا نعيش عشانها، و بعدين أنت فكرت و قررت من غير ما تأخد رأيي..
غرز أصابعه بين خصلاته و لم تتغير نظراته الباردة، حتى مشاعرها الفاضية لم و لن تصل إليه، هو مكتفي بحسابات عقله و لا يحبذ المزيد من المناقشات بهذا الموضوع، رد عليها بنبرته الجامدة :
_ أنا مش محتاج لا رأيك و لا أفكارك في الموضوع ده بالذات لأن القرار فيه يخصني لوحدي يا حضرة المحامية…
حركت رأسها برفض بعدما قامت من على الفراش قائلة بنبرة صوت بدأت تعلو و تخرج عن السيطرة :
_ لأ مش من حقك تأخد قرار زي ده من غيري مش من حقك تجبرني على تفكيرك اللي واقف عند نقطة معينة و رافض يخرج منها…
قام هو الآخر مشيراً إليها بتحذير :
_ صوتك يا محترمة..
انفجرت به و تخلت عن برودها و مرحها أمامه لأول مرة، من الواضح أنه اعتاد عليها بالشكل الخطأ، تقدمت منه لتشير إليه بنفس التحذير و بصوت أعلى من ذي قبل :
_ أنا محترمة غصب عن أي حد حتى لو الحد ده أنت، و بالنسبة لقرارك أنا مستحيل أنفذه لو حابب تاخد موانع أبقى خدها بعيد عني سامع و الا لأ، أقولك على حاجة في حل أفضل بكتير…
ابتسم ابتسامة ليس لها أي علاقة بالمرح قائلا :
_ إيه هو حلك التاني و الأفضل؟!..
ردت عليه بابتسامة ساخرة :
_ مش هتقرب مني طول الفترة اللي شايف حضرتك إننا مينفعش نخلف فيها، و لما تحس إنك قد مسؤولية زواج و أطفال هكون تحت أمرك غير كدة متحلمش تلمس شعرة واحدة من شعري…
كيف قالتها و كيف سيفعلها بعدما تعلق بها بهذا الشكل؟!.. هذا مستحيل هو لا يقدر على البعد خصوصاً بعدما ذاق النعيم بين أحضانها الناعمة بحلاوة لا توصف، كبريائه جعله يرد عليها بسخرية ذبحت قلبها :
_ دلوقتي مش عايزة ألمس شعرة واحدة منك مش أنتِ اللي كنتي بتجري ورايا من الأول و قولتلك بدل المرة ألف مش عايز بلاش…
قدر على تحطيم قلبها بكل جدارة دون أن يفعل أي حساب لمشاعر إمرأة تحولت لرماد بكل بساطة، أخذها من يدها معه لسابع سماء و بعدها قذفها على الأرض و رنين ضحكاته المنتصرة تحرق أذنيها، تحكمت بدموعها بقوة سمارة لم و لن تكن ضعيفة أو مهزومة بيوم، ابتسمت ابتسامة مرتجفة ثم قالت بندم :
_ للأسف كنت غبية و فوقت مش مهم فوقت أمتا أو إزاي يا دكتور المهم إني صحيت من حلم سندريلا، فكر في كلامي كويس لأني مش ناوية أغيره..
رد عليها ببرود :
_ و أنا كمان مش هغير رأيي و عارف إنك هتيجي بنفسك، أنا خارج..
تقدمت من الفراش ثم ألقت بجسدها الذي يؤلمها بقوة غير قادرة على تحملها ثم غطت نفسها بالشرشف جيدا، رفعت رأسها لتجده يحمل أغراضه و يستعد بالفعل للرحيل لتقول بهدوء :
_ ترجع بالسلامة، بس أنا مش عايزة أفضل هنا..
لم يرفع عينيه لها بداخله نيران لو أخرجها لن تحرق أحد إلا هي، منذ متى و يوجد امرأة قادرة على التحكم فيما يريد صالح الحداد؟!.. يبدو أنه دللها أكثر من اللازم و لابد من التحكم برغبته بها حتى لا يفضح أمره أمامها أكثر من ذلك، حمل المفاتيح و الهاتف قائلا ببساطة :
_ حضري نفسك هنرجع البيت أول ما أخلص المشوار ده…
______ شيماء سعيد ______
بمنزل شعيب الحداد بغرفته.
اتسعت عيناه مع طلبها الصريح للطلاق، لم يتوقع أبداً أن تأتي النهاية بتلك السرعة، جزء صغير بداخله أردف بقوة هذا ما كنت تريده فر و أتركها بعيداً عنك، و الجزء الأكبر و صاحب الرأي الأقوى طلب منه صفعها بقوة حتى لا تتجرأ و تطلب طلب مثل هذا مرة أخرى…
أخفت عينيها بعيداً عنه منتظرة بخوف و توتر كلمة لا تريد سماعها على الإطلاق، لن تتحمل حمل لقب مثل هذا بسنها الصغير، لا يكفي عليها شعور اليتم و نظرات الشفقة من الناس لسنوات ليأتي شعيب و يزيد الأمر سوءا…
ترقرقت الدموع بمقلتيها إلا أنها رفضت و بشدة إظهار هزيمتها مهما كلفها الأمر، ابتلع ريقه مردفا ببطء :
_ عايزة تطلقي؟!..
لو ود ق,تلها كان أرحم من أن تقول من جديد نفس الكلمة بقوتها القاتلة، أخذت نفسها بتقطع ثم قالت :
_ المشكلة اتحلت صالح و سمارة بقوا كويسين مع بعض يبقى مفيش داعي إنك توقف حياتك عليا و أنا كمان أوقف حياتي عليك…
قاطعها ببعض الحدة قبل أن تكمل كلامها قائلا :
_ توقفي حياتك عليا؟!.. ليه و هي الهانم عندها حياة إيه غيري..
رفعت رأسها أمامه بشموخ واضح قبل أن تجلس على الفراش مردفة بكل جرعة لديها من البرود :
_ حضرتك خاطب و مش عارف تتجوز الست اللي بتحبها عشان أنا موجودة، بصراحة بقى أنا كمان في حد عايز يقرب مني، شاب من سني و شايفة إنه مناسب جداً ليا…
دار حول نفسه مثل المجنون قبل أن يض,رب المقعد الموضوع بجوار الفراش على الأرض صارخا بغضب :
_ عايزة تطلقي عشان عندك بديل مش كدة..
لم يدع لها فرصة للرد بل جذبها من ذراعها لتقف أمامه مثل الطفل الصغير الذي يسمع توبيخ والده بلا رد ليكمل هو بغضب :
_ الحلوة كانت واخدة شعيب الحداد كبري تعدي من عليه لبر الأمان و تخلع، ده بقى بعينك يا مراتي…
لأول مرة من أول زواجه منها يعترف أمامها أنها زوجته، ابتلعت لعابها بتوتر مردفة :
_ لأ أنت فاهم غلط.. أنا عايزة أشيل حمل من عليك عشان تقدر تتحرك بحرية في حياتك، بدل ما أفضل أكتر من كدة ضيفة تقيلة عليك..
لا يرى أو يسمع، يبرر تلك النيران التي تأكله على أنها نيران كبرياء رجل و ليس غيرة على امرأته، هز رأسه برفض قائلا :
_ لأ أنا مش فاهم غلط أنا فاهم صح جداً، تصوري يا صافية في حاجة مهمة تاهت عن عقلي بس قدرت أوصل لها دلوقتي، قوليلي ايه هي يا شعيب باشا..
أردف آخر جملة و هو يضر,ب يديه ببعض بقوة أرعبتها لتصرخ مردفة بأنفاس متقطعة :
_ إيه هي يا شعيب باشا؟!…
صفق مرة أخرى مردفا بنبرة خبيثة :
_ أنتِ دلوقتي مراتي في عقد جواز و هيكون في عقد طلاق و ساكنة في بيتي بقالك شهر أهو مش كدة…
ضيقت عينيها بعدم فهم إلا أن نظرته التي تحثها على الرد جعلتها تحرك رأسها عدة مرات سريعا مردفة :
_ أيوة.. كدة… كدة..
ضر,ب على رأسها بقوة جعلتها تصطدم بصدره لتشهق بألم ثم تعود برأسها للخلف، زادت نظرته التي تراها لأول مرة بعينه، كان دائماً رجلا وقورا ذا هيبة و أحترام واضح، اتسعت عيناها مع شعورها بلمسة يده الخفيفة على ظهرها و هو يقول :
_ حلوة شكلك بتفهمي، يبقى عيب كبير في حقي لو خرجتي من بيت الحداد زي ما دخلتي يا مراتي…
ردت عليه بذهول :
_ يعني ايه؟!..
ابتعد عنها فجأة و عاد لوقاره مجدداً ثم أردف بهدوء قبل أن يتركها بالغرفة بمفردها :
_ يعني لو عايزة تطلقي تبقي مدام الأول غير كدة خليكي مراتي أنا مش مضايق من وجودك يا صافية…
______ شيماء سعيد ______
لم تغفل لها عين تضم ساقيها لصدرها و تنظر لباب الغرفة منتظرة بين اللحظة و الثانية عودته، لم يكن لديها أشياء هنا إلا قليل جداً أحضرت حقيبة صغيرة و وضعت ما يخصها بها…
أنفاسها مكتومة رغم عمقها تشعر بثقل كبير على صدرها و مصدره بين كلمتين “صالح الحداد”، مازال شريط مانع الحمل ملقى على الفراش تحدق به بين الحين و الآخر…
سمعت غلق باب المنزل لتقوم من مكانها ثم حملت حقيبتها مستعدة للرحيل، خرجت من الغرفة ليقول دون النظر إليها :
_ حضري نفسك و يلا نمشي…
حركت كتفها بهدوء مردفة :
_ حضرت كل حاجة…
فتح باب المنزل مشيراً لها على الخروج قائلا ببرود :
_ كويس يلا…
رغم طول الرحلة إلا أنه وصل بها للمنزل بسرعة البرق، ابتسمت على رؤيتها لأبناء أخته الذين ركضوا عليه بسرعة و حماس طفولي لتقول حور و هي تعد على أصابعها :
_ خالو وحشتني خالص خالص…
قهقه بمرح و حمل حور على كتف و حمزة على الآخر مردفا :
_ و أنتوا يا أبطال وحشتوا خالو خالص خالص…
سمع نبرتها الساخرة بجواره تقول :
_ لأ و خالو ما شاء الله كله مشاعر و أحاسيس…
رمقها بنظرة واحدة كانت قادرة على إخراسها لتفر من أمامه سريعاً للداخل، بعد قليل كانت تجلس بجواره متوترة من غضبه المسلط على شقيقته :
_ يعني إيه قررتي أنتِ و حسن الطلاق بعد 11 سنة جواز و كمان من غير ما تاخدوا رأي حد أو يكون في سبب مقنع…
انتفض جسد حبيبة بهذه القوة و الخوف مما جعلها تقترب منها أكثر و تضم كفها إليها قائلة بدفاع :
_ أنت بتزعق لها كدة ليه كل واحد حر أنت مش عايش مكانها عشان تأخد قرارات عنها..
الموقف لا يتحمل تصميمها الدائم على العناد، ضر,ب المقعد الذي يجلسن عليه ليعود للخلف ارتعب قلبها و هو يرد عليها بعيون حمراء :
_ أنتِ تسكتي خالص صوتك مش عايز أسمعه لو تخافي على نفسك و كرامتك، و أنتِ يا هانم ردي عليا أنا مش بكلمك..
سقطت دموع حبيبة و تعالت دقات قلبها، فهي هشة رقيقة لا تتحمل الصوت العالي ردت عليه بنبرة مرتجفة :
_ أنا مرتاحة كدة يا صالح أرجوك كفاية ضغط عليا بقى أنا تعبت مش قادرة أتحمل أكتر، أنا و حسن حياتنا كانت باردة من غير حب و الحياة اللي زي دي هشة أقل نسمة هوا بتهدها…
لا تعلم أن بكلماتها البسيطة ضغطت على جرح الاثنين دون أن تشعر، ارتجف جسد سمارة و هي تري علاقة طبق الأصل من علاقتها بصالح و ترى نهايتها أمامها بحسم لا جدال فيه، تركت المكان و صعدت سريعاً لغرفة نومها…
نظر صالح لطيفها ثم قال لحبيبة :
_ اطلعي أوضتك يا حبيبة و بعدين هبيقي ليا كلام تاني مع اللي سلمتك له بإيدي، لو كان راجل كان ردك بنفس الطريقة اللي أخدك بيها…
______ شيماء سعيد _____
بغرفة النوم دلف صالح و صفع الباب خلفه بقوة، تخيل أن يراها تنام على الفراش أو تبكي على ما حدث بالأسفل، و مثل العادة كانت سمارة خارج أي توقع يصدر منه تنام على الأريكة بقميص نوم قطني من اللون الأزرق يبرز جمال ساقيها و مقدمة صدرها الناعم…
اقترب منها مردفا بهدوء :
_ ممكن أعرف مش نايمة على السرير ليه؟!.. بتحاولي تعاقبيني…
لم ترد ليزيد غضبه من هذا التجاهل الجديد بعلاقتها به، مسح على شعره عدة مرات حتى لا يخرج عن السيطرة و يفعل ما لا يحمد عقباه ثم سألها و هو يجز على أسنانه :
_ هو أنا مش سألتك سؤال ردي و الا القطة أكلت لسانك…
زفرت بضيق قبل أن تعتدل على الأريكة مردفة بملل :
_ أنت ليه نكدي كدة بجد، أنا بنفذ طلباتك مش أكتر قولت مش عايز عيال نمت على الكنبة، قولت مش عايز تسمع صوتي سكتت خالص.. ممكن أعرف بقى أنت عايز ايه دلوقتي…
سحبها من ثوبها لتقف أمامه ثم أردف بقوة و عينيه على جسدها الظاهر بسخاء أمامه :
_ عايزك أنتِ..
رفعت رأسها قائلة بتحدي :
_ طول ما أنا مش عايزة يا أبن الحداد متقدرش تقرب مني، أحب أقولك إن العلاقة دي تحت سيطرتي أنا و بس…
الفصل الحادي عشر.
بمنزل صالح بغرفة النوم…
عاد من يوم شاق بعمله و أول ما أتى بعقله هو الصعود لغرفته معها، أراد بشدة أن تكون أول وجه تقع عليه عينه بالمنزل، فتح باب الغرفة ليراها تجلس على الأريكة الموضوعة بصالة الجناح تشاهد أحد الأفلام الرومانسية القديمة.
أراح جسده بجوارها ثم أخذ جهاز التحكم ليأتي بأحد ماتشات كرة القدم، زفرت بضيق تعلم أنه يود إخراجها عن شعورها لتفقد السيطرة على لسانها و تتعامل معه..
أكملت المشاهدة معه دون كلمة ليزفر بضيق قائلا :
_ أنا مش بحب الست النكدية.
رفعت حاجبها إليه بسخرية مردفة :
_ أنت اللي يدور وراك يتأكد إنك مش طايق نفسك من الأساس…
إبتسم إليها و اعتدل بجلسته ليبقى وجهه أمام وجهها الجميل، رفع ذقنها إليه بأحد أصابعه و بدأ يفقد سيطرته مثل العادة أمام سحرها الخاطف للأنفاس، قرب وجهه منها ثم وضع قبل صغيرة على أنفها…
يحاول التصالح معها دون أن يتنازل عن جزء و لو شبه معدوم من رجولته الطاغية دائماً، تركته يفعل ما يريد حتى حملها و ذهب بها للفراش ظلت ساكنة حتى وصلت لمرحلة قررت بها الوقوف هنا…
وضعت كفها على صدره تبعده عن عنقها مردفة :
_ مش عايزة…
حدق بها بتعجب قائلة :
_ يعني إيه مش عايزة؟!..
أبتعد عنها بغضب و إهانة كبيرة له كرجل يستحيل أن يتحملها، أما هي جلست على الفراش براحة نفسية تشعر بالانتصار على غروره الأعمى، ابتسمت إليه إبتسامة باردة ثم قالت :
_ أنا مش بنت ليل عشان تعمل معايا كدة أنا مراتك يا دكتور، فريح نفسك و ريحني لما تحس إني مراتك بجد و عايز مني طفل أبقى قرب غير كدة مش عايزة، فبلاش تلعب معايا هتبقى خسران…
هو لم يسمعها من الأساس آخر شيء وصل لعقله أنها لا تريده جملة واحدة فقط تتردد على أذنه ” مش عايزة” نيران اشتعلت بداخله و لن يستطيع اخمادها، من تلك المرأة التي تجرأت على صالح الحداد و قالت له لا؟!… أخذ نفس عميق يعود به إلى هيبته ثم أردف بقوة :
_ لو كان في نسبة واحد في المية إننا نكمل سوا دلوقتي انتهت، لمي كل هدومك و من بكرة ترجعي بيتك خلاص يا حضرت المحامية اللعبة خلصت ارتاحي…
رفعت رأسها إليه بشموخ قائلة :
_ كنت عارفة إنك هتهرب و مش هتقدر تكمل عشان توصل…
رمقها بنظرة محتقرة قبل أن يرد بقوة قبل أن يترك لها الغرفة :
_ ده مش هروب بس أنا ماليش مزاج ألعب عشان أوصل لحاجة مش عايزها أساساً.. بالليل مش عايز أشوفك لا في الجناح و لا في البيت كله…
______ شيماء سعيد _____
بمنزل شعيب…
كان يجلس مع باقي عائلته و عائلة غادة بالحديقة، ليسمع صفير سامر شقيق غادة دار بوجهه للخلف ليري من هذا الذي خطف انتباه الجميع حتى غادة لتتسع عيناها بذهول، كتلة من الجمال تسير بطريقة ربما يراها البعض عادية إلا أنه يراها مثيرة و مثيرة جداً، فستان أصفر يظهر بياض وجهها و ترفع خصلاتها على شكل كعكة…
ابتلع ريقه بخشونة كأنه لا يوجد معهم أحد، انتبه على هذا اللعين سامر الذي قام من مقعده ركضا إليها ثم سحب كفها لتسير معه قائلا لشعيب بمرح :
_ بنتك دي أول ما تكمل 18 سنة محجوزة ليا..
هل رأيتم من قبل أحدهم يحترق و يخرج دخان من كل مكان به دون قطعة نيران واحدة؟!.. نعم يا سادة فهذا شعيب الحداد بلا فخر، صك على أسنانه مشيراً لها بعينه أن تقترب و تجلس بجواره إلا أنها لم تعطي إليه أدنى إهتمام…
غصب وجهه على الإبتسامة قائلة :
_ صافية مش هتتجوز إلا بعد الجامعة و الدكتوراة كمان مش كدة يا حبيبة بابي..
نظرت إليه ببراءة أصابت قلبه بالرعب من ردها ثم ابتسمت لسامر إبتسامة مهلكة قائلة :
_ مهو أنا ممكن أعمل كل ده مع سامر يا بابي، مش كدة يا سامر.؟!..
أومأ إليها سامر عدة مرات بطريقة بلهاء، لم يقدر على كتم غيظه أكثر من ذلك هي تلعب معه دون عدل، اندهش الجميع من صريخه الصغيرة قائلا :
_ مفيش حاجه من الكلام الفارغ ده أنتِ طفلة عندك 13 سنة قومي من هنا حالا…
طردها بشكل صريح و هذا بث بداخلها شعور كبير بالحرج، نطرت اليه بعتاب و سقطت دموعها لا يعلم إذا كانت تلك دموع حقيقية أم تمثيل مثل كل أدوارها العظيمة، رق قلبه لها كان سيأخذها بين أحضانه يطبطب على قلبها..
كان سامر أسرع منه عندما قام معها قائلا بحنان :
_ سيبك منه يا حبيبتي ده راجل رجعي، تعالي معايا نقعد جنب حمام السباحة…
أومأت إليه بحزن ثم قالت قبل أن تذهب معه :
_ أنت بابي وحش مش كفاية سبتني سنين من غير أب و لما بقيت معاك مش عايز حتى تبقى حنين عليا، بجد الله يسامحك… خلي غادة الوحشة دي تنفعك أنتوا الاتنين شبه بعض..
رفع حاجبه لها كأنه يقول “عظمة على عظمة يا ست ” أول ما اختفت عن عينه قال والد غادة بهدوء :
_ تصرفاتك غلط يا شعيب البنت لسة جديدة في حياتك محتاجة منك شوية إهتمام مش غضب على أسباب تافهة…
لم يرد هو بالأساس لم يسمع أي كلمة من الآخر عينه على مكان اختفائها مع هذا اللعين سامر، شعرت غادة بالحرج لترد بدلا عنه على والدها :
_ شعيب كمان معذور يا بابي، فكرة أنه يبقى أب فجأة لبنت في سن المراهقة صعب عليه جداً، أول ما نتجوز هتعامل معاها أنا بإذن الله…
ردت عليها السيدة أنعام والدة شعيب بابتسامة :
_ عندك حق يا غادة يا بنتي تعالي نعمل القهوة سوا…
لم يتحمل تلك الثرثرة من الجميع أكثر من ذلك ليقوم من مكانه بلا كلمة دون أن يرد على نداء غادة عليه، بخطى سريعة وصل لمحل حمام السباحة لتصعد النيران بقلبه و هي تراها تسند رأسها على كتف سامر…
صرخ بقوة :
_ صافية.
دارت بوجهها إليه رأت علامات الاجرام واضحة على تقاطيع وجهه و في ثانية واحدة كانت تركض للغرفة و هو خلفها تحت صدمة سامر…
بالأعلى…
أغلقت عينيها بقوة خائفة لا بل مرعوبة من نوبة جنونه القائمة عليها، ثانية و الأخري و كما توقعت بالفعل رأت باب الغرفة أصبح على الأرض..
بخفة جسد أصبحت فوق الفراش تأخذه سد منيع يمنعه يقترب منها، وقف على الباب صارخاً بها:
_ انزلي يا بت معاكي ثانية تكوني قدامي..
هزت رأسها عدة مرات رافضة و هي تشير إليه بعدم الإقتراب:
_ أوعى تفكر تقرب يا بابا معقول هتمد إيدك على بنتك عشان شتمت الست غادة حبيبتك..
جن جنونه أكثر، تتناقش بموضوع و هو يكاد يفقد عقله بسبب أفعالها، كل ما يدور بقلبه نيران كلما أعاد مشهد عناقها مع هذا الأحمق سامر..
رغم أنه من وضع بينه و بينها حد إلا أنه يغار عليها بجنون، بخطوة واحدة جذبها من خصلاتها بقوة هامسا بفحيح:
_ بت بلاش تخلي جناني يطلع عليكي، الولد ده حضنك ليه ؟!…
رمشت عيناها عدة مرات ببراءة لا تليق على ملابسها و أفعالها:
_ في إيه بس يا بابا حضرتك بوست طنط غادة و سامر خطيبي فيها ايه يعني لما أحضنه إيه الفرق مش فاهمة..
_ العيب إنك بنتي يا بنت شعيب الحداد..
عضت على شفتيها مردفة ببعض الدلال :
_ مهو عشان بنتك لازم تفرح لأني لقيت نصي التاني…
أرادت أن تصل به إلى حافة الجنون و هو مرحب بكل ما يعيشه معها، بلحظة واحدة كان يقفز على الفراش بجوارها ليسقط بهما سويا، ابتلعت لعابها بتوتر من هذا القرب مردفة بتقطع :
_ أنت بتبصلي كدة ليه…
رفع وجهها إليه أكثر بأحد أصابعه ثم همس :
_ مبهور بيكي كذبتي الكذبة و كمان صدقتيها، أنتِ مراتي يا صافية و أنا جوزك…
رمشت بعينيها مجيبة عليه بنفس الهمس :
_ بس أنت مش عايز تعترف بده..
قام من فوق الفراش بلا كلمة ثم حملها بين يديه مثل قطعة من الزجاج يخشى عليها من الكسر، سار بها حتى غرفة نومه أغلق الباب عليهما ثم وضعها على الفراش قائلا :
_ أعترفت بس مش كدة أنا كمان عايز أثبتلك و أثبت لنفسي الاعتراف ده…
حدقت به بتوتر و عدم فهم قائلة :
_ مش فاهمة.
اقترب من وجهها عينه على شفتيها لن يتركها اليوم يخشى أن تبتعد عنه لذلك سيضعها و يضع نفسه أمام الأمر الواقع أخذ نفس عميق قبل أن يقول بقوة و اصرار :
_ بحبك…
قالها ثم هبط على شفتيها مقبلا اياها قبل أن يأخذها بحنان ليبدأ معها أول سلالم هذا العشق، مراعي جداً كونها صغيرة، بريئة، عفوية…
بعد ساعة انتهى بهما الأمر و هي تضم جسدها إليه، ليسألها بلهفة :
_ بتحبيني يا صافية…
لم تقدر على رفع وجهها أمامه من شدة الخجل و لكنها قالت بنبرة صوت متحشرجة :
_ لو قولت آه أبقى بكذب عليك و لو قولت لأ أبقى بكذب على نفسي…
________ شيماء سعيد ______
بمنزل صالح بغرفة المكتب..
أخذ يتابع بعض الأعمال المتراكمة عليه و عقله شارد من تغيرها الجذري معه، بعدما كانت تركض خلفه هنا و هناك أصبح ينتظر أي كلمة تجمع بينهما بأي حوار، دق باب الغرفة ليترك القلم من يده و يزيل نظارته الطبية يعلم من على الباب فهو من أمر برؤيته…
أراح ظهره على ظهر المقعد قائلا بنبرة جامدة :
_ أدخل…
دلف حسن للغرفة منتكس الرأس يخجل من رفع عينه بعين صديق عمره، إبتسم إليه صالح ببرود مشيرا له بالجلوس ثم قال :
_ سامعك قول كل اللي عندك…
ابتلع حسن لعابه بقلق، آخر شيء يريده هو خسارة صالح، فمنذ نعومة أظافره و هما معا على السيء قبل الأفضل، حتى بزواجه من حبيبة تزوجها لأنها جزء لا يتجزأ من صالح الذي قبل أن يكون صديقه فهو شقيقه، ضم يديه الأثنتين بتوتر قائلا :
_ عارف إني ممكن أكون دلوقتي في نظرك ندل، بس حبيبة هتفضل طول العمر فوق رأسي مش حتة ورقة هي اللي هتفرق بنا…
حرك صالح رأسه نافيا و عينه عادت للورقة الموضوعه أمامه مجيبا بنبرة جليدية :
_ مالكش دعوة بأختي إسمها من بعد ما قولت لها أنتِ طالق متحرم على لسانك، خلينا فيك أنت حبيت و أنت داخل على الأربعين و عيالك واحد في إعدادي و البنت قدامها سنة و تبقى زي أخوها، حاسس بكسوف من نفسك و الا خراب بيتك و ضياع عيالك عادي بالنسبة لك…
خفض رأسه مرة أخرى بخجل من نفسه، صالح فعل كما يفعل دائماً يضعه أمام المرايا و يقول له شاهد كم أنت غبي، رفع رأسه مردفا بضياع :
_ زعلان و مكنتش عايز أخرب بيتي بس حبيبة غالية جداً تستاهل تتحب مش تعيش مع واحد متجوز عليها و بيحب غيرها..
ضر,ب صالح علي المقعد بقوة ثم أردف بابتسامة هادئة :
_ عندك حق حبيبة غالية و أنا بغبائي أدتها لواحد رخيص و الاتنين مينفعش يبقوا في مكانة واحدة، من النهاردة اللي بنا شغل بس لحد ما أقرر هعمل فيك إيه يا عريس الهنا مش فرحك بالليل برضو..
قبل أن يرد عليه حسن بأي كلام دق هاتفه برقم أحد رجاله الذي لا يظهر إلا وقت المصائب فنظر لصالح قائلا بقلق :
_ ده عطا…
اعتدل صالح بجلسته ثم أشار إليه بالرد قائلا :
_ مستني ايه ما ترد عليه… و أفتح الاسبيكر…
أومأ إليه حسن ثم نفذ ما طلبه منه مردفا بنبرة خشنة :
_ خير يا عطا في إيه؟!.
رد عليه عطا بخوف :
_ و هو من امتا بييجي من ورايا خير يا بيه، أنا أتصلت على صالح باشا مردش…
نظر صالح لموضع هاتفه ليراه على وضع الصامت، فهدر بغضب قائلا :
_ أخلص يا زفت قول عندك ايه؟!..
_ في جوا بيتك خاين يا صالح باشا، و دلوقتي حالا لازم تاخد كوبايه العصير اللي في ايد المدام ده مسموم…
سقط قلبه أرضا و هو يسمع رنين صريخها بالأعلى باسمه :
_ صالح..
الفصل الثانى عشر.
بأحد مشافي القاهرة كان يسير صالح بين الجمر حافي الأقدام، عينيه مسلطة على الغرفة الموضوعة بداخلها سمارة، كان يعلم من البداية أن أي علاقة حب له ستكون بنهاية مأساوية مثلما حدث مع زوجته الأولى…
حاول كثيراً أن يخرجها خارج دائرته الخاصة إلا أنها صممت على البقاء معه، ضر,ب الحائط بكفه مردفا :
_كل ده تأخير جوا.
أتى إليه حسن ليضع يده على ظهره بدعم صديق قائلا :
_ هتبقى بخير يا صالح متخافش..
أزاح صالح يد الآخر بعيدا عنه بجمود مردفا :
_ عارف إنها هتبقى كويسة.. نسبة السم كانت قليلة جداً اللي عمل كدة كان بيهدد بس…
تحدث حسن بقلق :
_ الموضوع طالما دخل البيت يبقى خطر كبير عليك يا صالح..
نظر إليه صالح بهدوء قائلا :
_ روح طلعلي كل الخدم للمخزن و مالكش دعوة بالباقي…
ذهب حسن لينفذ ما أمر به صالح الذي سمح لنفسه أخيراً بالانهيار، ضغط على كفه بقوة و أسنانه تحطم شفتيه يعود إلى ذاكرته مظهر سقوطها على الأرض، صغيفة، مريضة، خائفة، غير تلك القوة المعتاد عليها دائماً..
حتى هو مع سقوطها سقط كل شيء به حتى قلبه عاد للصريخ بعد سنوات من الكتمان، رفع رأسه للسماء بخجل كبير من نفسه هامسا بتردد خافض :
_ يا رب.
صمت بعدها بقلة حيلة أهو تذكر الآن فقط قول تلك الكلمة، حرك رأسه بنفس مرددا :
_ وجعي أنت اللي حاسس بيه أنا ماليش غيرك و مكسوف منك…
سمع صوت إمرأة يعرفه جيدا يصرخ بهلع من كلمة مرددة إسم زوجته :
_ سمارة أختي..
دار بوجهه للخلف ليراها، نعم هي النقية الصغيرة تركض و الدموع تلغي ملامحها و خلفها رجل يعرفه هو الآخر جيدا، شعيب الحداد النقطة البيضاء بوسط عبائته السوداء اقترب منه شعيب بلهفة قائلا :
_ أخبارها ايه؟!..
احتقن وجه صالح من الغضب، لا يريد أن يرى أخيه من الأم و ابن عمه الذي تحطمت حياته على يديه، أشار إليه بالتوقف عن السير صارخا :
_ أخرج من هنا على رجلك بدل ما تقعد في الأوضة اللي جانبها..
ابتسم شعيب بقلة حيلة قبل أن يصرخ هو الآخر بتعب :
_ أنت ليه مصمم تعيش دور الضحية و أنا الجاني، اللي عمله فيك أبويا أنا ماليش ذنب فيه و هو دلوقتي مات مش موجود، ليه مصر أكون بعيد عنك مع إني حتة منك..
الموقف لا يتحمل فتح أي باب بالماضي يكفي عليه النائمة بالداخل و لا يعلم عنها شيء، بحركة سريعة مسك شعيب من قميصه مردفا بعيون يفيض منها كل معاني العذاب :
_ إن عمك يتجوز أمك غصب بعد مو,ت أبوك و يرميك أنت و أختك في الشارع من غير مليم أو مكان تعيش فيه، إنك تنجبر على الحرام عشان تاكل و تكمل تعليمك و تعليم أختك و غيرك عايش في عزك ده شعور اللي زيك ميعرفش عنه حاجة، أخرج من هنا و من حياتي كلها لا عايز أشوفك والا أشوف الست الوالدة…
معه كل الحق بكرهه للجميع و لكن إلى متى سيظل بهذا الشكل؟!.. ابتعد عنه و دار بوجهه لزوجته قائلا :
_يلا بينا نمشي يا صافية…
رفعت رأسها إليه بكبرياء و عينيها على غرفة شقيقتها :
_ اللي جوا دي سندي الوحيد مش همشي من غيرها، أما أنت تقدر تعيش من غيري مع الناس اللي بتحبهم…
لا لا ليس بعد ما حدث بينهما تفعل شيئا مثل هذا، اعترف لها بالحب و يعلم أنه أخطأ فيما قاله بعد ذلك، اقترب منها خطوة يضم كفها بين كفيه قائلا بهدوء :
_ ماشي هسيبك مع أختك بس مش معنى كدة إنك ممكن تعيشي لحظة واحدة بعيد عني، هرجع آخدك بالليل…
رحل دون أن ترد عليه ألقت بجسدها على أحد المقاعد باكية على ما وصلوا إليه، حياتهم البسيطة بين ليلة وضحاها أصبحت معلقة بحبل رفيع جداً تحت إسم أولاد الحداد..
نظرت لصالح برجاء قائلة :
_هي هتبقى كويسة صح؟!.. أصل أنا ماليش غيرها…
ابتسم إليها بتعب و عينه على الغرفة التي تخفي ملامح زوجته عنه ثم قال بشرود :
_ و لا أنا ليا غيرها، متخافيش هي بتعمل غسيل معدة بسيط…
أومأت إليه صافية ببعض الارتياح و ذكرى الليلة الماضية مع شعيب تعود إليها بقسوة أشد من قوة تحملها…
فلاش باااااااااك….
_ لو قولت آه أبقى بكذب عليك و لو قولت لأ أبقى بكذب على نفسي….
هل وضعت له السم بالعسل الآن أم هذا مجرد وهم منه؟!… ظلت تدور به بداخل دائرة و ها هي الآن تفر بعيدا بعدما وقع هو، انتفض من جوارها كمن لدغه عقرب، قامت هي الأخرى تغطي جسدها بشرشف الفراش و عينيها على رد فعله بنظرات متوترة، رد عليها بهدوء مريب :
_ أهو فضلتي تجري ورايا لحد ما حبيتك.. ليه لما أنتِ مش حاسة بأي مشاعر ليا؟!..
حركت رأسها بنفي قبل أن تجذب كفه تضعه علي صدرها موضع قلبها مرددة بارهاق نفسي :
_ أنا معرفش مشاعر الحب بتكون عاملة ازاي، عمري ما حسيت في حياتي بأي حاجة من اللي عشتها معاك، فضلت طول عمري أدور على الأمان في حضن أختي لحد ما وقعت في طريقك وقتها قدرت أنام في بيتك و أنا مرتاحة من غير خوف من بكرا، الشعور ده مستحيل أستغني عنه أو عنك يا شعيب، لما شوفتك مع غادة قلبي وجعني أنت حقي من زمان، تقدر تقول عليا استغلالية أو أنانية بس مش هسيبك، لو ده حب أبقى بحبك و لو لأ اختار له أي إسم بس هفضل جانبك..
صغيرة بالسن و التجارب أخذها هو فجأة لعالم أكبر منها بكثير، من البداية و هو يخشى فارق السن بينهما و ها هو عاد لنقطة البداية بعدها سقط معها للهاوية، المصيبة الأكبر أنه نسي أو أوهم نفسه نسيان أمر غادة…
نظر إليها ثم أردف بذهول :
_ غادة !! أنا إزاي نسيت غادة…
غصة مريرة أصابت حلقها و أجبرت نفسها على بلعها ثم أردفت بتردد :
_ أنت ندمت؟!..
جذبها بين أحضانه بلهفة محركا رأسه بنفي لعدة مرات مردفا :
_ لأ طبعاً يا حبيبتي لأ.. أنا مش صغير عشان أندم أنا فعلاً بحبك..
رفعت رأسها إليه مرددة بحيرة و خوف :
_أمال مالك..
أخذ نفس عميق لعدة مرات متتالية من رائحة عطرها المهلكة بالنسبة إليه قبل أن يقوم من مكانه يدور حول نفسه بالغرفة قائلا :
_ أنا و أنتِ هنفضل طول عمرنا متجوزين في السر يا صافية، أنا مقدرش أقول للناس تعالوا اتفرجوا عليا اتجوزت عيلة صغيرة عشان أساعدها احلوت في عيني و كملت جوازنا، هتبقى فضيحة كبيرة ليا خصوصاً قدام جمهوري اللي أنا بالنسبة ليهم قدوة، مهما كانت درجة حبي ليكي مقدرش أبقى زبالة بالشكل ده، الناس كلها هتقول عليا مجنون…
بالفعل هي فتاة صغيرة حمقاء ألقت بنفسها بداخل نيران لن تأكل غيرها دون أن تفكر، رمشت بعينيها عدة مرات قائلة :
_ طيب و غادة…
ابتلع لعابه قائلا :
_ أنا مش ظالم و غادة معملتش ليا أي حاجة وحشة عشان تكون نهايتها أتخلى عنها…
أومأت برأسها عدة مرات بجنون ما بين الصدمة و السخرية من غبائها، قبل أن ترد عليه دق هاتفه ليبتعد عنها مجيبا على المتصل تاركا إياها تعلن خسارتها بالمعركة الوحيدة التي صممت على خوضها،، عاد بعد لحظات مردفا بقلق :
_ صافية أنتِ كويسة؟!..
جداً هي حالتها الآن فوق الرائع بكثير، أردفت ببرود أخاف قلبه :
_ مين كان بيكلمك في وقت زي ده؟!..
أردف بهدوء و هو يرتدي ملابسه :
_ ألبسي هنروح مشوار مهم جداً دلوقتي و لما نرجع هنكمل كلامنا و لازم تعرفي إني بحبك..
انتهى الفلاش باااااااااك..
علمت بعد ذلك أنها أتت للمشفى حتى ترى شقيقتها، فاقت من هذه الدوامة على صوت الطبيب الذي يقول لصالح :
_ حمد لله على سلامة المدام يا دكتور، تقدر تدخل تشوفها…
ركضت لهما صافية سريعاً مردفة لصالح برجاء :
_ ممكن أدخل أشوفها أنا الأول أرجوك…
أومأ إليها صالح بهدوء أو ربما هروب لتذهب هي خلف الطبيب سريعاً لغرفة سمارة…
_____ شيماء سعيد ______
بغرفة سمارة…
فتحت ذراعيها لصافية التي ألقت نفسها بين أحضانها باكية، أخذت تربت بكفها على ظهر الأخرى التي تزيد شهقاتها شيئا فشيئا ، أخرجت سمارة تنهيدة حارة فهي إلى الآن لا تصدق أن كان بينها و بين المو,ت خطوة واحدة…
علمت أخيرا أن حياته بعيدة كل البعد عنها و أن تلك العلاقة عبارة عن جحيم لن تقدر على العيش بداخله على الإطلاق…
ابتعدت عن صافية مردفة بابتسامة مرهقة :
_ خلاص بقى يا بت بطلي عياط أنا زي القردة قصادك أهو…
حركت صافية رأسها بنفي عدة مرات قبل أن تقول ببرائتها المعتادة :
_ أنا مش بعيط عليكي يا حلوفة أنا بعيط على بختي المايل…
رغم تعبها إلا أن صافية قدرت على إخراج ضحكة قصيرة منها قبل أن تضر,بها على ظهرها مردفة بسخرية :
_ طول عمري عارفة أصلك و تربيتك الزبالة..
نظرت لها صافية بنفس السخرية مردفة :
_ ما أنا تربية ايدك يا حبيبتي..
أومأت لها سمارة بمعنى لديكي كل الحق..قطع تلك الوصلة التي تفوح منها المحبة الحقيقية دخول صالح بلا سابق إذن، رفعت سمارة رأسها إليه ثم طلبت من شقيقتها بابتسامة بسيطة :
_ سبيني شوية مع الدكتور يا صافية و بعدين هيبقى لينا كلام كتير مع بعض…
خرجت صافية من الغرفة لتبقى معه بمفردها، جلس على المقعد المجاور للفراش و عينيه تقول الكثير إلا أنه لم يسمح للسانه إلا بقول جملة بسيطة :
_ عرفتي شكل حياتي؟!..
أهي كلمة حمد لله على السلامة أو كلمة كيف حالك هل أنتِ بخير؟!.. لم تختار شيء بحياتها سوي هو و الآن تأكدت أنها صاحبة الاختيارات الخاطئة دائماً، حركت رأسها بخيبة أمل كبيرة به ثم أردفت بتعب نفسي :
_ شوفت…
لا يعرف ماذا يقول بموقفه هذا؟!… يود لو يقدر على ضمها بين أحضانه يبكي مثل الطفل الخائف على فراق والدته، شخصيته و حياته تمنعه من عيش هذا النعيم الذي تريده هي، ظل على كبريائه قائلا :
_ حالتك مش صعبة هتمشي النهاردة، على بيتك يا سمارة هناك هيكون أحسن ليكي…
ممنوع البكاء أمام رجل بهذا القلب المتحجر الأسود، هذا القلب الذي وقع بحب هذا اللعين من سنوات قادر على نسيانه، بللت شفتيها بطرف لسانها الجاف ثم قالت بهدوء :
_ تعرف أنا كنت مستعدة أحارب و أتحمل كل حاجة عشانك، بس عمري ما تخيلت في يوم إني ممكن أحاربك أنت…
صك على أسنانه بغضب من نفسه لأنه من أدخلها بحياته المهدومة من البداية، أتى سؤال مفاجئ بعقله ليقول :
_ أنتِ حكايتك إيه بالظبط؟!.. وقعتي في حبي إزاي و وافقتي شعيب في اللعبة اللي خسرتي فيها أنتِ و أختك ليه؟!…
ابتلعت غصة مريرة بحلقها ثم قالت :
_ هتفرق معاك في الإجابة؟!…
_ لأ بس حابب أعرف…
ابتسمت بسخرية قبل أن تقول بهدوء :
_ أول مرة شوفتك يوم ما جيت عند شعيب المكتب تتخانق معاه، من يومها قلبي دق ليك و لأني كنت صديقة مقربة من شعيب قولتله حقيقة مشاعري قالي كل حياتك و طلب مني اطلعك من كل حاجة وحشة، وقتها فكرت آخد حقي من عمي و في نفس الوقت أقرب منك.. كان نفسي أنجح بس للأسف فشلت و خسرت…
اكتفي بهذا القدر من الوجع ليزيل تلك الدمعة التي خانته لأول مرة و سقطت من عينه، أخذ نفس عميق قبل أن يقوم من على المقعد ليجلس بجوارها على الفراش، سحبها من خصرها ليضم شفتيها بين شفتيه ينعم بالقليل من الحب…
ابتعد عنها بعد مدة ليأخذ كلا منهما أنفاسه الهاربة منهما، ألصق رأسه برأسها ثم همس :
_ أحب أقولك إنك نجحتي يا سمارة و كمان بامتياز…
قام من مكانه معطيا لها ظهره و هو يسمع بحة صوتها الحزينة تقول :
_ يعني إيه؟!..
تنحنح بقوة ليعود من جديد صالح الحداد، تلك المشاعر لابد أن تمو,ت بداخلها قبل أن تمو,ت بداخله، تحدث بقوة يخفي أي أمل تشعر به للتكملة معه :
_ الحارس بتاعي هيوصلك لحد باب بيتك، شهر بالكتير و هتكون ورقة طلاقك عندك و معها تعويض كافي عن كل حاجة حصلت طول المدة اللي فاتت… مش عايز أشوف وشك مرة تانية حتى لو صدفة…
الفصل الثالث عشر.
مر شهر كامل عادت به الحياة إلى طبيعتها، سمارة و صافية الآن بمنزلهما القديم.. سمارة تدير محل الحلويات و صافية تعمل معها، ربما عادوا لأرض الأمان من جديد إلا أن الروح القديمة إنتهت و انتهكت من الأوجاع…
بالمحل…
أغلقت سمارة علبة الكيك ثم أعطتها للشباب قائلة بابتسامة هادئة :
_ اتفضل يا فندم كل سنة و ابن حضرتك طيب..
أخذ منها الرجل العلبة ثم رد عليها بنفس الإبتسامة :
_ و حضرتك طيبة، أنا المدام عندي صممت حاجات الحفلة تبقى كلها من عندكم.
_ شكراً لثقتها الغالية فينا…
ذهب الرجل لتجلس سمارة على المقعد بتنهيدة حارة، كم مؤلم العودة لنفس النقطة بلا أي مكسب بل أصبحت الخسائر أضعاف، لفت انتباهها صافية التي تبكي بصمت، قامت من مكانها سريعا مقتربة منها بلهفة قائلة :
_ بتعيطي ليه مالك؟!…
رفعت صافية عينيها الغارقة بالدموع لشقيقتها، ملامحها تعبر عن الكثير عما بداخلها و لسانها يعجز عن وصفه، اشتاقت لهذا الشعور الذي كانت تعيشه معه، زاد نحيبها ثم أردفت بنبرة متقطعة :
_ أنا طلعت بحبه يا سمارة…
حدقت بها الأخرى مردفة بتردد :
_ أومال كنتي بتعملي كل ده عشان يحبك ليه لما أنتِ مكنتيش بتحبيه وقتها؟!..
رفعت كفها المرتجف لتزيل بقايا دموعها ثم قالت بتعب :
_ كنت عايزة بيت و عيلة و أمان، مكنتش عايزة أبقى عمري 18 سنة و اسمي مطلقة خوفت من نظرة المجتمع و إحنا بنتين في الدنيا لوحدنا يا سمارة، بس برضو خسرت و ضعت.. المشكلة الأكبر إني حبيته حتى قلبي خسرته في الرحلة القصيرة دي…
فتحت سمارة ذراعيها لتلقي الأخرى نفسها بين أحضان شقيقتها، بكت لتخرج من قلبها هذا الوجع أما سمارة فظلت كما هي اعتادت على أن تكون الضلع الأقوى دائماً، قبلت رأس صافية عدة مرات بحنان ثم همست :
_ أنا آسفة حقك عليا…
سألتها صافية بتعجب قائلة :
_ بتعتذري ليه أنا اللي عملت في نفسي كدة..
نفت سمارة مردفة :
_ لأ أنا اللي وصلتك على بابه من غير ما أفكر ممكن يحصل ايه، حقك عليا يا صافية…
قبل أن ترد عليها صافية رأت طيفه يأتي من أمام باب المحل، فركت عينيها بعدم تصديق أهي وصلت لتلك المرحلة من الهلوسة؟!.. رنين صوته جعلها تتأكد إنه حقيقة ملموسة أمامها، دلف شعيب و معه ثلاثة من الرجال اقترب من سمارة مردفا بابتسامة جادة :
_إزيك يا سمارة أخبارك إيه مش ناوية ترجعي شغلك؟!…
حدقت به سمارة بشراسة قائلة :
_ أنت جاي تعمل إيه هنا يا شعيب…
جلس على المقعد الذي تجلس عليه صافية الشاردة يسحبها بين أحضانه و يده الأخرى تتجول على وجهها تزيل دموعها العالقة ثم قال بهدوء :
_ جاي آخد مراتي يا سمارة ما هو أكيد مش هسيبها أكتر من كدة…
ردت عليه سمارة ساخرة :
_ لسة فاكر إن ليك ست هنا… بقولك ايه أخرج على بيتك يا باشا بدل ما أنسى إننا كنا أصحاب و أمسح بوشك بلاط المحل كله…
رفع شعيب حاجبه قائلا :
_ كل ده و لسة عاملة حساب إننا أصحاب على شيل الكلفة بنا…
فاقت من دوامة أفكارها و أبعدت ذراعيه عنها بقوة قبل أن ترد عليه بقوة :
_ عايز إيه يا شعيب بيه..
اشتاق لملامحها، نبرة صوتها، نظرة عينيها، إبتسامة شفتيها، كل جزء بها اشتاق إليه و أصبح لا يتحمل أو يتقبل البعد أكثر من ذلك، أغلق عينيه مقربا وجهه من خصلاتها ليأخذ أكبر قدر من عبيرها الرائع هامسا بنبرة صوته المهلكة :
_ وحشتيني…
انسحبت سمارة من المكان بهدوء تاركة لهما بعض الخصوصية..
أما بالداخل كتمت أنفاسها مع هذه الكلمة، أرادت الهروب معه لأبعد مكان ممكن إلا أن صورة غادة عادت الي عقلها لتردف :
_ أنا مينفعش أكون رقم اتنين، الاتفاق اللي بنا خلص قولت لو عايزة اخرج من حياتك أخرج مدام و أظن كدة بح، اتفضل بقى عايزة ورقة طلاقي و أنت عيش مع الست اللي بتحبها…
تنهد بتعب من حديثها مردفا :
_ مهو أنتِ حبيبتي…
فتحت شفتيها باعتراض ليحملها على ظهره يحكم قبضته عليها، و باليد الأخرى أشار الي رجاله بفتح الباب، رأته سمارة لتبتسم لهما بسعادة مشيرة الي شقيقتها من الخلف بمعنى إلى اللقاء..
وضعها شعيب بالسيارة لتصرخ بقوة قائلة :
_ أنا مش جاية معاك نزلني…
أشار لأحد رجاله أن يقف على بابها يمنعها من الخروج ثم صعد من الجهة الأخرى بجوارها مردفا قبل أن يضع القليل من المخدر على أنفها :
_ معلش يا حبيبتي لازم تنامي الطريق طويل و أنا مش عايز فضايح.. أحلام سعيدة يا قلب شعيب…
_______ شيماء سعيد ______
بمنزل صالح الحداد على الفطار…
جلست حبيبة تنظر إلى شقيقها بتوتر بعد ذهاب أطفالها للنادي ، كان الآخر يأكل بوجهه العابس دائماً كأن عليه ثأر، أخذ قطعة من الجبن ثم رفع طرف عينه لحبيبة مردفا :
_ سامعك قولي اللي قاعدة بتترعشي عشانه…
هذه من تبقت له من رائحة والده، ابنته التي تربت على يديه منذ نعومة أظافرها و كبرت أمام عينيه يوما بعد يوم، يقرأها مثل الكتاب المفتوح، ابتلعت لعابها بخوف ثم أخذت نفس عميق تحاول به التحلي ببعض القوة قائلة :
_ أنا مش عايزة أفضل كدة يا صالح عارفة إنك بتخاف عليا بس أنا تعبت و مش قادرة أكمل بالطريقة دي..
ترك صالح الشوكة من يده ثم سألها مرة أخرى :
_ من غير مقدمات يا حبيبة قولي عايزة إيه؟!…
عضت على شفتيها لعدة ثواني تمنعها من الارتجاف ثم قالت بنبرة متقطعة :
_ أنا عايزة أنزل أشتغل مش عايزة أبقى على الهامش، أرجوك يا صالح خليني أختار صح مرة واحدة في حياتي…
توقعت ثورة من الصريخ و الرفض لذلك أغلقت عينيها بقوة قبل أن تسمع أي كلمة منه، إلا أنها تفاجأت بشفتيه على خصلاتها يقبلها بحنان و اعتذار قائلا :
_ حقك تختاري طريقك لأني لما أخترت مكانك ضيعتك…
فتحت عينيها بذهول قبل أن تتعلق بعنقه مردفة بسعادة :
_ بجد يا صالح هشتغل؟!..
قبل رأسها عدة مرات ثم أومأ إليها بهدوء و إبتسامة صافية قائلا :
_ بجد يا حبيبة، بس عشان تبقى في أمان خليني أختار مكان شغلك يا باشمهندسة…
سألته بتوتر :
_ هشتغل فين؟!..
لم يرد عليها بل رفع هاتفه متصلا برقم ما و بعد عدة ثواني أردف :
_ سند الكبير وحشني يا جدع..
رد عليه سند بوقار و إبتسامة هادئة :
_ دكتور صالح ليك وحشة يا راجل، بس أنا عارفك بتاع مصلحتك قول متصل ليه؟!
( سند الكبير بطل الرواية الجديدة بعنوان “سند الكبير”)
ضحك صالح علي لسان صديقه الذي دائماً ما ينقط من هذا العسل الأسود ثم تنحنح قائلا :
_ أنا عارف إنك مش بتشغل ستات عندك في الكفر، بس عندك مكان فاضي في المزرعة لأختي و الا لأ؟!….
مرت دقيقة كاملة حتى تحدث سند بهدوء :
_ مقدرش أقولك لأ بس أنت من امتا بتشغل الحريم مش دي مرات حسن برضو..
حك صالح مقدمة ذقنه ثم قال :
_ لأ اطلقوا، الموضوع طويل أخلص اللي ورايا و آجي أقعد مع الحجة شوية أصلها وحشاني…
ضحك سند مردفا :
_ أنت كدة كدة لازم تبقى عندي كمان يوم أصلي نويت أتجوز…
اتسعت عينا صالح بذهول :
_ للمرة المية و عشرين دي و الا إيه يا كبير..
ضحك سند قبل أن يغلق الخط بوجه صالح فهو الوحيد القادر على فعل حركة مثل تلك مع صالح الحداد، أردفت حبيبة بترقب :
_ هو أنا هسافر و أسيب عيالي هنا؟!.. مقدرش أعمل كدة يا صالح…
ربت صالح علي كتفها قائلا :
_ إحنا دلوقتي في إجازة يا حبيبة هتاخدي العيال معاكي يغيروا جو و بعدين هقولك تعملي ايه، بس وجودك في كفر الكبير أمان ليكي…
أومأت إليه ثم عادت للحديث بتوتر مردفة :
_ هي سمارة مش هترجع تاني؟!..
تجمد وجه صالح قائلا :
_ لأ اطلعي ارتاحي شوية…
علمت أنه يرفض الخوض بهذا الحديث معها لذلك فعلت ما أراد و صعدت لغرفة نومها، أما هو أخرج تنهيدة طويلة مشتاقة قطعها إتصال من أحد رجاله الذي قال :
_ صالح باشا شعيب باشا أخد مدام صافية و سافر بيها، و الهانم دلوقتي في محل الحلويات لوحدها…
حك صالح ذقنه ثم أردف بهدوء :
_ بقت لوحدها يعني..
_ أيوة يا باشا…
_ طيب نفذ اللي هقولك عليه بالحرف الواحد بس لو غلطت غلطة واحدة هيبقى آخر يوم في عمرك..
_____ شيماء سعيد _____
بعد ثلاث ساعات سفر وصل شعيب أخيراً لمحافظة الإسكندرية، حمل صافية التي مازالت غارقة بالنوم ثم دلف بها للشاليه الخاص به، صعد بها لغرفة النوم وضع جسدها الناعم على الفراش بعناية …
جلس بجوارها لا يفعل شيء سوي التأمل بها، من يصدق أنه كان يذهب يومياً بسيارة مختلفة أمام منزلها ليراها فقط و هي تذهب للمحل و تعود منه، اكتفي قلبه جداً من الفراق لا يريده بل يريدها هي، نزل لمستوى وجهها ليطبع قبلة عميقة على حبات التفاح المزينة لوجهها…
مرت نص ساعة أخرى و هو على هذا الحال، بدأت تفتح عينيها و عقلها يتذكر ما حدث رويدا رويدا، ظلت تدور بعينيها بالمكان حتى وقعت عليه يتسطح بجوارها على الفراش بكل أريحية..
جن جنونها لتقفز و تجلس على ركبتيها صارخة :
_ أنا مش عايزة أقعد معاك أنا عايزة أروح لأختي…
حرك كتفه ساخرا :
_ عيب لما تقولي لجوزك كدة يا حبيبتي أنتِ مش عيلة صغيرة عايزة ترجع لأهلها إحنا هنعيش هنا على طول…
رفعت حاجبها قائلة :
_ نقعد هنا فين و بعدين أنا سامعة صوت بحر…
أخذ خصلة منها وضعها على أنفه مرددا بنبرة لعوب :
_ إحنا في إسكندرية يا روحي شهر عسل…
هزت رأسها بجنون بكل الاتجاهات، ماذا يريد منها هذا الرجل؟!.. غير مستكفي بما فعله معها طوال فترة وجودها داخل بيته.. جزت على أسنانها ثم قالت :
_ أنت عايز تعيش شهر عسل و أنت خاطب و بعد يومين تقولي رايح أتجوز التانية أصلي واحد أصيل مقدرش اسيبها، ده عند الست أنعام أمك…
قرب أصابعه من فمها ثم قبض على شفتيها بقوة خفيفة مردفا بعتاب :
_ بنت نحترم نفسنا هي أمي دي بتلعب معاكي في الشارع، و بعدين أنا راجل متجوز و مش عايز أبقى جوز الاتنين..
رمشت بعينيها عدة مرات بحيرة واضحة، بداخلها رغبة كبيرة تطلب منها أن تصدقه و تعطي لقلبها فرصة لتعيش هذا الحب، شعر بحربها الداخلية ليربت على ظهرها، حدقت به ببراءة قائلة :
_ أومال هتعمل إيه مع غادة؟!… هي كمان مالهاش ذنب في اللي حصل…
تنهد بتعب بالفعل لا يعلم شيء، إلا أنه ابتسم إليها قائلا :
_ خليكي معايا و بس يا صافية و أنا أوعدك إني مستحيل أوجع قلبك، مش يلا نبدأ بقي شهر العسل يا جميل؟!..
عادت لتجلس على الفراش بطريقة أكثر راحة و سندت ظهرها على ظهر الفراش مردفة بحسم :
_ أنا معاك لحد ما تحل كل المشاكل اللي عندك و هصبر معاك لآخر نفس، بس موضوع شهر العسل ده يا زوجي العزيز هيتأجل هو كمان لحد ما تحل كل المشاكل اللي عندك…
يحبها نعم، لكنه يرفض تلك الطريقة من لوي الذراع، قام من على الفراش بقوته المعتادة التي بدأ يتنازل عنها من أجلها ثم أردف بقوة و هو يعطي ظهره لها :
_ طريقتك غلط في عرض طلبك يا صافية و مع ذلك هنفذ اللي أنتِ عايزاه بس مش لحد ما تقرري تحني عليا لحد ما أنا أقدر أتعامل معاكي بعد كدة من غير حواجز…
أخذت نفسها بتعب أعصاب ثم وضعت كفها على رأسها، هذه العلاقة رغم حلاوتها إلا انها مرهقة أكثر من اللازم، قامت من مكانها ثم ذهبت لتقف أمامه بشكل مباشر مردفة :
_ مهما كانت المشاعر اللي جوايا ليك بس أنا خايفة، مش بهددك و لا بحطك تحت ضغط أنا بس بحاول أدي لنفسي قوة أكمل بيها مش عايزة أخسر كل حاجة في العلاقة دي وقتها مشاعري ليك ممكن تمو,ت مع الأيام…
زفر بضيق من نفسه هو من جعلها تصل لتلك الحالة، جذبها من خصرها لتتوسط صدره يضمها إليه بحماية قائلا :
_ و أنا كمان مش عايزك تخسري أي حاجة يا صافية، متخافيش…
_______ شيماء سعيد _____
بالقاهرة بشقة سمارة بعد منتصف الليل…
جلست تتابع إحدى المسرحيات القديمة ” العيال كبرت” و بيدها طبق متوسط الحجم من الفواكه ، شاردة تأكل بصمت لأول مرة منذ وفاة والديها تجلس بمنزلهما دون صافية نصفها الثاني، البيت أصبح خالي من الروح بلا حياة، هي الأخرى أصبحت خالية من الروح و من الحياة…
أخذت قطعة من تفاح و أكلت لتسمع أصوات غريبة تأتي من الشرفة، عقدت حاجبها بتعجب قبل أن تغلق التلفزيون و تضع ما بيدها ثم قامت و بدأت تتحرك على أطراف أصابعها حتى وصلت للشرفة لتسمع صوت رجل يقول للآخر :
_ عمها عايزها سليمة و هو هيخلص عليها بنفسه، مش عايزين فيها خدش ضر,بة واحدة بس على دماغها عشان مش عايزين فضايح…
لأول مرة يسقط قلبها بهذا الرعب من شدة الموقف، هي هنا بمفردها دون أحد يدافع عنها أو على الأقل يسأل عليها و يعلم ما بها…
ركضت بكل قوتها لباب المنزل لترى طيف رجل آخر يقف عليه، ذهبت بأقدام مرتعبة لغرفة نومها و لم تفكر كثيرا هي الآن تحتاج صالح بشدة ينقذها من عمها اللعين، أخذت هاتفها الذي كاد أن يسقط منها عدة مرات ثم رنت على صالح مرة و الثانية والثالثة بلا رد…
سقطت دموعها بفقدان أمل قائلة :
_ أنت فين بس يا صالح رد عليا الله يباركلك..
في المرة الرابعة سمعت صوته الناعس يقول :
_ عايزة إيه يا سمارة هو أنا مش قولت هطلقك بترني نص الليل ليه هو أنا ناقص صداع…
لم تهتم بأي كلمة خرجت منه فقط ردت عليه بنبرة مرتجفة :
_ الحقني يا صالح عمي بعت رجالة ليا عايز يمو.تني، أنا خايفة…
رد عليها و هو يهب من مكانه سريعاً قائلا بلهفة وصلت إليها :
_ متخافيش أنتِ مرات صالح الحداد…
الفصل الرابع عشر.
دلفت سمارة خلفه لمنزله مرة أخرى، أمان لذيذ سيطر على كل جزء بها، خلصها من رجال عمها بدقائق معدودة ثم أخذها بلا حرف واحد إلى هنا، أغلقت باب الغرفة خلفهما لتراه يأخذ بعض الملابس البيتية الخاصة به و يدلف بعدها للمرحاض..
جلست على الفراش مخرجة من بين صدرها تنهيدة حارة عميقة، هذا هو فارس أحلامها و انتهى الأمر، بعد دقائق كان ينام على الفراش بلا ردة فعل، جزت على أسنانها بضيق من غروره الذي لا ينتهي ثم أردفت :
_ على فكرة أنا ممكن أروح أنام في أوضة تانية..
