متاهة مشاعر الجزء الرابع

***********

أطلت منى من شباك الغرفة لتتأمل حسن الشارد والصامت تماماً منذ غادرا حفل زفاف شقيقه.. كان جالساً وسط حديقتها الصغيرة خارج الغرفة ناظراً إلى لاشيء.. وبدا الغضب على ملامحه.. غضب ممزوج بشيء لم تفهمه.. أهو التصميم أم الندم؟…. تساءلت والحيرة تتآكلها هل حانت لحظة الندم؟.. لكنها أتت بسرعة شديدة.. حتى أنها لم تتهيأ لها.. ذهابها برفقته إلى الزفاف كان مخاطرة ولكنها أخذتها بشجاعة.. وكانت متأكدة من تحرش نيرة بها.. فهي أنثى وتدرك عمق الجرح بداخل أنثى مثلها.. وتصورت أنها ستكون محط انتقام نيرة.. ولكن ما لم تفكر به هو هجوم نيرة على حسن نفسه.. واهانته بتلك الطريقة الفجة.. وهو.. بدا متجمداً وكأن كلمات تلك المتكبرة كانت كسياط وشمت جلده بما لا يمكن محوه.. والمشكلة أنه بدا متباعداً ورافضاً أي تسرية أو مواساة منها.. ردوده قصيرة ومقتضبة.. عيناه تتهرب من مواجهة عينيها.. ويلجأ للصمت متجنباً إجابة أسئلتها المنطوقة والصامتة.. وأخيراً.. اعتكف وحيداً وسط جنتها الخضراء.. ولكن بنفسية سوداء كالجحيم..

خرجت له أخيراً تحاول فك عزلته وسألته بخفة:

ـ حبيبي.. أجهز لك عشا خفيف؟

هز رأسه رافضاً بدون أي كلمة.. عادت تشاكسه مرة أخرى:

ـ طيب أعمل لك عصير فراولة.. بالسكر المرة دي..

أجاب باقتضاب:

ـ أنا مش محتاج حاجة يا منى.. شوية وهدخل أنام.. تصبحي على خير..

وأشاح وجهه بعيداً عنها.. يشرد عنها في عالم بعيد.. رافضاً وللمرة الأولى مشاركتها بأفكاره.. وهمومه..

اقتربت منه بصمت لتضم رأسه الى صدرها .. تحتفظ بها طويلاً قريباً من قلبها.. ثم قبلته على جبينه برقة وتركته كما طلب ودخلت إلى غرفة نومهما.. وفي أعماقها تشعر بحزن وجرح منه.. فهو انغمس في أحزانه على نفسه ولم ينتبه لألمها ومعانتها هي الأخرى من الإهانة التي ألحقتها بها نيرة على السواء.. إهانة كانت تتوقعها وقررت أن تتلقاها بشجاعة مقابل أن يشارك شقيقه ليلة زفافه.. ولكنه للأسف.. لم يفكر إلا بنفسه.. بألمه.. بكرامته.. وكبريائه..

وفي تلك الليلة ولأول ناما.. وكل منهما يولي ظهره للآخر.. ملتحفاً بأفكار مقلقة.. وحيرة حول المستقبل.. منى دموعها تجري بصمت وخوف رهيب يعتصر قلبها.. وحسن مصاب بحالة من الجمود.. جمدت كل أفكاره ومشاعره.. يشعر أنه في فقاعة عازلة ويخشى بشدة الإتيان بأي حركة خشية تمزق الفقاعة ومواجهة ما يحيط به..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *