فرط الحب دينا ابراهيم الجزء الثاني

الفصل السادس:

دخل ريان إلى الشرفة وتابع في صمت وانتصار خروج ريم مع صغيره عمر من المبني، فقد نجح الصغير المحتال في اتمام مهمته على أكمل وجه بتمسكه بالخروج مع ريم والتحجج باشتياقه إليها وتأكيده بأن البقاء مع ابيه يقتله من الملل.
جز على أسنانه فقرار تركها تذهب للعمل في وجود ذلك الحقير يفور الدماء في عروقه ولكن الوقت ليس مناسب لفرض سيطرته عليها وشيء داخله يؤكد له بأنها لن تقبل.
ارتفع جانب فمه في فخر فعلى الأقل سينعم بالراحة والسلام لوجود طفله بينها وبين البغيض في مكان العمل.
خرج من افكاره على رنين هاتفه وانكمشت ملامحه في بُغض وهو يرى اسم شقيقته يتوهج من الشاشة الصغيرة كعادتها كل صباح منذ علم بكذبتها التي قلبت حياته رأسًا على عقب فبعد ثلاث أشهر أجبرتها معاناته ومعاناة صغيره على الاعتراف بفعلتها لتترجاه ان يغفر جنونها وأنها شعرت بالخوف ان يتركها مع بيجاد الغاضب دوما والفاقد للسيطرة على افعاله في حال سفره وانه لم يكن سيحتاجها بوجود ريم في حياته ترعاه وترعى صغيرة.
وقد كان ريان كالقنبلة الموقوتة لكنه لم يستطع ان يفعل معها شيء سوى التعجل في إتمام زواجها من نادر جارة في المبني والتي اخفت شقيقته علاقة حبهما عنه ليتوج مخططها بالنجاح، شعر بغصة مريرة لا يزال غير قادر على مسامحة الأنانية البحتة التي تملكتها وجعلتها تدمر أسرته الصغيرة وتذيق طفله طعم اليُتم مرتين، خيانة لم يتوقعها يومًا من أقرب الاقربون.
لكن حين يتحدث المستقبل والمال تذوب الاربطة وتتحول الدماء إلى ماء، ابتسم بغل ألم يكن هذا مبررها انها خشت على مستقبلها وأحلامها بالاستقرار في الخارج.
هز رأسه باستنكار يكره التفكير في الأمر ثم رفع هاتفه مقررًا اجراء محادثة دولية هامة فأتته الإجابة في الرنة الثانية بترحاب:
-اهلًا ريان عاش من سمع صوتك يا راجل.
-اهلا يا بهاء، انا اسف اني بتصل بيك وانت أكيد في شغلك بس في موضوع مهم عايز اتكلم معاك فيه.
قال ريان في صدق وهو يحوم حول نفسه في الردهة في حيرة وتوتر ليخبره بهاء وهو يتجه لزاوية هادئة بعيدًا عن صخب موقع العمل:
-معاك يا صاحبي، خير؟
-فاكر الظرف اللي بعته معاك لمراتي، كنت عايز أعرف أنت فتحته ؟
-عيب عليك لا طبعا الظرف وصلها مقفول.
اخبره بهاء دون تفكير ليؤكد ريان في جدية:
-انت متأكد يا بهاء الموضوع مهم بالنسبه ليا.
سعل بهاء في خفة ليخبره بخجل طفيف:
-الظرف وصل مقفول ده أكيد،
بس في نقطة صغيرة انا كان معايا علاء صاحبنا بتاع الجامعة فاكره؟
-اللي كان عايز يسافر كندا؟
-عليك نور وسافر فعلًا من أسبوع.
قال بهاء في نبرة متوترة فهتف ريان في قلة صبر:
-ايوة ماله، احكي متقطعش انا مش ناقص وعلى أخري الله يرضى عليك.
-طيب اهدى، اليوم ده كنت متأخر أوي وهو كان معايا ووصلت لحد منطقة بيتك بس كان لازم امشي بسرعة عشان كان عندي معاد تجديد فيزه السفر بسبب شغلي الجديد وانت عارف المشاوير الحكومية ورخامتها فهو عرض عليا يطلعه بدالي.
-تقصد ان علاء فتح الظرف؟
قال ريان في سخط وغضب على صديقه لأنه ائتمن غيره ما ائتمنه بنفسه عليه فقال بهاء في نبرة مرتبكة مؤكدًا:
-لا طبعًا وانا متأكد من ده لأني أكدت عليه ان الظرف يوصل زي ما هو.
ضغط ريان على قبضته وهو يصك على اسنانه كي لا يمطره بوابل من التوبيخ واكتفى بقوله المقتضب:
-طيب لو سمحت يا بهاء اتصل اتأكد منه تاني.
-مينفعش للأسف هو سافر من اسبوع والمفروض انه اول ما يستقر هيتواصل معانا دلوقتي مش معايا اي طريقة للتواصل معاه.
-لما يبقى يتواصل معاك اسأله، في ايه يا بهاء متجننيش يا أخي انت كمان وتقفلها في وشي.
-اهدي يا ريان ايه اللي حصلك، انا بتكلم معاك عادي، على العموم أنا اسف لأني عارف انك زعلت لما اديته الظرف بدالي بس صدقني كان غصب عني.
قرص ريان فوق انفه ثم تنفس بهدوء فصديقه لم يكن مجبر على خدمته من الأساس، فتنهد قبل ان يقول في لهجة ساكنة:
-حصل خير يا بهاء، بس بعد اذنك الموضوع مهم وياريت متنساش تسأله اول ما يكلمك.
-هيحصل ان شاء الله، انت خلاص نقلت شغلك في فرع الشركة اللي في مصر وهتستقر عندك بجد؟
-ايوة يا بهاء وهبدأ بعد شهر الأجازة ما يخلص ان شاء الله.
قال ريان في وجوم فأجابه بهاء بصدق:
-ربنا يرزقك الخير ان شاء الله ويوفقك.
-تسلم، مش هعطلك اكتر من كده مع السلامة.
اغلق ريان الهاتف ما ان ألقى عليه صديقه السلام وانعقد حاجبيه في حنق فكل الامور تتعقد امامه وكأن القدر يعانده، زمجر في غضب كارهًا ان يبقى هكذا حائرًا غير ممسك بزمام الأمور في حياته.
كان عليه ارسال الظرف مع شقيقه والسماح له بتهشيم رأس أحمد قبل ان يفكر الأبلة في اختطاف ريم منه فربما وقتها كان قلبه سيبقى ساكنًا بين اضلعه لا يتلوى بنار البعد والغيرة.
*****

وقف أحمد من مقعده خلف المكتب ما ان دلفت ريم وسرعان ما انعقد حاجبيه وهو يتابع عمر يتبعها من الخلف بهدوء، توجه نحوها ولم يعطها فرصة للحديث متهمًا في حده :
-ممكن اعرف انتي ازاي سمحتي انه يرجعلك تاني؟
رفعت كفها توقف حديثه قبل ان تحادث عمر في حنو زائد:
-روح اقعد هناك يا عمر والعب بالتابلت لحد ما اتكلم مع عمو أحمد.
زم الصغير شفتيه باعتراض صامت ولكنه تزحزح ببطء حين ربتت ريم على كتفه تبعده نحو الركن البعيد وعيناه الشبيهة بعينا والده السوداء تبوح بشراسة رفضة بالابتعاد عن سارق والدته.
نظرت ريم إلي احمد المشتعل بغضبه ما ان ابتعد عمر ورأته يعبث بجهازه الالكتروني لمشاهدة برامجه الكرتونية كالعادة ثم قالت في خفوت:
-اكيد طبعا مش هسمحله يرجعلي من تاني بس في حاجات اكتشفتها قلبت الموازين.
ابتسم في تهكم وعيناه تلتهمها باتهام من اسفلها إلي اعلاها ليردف في نبرة ساخرة:
-قصدك قلبت الموازين في قلبك، رجعتي تحني لريان من تاني بعد كل اللي عمله فيكي،
ازاي رجعتي لضعفك واستسلمتي بالسهولة دي؟
شعرت ريم بغصة تتملكها فوضعت يدها على صدرها في دفاعيه وهمست في حزن:
-أحمد لو سمحت متقلبش عليا المواجع، وأتأكد كويس اوي اني مش ضعيفة واني عمري ما هنسى اللي عمله فيا.
زفر أحمد يلعن انفلات مشاعره وغضبه عليها دون سبب فهو يفكر ويخطط ثم يذهب كالأبلة في الاتجاه المعاكس لإفساد فرصته معها، تنهد قبل ان يخبرها في لهجة يتخللها الهدوء:
-انا متأسف يا ريم مقصدتش اجرحك،
انا بس خايف تنسي وتوقعي نفسك مع الراجل ده تاني صدقيني هو ميستاهلكيش، قوليلي حاجة وحده عملها يثبتلك بيها انه بيحبك؟
صمتت ريم في حزن واخفضت وجهها لأسفل لا تجد ما تجيبه به، قاطعتهم صوت عمر:
-ماما انا عايز اشرب.
تصلبت ريم وكلمة “ماما” تخترق مسامعها من عمر الذي وقف يناظرها بكل براءة وتوتر وكأنه اخطأ ويتوقع منها التوبيخ الذي اتاه بالفعل.
-دي مش امك متقولش ماما.
صرخ أحمد في حدة فارتعش الصغير وكاد يبكي في مكانه فهتفت ريم في رفض وقد ناشدت دموعه مشاعر امومتها:
-أحمد انت اتجننت، تعالى يا عمر يا حبيبي.
-ريم اللي بتعملي غلط انتي لازم توقفي الواد وابوه عند حدهم.
نظرت له ريم وكأنه فقد صوابه بينما تميل لحمل عمر بين ذراعيها رغم ثقل وزنه وزمجرت في نبرة معترضة:
-ولد أيه اللي اوقفه عند حده ده طفل وزي ابني، انت جرالك ايه ولا هما كل الرجالة اللي في حياتي اتجننوا فعلًا.
-زي ابنك لكن مش ابنك، متنسيش ان ابوه حكم عليكي ما تخلفيش غير لما ابنه يكبر يعني كان بيستغلك يا هانم عايزك دادة لابنه.
شعرت ريم بالتيه وقد اصطدمت كلماتها الواقعية الحادة بقلبها، التفتت تبحث عن حقيبتها التي القتها على الطاولة الجانبية ما ان دلفت فأخرج عمر لسانه في تشفي نحو أحمد الذي اندفع يحاول امساكها كي لا تذهب قائلًا:
-انا اسف يا ريم بس أرجوكي متخليش عيل صغير يضحك على عقلك ده أكيد تفكير أبوه.
ابعدت يده عن ذراعها ووضعت عمر ارضًا تغطي أذنيه قبل ان توبخ احمد من بين اسنانها:
-واضح ان ريان ايده كانت تقيله شويه وخلى مخك هنج، ده طفل خمس سنين عيب عليك.
ابتعدت خطوتين قبل ان تلتفت اليه وهي تتنفس بهدوء لتمالك أعصابها ثم أخبرته:
– انا كنت جايه أقولك ان ريان رجعني لذمته من غير ما اعرف صحيح احنا اتفقنا على الطلاق قريب،
لكن لحد ما يحصل ماينفعش نفضل مخطوبين احنا لازم نأجل الموضوع ده شويه.
ظهر الارتباك جليًا على وجه أحمد لكنه ابتسم في حزن ليذكرها:
-وشرط أبويا ولا نسيتيني أنا كمان ؟
-انت لسه قدامك ست شهور ان شاء الله هيكون الموضوع اتحل، عشان خاطري يا احمد بلاش تضغط عليا أكتر الدنيا ضغطاني خلقه.
اسبلت عيونها في خجل لا تصدق انها في ذلك الموقف فاستطردت في أسف:
-انا متأسفة بس انا مغلوبة على أمري ومقدرش أعمل حاجة.
اقترب منها يحاول ملامستها وجزء كبير داخله يرتجف بخوف من خسارتها فقال مستعطفًا إياها:
-انا اللي متأسف ورحمة امك ما تزعلي مني، انا أحمد اخوكي مهما حصل ومش مهم اي حاجة في الدنيا.
ابتسمت له في امتنان ليقابلها بابتسامه مجبرة قبل ان يقطع لحظتهما عمر وهو يتذمر شاعرًا بالتهديد من كلمات أحمد:
-عايزة اروح يا ماما يلا بينا أنا تعبان.
ابتسمت ريم لعمر منهيه بذلك لقائها وهي تعبث بخصلاته قبل ان تلقي السلام على أحمد وتجذب الصغير للخارج ولكن لم يفت أحمد همسها الامومي الحاني:
-حاضر يا عيون ماما.
اسودت عينا أحمد في حقد وألم داخلي لأسباب مختلفة بينما هناك عينان أشد سوادًا تتابع في تشفي وانتصار ما يحدث من بعيد.

*****
بعد المغرب صعد ريان إلى المنزل بعد ان ذهب لشراء بضع المشتريات، تنفس الصعداء ونبض قلبه في اضطراب حين دلف إلى المنزل وسمع ضحكات ريم من الداخل تلتها ضحكات عمر الموسيقية، وتساءل كيف تخلى عنها بسهولة؟
سؤال صعب لا يدري إجابته كيف اعماه غروره وظن انه سيستطيع تخطيها والابتعاد عنها، ركضت ريم للخارج وتوقفت ضحكاتها حينما وجدته امامها، انتقلت عيناها إلى الأكياس بيديه ولكنها سرعان ما التفتت نحو الصغير الذي اصطدم بها يمسكها وسط ضحكاته قائلًا:
-مسكتك مش هتهربي مني ابدًا ابدًا.
وضع ريان الأكياس ببطء فوق الأرض وهو يتابع بمشاعر ثائرة وحدهما عمر وريم قادران على دسها داخله، ابتسمت ريم وهي تبعثر خصلاته وعادت تناظر ريان لكنها شهقت في انزعاج وأعين متسعة حين لاحظت الماء المنساب على سجادها فهتفت:
-شيل الكيس ده بسرعة، حرام عليك انت مش بتتغير.
-اسف نسيت.
همس ريان بحرج لكنه يتقبل ملامحها المنزعجة عن الأخرى التي تصرخ ببغضها له، اتجهت للمطبخ تحضر منشفه صغيرة وخبطتها بعنف في صدر ريان وعنفته بحده:
-نضفها أنت، انا مش شغالة عندك!
رمش ريان وهو يزم شفتيه يحاول تمالك أعصابه قبل ان يتقبل المنشفة من يدها بهدوء متعمدًا ملامسة اصابعها الرقيقة فابتعدت عنه بملامح معقودة بانزعاج، ليقول بابتسامه جافة تظهر أسنانه:
-من عينيه، تؤمريني بحاجة تانية؟
ارتعش قلب ريم وعضت شفتيها بحقد على الذات لأنه يستطيع هز حصونها بابتسامه ساخرة، عقدت حاجبيها ولم تجيب ثم التفتت نحو عمر قائلة:
-يلا عشان تاخد شاور.
جثى ريان بنصف جسده يجفف الأرض وعيناه تلمع بترقب بينما يتابع اختفاءهما، ما ان انغلق الباب حتى رمى المنشفة واتجه بخطوات صارمة لغرفة عمر يبحث عن جهازه الالكتروني، جذبه حين وجده ملقى على الفراش واتجه لغرفة النوم الخاصة به وبريم يغلقها خلفه بعنايه قبل ان يعبث بشاشة الجهاز ويصل إلى مبتغاه لينبعث صوت خافت مسجل وتوالت الاصوات والخربشات حيث ظل يجري بمؤقت التطبيق حتى انتهت به الأصوات لصوت ريم وأحمد.
وضع سماعات الأذن ودأب يسمع بحرص ما دار بينهما، اسودت عيناه بغضب وهو يستمع لتحذيرات أحمد المقيتة ومحاولاته من أجل ابعادها عنه، جز على أسنانه يحاول التركيز فالأصوات بعيدة بالكاد يسمعها لكنه يفعل لأن الغبي يصرخ في ريم، زاد عضبه حين سمع سؤال أحمد:
-قوليلي حاجة وحدها عملها يثبتلك بيها انه بيحبك؟
انعقدت ملامحه وعلت انفاسه منتظر الإجابة ولكنه تلاقى بالصمت من جهة ريم، مر الحوار سريعًا لتدخل أبنه وشعر بغضب وغل حين سمع اتهام أحمد له بانه لم يرغب بطفل منها يومًا.
حاول تمالك أعصابه حتى انتهى الموقف فاغلق الجهاز واتجه بانفعال يشعل إحدى سجائره، أحمد على حق بشأن الإنجاب فالذنب الوحيد الذي يندم عليه هو انه لم يمنحها طفل من صلبه يخرج من احشائها ويربطها به والا لما كان من السهل عليها التخلي عنه من أجل أحد.
نبهته أصواتهما بالخارج بأنهم انتهيا لكنه لم يكن في حالة تسمح له بالخروج وإكمال خططه، جذب دخان السيجارة وابتلعه داخل صدره يتمنى لو يذيب تلك الكتلة المشتعلة بمشاعره المتأججة داخل صدره.
هل فعلًا لم يفعل أمر يثبت لريم إنه يحبها؟
لم يفكر يومًا في الأمر كان اعتيادي فزواجهم كان غريب وسريع ولم يتخيل ان صمته عن كلمات الحب قد يؤلمها أو يؤثر فيها فمن تجربته السابقة مع زوجته رحمها الله لم يختبرا تلك المشاعر ولم تكن زوجته تطالب بها او تعلن عنها حتى، لقد كان زواج عقلانيًا مخطط بلا حب ولا روح فيه.
زواج عكس زواجه من ريم التي كانت كالطفلة المراهقة تتنقل حوله كالفراشة تغرد بعشقها وحبها له وتبتسم حين يحتضنها، بل انه تعمد تقبيلها كلما اخبرته بحبها الأمر الذي كان يتطور لأكثر من قبله بكثير، ألا يعد ذلك اعتراف بالحب من وجهة نظرها؟
ضرب بيده فوق ساقه يكره عملية تحليل المشاعر تلك خاصة حين تتعلق بامرأة فهم مختلفون ومتمردون وسريعون التقلب في المزاج.
-بص للجانب الإيجابي هي اختارت أبنك على أحمد، ده في حد ذاته حب حتى لو هي فاكره انها مبقتش بتحبك.
قال وهو هز رأسه يحاول اقناع قلبه بتلك الكلمات، فكر في الاتصال ببيجاد لكنه يكره الظهور بالضعف أمام أخيه الذي سيتفنن بدعك اخطاءه في وجهه دون خجل، فهو معترف بأنه أخطأ ويعلم ان كل أفعاله الغاضبة خاطئة فريم تحملت الكثير والكثير لكن هذه هي طبيعته في الأزمات تهتاج مشاعره حين تنفلت منه الأمور ويكره ان يسيقه أحد أو أمر ما.
كما ان ريم لا تعطيه فرصة لتصليح اخطاءه وتصر على الانفلات من بين اصابعه، الأمر الذي يفقده صوابه ويجعله غاضب وتخرج تصرفاته بشكل أسوأ وأسوأ فرك عيناه ثم حرك كتفيه ورقبته يحاول الاسترخاء فعليه الاسراع والتفكير كي لا يفقدها بشكل نهائي.
ساد الصمت فخرج يبحث عنها دون ان يصل لبداية الخيط في علاقتهما ليجدها تمشط شعر عمر وأحس بقلبه ينقبض وينبسط بين أضلعه دون هوادة، اقترب منها وحمد الله انها لم تنتبه لوجوده بعد فيتسنى له سد شوق يتملكه ليقترب منها.
-انا آسف.
خرج صوته منخفض بدون أدنى سيطرة منه على ما يخرج من فمه، فتسمرت ريم في مقعدها وتوقفت عن تمشيط شعر الصغير وساد الصمت بينهم فقط عيون عمر الحائرة تنتقل بين والده وريم.
-اطلع برا يا عمر، شويه وهندهك.
قبض عمر على طرف ملابس ريم وهمس في تردد وبعد تفكير:
-لا.
-لا؟
قال ريان في تعجب فانعقدت ملامح عمر وهو يحتضن جانب جسد ريم ويعلن في استنكار طفولي:
-اه انت هتقولي امشي يا عمر و بعدين تقول حاجات وريم تفضل تعيط بعدها.
-عمر!
احمرت وجنتي ريم وهي تقول مؤكده:
-مكنتش بعيط قولت عيني كانت ملتهبه انا مش بعيط غير على الناس اللي تهمني.
انتقلت انظار عمر بغضب نحو والده وكأنه يعاتبه على فشله فزفر ريان وقال في حده:
-هنتكلم بعدين يا عمر، اطلع دلوقتي وخليك مؤدب.
قلده الصغير وهو يزفر واتجه نحوه يشير له للهبوط لمستواه ففعل ليهمس الصغير في اذنه:
-لو هتخليها تعيط مش هكلمك وابوسك ابدًا ابدًا.
رفع ريان عيونه للصغير قبل ان يبتسم ويقبل رأسه مؤكًدا.
-ما تقلقش.
خرج عمر فأستكمل ريان قبل ان يتحول من رزانته لغضبه الذي لا أصبح عاجز عن السيطرة عليه:
-احنا محتاجين نتكلم زي الناس.
ابتسمت ريم في سخريه وهي تنهض وتخبره:
-ونتكلم زي الناس ليه انت عيان؟
عض على لسانه كي لا يقول ما يغضبها أكثر وتجاهل كلماتها بقوله:
-انا مقصدتش اني اتعصب عليكي، انا عارف اني غلطان وغلطي كبير بس….
قاطعته ريم وهي تتجه لتتخطاه في حده:
-انا اللي اسفة حقيقي مش عايزة اسمع منك كلمة واحدة.
امسك ذراعها يمنعها من الخروج وقال من بين اسنانه:
-حقك، بس على العموم مكنتش بعتذر على اللي عملته سابق، انا بعتذر على الكلام اللي قولته الصبح وبتمنى انك تنسيه.
ابعدت ذراعها بحده واستطردت وهي تبعد خصلاتها للخلف:
-وانساه ليه؟
بالعكس الكلام مناسب اوي مع حالتنا.
ابتعدت نحو الباب لكنها توقفت والتفت نحوه تدرس حالته ووقفته المشنجة تعلم جيدًا انها تتراقص على حبال غضبه، ولكنها تتصيد الانتقام لكسر غروره للآلاف من القطع، رفعت انفها بشموخ وهي تلتقط نظراته وقالت في جفاء:
-على العموم قبل الأجازة ما تخلص… العروسة هتبقى عندك.
وبذلك تركته وخرجت، صك ريان على أسنانه وقبض على يديه كي لا يخرج خلفها ويندلع الجحيم وظل يذكر نفسه بأنه المخطئ وان الطريق لازال في بدايته وعليه التحمل أكثر من ذلك بكثر إذا أراد استعادتها.

“فرط الحب”
الفصل السابع :

بعد مرور أسبوع، وقف “بيجاد” على باب الغرفة التي بات ينمق عليها لقبوع زوجته الغاضبة بها بينما هو يتلوى وحيدًا مرهقًا في غرفتهما التي تعذبه بما تحمله من أطياف ليالي حُبهما سويًا.

مال برأسه يحاول التصنت عليها وحين تأكد أنها لا تزال نائمه حتى وقت الظهيرة تأوه في شوق وحنين قبل أن يعود لغرفته مرة أخرى لتبدأ رحلة تعذيبه النفسية مبكرًا عن موعدها الليلي، فابتعادها يسرق قطعة من روحه كل ليلة فتخرج من جسده هائمة في توق للانضمام إليها.

خرج من افكاره وهو يلعن يوم الاجازة على رنين هاتفه لكنه ابتسم حين أتاه صوت اخيه المتذمر:

– أنا كرهت كل الستات اللي في الدنيا، هي فاكرة نفسها مين عشان تعمل معايا كده؟

– ريان ركز يا حبيبي إنت اللي عامل وإنت اللي سيبتها فاكرة نفسها مطلقة لما يقارب السنة.

– مش مبرر.

هتف “ريان” منفعلًا في حنق وهو يبحث عن سجائره ليزداد انفعاله حين لا يجدها ففتح باب الغرفة وصاح بصوت عالي من بين اسنانه:

– علبة سجايري فين؟

– رمتها من البلكونه.

انفجر “بيجاد” ضاحكًا حين وصلته كلمات ريم اللامبالية وازدادت ضحكاته وهو يستمع إلى انفاس شقيقه تعلو وتعلو تعلن عن انفجاره الوشيك فقال “بيجاد” وهو يحاول التحكم في ضحكاته:

– اهدى هي بتلاعبك عشان تطلع اسوأ ما فيك متدهاش الفرصة.

– وتطلع أسوأ ما فيا ليه، انا هتجنن دي بتعامل عُمر كأنه أكبر مني.

– إنت بتغير من ابنك ولا ايه؟

اخبره “بيجاد” في لهجة مشاكسه وللحظه شعر بالاستمتاع لمعاناة شقيقه الذي خرج عن طور لامبالاته:

– أغير ده ايه انت كمان، لا طبعًا بس انا راجل وليا طاقة احتمال وشغل التجاهل ده مش هيجيب معايا نتيجة.
استطرد “ريان” في دفعة واحدة وكل جسده ينتفض في حاجة ماسة إلى الدخان قبل ان يقتل احد ما خاصة هي التي تتعمد تجاهله وكأنه لا قيمة له.

– طيب ايه رأيك تعزمنا على الغدا ونخلي وسام تحنن قلبها عليك، ريم بتحب وسام.

– ان شاء الله عنها ما حنت، وبردو هتفضل على ذمتي ورجليها فوق رقبتها.

للحظة شعر “بيجاد” بالامتنان لإن ابتلاءه كان الغضب فقط وإلا كان سينتهي به الحال مقتولًا على يد وسام زوجته الغالية، سعل بخفة قبل ان يخبر ريان في نفاذ صبر:

– يا ابني العناد مش من مصلحتك جُر معاها ناعم بلاش غشم.

– هي مدياني فرصة دي طول الوقت في اوضه عُمر، أدخل تطلع المطبخ، أروح المطبخ ترجع الأوضة.

اخبره “ريان” في حقد وهو يتابع من خلف الباب المفتوح خطواتها الهادئة وهي تتمايل وتسرق ما تبقى من عقله في ذلك الرداء القطني البيتي الفوق العادي لكنه تفنن في إبراز مفاتنها أم انه الشوق فقط قد نال منه ويهيئ فتنتها إليه مهما ارتدت ولو كانت قطعة قماش بالية.

– قولتلك اعزمنا.

انتفض “ريان” على صوت “بيجاد” وقد تناساه تمامًا ثم بلل شفتيه قائلًا في موافقة:

– خلاص مستنيكم على الغدا، متتأخرش ساعة وتكون هنا.
ما ان انتهت المكالمة حتى اتجه “ريان” لإعلامها بحضور شقيقه وزوجته، ومشاعره تتسابق داخله في حالة يرثى لها.

*****
تأففت “ريم” في احتجاج واحباط من مشاعرها التي تتلاعب بها لكنها لن تيأس وستبقى على موقفها الناقم عليه يكفي تذكرها لرغبته في ان تبحث له عن عروس ليتصاعد الغضب والحقد داخل صدرها، بالطبع لن تبحث له عن امرأة مسكينة ليعذبها بجفائه هي متأكدة انها كلها أيام قليلة وسيتوجب عليه العودة لعمله في الخليج ووقتها لن يجد مفر من تطليقها.

كما ستحرص على تجاهله حتى تحصل على حريتها مهما كلفها الأمر، يكفيها سذاجة بأن تعود للإيمان بالحب والسعادة فالواقع اقسى من ذلك بكثير، تنهدت متعجبة كيف انخدعنا وقد كان الزمن صريحً فجً في النهايات فما كانت ليلى لقيس ولا كان الحب عفيف إلا لابن بني العَذرة.

ضحكت في سخرية حتى اننا لا نعرف من هو جميل ابن قبيلة بني العَذرة لأننا اخترنا إشهار قيس وجنونه على العفة، شعرت بالاختناق رافضه العقل والتفكير يكفيها ما يدور في خلدها ففتحت البراد لإخراج الحليب ثم جزت على اسنانها تحاول تجاهل دقات ذلك الخائن بين أضلعها حين دلف “ريان” في خطوات حازمه واثقة ليقف بجوارها في صمت.

رفعت حاجبها بتساؤل ورأسها يميل للجانب قليلًا في تعجب لهذا الاقتراب المباشر وقد تعمدت تجاهله والاختفاء عنه قدر الإمكان.

وتعترف بانه لم يشعرها شيء برضا وتشفي اكثر من نظرات الغضب والشوق في عيناه الجذابة الساحرة التي تسرقها من متاهات العقل وترميها في دوامات العشق المدمرة.

جحظت عيناها في شراسه لمنحنى افكارها وابتعدت خطوة هربًا من نظراته المشتعلة فأوقفها بصوته الخشن الأمر:

– روحي غيري هدومك ومتعمليش غدا، بيجاد ووسام هيتغدوا عندنا وهبعت اجيب غدا جاهز.

تنفست ببطء كي لا تنفجر في وجهه الوسيم الحاد بانها ليست في مزاج يسمح بوجود ضيوف كما ان وضعهم المريب لا يسمح باستضافتهم لأي كائن كان، لكنها تحاملت على ذاتها لاستكمال مسرحية اللامبالاة والتجاهل التي تعلمته منه وعلى يده فهو الأستاذ الأول والأخير.

جذب “ريان” سكين من جوارها وبدأ في تقشير ثمرة فاكهه، منتظر إجابتها وهو يحارب الهاء أفكاره مجنونة عن تملكها لكنه لم يتحمل صمتها فقال في حده:

– أنا بكلمك، ردي عليا.

ارتفعت عيناها تتعلق بنظراته المشتعلة، فثارت الدماء في عروقها وهي تتذكر هيامها به وتصريحاتها اللامتناهية عن سعادتها فضلًا عن اعترافاتها المراهقة بالحب ما أن تزوجها بينما هو الخبيث الماكر لم ينطق لها مرة واحدة باعتراف عن حبه لها ورغم ذلك كانت مغيبة تقنع ذاتها بأن الحب يشع من افعاله ولمساته الحارقة لها.

ارتبكت دقات قلبها فسألت ذاتها ساخرة الا تثير ذكرياتك شعورك بأمرً ما وكأنه لا ولم يحبك من الأساس أيتها الساذجة البائسة!!

فكرت وهي توبخ كل خلية صرخت بحبه يومًا، تخطت جسده للخارج دون اهتمام بعينيه المتسائلة فاتبعها ريان يشعر بكل عضلة في جسده تتصلب في تمرد لتجاهلها وكاد يصرخ بها ولكن شعاع ذهبي خافت حين رفعت يدها لفتح باب غرفتها سرق صوابه قبل أنفاسه فلم يشعر إلا بفوران رأسه وصوت كصهيل الخيل يعلو في أذنه.

وتلقائيًا وجد ريان نفسه يندفع من خلفها مغلقًا الباب خلفه مزمجرًا في جنون وهو يعتصر كفها الأيمن بين اصابعه القوية ويديرها نحوه:

– ايه ده ؟!

تأوهت “ريم” بألم وهو يكاد يكسر عظام اصابعها فصرخت به في هلع:

– هتكسر إيدي يا متوحش، ابعد ايدك عني.

لم يبالي بألآمها وآهاتها بل رفع كفها امام وجهها ليعيد سؤاله في جنون ومشاعر أخرى سلبية لا تستطيع تحديدها:

– ايه اللي إنتِ لابساه في صباعك ده؟

انتبهت اخيرًا إلى تلك الحلقة الذهبية التي تحيط بأصبع الخطوبة في يدها اليمنى وقد نست تمامًا خلعه ولكن مهلًا لما عليها الهلع والتبرير.

جذبت يدها في عنف من بين اصابعه القوية ودفعته في صدره بهجومية وشراسة لم يعهدها منها ثم استطردت في استهجان:

– اعتقد انت مش أعمى وأكيد شايف أيه هو ده.

اقترب منها بتهديد وقد احاطت الغيرة بكل كيانه وجوارحه ليعتصر ذراعيها ويزمجر:

– اقلعيها حالًا.

حاولت إبعاد ذراعيه الصلبة عنها وحين فشلت قبضت بغل على مقدمة ملابسه فوق صدره ثم صرحت في تحدي:

– مستحيل.

– اقلعي الدبلة بقولك.

دوت ضحكتها المكان لتعض على شفتيها قبل ان تخبره في تشفي وغرور:

– اقلعها ليه لما قريب هنقلها للايد التانية.

اغمضت جفونها في راحة وغرور رغم اصابعه التي ارتفعت لتنغرس في وجنتيها تقبض على فكيها في وحشية قبل أن يصرح مستنكرًا:

– على جثتي يا ريم، اقلعي الخاتم بالتي هي احسن بدل ما اقطع صوابع ايدك كلها.

شهقت حين انتبهت للسكين الصغير الذي لا يزال بين قبضته فضغطت على جفونها وللحظة تملكها الرعب وتصارعت دقاتها بين طيات صدرها.

انتبه “ريان” فألقى بالسكين أرضًا وأقترب يؤكد في قوة مزمجرًا :

– وفري خوفك عشان لازم يكون مني أنا لو مسمعتيش كلامي.

تعمد الاقتراب للتلاعب بمشاعرها المرتعبة ولكن كل ما فعله اقترابه هو دب الارتباك داخلها وقد صارت تائهة هائمه في قوة جسده وهيمنة حضوره المختلطة بتلك الرائحة الرجولية الخلابة التي تحيطها من كل جانب فارتعش جسدها في شوق لكن لحسن حظها ترجمها الغبي كرعشة ألم وتبًا لغرام يقذفك في التهلكة ويتركك خالي الوفاض بلا حول لك ولا قوة.

خفف “ريان” قبضته وهبط بها لتلتف حول عنقها الناعمة ثم همس بصوت أجش مخنوق غلب عليه طوفان مشاعر بين خنقها والانتهاء من عذابه أو ضمها نحوه ليمتلكها حتى أخر قطره عسى أن ينطفئ شوقه وتعود إليه راحة البال:
– ما تخرجيش اسوأ ما فيا واسمعي الكلام.

انفرجت عيناها في حده وتعجب ريان لتلك اللمعة التي انبثقت من مقلتيها، ولكن سرعان ما انغلقت عيناه وعلت انفاسه في قسوة عندما أخبرته ببطء فج وكأنها تستمتع بإيلامه:

– لو قلعتها كده هتطلع أحمد من حياتي؟

صمتت “ريم” ثوان قبل ان يشعر بأنفاسها تقترب من وجهه لتدحرج كلماتها في دلال أنثوي ماكر مملوء بالإغاظة:

– وعلى فكرة حتى الهدوم اللي انا لبساها من محل أحمد.

شعرت برضا وانتصار للوجوم المرتسم على وجهه “ريان” ليظهر اخيرًا نقطة ضعف ستعمل على استغلالها أفضل استغلال للحظة تمنت لو يفتح عيناه فتعايش في سرور الألم داخلهما.

ولكن ذلك الرضا تراجع أمام ارتباكها ما ان ظهر شبح ابتسامته على شفاه المحاطة بخصلات شاربة القصيرة والتي اتسعت ببطء على وجهه المزين بذقن أسود منمق.

لتنحصر أنفاسها داخل صدرها في ذعر عندما اطلق سراح جفنيه وطالعها بتلك العيون السوداء الملتهبة كالحمم البركانية قبل انفجارها من أعماق الأرض.

صرخت في صدمة وهي تشعر بأصابعه تتشابك مع مقدمة قميصها الحريري فيجذبه بقوة ليعلو صوت تمزق الثياب فوق اعتراضها وهي تحاول الابتعاد عن يداه المدمرة:

– إياك، إياك تعملها يا ريان .

ضحك في قسوة بلا اهتمام لتهديداتها واتجه لجانب كتفها لتمزيق القميص وخلعه عن جسدها بالقوة لكنه تفاجئ بها تقبض علي تلابيبه في عنف وهي تصرخ مستهجنه:

– بقولك إياك تلمسني.

– اهوه بلمسك وريني هتعملي ايه؟

قالها وهو يجذبها نحوه ويستمر في عبثه بملابسها متعمدًا ملامسه جسدها الذي صار شبه عاريًا فمالت على عنقه تغرس اسنانها الحادة فيه بقوة مخرجة صيحة كصيحة المحاربين.

كتم ريان تأوه قاتل وهو يبعد عنقه عن مرمى هجومها فأحكم قبضته خلف عنقها ودفعها بشيء من الحدة حتى سقطت فوق الفراش فاندفع يجذب ساقها محاولًا انتزاع باقي ملابسها وسط صراخها المرتعب ويقسم انه كاد يضحك في مرح لولا القهر في صدره حين هتفت من بين اسنانها محاولة الزحف بعيدًا عنه:

– يا عُمر الحقني، تعالى شوف أبوك بيعم …

كتم أنفاسها بكفه الكبير وهو يثبت ساقيها بركبتيه ويستقر شبه مستلقى فوق ظهرها وهدر بين انفاس متهدجة:

– نادي عُمر وماله خليه يجي يشوفك وانتي بالمنظر ده،
بطلي عض، قولتلك من الأول اقلعي اتحملي بقى نتيجة عنادك.

حذرها وهو يضغط بكفه على فمها يمنعها من قضمها ثم هبط بصدره فوق ظهرها يوقف بثقله مقاومتها الباسلة الرهيبة بإخراج الهواء من صدرها فصارت تحارب لالتقاط انفاسها ليس بسبب ثقله فقط بل لهذا الاقتحام المهلك السافر على مشاعرها خاصة حين مد ذراعيه مستهدفًا بقايا ملابسها الفضفاضة.

غمغمت في ذعر وكل لمسه عشوائية من يديه الخشنة تشعل داخلها ذكرى لمشاعر ترفض الاعتراف بوجودها، ضغط عليها يكتم أنفاسها اكثر فخرج منها صوت كحيوان جريح يرفض الاستسلام للموت قَابله هو بزمجره مفترسه وقد تاه في شعوره بجسدها الصغير ومن غيره يدري السعادة الكامنة خلف امتلاك ذلك الجسد.

نسى هدفه الاساسي وتوقف فجأة يسب بألفاظه الفجة وقد انتصر الشوق والحنين عليه فترك ذراعها المرتعش يعيد ما تبقى من ملابسها لمكانه واتجه هو لجانب عنقها مستقرًا بشفتيه فوق بشرتها الحمراء نتيجة معركتهما الحامية لتتولى شفتيه مهمة وشم كل مكان تصل إليه فوق عنقها وكتفها في شغف وشوق مجنون.

غرقت “ريم” في طوفان عشقه وأنينها المخجل يعلو دون هوادة وسط جسد ضعيف قطع عنه الهواء وضوء ابيض يدور تحت مقلتيها يمنعها من السيطرة على انفعالات جسدها لكنها نجحت في الهمس بين اصابعه المرتخية على فاهها في تقطع:

– ريان كفاية…هقلعهم …لا … كفاية يا ريان ابعد…

لم يبالي لاعتراضاتها الواهية فقد ارتوى كبرياء رجولته وغروره اخيرًا وهو يشعر بها تتفاعل معه بعد تجاهل احرقه أيام وليالي فرفع صدره عنها قليلًا يسمح لها بالتنفس ويسمح لكفه بأن يرفع رأسها للأعلى فيستقر بشفتيه في لوعه فوق ثغرها ضاغطًا عليه بعنف قبل ان يلتهم روحها في اقتحام ضرب فيه أفكارها داخل خلاط بيولوجي حار اذاب خلايا عقلها لينتقل معها في قبلة كشفت الستار عن مكنونات مجنونة تتخبط في صدره وتندفق في دماءه.

شعر بها بعد مدة تتصلب وتحاول الابتعاد فتركها في محاولة للسيطرة على جسده المهتز بالعاطفة فوصل إلى مسامعه همسها الخفيض الغير مفهوم:

– الجرس …عُمر ..الباب.. مش قادرة اتنفس.

انهت جملتها وهي تحاول زجه من فوق ظهرها ليبتعد في سرعة ما أن اتاه صوت صغيره المرحب بعمه “بيجاد”، حاول السيطرة على انفاسه المتهدجة بينما يعدل ملابسه المنكمشة بسبب صراعهما لكنه توقف ومال في سهوه منها ليجذب الحلقة الذهبية في خفة من اصبعها وسط استسلامها قبل أن يردف:

– بيجاد ومراته وصلوا، غيّري ومتتأخريش.

مسح وجهه بملاءة السرير في تعجل وكأنه يزيل أثار شوقهما ثم حرك اصابعه يعدل خصلاته القصيرة قبل ان يتنفس في بطء ويتجه للخارج بينما حالة السكون والاسترخاء الذي تملك جسدها الذي لم يتحرك من موضعه انشًا منذ ابتعاده عنها يعبث في ثباته ويكاد يدفعه للخروج فقط كي يطرد ابنه مع اخيه وزوجته حتى يتمكن من العودة واقناعها على طريقته الخاصة بأنها امرأته.

خرج “ريان” بوجه يعبر عن انفعالاته وما ان تعلقت جميع العيون عليه حتى لعن بين أسنانه، ارتبكت “وسام” وابعدت انظارها لعُمر بحرج قبل ان تقول:

– فين الحمام يا حبيبي، ازيك يا ريان؟

– الحمدلله، ودي طنط يا عُمر.

ابتعدت بخطوات متعجلة في خطى عُمر الراكض فالتفت “ريان” نحو “بيجاد” الذي استقبله بابتسامة واسعه مشاكسة وهمس في نبرة مازحة:

– الله ما انتوا زي السكر اللي محطوط على كريمة اهوه،
اومال انت جايبنا عايز مننا إيه؟

قذفه “ريان” بنظرات محذرة قبل ان يجيبه في حده:

– ركز نباهتك في مهمتك وحط لسانك في بؤك.

مرت دقائق قبل خروج “ريم” الخجلة التي ارسلت ابتسامه ضعيفة لبيجاد فلا تزال تشعر بالحرج منه لأنها دأبت على رفض مقابلاته والتشاحن معه كلما أرسله ريان اليها، وتخجل لأنها كانت تصب بغضبها على أخيه فوق رأسه دون مبرر.

– أهلا يا بيجاد.

– أهلا بيكي، ازيك؟

رد بحرج فهو الآخر كان يدأب على مشاجرة رئيسها في العمل المزعج كلما ذهب لها، انقذ كلاهما خروج “وسام” التي اتجهت بكل مرونة واريحيه لاحتضان “ريم” في عناق حاني قائلة بسعادة يشوبها لمحة من العتاب:

– الناس اللي مفكرتش تسأل مرة ووحشتني موت.

اغمضت “ريم” جفونها ولوهله انتفض قلبها بين ضلوعها، فكم مر عليها منذ عانقها أحد، احتضنتها “ريم” هي الأخرى قبل ان تجيب مشيرة إلى بطنها المنتفخ:

– حقك عليا، بس اكيد النونو لهاكي عني وعن الدنيا.

– حصل.

اجابت “وسام” بابتسامه واسعه هام بها “بيجاد” المبتسم كالأبله وهو يتابع عفوية زوجته التي غابت عنه كثيرًا وتنهد حين لكزه ريان هامسًا باستنكار:

– إنت جاي تحل مشكلتي ولا مشكلتك عشان ابقى معاك على الخط.

– يا ساتر اهي الانانية اللي فيك دي هي سبب كل مشاكلك، فيها ايه لما احللك مشكلتك واحل مشكلتي!

نظر له “ريان” بتوجس وتابع كلاهما وسام وريم وهن يبتعدن عنهما دون اي اهتمام بهما، فعقد “ريان” حاجبيه وهو يشبك ذراعيه أمام صدره قائلًا:

– أتمنى انها تكون وخداها بعيد عشان تعقلها.

ابتسم بيجاد في مشاكسة مغيظة ومط شفتيه بقلة حيلة مجيبًا:

– والله انت وحظك مع الستات.

مرت الساعات سريعًا بين الأربعة ولأول مرة منذ فترة طويلة يشعر ريان براحة الوجود في المنزل رغم تعمد ريم لتجاهله.
نظر لها وهي منسجمه في حديثها مع زوجة أخيه بينما أصابعها تداعب خصلات عُمر المستلقي على ساقها فشعر بغيرة لان الجميع يتمتع بحنوها وحبها المفرط عداه هو.

جذب أنفاس متمردة و ود لو يحملها فوق كتفه ويعود بها لتلك الغرفة ليتمكن من استرجاع لحظاتهم المسروقة في الصباح بشكل أكثر عمقًا حتى يرضى كلاهما ولكن لديه شعور قوي بانه ان فعلها ستأكله حيًا.

تنهد وعاد للحديث مع بيجاد الذي مال نحوه مؤكدًا في مكر:

– انك تكتم كلام عينيك بتصرخ بيه وتبقى فاكر انك بتحمي نفسك ده قمة الوهم.

تسمر “ريان” للحظة ثم ارتفعت عيناه السوداء لالتقاط عيون أخيه المتفحصة والواعية بما يدور في خلده من زوبعة لا نهاية لها، عم الصمت بينهما ولم يجيبه “ريان” لكنه شعر بثقل كبير يجثم فوق صدره وكاد يصرخ في أخيه لأنه يصر على تذكيره وربط حياته واحداثها بالماضي المقزز الذي يحرص على نسيانه بجفاء.

فأستكمل “بيجاد” في اصرار بنبرته الخفيضة الجادة:

– كون انك مقولتش انا حزين بعد وفاة ابونا مش معناه انك مش حزين عليه ولما متقولش انك محروق من جواك عشان مات مقهور مش معناها انك مرتاح.

أغمض “ريان” عيناه في غضب وقد عادت به الذكريات لسنوات مضت حيث توفى والدهُ المسكين عامل المصنع البسيط الذي عمل بكد وطاعة ليملئ بطونهم ، لازال يتذكر وقوفه فوق رؤوسهم ليوقظهم لصلاة الفجر بل أسوأ فهو لازال يتذكر ذلك اليوم الأسود الثقيل حين عاد أبيه بملامح تحارب لقمع شعور بالقهر والذل وفي ذيله دلف شقيقه “بيجاد” الصغير الذي أصر منذ أيام مرافقه والده المسن إلى العمل لمساعدته متحججًا إنه لا يهوى الدراسة مثل ريان وليان.

ليتقدم “ريان” من والده متسائلًا هل كل شيء على ما يرام؟
فيجيبه والده بأن الأمور كلها على ما يرام في حين انه لا يوجد أمر واحد في هذه الدنيا بخير او على ما يرام، فقد علم من شقيقه وقتها انه تشاحن مع ابن مالك المصنع المدلل الذي يتعمد إلقاء قمامته لإذلال والده الذي يناديه ليقوم بتنظيفها امام عينيه ليتفاجأ بعدها بهبوط مالك المصنع الذي وقف أمامهم فصفع والده بمنتصف المكان متهمًا إياه بالفشل في تربية ابناءه، وقتها حاول “بيجاد” الثوران في وجهه الرجل فمنعه والده الذي اكتفي بنكس رأسه والاعتذار وربما هذا هو سر اهتياج شقيقه الأبدي مع أي غريب.

يتذكر فوران دمائه والقهر الذي شعر بها وقتها ولكن لن يفوق شيء ابدًا شعوره بالحسرة والقهر حين دلف لأيقاظ ابيهم فوجده جثة هامدة، ضحية لأرواح أعمتها متاع الدنيا وتجردت من الإنسانية.

اضطرب حين هاجمه صوت شقيقه من جديد وهو يستكمل مهمته القاسية:

– ولو انت مش بتقول أنا بحبك يا ريم .. ارجعيلي،
ده مش معناه ابدًا ان عينيك مش راكعه تحت رجليها وبتتمنى بس تبصلك بطرف عينيها.

وقف “ريان” يصك أسنانه بحده وجسده يغلي ويكاد ينفجر من هول مشاعره المتفاقمة، هاتفًا في شقيقه مجفلًا الفتاتان:

– روّح يا بيجاد.

وقفت “ريم” بفم مفتوح لا تصدق أفعاله المهينة وقالت محذره وهي تلاحظ ارتباك “وسام”:

– ريان !

وقف “بيجاد” في بطء وارتسمت ابتسامه كبيرة منتصرة على وجهه وهو يشير لزوجته بمنتهى اللامبالاة معلنًا:

– كده كده هنروح عشان اتأخرنا على أم وسام، يلا يا حبيبتي.

اتجه “بيجاد” نحو زوجته المرتبكة ليقبل رأسها في حنو ويطمئنها بنظرة حب، ولم يفت “ريان” المشهد المفتعل من شقيقه كما لم يفته تلك اللمعة الصغيرة التي انطفأت سريعًا في عيون الريم طفلته.

ابتلع إهانة جديدة لشقيقه وعرضه المسرحي حين أصر على احتواء زوجته تحت ذراعه وهو يرمي السلام عليهما ويغلق الباب خلفهما.

التفتت “ريم” الغاضبة نحوه وقالت في نبرة مغتاظة حائرة:

-بنى أدم جاحد، طالما هتطردهم عزمتهم ليه من الأول؟

– مطردتهوش، سمعتي بيجاد قال لازم يروحوا.

قال في هدوء لا يزال تائه في دوامات ايقظها شقيقه الأحمق داخله فأومأت رأسها بقلة حيلة قبل ان تلتف لعُمر هامسه:

– يلا يا عُمر عشان ننام.

جلس “ريان” ما ان اختفى كلاهما وتنهد في مرارة فعقله لن يتوقف عن الدوران الليلة مشاركًا بذلك عقارب الساعة في رحلتها.
********

نبذة عن جميل بن معمر من قبيلة العذرة للتوضيح:

تلك القبيلة، وكانت مشهورة منذ العصر الجاهلي بالقوة والمنعة والشرف وقد دخلت بنو عذرة الاسلام في السنة السابقة للهجرة، وشارك أبناؤها في غزوات الرسول وفي الفتوحات الإسلامية وإلى بنى عذرة ينسب الحب العذري، وهو نوع من الوجد يستبد بالعاشق فيسيطر عليه خيال محبوبته، ويظل يفكر فيها ليلا ونهارا، ممتنعا عن العمل والطعام حتى يصل إلى درجة من الهزال قد تفضى به إلى الموت .
حدث هذا للشاعر جميل عندما رأى بثينة وهو يرعى إبل أهله، وجاءت بثينة بإبل لها لترد بها الماء، فنفرت إبل جميل، فسبها، ولم تسكت بثينة وإنما ردت عليه، أى سبته هى أيضاً وبدلا من أن يغضب أعجب بها، وتطور الإعجاب إلى حب، ووجد ذلك صدى لديها، فأحبته هى الأخرى ، وراحا يتواعدان سرا. وكلما التقيا زادت أشواقهما، فيكرران اللقاء حتى وصل الخبر إلى أهل بثينة وبدلاً من أن يقبلوا يد جميل التى امتدت تطلب القرب منهم في ابنتهم رفضوها، وتوعدوه بالانتقام، ولكي يزيدوا النار اشتعالاً سارعوا بتزويج ابنتهم من فتى منهم.

” فرطِ الحب ”

الفصل الثامن:

أغلق أحمد محل الملابس الخاص به ما أن حَلّ الليل رغم ذلك الشعور الذي يدفعه للبقاء حتى الصباح هربًا من الافكار التي تهاجم وحدته في المنزل، دلف إلى سيارته وتنفس الصعداء حين رن الهاتف ولمَح اسم شقيقته ليجيبها سريعًا:

– لُبنى عامله ايه يا حبيبتي مش بتردوا عليا ليه قلقتوني؟

– إحنا الحمدلله يا احمد متقلقش بس مكنتش عارفه ارد عليك، أبوك منزلش من البيت من امبارح.

أغمض احمد جفونه يحاول ابتلاع غصه تتملكه فسأل في تعجب:

– هو منعكم تكلموني تاني ليه، مش أنا خطبت وهتجوز زي ما هو عايز؟

ارتبكت شقيقته ذات السابعة عشر عام ولكنها اجابته بصدق:

– انا سمعته بيقول لأمي انه مش مصدقك عشان مرضتش تجبها البلد لما قالك.

– يا سلام وابوكي عايزني اجيب واحده مش مراتي معايا البلد عادي كده،
دي مجرد خطيبتي هجيبها معايا ازاي ولا ابوكي ممشي الأصول على مزاجه!

ارتبكت لُبنى وهي تعض على أظافرها بتوتر وردت بلا حيلة:

– مش عارفه والله يا احمد، إنت بتزعقلي انا ليه؟

تنفس احمد من انفه يحاول تمالك مشاعره قبل أن يسأل في تهكم:

– معقول خالتي مكلمتكوش وقالتلكم إني حضرت الفرح مع ريم خطيبتي؟

– قالت طبعا بس إنت عارف دماغ ابوك مش بيصدق حاجة.

ردت شقيقته في نبرة ساخرة فضغط احمد على أسفل رقبته وللحظة شعر بالاختناق وبرغبة كبيره في البكاء، لكنه تحامل على ذاته وسأل في شوق:

– طيب اديني أمك اسمع صوتها.

وصله الصمت قبل أن تهمس لُبنى في خجل وحسرة:

– ماما …اصل… أصل … ماما نايمه.

لم يَفت عليه الاهتزاز في صوتها فسأل في قلق:

– فيه ايه بالظبط يا لُبنى، هي امي جرالها حاجة، انطقي ومتكذبيش عليا.

عضت داخل فمها في حرج قبل ان تخبره بصدق:

– اطمن مفيش حاجة ماما بألف خير، بس ابوك حالف عليها يمين طلاق لو كلمتك في التليفون.

انحسرت أنفاسه داخل صدره وكأن والده يجذب بقايا أدميته، فساد الصمت حتى اتاه صوت والدته المنادي بتحذير:

– بت يا لُبنى ابوكي طالع تاني، اياكي تمسكي التلفون قدامه عدي يومنا على خير.

هربت دمعه حارة على وجنته ما إن اتاه صوت والدته الخائف، فأغلق الهاتف سريعًا ومسحها في عنف وغضب مخنوق، ضغط على عينيه بكفيه يرفض الضعف فقد أظهر ما يكفي منه طوال حياته، حتى أصبح كالمجند الذي تربى على الضعف والمهانة بحجة تقويته ليكون أقوى الرجال.
خرجت منه ضحكة ساخرة مختلطه بزمجرة حاقده فحتى كلمة رجل مسحت من قاموسه وانتهى به الأمر كالحيوان المساق لا يقدر على فتح فمه وإلا كان العقاب ليطوله ويطول معه والدته قبل اشقائه فقط لإثبات قوة مظلمة.
والمبرر كان إن القسوة تربي الرجال ولكن الأمر كان أشبه بتكتيك إرهابي مريض أفقده كل ما يملك من مشاعر فصار كالفأر يختبئ في كل مكان يخشى إلقاء الضوء عليه حتى بين أصدقاءه كان وحيد صامت يخشى العقاب.
واخيرًا حين آتته الجراءة واتجه للتجارة كمرمى للابتعاد عن والده لم يصدق الحظ الذي حالفه ورماه من قريته الصغيرة إلى القاهرة ليمتلك دكانهُ الصغير ويبدأ تجارته ولكن كما يقال الحلو دائمًا لا يكتمل.
فقد ظهر والده في الصورة بسلاح الأصول والاحترام فيمضي على عقد احلامه وممتلكات ما شقى به باسمه، وقتها كاد يثور وينتفض بأنانية امتلاك ما هو حقه وقد عثر اخيرًا على ذاته ولكنه الأكثر دراية بالعقاب، فصمت كالعادة خوفًا على والدته واشقائه من بطش والده.
تنهد في أسى واشعل محرك السيارة، لا يزال يتذكر حين رفض الزواج من ابنة صديقه فثار والده ولكنه صمت، شعر وقتها “أحمد” بالانتصار وبأنه اخيرًا استطاع الابتعاد وكسر الحاجز وبأنه أصبح قادر على فعل ما يمليه عليه قلبه حتى انه ذلك اليوم استطاع النوم دون دواءه الذي يلازمه منذ كان في السادسة عشر من العمر.
ليتفاجأ بعد شهرين بأن والده منع شقيقته من إكمال سنتها الدراسية مقررًا انهاء رحلتها التعليمية كعقاب خفي تلقّاه هو، لتنهار كل احلامه ويزول شعوره الوهمي بالانتصار فينكسر أكثر وأكثر.
وأين صار به الحال؟
صار شابًا في التاسعة والعشرون من العمر عازب غير قادر على الزواج أو بناء أسرة ولا يزال مرهونًا برغبات ومتطلبات والده حتى عائلته لا يستطيع التواصل معها حتى يتزوج وان لم يفعل سيأخذ والده المحل بشكل قانوني ويقطعه من الأهل للأبد، جالت ريم في عقله فكل ما يحتاجه الآن هو الاستماع لصوتها قبل أن يجن، رفع هاتفه يحادثها وانتظر قليلًا حتى أتاه الرد فلم يمهلها وقال في كسره:

– أبويا حالف طلاق على أمي انها متردش عليا ومش مصدق اني خطبتك من الأساس،
مش عايزك تردي او تديني حل عايزك تسمعيني وبس.

ابتلعت “ريم” اجابتها وصمت هو في حسرة قبل ان يخبرها في صوت مهتز المشاعر جريح:

-أنا بحبك رغم اني انسان مش سوي ومريض نفسي بس انا والله العظيم بحبك متتخليش عني يا ريم عشان صدقيني هتبقي القشة اللي كسرت ضهر البعير.

– أحمد انت سايق العربية ليه وانت في الحالة دي ممكن تركن عشان نعرف نتكلم.

سألت ريم باضطراب وصوت منخفض وقد تأهبت حواسها للأصوات من حوله فأجابها بتهكم:

– خايفه على ايه ياريت اموت وارتاح من الهم اللي انا فيه ده.

– انا مش هقدر اساعدك طول ما انت راعبني عشان خاطري وقف العربية دلوقتي.

تشنج جسد ريم وهي تضغط على طرف ثوبها في خوف حتى سمعته يفعل ما تريد فهمست:

– متشكره يا احمد، ممكن بقى تسمعني أنا كمان؟

– إتكلمي انا سامعك.

– اولًا انت مش مريض نفسي انت أحسن إنسان في الدنيا،
ثانيًا قريب اوي مشكلتك مع والدك هتنتهي انت لسه معاك ست شهور قبل ما تكمل التلاتين سنة يعني المحل لسه في أمان.

ضحك أحمد في سخرية قائلًا:

– أمان … ايه الكلمة الغريبة دي؟

– احمد مش وقت تهريج.

قالت من بين اسنانها فاستكمل في حدة:

– التهريج بجد اني خليته يكسرني لما كتب أكل عيشي باسمه وسمحتله يهددني بيه لو ماتجوزتش وكل ده عشان عايز حفيد،
متخيلة الراجل اللي من غير مشاعر وميعرفش معنى الأبوة عايز حفيد!

قاطعت ريم في لهجة مستنكره:

– تفكير ابوك وتصرفاته المجنونة مش ذنبك.

– لا ذنبي لإني كنت ولازلت ضعيف قدامه، كان هيجرى ايه لو سبتهم كلهم يولعوا،
ده حتى أمي معندهاش الشجاعه تكلمني.

– ما تلومش عليها يا احمد أمك ست وضعيفة وابوك مفتري طول عمره.

– انا بكره كلمة أبوك أو كلمة أب.

صمتت ريم عاجزه عن الإجابة ومر صمت مريح بين كلاهما قاطعته هي بحنو:

– احسن دلوقتي؟

– الحمدلله، أنا آسف اني بزعجك كل شوية بس كل ما بحس ان الدنيا بتضيق عليا واني بتخنق مش بلاقي غيرك اكلمه.

– اخص عليك متقولش كده إنت تكلمني أي وقت، يلا روّح على طول وسوق كويس وابقى طمني لما تروّح.

قالت ريم وابتسامة صغيرة ترتسم على فمها بينما تعود للاستلقاء بجوار عُمر النائم لكنها اختفت ببطء حين سأل أحمد بخفوت:

– متخليش ريان يخدعك من تاني، هو عايز يستغلك مش أكتر عشان ابنه ومتنسيش انه مكنش عايز يخلف منك…

– احمد ارجوك متندمنيش اني حكيتلك تفاصيل خاصة عن حياتي في لحظة ضعف وحزن،
موضوع الاولاد ده كان قراري قبل ما يكون قرار ريان فأرجوك انساه ومتقلقش انا أقوى مما تتخيل، ريم بتاعت زمان انتهت.

قاطعته ريم في حنق فوصلتها ضحكة خفيفة تخالط تنفسه وهو يؤكد لها:

– ريم عمرها ما هتنتهي ريم بتاعت زمان خايفه ومستخبيه جوا لحد ما يجي اللي يقدّرها.

تنهدت بقوة وأسى قبل ان تقول بصوت منخفض:

– تصبح على خير يا احمد.

– وإنتِ من أهل الخير.

اغلقت الهاتف وظلت تطالعه في صمت ووجوم ف ريم المختبئة داخلها تحاربها ولا تنتظر من يقدّرها بل تنتظر من امتلكها ليأتي ويختطفها من جديد.

-عشم إبليس في الجنة يا ابن بياعة الجزر.

قالت في نبرة هادئة متوعدة فأجفلها صوت “عُمر” بجوارها:

-مالك يا ريم؟

-مفيش يا حبيبي كمل نومك.

قالت وهي تستلقي بجواره وتقبل جبهته فأبتسم مطالبًا:

-طيب ممكن تغنيلي قلبي سعيد.

ابتسمت ريم وهمست في طفولية:

-من بين كل الأغاني دي بس اللي دماغ حضرتك فكراها انت قديم زي ابوك ليه كده يا واد انت.

خرجت همهمات ضاحكة من بين شفتي عمر الذي تعلق بأحضانه يخفي رأسه في صدرها مؤكدًا:

-بحب صوتك فيها.

قابلته ريم بصوتها الحنون المليء بالشجن وهي تسترسل في غناء أغنية “وردة” المحفوظة عن ظهر قلب في مخيلتها بصوت والدتها رحمها الله، غير منتبهه لذلك الظل القابع خلف باب الغرفة يستمع في شوق إلى ألحان صوتها المغرد على أمل ان ينطفئ الصراع النفسي داخل صدره ما أن سمعها تحادث أحمد.
وقف “ريان” في مكانه فاقد القدرة على التنفس يميل به صوتها الخافت المتراقص بالأنغام فوق الزمان حتى تدرج في خفوت بعد دقائق دامت طويلًا وساد السكوت بنومها.
ابتعد في بطء وهم العالم أجمع فوق أكتافه متجهًا إلى غرفته فجلس فوق فراشه ثم جذب إحدى سجائره ينفس فيها غضبه واشواقه وعقله مشتت بين يساري متفتح يحثه على منحها مساحتها لاكتساب ثقتها الذي فقدها بخبث ويميني متطرف يصرخ كالشيطان في اذنه كي يهشم رأسها وعظامها فلا تحادث رجل غيره.
ضرب على صدره يشعر باختناق متسائلًا كيف انتقل من شخص استحواذ على كل تفكيرها إلى انسان لا تطيق لمح طيفه، تذكر وقت كانت تنتظره بالساعات حين كان يتأخر في العمل أثناء مهمته بمتابعة إنشاء الفرع الجديد كمهندس له منصبه الإداري داخل الشركة وتطوعه لهذه المهمة المنسوجة على أرض الوطن على أمل تطبيع صغيره بأهل بلده كي لا ينشأ كالغريب في الخارج بلا فهم لأصول حياتهم في مصر.
مهمة يشعر بالامتنان لها لأنها سمحت له بالانتباه إلي ريم تلك الشابة التي كانت تجول حوله وحول صغيره حتى خلبته قلبه وسرقت صوابه، ابتسم متذكرًا غنجها وابتسامتها الرائعة المشاكسة كلما علد من العمل.
***
ولج “ريان” إلى المنزل بعد العشاء يشعر بالإرهاق والألم الجسدي من الوقوف طيلة اليوم في مقر العمل، تنهد في راحة وهو يلقي بأغراضه ويخلع قميصه ثم ابتسم حين انتقلت عيناه لتلك الراكضة في حماسه كالفراشة نحوه وذلك المشاغب الراكض من خلفها.

-وحشتنا يا بابي.

خرجت انفاسه من صدره في رضا ودفئ بخروج كلمة “بابي” منها وهو يلتقط جسدها ويضمها نحوه مقبلًا عنقها مجيبًا إياها في نبرة صادقة مهلكة:

-وانتوا كمان وحشتوني.

مال يساعد صغيره على التسلق فوق جسده فيضم كلاهما في آن واحد قبل أن يتساءل:

-أيه الريحة الحلوة دي؟

-دي ريحة الغدا، يلا عشان هنموت من الجوع.

تركها تمسك ذراعه وتدفعه للداخل نحو الطاولة بينما يحمل الصغير جيدا فوق ذراعه ثم قال مستنكرًا:

-غدا؟

انا مش قولت قبل كده متستننيش على الأكل، بتجوعي نفسك ليه؟

احمرت وجنتها في خجل وهزت كتفها في لا مبالاة هامسة:

-عادي مش بعرف أكل لوحدي.

شعر بعيونها تنطفئ وهي تحاول الانفلات من اصابعه والجلوس فجذبها خطوة نحوه ليستقر بشفتيه فوق جبينها هامسًا في خشونة محببة لقلبها:

-أنا كمان بحب أكل معاكي بس بطلي دلع ولما اتأخر متستننيش تاني،
ولا الهانم عايزة الناس تقول اتجوزتك عشان اجوعك.

ضحكت في خفوت وهي تحارب خجلها اللامتناهي وتمد ذراعيها لحمل عمر كي تضعه في مقعده جوارها وهمست في دلال:

-هنشوف.

كانت كشعلة نشاط متوهجة اصابعها تتطاير على طول المائدة بين اطعامه واطعام نفسها وطفله، كانت طفلة تُسكنه قلبها وتفوح منها رائحة العائلة والحميمية.
ارتفع جانب وجهه في ابتسامة راضية تلتها غمزة مشاكسة حين اشتعلت وجنتيها في خجل وترقب لما تخبرها به اللمعة في حدقتيه السوداء وحين انتهى العشاء أخذ “ريان” وقته لينهي حمامه الدافئ على أمل ان ينام عمر المتطلب لبقائها في احضانه الليلة كي يملي شوقه من طفلة الريم خاصته.
خرج عاري الصدر مرتدي سرواله القطني فقط بينما يمسح فوق رأسه بالمنشفة واستقر على نهاية الفراش منتظرها ولكن انتظاره لم يدم طويلًا حين دخلت “ريم” بابتسامتها الخلابة والحمرة المشتعل في وجنتيها تحايله وقالت في ارتباك:

-عمر نام خلاص، هتنام انت كمان؟

ترك ما بيده واتجه نحوها في خطوات ثابتة رغم اللهفة التي تغمر صدره، رفع كفه يحاوط جانب وجهها في حب ومال يقبل جبينها في شغف، ابتعد يناظر عيناها الواسعة ببراءة قاتلة وكالعادة سرقت نبضاته من جديد حين همست في تضرع:

-بحبك.

أغمض جفونه مستمتع بتخدر أوصاله بكلمتها تلك ودون كلمة أخرى مال يقضى على المسافة بين وجهيهما ويعبر عن حبه في قبلة ضارية حميمة نسى فيها الخدر ونست هي فيها الخجل.
***
عاد “ريان” من ذكرياته على صوت أنفاسه المضطربة فأغمضت عيناه بقوة قبل أن يلقي بجسده للخلف فوق الفراش ويهمس للهواء في لوعة:

-بحبك….

لدرجة ان قلبي بيتحرق طول اليوم ويرجع يستنى الليل يداويه عشان يقدر يتحرق في حبك من تاني.

كلما عاد تفكيره لما اخبرها به أحمد يسأل نفسه كيف لم ينتبه لحاجتها لكلماته بل كيف لم ينتبه انه لم يترجم تلك المشاعر على لسانه يومًا ولكن كيف سيفعل وقد كانت ترسم له حياة سعيدة وردية تخطها بأناملها وتغدقه بمشاعرها فلما تفعل وإن كانت تشك في محبته لها.
كان يخجل من الاعتراف بمشاعره نعم يعترف انه كان بلا خبرة تُذكر في عالم الحب وقد كانت ريم امرأة بروح طفلة عاشقة للحياة ولا تعرف معنى القيود فكان يخشى الانسياق في عالمها المنسوج بالمشاعر ونسيان واقع ان عليه لعب دور الأب قبل دوره كزوج لها.
وبذلك تقلب على يمينه يتمنى النوم وهو يحتضن وسادتها التي أصبحت تخلو من رائحتها بقلب ينتفض شوق ولوعة بين ضلوعه.
******

في ذات الوقت بإحدى دول الخليج جلست “ليان” داخل منزلها تشارك صديقتها حسائها الساخن فقاطعت رويدا الصمت بسؤالها:

-بس مش غريبة اخوكي يطول في خصامه كده ما انتي اعتذرتي وعرفتي غلطك من زمان.

رفعت ليان الوعاء من على فمها وبانزعاج لجأت لعلبة سجائرها على الطاولة منهيه وجبتها مجيبة إياها في سخرية:

-هيعمل ايه الاعتذار مع ريان انتي متعرفيش اخواتي مش بيسامحوا بسرعة!

-ليه يعني؟

زفرت ليان الدخان في غضب قائلة في ضيق:

-بطلي اسئلة تقهر فيا كفاية الهم اللي انا فيه.

لوت “رويدا” شفتيها بفضول وهي تجذب السيجارة من يدها تنفخها فقالت ليان في تهكم:

-انتي بتشربي سجاير من امتى؟

-مش بشرب لقيتها في ايدك قولت اجرب.

قالت رويدا في صدق فجذبتها ليان من بين أصابعها بشيء من الحدة مستنكرة:
-بطلي فضولك ده، انتي ايه مش بتتعلمي مني ومن فضولي؟
اديني قدامك شوفي فضولي مشاني ورا واحد ضحك عليا واستغل سذاجتي وعلمني السجاير وعرفني الشرب.

لوت رويدا شفتيها مرة أخرى وقالت موبخه:

-على فكرة بقى مش ذنبك انه طلع ندل انتي كنتي بتحبيه عشان كده عملتي كده.

ضحكت ليان في مرارة وخرج منها نفس حارق وهي تخبرها:

-يا ريت كنت بحبه انا كنت واهمه نفسي بكده وبقنع نفسي ان كل حاجة ماشية صح،
والنتيجة ايه مصدقتش قلبي وسيبته يضحك عليا بكلامه وان ريم مرات ريان مش هتخلي يرجعني هنا تاني واني هفضل مع بيجاد طول العمر .

انهت ليان جملتها وتفكيرها يعود لذلك الأسمر الذي سرق قلبها من زمن بعيونه المكحلة بالغموض.

-انا أموت وأعرف بقى ليه بيجاد عاملك بعبع في دماغك؟

رمشت ” ليان” ونظرت لصديقتها قبل ان تفرك وجنتها وقد تذكرت صفعت “بيجاد” لها حين كانت تبكي وترثي والدها محذرًا إياها بإظهار ضعف أمام الناس القادمون لتأدية واجب العزاء يومها خلق داخلها شعور غريب نحو الجميع شعور مرعب، جذبت نفس أخر وزفرت في حدة وهي تجيب:

-بيجاد اخويا طيب بس مجنون، لو عاشرتيه هتعرفي ان اللي يعيش معاه يبقى لازم يشيل كفنه على ايده.

مالت صديقتها نحوها تجذب السيجارة من اصابعها وتطفأها في تحدي قائلة:

-مش عايزة اشوفك بتشربيها قدامي بتفكرني بجوزك المقرف، كملي وعملك ايه بيجاد لما ريان سافر اول مرة.

ارتفع جانب وجهها في تهكم فلو علمت صديقتها ما اراده نادر ان تفعل لاقتلعت عيناه بيدها، تنهدت ليان ثم أكملت ساخرة:

-زي ما تقولي كده كنت بخاف اتنفس في البيت وانا لوحدي من غير ريان،
ولو حد عاكسني في المنطقه وبيجاد عرف كان بيكسر عضمه يعني باختصار كان مربيلي الرعب وحاسه انه يا هيموتني يا هيوقف حالي طول ما انا جنبه.

حركت رويدا فمها لليمين واليسار بعدم رضا متشدقه في نبرة متعجبة:

-ده ربنا يكون في عون مراته.

طأطأت “ليان” بنفي وهي تعتدل بأريحيه على اريكتها مخبرة إياها بتأكيد:

-لا خالص، وسام دي طول عمرها خط أحمر عند بيجاد ده بيعشق تراب رجليها.

-سبحان الله، عقبالك وعقبالي.

-عقبالك أنتي، كفاية اللي خدته وسففني التراب.

قالت ليان ساخرة وهي ترفع كفيها في الهواء باكتفاء فضحكت رويدا وأكدت:

-لا ان شاء الله تلاقي اللي يهنيكي ويسعدك يا بنتي.

هزت ليان رأسها دون جدال فسألت “رويدا” في خفوت:

-هو فاضل قد ايه وعده طلاقك تخلص؟

-اسبوع وورقتي هتكون عندي الباشا مستني اديله المبلغ اللي عايزة الأول.

قالت ليان وهي تستقيم وتحمل الأطباق للمطبخ فاتبعتها رويدا واستطردت:

-ايه ده انتي عرفتي تجمعي الفلوس؟

-لا طبعا استلفتهم من حد واتفقت ارجعهم على مهلي زي قرض كده.

قالت “ليان” في حسرة فضربت “رويدا” كف على الأخر وقالت في استنكار:

-يا بنتي كلمي اخوكي وخلي يساعدك بدل الهم ده بلاش عناد.