رد عليها و هو مغلق العينين :
_ لا عادي نامي هنا وجودك مش مسبب ليا أي إزعاج…
كتمت غيظها من طريقته و قررت تغيير خطتها بالتعامل معه، أقتربت قليلاً منه مرددة بابتسامة ساحرة لو رآها لذاب بها :
_ شكراً على اللي عملته معايا النهاردة بجد مش عارفة أقولك إيه؟!..
توتر من شعوره بأنفاسها قريبة بتلك الطريقة المهلكة منه ليتقلب معطيا ظهره لها، كيف يصمد أمامها لا يعلم حتى الهروب فشل به، تنحنح قبل أن يردف بهدوء :
_ أنتِ لحد دلوقتي لحمي مش هرمي لحمي لكلاب السكك يعني…
عادت لموضع نومها بضجر، أخذ لقب أكثر رجل فصيل بالعالم، ثواني و رسمت على وجهها إبتسامة خبيثة و كفها بدأ بالتجول على خصلات شعره الناعمة بحركة جعلته يخرج آه لذيذة تعبر عن مدى راحته و زوال الصداع من رأسه..
ثواني و كانت تصرخ بفزع عندما وجدت نفسها أسفله و عينه مركزة على كل جزء بها هامسا بمكر :
_ تعشقي اللف والدوران عايزة مني ايه يا سمارة مش عارف أنام منك..
ابتسمت تلك المرة بصفاء خطف المتبقي من عقله ثم ردت اليه همسه بهمس أكثر نعومة :
_ عايزاك تبقى رومانسي و صريح، فيها إيه يعني لو قولتلي إنك صاحب الرجالة اللي جات تحت البيت، فيها إيه لو كنت جيت عندي و طلبت إننا نرجع لبعض بدل كل اللي عملته عشان أرجع معاك من غير ما تطلب…
اهتز جسده من جرائتها يعلم كم هي ذكية، و عرفت أن أولئك الرجال يخصونه من اللحظة الأولى لكنه تفاجأ من تلك المواجهة السريعة، نفخ بوجهها لتغمض عينيها ثم سألها بهدوء :
_ و لما أنتِ عارفة إنهم الرجالة بتاعتي اتصلتي بيا ليه؟!…
فتحت عينيها و نظرت بداخل عينيه مجيبة بهدوء :
_ لنفس السبب اللي بعتت الرجالة عشانه، أنت بعتهم ليه؟!…
_ عشان ترجعي لحضني..
كفى حرب لهنا فاللعبة أصبحت مملة، قالها بصدق نابع منه، ربما هذا اعتراف كبير بأنه لا يقدر على الحياة بدونها و لكنها تطمع بالكثير و الكثير منه، ابتعد عنها يحاول مرة أخرى الهروب إلا أنها جذبت كفه إليها و أخذته ليجلس بجوارها مردفة :
_ أنا كمان اتصلت بيك عشان أرجع ليك يا صالح… أصلي بحبك بس الغريب بقى أنت عايزني أرجع هنا ليه؟!..
انشرح قلبه و ذهب كبريائه بمهب الرياح، كلمة أحبك التي قالتها أحيت به النبض الذي غاب عنه طوال حياته، هو الآخر أحبها و لكنه و بالفعل خائف عليها، ضم كفها إليه قائلا بقوة :
_ أنتِ عارفة كويس أنا عايزك ليه، مش هقولها دلوقتي لما أكون جدير بيها هبقي أقولها، دي كلمة كبيرة زي الطوق مش سهل تخرج من رجل بصدق و لا سهل حتى يقدر يحافظ عليها، كل اللي طلبه منك دلوقتي و من غير حسابات تعالي حضني…
ألقت بنفسها بين أحضانه بلا كلمة واحدة معترضة، ما سمعته منه حتى الآن كافي جداً ليقول لها أخذتي ما تتمني، أما هو أغلق ذراعيه عليها ثم تسطح بها على الفراش لينعم لأول مرة بالنوم دون قلق… و هذا ما يسمى بس,كينة الزواج..
______ شيماء سعيد ______
بالإسكندرية..
دق شعيب على باب غرفة صافية عدة مرات حتى فتحت إليه الباب و يا ليتها لم تفعل، شعرها كأنه خارج من معركة، ملامحها ناعسة تفرك بعينيها حتى تقدر على فتحهما، رغم أنها غير صورتها الرائعة دائماً أمامه إلا أنه وقع بغرام بساطتها، ابتسمت إليه مردفة :
_ لابس آخر جمال و رايح فين على الصبح كدة يا وحش الوحوش…
قهقه بمرح قبل أن يرفع من مقدمة بذلته بغرور هاتفا :
_ النهاردة عندي حفل توقيع كتابي الجديد في إسكندرية..
لا يعلم لما اختفت ابتسامتها بلحظة واحدة، ابتلعت لعابها بقهر تتمنى لو طلب منها أن تأتي معه لتلك الحفلة و لكن من المؤكد أن سيدة هذا الحفل ستكون غادة هانم…
حاولت الثبات بقدر المستطاع ثم قالت بنبرة الي حد ما مكتومة :
_ مبروك ابقى هات ليا نسخة معاك أنت عارف أنا بعشق كتبك قد ايه..
هنا فهم سبب تلك النظرة التي قدرت على إنقاص جزء كبير من رجولته، جذبها لتقف أمامه بشكل مباشر ثم مسح على شعرها المتوقف عدة مرات مردفا :
_ مهو أنتِ كدة كدة هتاخدي نسخة لأن الحفلة دي و الكتاب كله إهداء مني ليكي، معاكي ساعة تجهزي بسرعة عشان نلحق أنا مش بحب التأخير…
بريق لمع من الحلاوة ظهر بداخل مقلتيها، أي كلمة ستكون قليلة على ما تشعر به لذلك فضلت ان توضح مشاعرها بعناق حار مميز من نوعه، ضمها و هو يتنهد بتعب ثم قبل أعلى شعرها قبلة طويلة هامسا :
_ لما بشوف القهر في عينك بحس قد ايه أنا قليل الحيلة في إني أسعد البنت اللي بحبها اياكي تعملي كدة تاني…
طفلة صغيرة أعطى والدها لها الأمان، أومأت إليه عدة مرات متتالية قبل أن تقفز من مكانها قائلة بحماس أدخل الراحة و الشعور بالفخر إلى صدره :
_ ربع ساعة و هكون جاهزة مش ساعة يا عم، إحنا عندنا كام كاتب زي القمر زي كدة عشان نلبس له الحتة اللي على الحبل…
_______ شيماء سعيد _____
بحفل التوقيع…
نزلت معه على البوابة الرئيسة للحفل أمام عدسات التصوير، نظرت للمكان حولها بتوتر لأول مرة بحياتها توضع بموقف مثل هذا، مد يده لها لتحدق بكفه بصمت تخشى تلك الخطوة التي ربما تسبب إليه مشكلة..
رفع حاجبه مردفا بتعجب :
_ في إيه يا حبيبتي هاتي إيدك لازم ندخل مش هنفضل باقي اليوم هنا…
ابتلعت ريقها بتوتر ثم أشارت على عدسات التصوير مردفة بنبرة صوت متقطعة :
_ أدخل أنت لوحدك و أنا هدخل بعدك على طول…
حرك رأسه بالقليل من الغضب يحاول بقدر المستطاع عدم الخروج عن السيطرة أمام هذا الجمع من الناس، سحب كفها رغم عنها ثم غلغل أصابعه بين أصابعها رافعا كفها الصغير أمام شفتيه مقبلا إياه قبلة طويلة قبل أن يردف بابتسامة مزيفة :
_ الحركة اللي أنتِ عملتيها دلوقتي دي هنتحاسبي عليها لما نرجع بيتنا يا صافية…
تجمدت ساقيها بالأرض ترفض الحركة مردفة بحيرة :
_ أنا مقصدش حاجة وحشة لكن مش عايز أسبب لك أي مشكلة أنت قدام الناس خاطب لما تدخل بواحدة تانية محدش يعرفها هيقولوا ايه يعني، أهم حاجة دلوقتي أسمك و كتابك…
كأنه لم يسمعها بل زاد الأمر و لف ذراعه الثاني حول خصرها لتبقى محجوزة بين جسده، أجبر جسدها على السيرة معه و الحراسة حولهما من كل الاتجاهات تمنع اقتراب الناس و الصحافة من المدخل، حرك يده على خصرها بحنان قائلا بقوة :
_ مفيش حاجة مهمة عندي غيرك يا صافية، و بعدين أنا لو مش عايز أعلن أنتِ بالنسبة ليا إيه مش هجيبك هنا أهزقك يعني…
ابتسمت إليه قائلة :
_ أنا بس مش عايزة يحصل معاك أي مشكلة بسببي…
أخذ نفس عميق من عنبرها الفطري ثم قال :
_ مشكلة ايه بس و أنتِ طلقة كدة، يلا قدامي بدل ما اتهور قصاد الناس وقتها هيبقي أسمي في الأرض…
ضحكت بخجل و دلفت معه للداخل، أجلسها على الترابيزة المخصصة إليه و جلس بجوارها، بدأت الكاميرات الخاصة بالصحافة و الجمهور المحبب لقلبه بأخذ العديد من الصور إليه…
اقترب منها أكثر هامسا :
_خليكي مكانك هنا بلاش تروحي في أي حتة و أنا هروح أتصور مع الناس مش عايز حد يقرب منك لو حتى بنظرة سامعة..
أومأت رأسها إليه بطاعة، ليشير للحارس الخاص به بالبقاء معها و قام من مقعده مقتربا من الجمهور الذي صرخ بحماس لوجود شعيب الحداد معهم…
عيناها كانت تتابع كل ما يحدث بفخر مغلف بنوع من أنواع الغيرة خصوصا من الفتيات، رغم الأحترام الظاهر بالتعامل إلا أن فكرة وضع صورة له مع إحداهن على هاتفها يشعل النيران بداخل صدرها…
لم تنتبه لذلك الذي جلس بجوارها و مد يده قائلا :
_ عصام شوقى محامي زميل لشعيب…
نظرت إليه بتوتر و عادت بنظرها لشعيب تطلب منه النجدة إلا أنه لا يراها من الأساس لذلك مدت كفها بتوتر مردفة :
_ أهلا بحضرتك يا فندم تشرفت بمعرفتك…
ابتسم إبتسامة ذكورية من نوع مفهوم جداً ثم قال و هو يرفض ترك يدها :
_ مش هتقولي إسمك ايه يا جميل…
حاولت سحب كفها منه إلا أنه ضغط عليها بقوة، جزت على أسنانها و بلا لحظة تفكير قربت حذاء عالي من قدمه و ضغطت عليه بكل قوتها مردفة :
_ قوم من هنا حالا بدل ما أخلي شكلك قصاد الناس أقل من فردة الجزمة…
تركها و زاد انبهاره بها ليقوم من مكانه هاتفا :
_ رجعلك تاني خليكي مكانك…
زفرت بضيق بعد رحيله اختفى و حل محله سعادة عندما رأت شعيب يقترب منها، عادت للخلف بتوتر من نظراته الحارقة لها لتردف بتوتر :
_ في ايه هو أنا عملت حاجة غلط ما أنا قاعدة مكاني أهو…
سحبها من خصرها ضاغطا عليه بغيرة عمياء :
_ عملك أسود على دماغك الحلوة بييجي لها عرسان كمان ما شاء الله..
أتت عينيها سريعا للرجل الذي كان يجلس بجوارها وجدت زراق مزين عينيه الإثنين عضت على شفتيها بخوف مردفة :
_ أنا و الله معرفش ده مين و لا هو حتى يعرف أنا مين و لما مسك أيدي علمت عليه يا شعيب وراك رجالة…
سار بها للقرب من ساحة إلقاء الكلمة بعدما نادى عليه مقدم الحفل عدة مرات، رسمت ابتسامة مزيفة على وجهه قائلا :
_ و ماله أنا دلوقتي هعرف الناس كلها أنتِ تبقى بالنسبة ليا إيه…
وقف بها ليأخذ المايك و يبدأ بالحديث بابتسامة مجاملة قائلا :
_ حابب في الأول أشكر أي شخص قرر إنه ييجي حفل التوقيع عشان يقابلني قبل ما ينتقي الكتاب، ثانياً لآزم أقول الكتاب ده اهداء لمين لحبيبتي و مراتي و أغلى حاجة عندي، صافية شعيب الحداد…
قبل أن يكمل حديثه أتى اليه صوت بجواره يعلم صاحبه جيدا :
_ ألف مبروك يا شعيب بس مش كان الأولى تعزمني على كتابك ده أنا حتى غادة يا راجل…
_____ شيماء سعيد _____
بمنزل صالح الحداد…
نزلت حبيبة على السلم ثم ودعت أطفالها قبل الذهاب للنادي، و قبل أن تدلف للداخل وجدت حسن ينزل من سيارته مقتربا منها، أخذت نفس عميق تحاول به الثبات ليقول هو بابتسامة متوترة :
_ ازيك يا حبيبة عاملة ايه؟!..
ردت عليه بقوة :
_ اسمي مدام حبيبة لو جاي عشان الأولاد فهما راحوا النادي و لو عايز صالح ثواني أقوله إنك هنا…
أجابها بسرعة قائلا :
_ لأ استني أنا جاي عشانك أنتِ…
لوت شفتيها بتعجب مردفة :
_ خير في حاجة مهمة؟!..
حمحم بخجل لا يعرف ماذا يقول و لكنه بالفعل يريدها معه، تحلى ببعض الشجاعة قبل أن يردف بثبات :
_ أنا فرحي كان من أسبوع…
رغم غصة الوجع الذي قدر على إصابتها بها بمق,تل إلا أنها لم تظهر ذلك، حسن لا يستحق دمعة عين واحدة منها و لا حتى جملة عتاب، رفعت رأسها بكبرياء ثم قالت :
_ مبروك أنا عارفة من حور، في حاجة تانية عايز تقولها…
أخفض رأسه بندم مردفا :
_ أسبوع واحد وضح ليا أد ايه كنت غبي لما خليت التراب في حياتي مكان الدهب، أنا كنت عايش ملك…
قطعت حديثه و هي تشير إليه بالصمت ثم أردفت بنبرة باردة :
_باقي كلامك مش عايزة أسمعه، أرجوك خلي في قلبي صورة كويسة ليك مش معقول كل يوم تنزل من نظري عن اليوم اللي قبله و كأن 11 سنة جواز دول كانوا تراب، عن إذنك لازم أدخل…
أغلقت الباب بوجهه سريعا و سقطت بجسدها على الأرض تبكي، أتى بعد ما قطع آخر قطعة من الخيط بينهما، هي الآن لا تبكي عليه بل تصرخ بكبرياء و أنوثة إمرأة قدر على دعسها بقدمه، أطلقت آه قوية ثم قالت بحرقة قلب :
_ ااااه على سنين عمري اللي راحت هدر عليك، آه على شبابي اللي بقى رماد بين إيديك، منك لله ربنا العزيز المنتقم يا حسن…
______ شيماء سعيد _____
استيقظ صالح ليجد نفسه بين أحضان سمارة، ظل ثابت لعدة ثواني عينيه معلقه بنقطة واحدة قبل أن يسأل نفسه سؤال واحد ” لماذا هي؟!..” حتى زوجته الراحلة لم يحبها كانت خير زوجة صالحة و انتهى أمرها، لكن من تتقلب على فراشه الآن غير شيء مختلف و أصبح بقائها معه إدمان..
استيقظت هي الأخرى لتعطي إليه إبتسامة قبل أن تردف :
_ صباح الخير يا باشا مالك مكشر ليه كنت فاكر نفسك هتصحي أكون أنا حلم…
قهقه بقوة على تصرفاتها التي مهما كبرت ستظل هكذا دائماً، سند برأسه على ظهر الفراش ثم أردف بهدوء :
_ على فكرة أنا عمري ما سرقت فلوس من حد، عمي اتجوز أمي و أخد فلوس أبويا و بعدين قالي مع السلامة أنت و أختك، كنت وقتها في أولى اعداي مكنش عندي أي حلول، الطب كان حلم بابا الله يرحمه و الجراحة بالذات كانت حلمي أنا لأن أبويا مات في عملية قلب مفتوح.
جعلها تفرد ساقيها إليه ثم نام عليهما مغمضا عينه يكمل لها باقي القصة المفقود بهدوء :
_ أمي كل اللي قدرت عليه تديني قبل ما جوزها يطردنا فلوس أجرت بيها أوضة فوق السطح و كان معايا حبيبة صغيرة جداً، بدأت أشتغل عشان أصرف عليها و على نفسي بس مكنش في أي حاجة نافعة، وقتها قابلت حسن عيلته كلها ماتت في حادثة و مش فاضل له إلا بيته، قعدت فيه أنا و حبيبة مع حسن، و جار حسن كان حرامي بس مش حرامي فلوس حرامي ورق، ناس كبار يلعبوا مع بعض بورق يودوا بعض في داهية بيه و إحنا دورنا ناخد ورق من خزنة ده نديه لده و ناخد حقنا، فضلت كدة لحد ما جار حسن مات و بقيت بعدها أنا الكبير، كنت أعرف كل المعلومات اللي عايزها عن أي رجل أعمال و آخد الورق اللي أنا عايزه و بعدين أسيب له علامة يفتكر بيها هو قد ايه زبالة…
فتح عينيه ثم نظر إليها بابتسامة قائلا :
_ حتى عمك سبت له علامة لأنه زي عمي بالظبط، أحب أقولك إن حقك رجع و فلوس والدك الله يرحمه و كل أملاكه بقت باسمك أنتِ و صافية..
نزلت دمعة ساخنة من عينيها، قصته تشبه قصتها إلا أنه أبشع بكثير، ضمها إليه بقوة ثم أردف :
_ أوعدك إنك هتبقى في أمان لكن شغلي خط أحمر، أنا مش حرامي يا سمارة أنا الدكتور صالح الحداد أما موضوع الحرامي ده أكبر من تفكيرك بكتير و الأفضل ليكي إنك تبقي برة اللعبة دي…
دفنت وجهها بعنقه هامسة :
_ ليه بتقول الكلام ده دلوقتي..
_ لأني عايز ولد منك يا سمارة…
الفصل الخامس عشر والأخير.
بمنزل شعيب.
أغلق باب الغرفة عليهما بلهفة، أخيراً رضت عنه و هو مشتاق لهذا الرضا، أخذ يقترب منها و هي تعود للخلف و كفها يشير إليه بتحذير بعدم الاقتراب، إلا أنه حرك رأسه إليها بلا مبالاة انتهى وقتها و الوقت الآن يخصه هو فقط…
شهقت عندما ابتعدت ساقيها عن الأرض و أصبحت فوق الفراش بعدما ألقاها عليه و ألقى بنفسه بجوارها، ارتفعت حركة صدرها مع ضر,بات قلبها مرددة بتقطع :
_ شعيب طلع قلة الأدب دي من دماغك، خلينا ناس محترمة..
ابتسم لها شعيب ساخرا قبل أن يرد عليها و هو يزيل جكيت بذلته و يلقى به على أرضية الغرفة :
_ وقت الاحترام انتهى، وقت الدلال بح يا روحي، خليكي زوجة مطيعة…
رفرف قلبها بسعادة من كلمة زوجة و كانت بألف ستغرق ببحر عشقه، نزل لمستوى وجهها و عينيه على جزء معين لتضع يدها على صدره مردفة بحزن طفولي :
_ إبعد يا شعيب مش معنى إن غادة خرجت من حياتنا تعمل فيا كدة…
رفع حاجبه إليها مستنكرا ما تتفوه به مردفا من بين أسنانه :
_ عملت فيكي ايه بس يا صافية تعبتي قلبي معاكي…
أخفضت عينيها بالأرض و همست بنبرة صوت مترددة لكنها تتمنى من أعماقها تنفيذ رغبتها، تريد أن تشعر بالسعادة مثل باقي الفتيات و هذا أقل من حقها :
_ عايزة فرح يا شعيب هو أنا أقل من اللي اتعمل لهم فرح..
رفع وجهها اليه بلهفة و باليد الأخرى أخذ يمسح عليه قائلا بقوة :
_ لأ طبعاً هعملك أكبر فرح لما نرجع القاهرة بس دلوقتي ركزي معايا يا روحي.
ابتسمت إليه بسعادة و بين دقيقة و الثانية قدر على أخذها معه برحلة من رحلات الحب…
بعد فترة غرقت الجميلة بالنوم و بقى هو يتذكر منذ قليل بحفل التوقيع..
فلاش بااااااك…
دار بوجهه لغادة أمام الجميع، بالحقيقة موقفه أكثر من حساس و مركزه لا يسمح أبداً بتدمير صورته أمام الناس، كل ما فعله شدد على كف صافية كأنه يطلب منها الدعم ثم ابتسم لغادة قائلا بنبرة جامدة :
_ نورتي الحفلة يا غادة…
ابتسمت إليه بصفاء غريب على الموقف ثم اقتربت من صافية تضمها إليها هامسة :
_ بلاش توتر أنا عارفة كل حاجة من أول يوم شوفتك فيه، ماما أنعام قالت ليا الحقيقة، أنا و شعيب كنا أصدقاء و أتمنى نفضل كدة على طول ربنا يفرحكم مع بعض و قريب جداً.. أنا كمان هيبقى فيه شخص يحبني بجد…
انتهت من حديثها ثم ابتعدت خطوة للوراء رافعة رأسها بشموخ و كبرياء مدت كفها للسلام على شعيب الذي مد يده عليها قائلا :
_ أنا بعتذر بس..
رفضت أن تسمع منه أي مبرر و ردت سريعا بنفس القوة لن تسمح لنفسها بالانكسار أمام رجل :
مفيش داعي للكلام ده قلبك أكيد مالكش سلطان عليه، و أنا و أنت عارفين من البداية إن الحب بنا مكنش موجود قد ما كان موجود الإحترام و التفاهم، أتمنى لك حياة سعيدة لأنك تستحق ده…
أومأ برأسه قبل أن يرد عليها بابتسامة مجاملة :
_ و أنتِ كمان تستحقي كل خير…
انتهى الفلاش بااااااك…
وضع قبلة صغيرة على خصلات صافية قبل أن يحمل هاتفه متصلا بمدير أعماله قائلا بهدوء :
_ معاك لحد بكرة تحجز قاعة و تعمل فيها أكبر فرح عايز كل الناس المهمة و الصحافة يبقوا هناك، بكرة بالليل الفرح يا شوقي سلام…
______ شيماء سعيد _____
بصباح اليوم التالي.
بمنزل صالح الحداد نزلت دموع سمارة و هي تضم إليها حبيبة تودعها قبل السفر لكفر الكبير، تعلقت بها حبيبة لدقيقة كاملة عاشت حياتها كلها تفتقد هذا العناق الحار بالمحبة ابتعدت عنها بعد فترة لتقول :
_ أنتِ طيبة أوي يا سمارة و أنا متأكدة إن صالح معاكي هيبقى أفضل من الأول بكتير…
أتى صالح من خلف شقيقته قائلا بهدوء :
_ عايز آخدك في حضني قبل ما تمشي دي أول مرة نفترق فيها يا حبيبة…
بألف من أول يوم لها بتلك الحياة و هذه هي المرة الأولى التي تبتعد بها عن سندها الوحيد صالح، دارت إليه ليفتح ذراعيه لها ألقت نفسها بداخلهما باكية، حرك يده على ظهرها بصمت تاركا لها مساحة كبيرة من تفريغ ما بداخلها…
همس لها بمحبة :
_ دموعك غالية لازم تبدئي قوية طالما عايزة اللي فات يمو.ت و البداية تبقى على صفحة بيضا…
ابتعدت عنه ثم أومأت برأسها عدة مرات مردفة بتقطع :
_ أنا قوية بيك و هفضل طول عمري قوية بيك..
التزم بقوته المعتادة و ربت على كتفها قائلا :
_ حبيبة أنا عايزك قوية بنفسك مش عشان أنا معاكي، و هناك متخافيش المكان أمان بكرة هكون عندك أنا و سمارة هنحضر فرح سند…
ذهبت حبيبة مع السائق و ظل هو يتابع طيفها من بعيد، هذه آخر ما تبقى له و ما كان يعيش من أجله، التفت ليري زوجته تبتسم إليه بحنان مردفة :
_ متخافش عليها هتبقى بخير و هترجع من المحنة دي أقوى من الأول بكتير…
حرك كتفه قبل أن يلقى بجسده على الاريكة قائلا :
_ مش خايف عليها قد ما خايف على حياتي من غيرها، حبيبة بنتي يا سمارة مش أختي طول عمرنا روح واحدة…
رغم كبرياء سمارة و عنادها المعتاد إلا أنه تفاجأ من جلوسها على الأرض بجوار الأريكة واضعة رأسها على ساقه و بيدها تدلك أطرافه مردفة :
_ أنا جانبك و ولادنا كمان هيبقوا جنبك…
رفع حاجبه إليها مردفا بعبث :
_ لسة إمبارح متفقين إننا نخلف فين العيال دول..