-عناد ايه يا رويدا هو بيرد عليا اصلا!

هتفت “ليان” في حده فوقفت “رويدا” امامها ويداها فوق خصرها قائلة:

-لو بعتيله رسالة انك في ضيقه ومحتاجه اكيد هيرد، اخوكي مش هيتخلى عنك صدقيني مهما كان زعلان.

-انا مش هطلب حاجه منه يا رويدا كفاية اللي حصل، سيبيني اتقبل العقاب على ذنوبي من سكات.

-ذنوبك مرة واحدة، فوقي يا ماما انتي كنتي مجرد واحده لا ليكي اب ولا أم وخايفة من الدنيا،
دي غريزة الحياة اللي وصلتك لكده والحاجة الوحيدة اللي اذنبتي فيها انك وقعتي بين رييان ومراته غير كده لا.

-اسكتي يا رويدا ارجوكي.

همست “ليان” فزفرت “رويدا” في اعتراض وكادت تمطرها بوابل من التوبيخ فأوقفتها “ليان” محذرة بصوت منفعل:

-اقفلي الموضوع والا هرجعك سكنك تاني، انا اللي ضربني في دماغك واقولك اشتركي معايا في السكن يا بت انتي!

-ماشي يا ليان هعدهالك انهارده عشان ورانا شغل بدري انجري قدامي واتخمدي يا أم عقاب.

قالت رويدا وهي تدفعها نحو الغرفة، حركت ليان رأسها بقلة حيلة وسبقتها للنوم متمنيه ان يأتيها بالفعل.

“فرط الحب”

الفصل التاسع:

-يا ماما ما تدخليش في قراراتي ارجوكي!

-اتلهي على خيبتك انتي وقراراتك وخدي البطة دي من ايدي حطيها على السفرة وتعالي ورايا.

هتفت والدة وسام في تحذير وهي تمد ذراعها بما تحمله من طعام وعادت لشقتها المقابلة لشقة وسام تاركة الباب مفتوح قبل ان تعود وتطل من الباب مخبرة إياها:

-وسيبي الباب في كذا حاجه هنجيبها.

زفرت وسام في ضيق لكنها اتبعت والدتها في الأخير بعد ان وضعت الطعام على الطاولة وما ان وجدتها تخرج المزيد من الطعام قالت في حنق:

-ده مش عشا دي وليمة دي.

احتجت وسام وهي تنقل الاطباق من منزل والدتها إلى منزلها فردت عليها والدتها التابعة لها من الخلف:

-حطي الاكل وانتي ساكته خلي الراجل ياكل بقالك سنة منشفه ريقة بخصامك.

لوت وسام شفتيها باعتراض لتخبرها:

-الخصام مش معناه اني بجوعه يا ماما انا بعمل اكل وبهتم بهدومه وبغسلها وبنضف اوضته أول بأول.

-لا أصيلة يا بت اهتمي بكل حاجة لكن جوزك الغلبان سيبيه يولع.

قالت والدتها وهي تضع ما بيدها وتلكزها في انزعاج، فعقدت وسام المنزعجة ذراعيها في حقد هامسة:

-انتي امي ولا امه؟

-أنا مش أم حد يا ستي، وايه القرف اللي لبساه ده، ده ربنا نجده انك مخصماه اوعي يا شيخة كده من وشي اروح اصلي المغرب واتخمد!
قالت والدتها وهي تنظر لها من اسفلها لأعلاها باشمئزاز لتغمغم في طريقها:

-ياكش يتجوز عليكي عشان ترتاحي.

-بتقولي ايه يا ماما؟!

قالت وسام في انزعاج واضح من أفعال والدتها فهمست والدتها بأنف مرفوع قبل ان تغلق الباب خلفها:

-ما بقولش ادخلي استحمي كتك القرف!

زفرت “وسام” واستغفرت الله وقد ملائتها كلمات والدتها بالغيظ فنظرت لجلباب والدتها المنزلي الواسع متمتمه :

-ما انا حامل ومخصماه هعمله ايه يعني، نانسي عجرم؟!

وقفت امام المرآه تطالع هيئتها المهملة ووجها المرهق الخالي من الزينة وحركت اصابعها على الغرة القصيرة فوق جبينها الأسمر الشاحب ثم دبدبت في اعتراض وقد غرست والدتها القلق في اعماقها فقالت لنفسها:

-ايه يعني انا بهتم بنفسي لنفسي مش معنى اني مخصماه اسيب نفسي وحشه ده مالوش علاقة.

حركت رأسها باقتناع بانها لا تفعله من أجل إرضاء “بيجاد” ودلفت لأخذ حمام ساخن سريع، وبعد محاولات طويلة لايجاد ما يناسبها من ملابسها الطبيعية تنهدت في توتر وقد زاد وزنها بشكل ملحوظ واصبحت بطنها المنتفخة لا تتناسب مع ملابسها فقط ملابس والدتها مناسبة في ذلك الوقت:

-ماشي يا ماما احبطتيني ومشيتي، ربنا يسامحك.

وقعت عيناها على ملابس زوجها المعلقة والتمعت عيناها في مكر انثوي ليرتفع جانب وجهها بانتصار فالحاجة تبرر الوسيلة ام أنها الغاية … أممم لا يهم المهم انه مبرر.

جذبت قميصه الرياضي الواسع ذو الماركة الممتازة ووقفت تبحث عن سرواله، وحين لم تجده اتسعت ابتسامتها متخليه عن فكرة السروال وارتدت القميص بمفرده وقد تأكدت انه يصل لمنتصف فخديها.
مشطت شعرها وغرتها المبللة قليلًا ثم وضعت احمر شفاه على وجنتيها تزيدها حمره قبل ان تمرر ابهامها فوق القلم لتمسح بطرفه فوق شفتاها برقة لتزداد ورديتهما بشكل شبة طبيعي كي لا تظهر مفرطة الزينة، فهي لا تريد اثارة انتباهه او ان يظنها تراضيه أليس كذلك؟
وقفت تتابع برضا جسدها، فالقميص الواسع يبتلع تكور بطنها ويعطيها دلال جذاب نوعًا ما، نظرت لسيقانها العارية ووجهها المتوهجة ثم همست في نبرة مرتبكة:

-ايه العبط اللي بعمله ده هي الهرمونات أثرت على دماغي ولا إيه؟

لم تفكر كثيرًا فقد قاطعها صوت شجار عالي نابع من أسفل، هرعت تقترب من النافذة وشهقت حين تأكدت ظنونها وسمعت صوت زوجها العالي، ركضت تبحث عن اسدالها وفتحت النافذة تبحث بعينيه عنه فتابعته يصرح في غضب:

-انا اللي احاسب طيب ايه رأيك لو شوفتك تاني هديك بالجزمة على دماغك عشان انت راجل قليل الأدب ومتربتش!

-عيب يا بيجاد ده راجل كبير بردو، هو مقصدش يخبطك.

قال أحد الرجال المحاولين دفع “بيجاد” عن رجل يبدو وكأنه في الأربعين من عمره سمين الهيئة وملامح الغضب شعت من وجهه عندما هدد زوجها:

-ده انا اللي هربيك يا تربية واطية.

-طيب تعالى ربيني لو راجل تعالى انا واقف مكاني اهوه.

زمجر “بيجاد” في نبرة غاضبة وهو يدفع رجلين من حوله ويرفع اصبعه في الهواء بتحذير يؤكد ثباته في مكانه ويحثه على الاقتراب ان كان يجرؤ.
دار الشجار بينهما قليلًا وكاد يشتعل أكثر لولا تدخل الأهالي وكبار المكان الذين نجحوا في استدراج الرجل الغريب للمغادرة وحثوا “بيجاد” على الصعود لمنزله وانهاء الشجار.

اخذت وسام خطوتين وكادت ترتمي على وجهها حين خطت فوق الاسدال الطويل فخلعته في عضب واتجهت نحو الباب تضع ذراعيها فوق خصرها ونيران الغضب تشعلها فوقفت منتظره إياه لتنفجر في وجهه.
فتح “بيجاد” الباب وهو يسب ويلعن وقاحة الناس هذه الأيام وتفاجئ بزوجته الشبه عارية تقف أمام الباب، فدخل بسرعه مغلقًا الباب خلفه وخرج صوته حاملًا مشاعره المتعجبة:

-وسام واقفة ليه كده؟

-انت يا بني آدم انت عايز تشلني، يعني كل اللي احنا فيه ده وحياتنا المتدمرة وبردو ماشي تتلكك للناس وتتعارك معاهم،
وكأن اللي بيحصل وبعادي عنك ولا فارق معاك من الأساس !

قذف المفاتيح بيده ارضًا معبرًا عن اهتياج غضبه بينما يخبرها من بين اسنانها:

-اتلكك للناس؟
انتي تعرفي ايه حصل اصلًا؟

-مش محتاجة اعرف يا بيجاد انا عارفة حاجة واحده بس انك اناني ومتعرفش تعدي حاجة على خير ابدًا.

-وايه كمان قولي متتكسفيش، ابوكي مكنش بيقول اني اناني بس.

قال في نبرة حادة ليضربها في مقتل فهي تردد تحذيرات والدها بالفعل، اتخذ خطوتين نحوها بينما يحرك يده يحثها في تهكم على الحديث، فوضعت يدها فوق رأسها تحاول لجم صداع حاد بدأ في مهاجمتها ثم أردفت:

-انا اسفه اني بتكلم معاك، انا من الأول كلامي كان واضح معاك واختيارك بردو كان واضح ان انا واللي في بطني مش فيه أكيد.

وبذلك اتجهت نحو غرفتها تغلقها في قوة زلزلت المكان وقفت خلف الباب تحاول تمالك عبراتها دون جدوي فانسابت بحرارة فوق وجهها.
بينما قبض “بيجاد” كفه بقوه وضرب بيده فوق رأسه في غضب وقلة حيله فكل ما حوله يدور ضده فقد كان في طريقه للمنزل وكل ما يسرق خلده هو رؤيتها قبل ان تختبئ منه في غرفتها وكان سيفعل ان لم يرتطم به ذلك الوقح المتكبر الذي امطره بوابل من الشتائم تلتها شتائم غير مبررة لشاب يمسك بضع أكياس يبدو انه يعمل لديه، فما كان من “بيجاد” الا وان باغته بصفعه مدوية وبكلمات أكثر دونية تعيده لرشده بأن البشر ليسوا عبيدًا لأحد.

مر من امام غرفتها فلمح الطاولة المليئة بالطعام وسب أكثر من بين انفاسه المضطربة متسائلًا:

هل كانت مشتاقة تنتظره هي الأخرى، هل افسد فرصة لم يعلم عنها شيء كعادته ؟

سعل بخفة يحاول استجماع افكاره وشجاعته ثم اتجه نحو الباب وانقبض قلبه حين وصلته همهماتها الباكية، كاد ينسحب في خجل ويبتعد ولكنه جذ على اسنانه بإصرار ورفع يده يدق بابها هامسًا في حنان:

-وسام تعالي اتعشي وبعدين نامي.

قابله الصمت لثواني قبل ان تجيبه بنبرة تحاول السيطرة عليها كي لا تظهر بكائها متعمدة احباط آماله:

-لا مش جعانة، الاكل ده ليك أنت ماما بعتهولك.

شعر بقلبه ينعصر لتفتت آماله بأن تكون مشتاقة له مثله وهمس في خفوت:

-أنا أكلت في الشغل، اطلعي انتي كلي عشان اللي في بطنك مالوش ذنب.

-لما اجوع هطلع متشكرة على اهتمامك.

ضرب رأسه بالجدار مرة في اهتياج غاضب وكاد يصيح في حده ولكنه تمالك اعصابه في اللحظة الأخيرة، ابتعد يشعل التلفاز الذي صدح بصوت السيدة أم كلثوم التي استرسلت وطالت في غناءها حتى هدئت ثورته رغمًا عنه وقلبه يترجم كلماتها فيبدأ في دقاته حتى وصلت للمقطع الواصف لحياته الحالية:

أهل الحب صحيح مساكين صحيح مساكين….

ياما الحب نده على قلبي….

ما ردش قلبي جواب…

ياما الشوق حاول يحايلني….