فعلت مثلا و رفعت حاجبها إليه بمشاكسة مرددة :
_ إخص عليا هو أنا إزاي نسيت أقولك حاجة مهمة زي دي…
دق قلبه من مجرد تخيل ما ستقوله الآن، أهي حامل من أول ليلة لهما معا، أومأت له عدة مرات بابتسامة واسعة و كأنها تثبت إليه ما يدور بعقله، سحبها سريعا لتجلس على ساقه قائلا بتردد :
_ بلاش لعب يا سمارة في الحاجات دي..
هزت كتفها بدلال مردفة :
_ بس دي مش لعبة يا حبيبي أنا كنت عارفة إني حامل من قبل ما أرجع هنا، بس فضلت ساكتة لحد ما أسمع منك إنك عايز مني أطفال…
ضمها إليه مغلقا ذراعيه عليها و على طفله بحماية، صامت مغلق العنين و عقله ذهب بعيدا لأرض الأحلام، طفل صغير يأخذ قوته و عنادها يبقى دائماً الجزء الرابط بينهما، أخرج من أعماق صدره تنهيدة طويلة مستمتعا بتلك اللذة لأقصى درجة ممكنة..
ابتسمت على صدره تنعم بالأمان، أخذت من رائحة عطره ما يكفيها لعام كامل، تصنم جسدها فجأة بين يديه و كلمته تصل إلى مسامعها توقعت أنها تتوه لكنه أعادها مرة أخرى :
_ بحبك…
اهتز جسدها و رخت قوتها أبعدها عنه قليلا ليري ما بها وجدها صامتة و الدموع تسقط من عينيها سألها بقلق :
_ أنتِ كويسة؟!..
أومأت إليه مردفة :
_ شكراً.
رد عليها بقلق و دهشة من حالتها تلك فهي تعتبر بعالم آخر :
_ شكراً على إيه؟!..
رفعت كفها المرتجف تلمس به ملامحه المميزة جداً بالنسبة لها ثم قالت :
_ من أول يوم شوفتك فيه و أنا كان عندي حلم واحد هو أنت يا صالح، النهاردة اتحقق حلمي أنت في حضني و إبنك في بطني..
هل يوجد إمرأة عاشقة لرجل بتلك الدرجة التي عليها زوجته، أم أنه محظوظ أكثر من اللازم و العوض آت إليه على هيئة إمرأة أعطته من روحها ليحيا من جديد؟!. شعور عظيم بالانتشاء هو الآن فقط يملك أن يحلق بالسماء و لا يرغب بغيرها، أخذ شفتيها بقبلة ثم همس إليها بحيرة :
_ بصراحة مش عارف ممكن تكون إيه الحاجة الحلوة اللي عملتها في حياتي عشان تبقي أنتِ المكافأة بتاعتها، حبيني على طول يا سمارة و أوعدي قلبي بكدة..
شعرت بالنعاس لتلقي بنفسها على صدره و تلف ذراعيها حول عنقه مردفة :
_ أوعدك يا أبو العيال، يلا شد حيلك و اطلع بيا على فوق مش قادرة أمشي…
_______ شيماء سعيد ______
بالمساء…
بإحدى قاعات الأفراح الفخمة كان يجلس صالح بجوار سمارة و هو يحاول بقدر المستطاع التماسك بهذا المكان، وقفت عيناه على شقيقه الذي اقترب منه جاء ليقوم من مكانه إلا أن سمارة تمسكت به قائلة :
_ أنت أقوى من الهروب و لو حد لازم يبقى خايف من المواجهة يبقى أكيد مامتك مش أنت…
ضغط على كفها و لأول مرة بحياته يطلب صالح الحداد الدعم من أحدهم، وقف شعيب أمامه بابتسامة سعيدة بوجوده قائلا :
_ حاسس إن ليا سند لما شوفتك وسط الناس في الفرح…
أبعد صالح عينيه عنه يرفض بشتى الطرق سماع صوت قلبه الذي يطلب منه معانقة أخيه قائلا :
_ أنا هنا عشان سمارة مش عشانك…
ابتلع شعيب تلك الغصة ثم أومأ إليه بهدوء مردفا :
_ صافية فوق مستنية حد يطلع يسلمها ليا ناوي تعمل كدة و الا لأ…
ضم زوجته بقوة أكبر من ذي قبل ثم رد على الآخر ببساطة :
_ أنا هنا عشان سمارة تبقى مبسوطة و أختها بقت زي حبيبة عندي فخاف مني يا إبن الحداد…
بعد عشر دقائق كانت صافية معلقة بذراع صالح و تنزل معه خطوات الدرج حتى وصلت إليه، أقتربت منها سمارة قبل أن يأخذها شعيب و ضمتها إليها بحنان أم، كان لديها رسالة طويلة مع صافية و ها هي وصلت معها لمنتصف الرحلة، تشبثت بها صافية بقوة مرددة :
_ نفسي أقولك يا ماما و بابا كمان يا سمارة لو ينفع..
ابتعدت عنها سمارة و هي تزيل دمعتها التي خانتها و سقطت منها ثم أردفت بابتسامة سعيدة :
_ قوليلي كل اللي نفسك فيه يا قلب أختك، أنتِ هتفضلي دايماً بنتي البكر و فرحة عمري كله…
دارت بوجهها لشعيب قائلة :
_ خد بالك منها دي تعب العمر كله…
أومأ إليها شعيب بابتسامة مشرقة و سحب منها صافية قائلا :
_ شكراً يا سمارة بسببك دخل السعد و الحب قلبي و قلب أخويا….
بعد ساعة لم يتحمل صالح البقاء بحفل الزفاف أكثر من ذلك، يكفي رؤيته لوالدته أمام عينيه و هو غير قادر على الاقتراب منها، حتى سعادتها المرسومة على ملامحها لم يراها له أبداً، فقام من مكانه ثم قال لسمارة :
_ سمارة أنا همشي كملي الفرح و السواق هيكون معاكي…
قامت هي الأخرى مردفة :
_ هروح معاك..
أشار إليها بالجلوس ثم انحني مقبلا رأسها هامسا :
_ مينفعش صافية كل اللي ليها في الفرح ده أنتِ بلاش تكسري فرحتها..
عادت للجلوس بقلة حيلة فهو معه حق، تركها و خرج من المكان ليري شعيب ذلك و ذهب خلفه سريعا دون أن يلاحظ أحد…
بالخارج جاء صالح ليصعد سيارته وجد من يمسك كفه يمنعه من فتح الباب و يقول له بحزن :
_ مع إنك كنت مظلوم و مالكش ذنب بحكاية حب بابا لماما رغم أنها مرات أخوه و شيلت الليلة لوحدك أنت و حبيبة بس مع ذلك أنت ظالم يا صالح، زي ما أنت مكنش ليك ذنب أنا كمان زيكم ليه دايما مصمم تبعد عني…
هل حان وقت المواجهة الآن و بداخل حفل الزفاف؟!.. حرك رأسه بنفي.. هو غير مستعد لهذا الآن و لا بعد ألف عام، رفض النظر إليه وجها لوجه و أردف بقوة :
_ ارجع فرحك يا شعيب ده مش وقت كلام…
من متى و صالح بهذا الضعف، صمم شعيب على قراره و جذب الآخر من كتفه ليكون أمامه دون هروب قائلا بنفس القوة :
_ مش مهم عندي أي حاجة يا صالح غير إنك أخويا و مش هسمح لك تفضل بعيد عني و أشيل الذنب الكبير ده لوحدي مع إني كنت طفل أصغر منك و مش فاهم أي حاجة…
الي هنا و لم يتحمل صالح فصرخ به قائلا :
_ أنا عارف كل ده و بحبك.. أنت مهما حصل أخويا الصغير اللي كان بينام في حضني عشان بيخاف من الضلمة، بس أنا مش هقدر أشوفها لو بقي بنا أي كلام هتبقى هي موجودة فيه، أنا مشكلتي مش معاك قد ما أنا كل ما اشوفها أفتكر قد إيه كانت ضعيفة و إبنها و بنتها نايمين في الشارع…
ترقرقت عيناه بالدموع ليأخذه شعيب بين أحضانه، صالح هاش من الداخل اعتاد دائماً على تحمل ما هو فوق طاقته، الآن فقط ترك هذا الحمل من فوق رأسه و قرر الضعف أمام أحدهم يعلم أنه سيكون سترا له..أخذ شعيب نفسه الذي يحترق و رد عليه :
_ ماما كانت خايفة عليك يا صالح كانت بتحاول تساعدك من بعيد لبعيد مكانتش قادرة تعمل أكتر من كدة بابا كان جبروت و بعدك كان حياتك بدل ما كان خلص عليك و على حبيبة..
عاد صالح خطوة للخلف بإرهاق و تعب من كل شيء، مسح على خصلات شقيقه عدة مرات بحنان مثلما كان يفعل بالماضي ثم قال :
_ بلاش سيرتها يا شعيب لو عايز نبقى أخوات، أنا عايزك أنت و حبيبة و بس…
سقطت دموع شعيب بسعادة قائلا و هو يمد يده لصالح قائلا :
_ ماشي موافق أنا كمان مش عايز غير كدة، يلا خليك كبير الفرح زي ما أنت طول عمرك كبير…
ابتسم إليه صالح ثم أومأ له و سار معه للداخل متنهدا بارتياح و روح جديدة…
_____ شيماء سعيد _____
صباح اليوم التالي كان الجميع على أعتاب منزل سند الكبير لحضور حفل زفافه، حتى شعيب أتى بصافية مع صالح و سمارة، تقدم سند بجلبابه و عصاته التي تعتبر صديقته و وقف أمام سيارة صالح يستقبله بحفاوة قائلا :
_ الدكتور بنفسه عندنا و كمان معاه كاتبنا العظيم انتوا الاتنين سوا طب إزاي؟!
قهقه الثلاثة برغم من صداقة صالح و سند إلا أنه على علاقة طيبة بشعيب، سلم عليهم بحرارة ثم نادي على الخادمة بقوة قائلا :
_ دخلي الحريم لستك الحاجة جوا..
نظرت سمارة لصالح بتوتر ليقول لها بهمس حنون :
_ متخافيش يا حبيبي حبيبة جوا و العروسة من اسكندرية هتحبيها أوي…
بجراءة مثل العادة ردت عليه بهيام واضح على ملامحها جعل صافية تسحبها عنوة للداخل :
_ مش بحب أي حد في الدنيا غيرك أنت حتى البت صافية بقت تقيلة على قلبي يا روح قلبي…
دلفت للداخل ليحرك رأسه بمعنى لا فائدة و قهقه بمرح…
ربت سند على كتفه قائلا بخبث :
_ شكلك واقع يا دكتور…
رد عليه صالح بنفس الخبث :
_ عقبالك لما تهمد بقى خلصت نص ستات الكفر ماعدا المحارم و دخلت على المدينة المجاورة…
ضحك شعيب على ملامح سند الغاضبة وقال :
_ مالناش دعوة بيه يا صالح ده راجل مفتري و إحنا عرسان…
ربت سند بقوة على كتف الاثنين قائلا بهدوء :
_ اشتروا عمركم يا عرسان و قدامي على جوا…
______ شيماء سعيد ______
مر الزفاف بسلام و صعد صالح لغرفة النوم المخصصة له مع سمارة، نظر للفراش وجدها غارقة بالنوم، جلس بجوارها و تجول بكفه على بشرتها هامسا :
_ حبيبي أنا جيت لحقتي تنامي.
أزالت يده من عليها بقوة ثم أردفت و هي مازالت مغلقة العينين :
_ لو سمحت ابني عايز ينام شوية في بطن مامته من غير ازعاج روح هات من الفطير اللي كنا بناكل منه تحت…
رفع صالح حاجبه ساخرا :
_ و ده إزاي بقى إن شاء الله الناس نامت و البيت مش بيتنا..
دفنت وجهها بالوسادة أكثر ثم ردت عليه بلا مبالاة :
_ اسرق..
ردد صالح بذهول :
_ أسرق عايزاني أبقى حرامي يا سمارة…
سحبته من ملابسه قائلة بصرامة :
_ لأ أنت عالم كيمياء آسفة للغلط في حضرتك، بقولك أنا و ابني عايزين فطير و أنت جوزي و لازم تتصرف ، أنت ايه؟!…
رد عليها باستسلام فيبدو أن هرمونات الحمل بدأت معها :
_ أنا جوزك يا حبيبتي، ثواني و الفطير هيكون عندك….
فتحت عينيها مبتسمة إليه بهيام ثم وضعت رأسها على صدره تضمه إليها قائلة :
_ الكلمة دي عندي بالدنيا مش عايزة فطيرة خليك في حضني…
_ أنا في حضنك المهم إنك تفضلي كدة على طول في حضني…
رواية أنا جوزك.
بقلم شيماء سعيد.