و أقول له روح يا عذاب…

-ولو جيت وخليته يرد وروحته؟

قال “بيجاد” مبتسمُا على مزحته الخاصة وقد انقلب مزاجه للمرح في لحظة وبكل تحدي وعناد توجه لباب غرفة وسام من جديد، كاد يطرق الباب لكنه توقف عندما لمعت عيناه بفكره وقد لمح دولاب الخزف المسمى ب “النيش” المركون بجوار غرفتها فارتفع وجهه في ابتسامه شيطانية وهو يتجه نحوه متعمد القول بصوت يصل إلى مسامعها:

-اما أدخل أعمل قهوة بقى بدل الزهق ده،
اوووه، أيه ده فناجين في النيش انا نقطة ضعفي الفناجين اللي في النيش.

كبح ضحكه كادت تغادر صدره حين وصله صوت ضربات قدماها الصغيرة ولمعت عيناه في مكر وهو يلمح ظلها من أسفل الباب، ليتمتم:

-جيتي في ملعبي يا قطتي!

التفت حوله يبحث عما يساعده والتقت عيناه بالمملحة فوق الطاولة ليجذبها ويتجه نحو الدولاب يفتح ابوابه قائلًا في مشاكسة:

-الله حلو الفنجان ده متطعم بماية الدهب ده ولا إيه يا ترى.

عض على شفاه السفلى ثم رمى المملحة ارضًا لترتد فوق البلاط محدثة اصواتًا مدوية، سمع شهقتها قبل أن يرى الباب يُفتح فتندفع “وسام” مهرولة نحوه صارخة:

-كسرت ايه، كسرت إيه؟

رفع “بيجاد” ذراعيه باستسلام قائلًا ببراءة الذئب:

-مكسرتش حاجة دي الملاحة وقعت!

التفت وسام حول المكان تتأكد بنفسها ثم تنهدت في راحه عندما تأكدت من صدقه لكنها اتجهت نحوه تصفع كتفه في غصب محذرة إياه:

-ملكش دعوة بالنيش بتاعي تاني، انت سامع أوعى تلمس حاجتي.

-على ما اذكر النيش نفسه انا اللي جايبه يعني من حقي كزوج اني اشرب في الحاجة اللي تريحني.

قال بيجاد بفم ملتوي يتعمد اغاظتها فصرخت وهي تجذب خصلاتها:

-أموت نفسي عشان ترتاح، اسمع كلامي بقى.

اقترب منها عنوة يقتحم مساحتها سارقًا أنفاسها بالتصاقه بها ثم قال في لهجة خفيضة تحمل داخلها الكثير:

-ولو مسمعتش هتعملي ايه؟

لمعت عيناها بفطنه لما ينوي عليه وكادت تبتعد ولكنه كان سريعًا وهو يحاوطها بين ذراعيه فهمست بحلق جاف:

-انت بتعمل ايه؟

لم تكمل جملتها وخرجت منها صرخة خفيفة معترضة حين حملها بين ذراعيه ليقول:

-مفيش اصل ابني وحشني أوي وعايز اقعد معاه شويه.

-بيجاد انت بتستفزني ليه؟

قالت وهي تدفع كفيها في جسده الصلب الكبير فحرك ذراعيه باضطراب مستطردً في تهديد ساخر:

-اوعى تقعى عشان بطنك.

عقدت ذراعيها بقوة حول عنقه كادت تقطع عنه الهواء لكنها قابلها بضحكاته رغم ذلك فصاحت في غضب:

-حقيقي إنسان مستفز.

-وانتي انسانه باردة بس مش شيفاني بشتكي!

كادت تنفجر به لكنه وضع كفه فوق فمها وقال في هدوء وكأنه يحادث طفلة:

-بطلي نكد خمس دقايق وسبيني اقعد مع ابني شويه، بطلي انانية.
استلقى على الأريكة واستقر بها داخل احضانه فقالت متهكمة وهي تشعر به يحاوطها بجسده الضخم:

-كده انت قاعد مع ابنك؟

-اه بحب اخده في حضني، معلش استحملي ابن وابوه، بس انتي اللي حاشرة نفسك في النص مضطر احضنك عشان اوصله.

خرج الهواء من صدره حين لكمته في معدته بغضب واتبعتها ضحكاته التي هزت المكان وهو يحكم قبضته حولها حتى اصبح كلاهما على جانبه فوق الأريكة وظهرها يلاصق صدره القوي.
تركها “بيجاد” تقاومه مده حتى خارت قواها وبدون تعليق من كلاهما سكنت وسام بين ذراعيه تلتقط انفاسها فمال يقبل جانب رأسها هامسًا عند أذنها:

-بحبك وبموت في حضنك يا أرق مجنونة.

ابتسمت دون اردتها ورفعت رأسها تناظره بطرف عينيها ثم أجابته في مكر:

-الله وحضن أبنك؟

-ابني مين ابن الكلب ده، المهم حضنك انت يا حلو يا متختخ.

اختفى المرح من عيناها وانقلب مزاجها مائة وثمانون درجة فانتهي بها الحال هاتفة في وجهه:

-تقصد اني تخينه وبقيت وحشه ونفسك تتجوزك عليا عشان كده مش عايز تحسن من نفسك طبعا جتلك على الطبطاب،
ما تتكلم وياترى عرفت مين عليا من ور…..

كبح “بيجاد” المنذهل جماح تخيلاتها بأن ألقى بفمه فوق شفتيها ينهى سيناريو مجنون نسجته لتوها.

ويسألون لما يصعب فهم النساء؟

كان هذا أخر تفكير في عقله قبل ان تُسكره ملمس شفاها وأنفاسهما المختلطة فيندفع معها في معركة ضارية تسحره فيها وتجذبه في بحور غرامها، فيهاجم هو بكل ما يملك من مكنونات هوجاء تتغنى باسمها ..
معركة قوية متعطشة للخضوع لن تنفض سوى بالتلاحم، معركة لا تعرف الفوز فكلاهما خاسر…
وما ألذ الخسارة حين تكون بين أحضان الحبيب …

*****

جلس “ريان” أمام الحاسوب المتنقل يصطنع الانشغال بأمر هام بينما هو في الحقيقة يتلوى بنيرانه وكل ما يشغله هي ضحكات ريم وعمر المنسجمان بلعبة ما على جهازه الإلكتروني.
حتى الصغير صار يتجاهله منذ عدة أيام وصار يحذوا حذوها في عقابها، ذلك الصغير الماكر يتصيدها كلها لنفسه ويتمرغ بين احضانها مستمتعًا بحنانها بينما هو يتلوى بنار الوحدة والشوق.
نظر لريم التي استقامت واتجهت لصنع الفشار فانتهز الفرصة واتجه يجثو بجوار عمر ثم جذب الصغير من قميصه ليقف امامه ويهتف به من بين اسنانه:

-بتبعني يا عمر وبتنفضلي هو ده اتفاقي معاك!

عقدت عمر ذراعيه واجابه بشفاه مزمومه في حنق طفولي:

-مش بنفضلك، انت اللي مش بتعمل حاجة وسايبني اصالحها لوحدي.

لطمه ريان خلف رأسه في انزعاج وقال مستنكرًا وهو يلقي نظرة خلف ظهره متوجسًا عودتها:

-اصالحها ازاي يا روح أمك وأنت واخد كل وقتها، طيب قولها نقعد مع بابا شوية، او اعمل اني واحشك يا راجل.

-انت مقولتليش!

اعترض عمر وهو يلوي ملامحه فدفع “ريان” رأس “عمر” بخفه نحوه محذرًا:

-هتعمل عيل عليا دلوقتي، بقولك ايه ياض تكونش فاكر هتعيش معاها وانا هغور في داهية،
لا فوق ده هو باكدج واحد انا وانت يا مفيش وابقى خلي الانانية تنفعك ساعتها.

-يوه دي ما بقتش عيشه، ما انت اللي فاشل اعملك ايه.

-فاشل، ايه فاشل دي يا ابن الكلب؟
ما انت لو محترم تعمل بلقمتك وتساعد ابوك، أقولك … اعمل تعبان يا اخي بليل وقولها عايز بابا ينام معانا وسيبني انا هتصرف.

تركه “ريان” حين أحس باقتراب “ريم” فتحرك لمقعده سريعًا يتصنع الانشغال بالحاسوب، وضعت “ريم” الوعاء المليء بالفشار أمام عمر الواجم فسألته:

-مالك يا عمورتي؟

هز عمر رأسه بالنفي وأعاد تشغيل جهازه ليندمج كلاهما، هربت منه نظرة نحو والده الذي يحدق به بعيون ضيقه واتسعت عيناه بخوف حين مرر اباه اصابعه امام عيناه نحوه في تهديد مباشر بالمراقبة، فمط شفتيه في ضيق واخذ عقله الصغير يفكر في حل يساعده به كي يتجنب سخطه الذي سيتحول لغباء لا محالة مستهدفًا به ريم، ليتمتم في قلة حيلة:

-مش معقول انا اللي لازم أعمل كل حاجة!

رن هاتف “ريم” واشتعل صدر “ريان” عندما دلفت للحجرة بعيدًا عنهما، فلم يقدر على الثبات واتجه خلفها يحاول استراق السمع في غفلة عن صغيره المنشغل بألعابه.

-مفيش أرخم من قعدت الرجالة في البيت، انا مش فاهمة قاعدلي ليه ده.

-يا بنت الجزمة.

همس ريان من بين اسنانه بتوعد متسائلًا عن هوية المتحدث التي تتذمر معه بشأن وجوده، دوت ضحكتها لتنهش الغيرة في قلبه وسمعها تقول في غنج:

-لابسه بيجامة برموده وتي شيرت عادي.

خرج منه لفظ اعتراضي تلاه لفظ بذئ ثم اندفع للغرفة بدون تفكير هاتفًا:

-انتي بتكلمي مين؟

التفت ريم المرتعبة نحوه وقالت في شبه هستيرية:

-حد يخض حد كده يا بني آدم، صفيت دمي.

-ده انا هصفي دمك كله لو مقولتيش بتكلمي مين وبتوصفيله لبسك.

نست ريم من يحادثها على الخط وتخصرت في اعتراض قائلة في نبرة مستهجنه:

-أنت كمان بتتصنت عليا.

اتجه نحوها عازم النية على جذب الهاتف منها فركضت حول طاولة صغيرة بمنتصف الغرفة وقالت في حده:

-متقربش مني واطلع برا اوض…اااه..

صرخت حين اندفع يجذب الهاتف في قوة من بين اصابعها وزمجر في السماعة:

-مين معايا؟

-أنا وسام…هو في حاجة؟

انعقدت ملامح ريان في بلاهه وهو يستمع لنبرة وسام المتوترة ثم طالع ريم التي تقتله بنظراتها قبل ان تميل لتجذب الهاتف منه مرة أهرى قائلة في تهكم:

-ارتحت، ممكن تطلع برا ومتدخلش في حياتي!

رمقته بحقد جعل الدماء تتدفق في وجنتيه فيبرز الحرج الذي تلبسه فغمغم بشكل غير واضح:

-طالع.

وبذلك وضع قدم خلف الأخرى في وتيرة سريعة يتسابق للخروج من أمامها وقد جعلته كالثور الابله.

لمعت عيون “ريم” في انتصار وارتفع جانب وجهها في ابتسامه ماكرة، اهلًا بك مُعذبي في صرح كيدي العظيم، اختر رقمًا وانتظر بكل كبرياء فرصيدك هناك على وشك النفاذ.

“فرط الحب”

الفصل التاسع:

-يا ماما ما تدخليش في قراراتي ارجوكي!

-اتلهي على خيبتك انتي وقراراتك وخدي البطة دي من ايدي حطيها على السفرة وتعالي ورايا.

هتفت والدة وسام في تحذير وهي تمد ذراعها بما تحمله من طعام وعادت لشقتها المقابلة لشقة وسام تاركة الباب مفتوح قبل ان تعود وتطل من الباب مخبرة إياها:

-وسيبي الباب في كذا حاجه هنجيبها.

زفرت وسام في ضيق لكنها اتبعت والدتها في الأخير بعد ان وضعت الطعام على الطاولة وما ان وجدتها تخرج المزيد من الطعام قالت في حنق:

-ده مش عشا دي وليمة دي.

احتجت وسام وهي تنقل الاطباق من منزل والدتها إلى منزلها فردت عليها والدتها التابعة لها من الخلف:

-حطي الاكل وانتي ساكته خلي الراجل ياكل بقالك سنة منشفه ريقة بخصامك.

لوت وسام شفتيها باعتراض لتخبرها:

-الخصام مش معناه اني بجوعه يا ماما انا بعمل اكل وبهتم بهدومه وبغسلها وبنضف اوضته أول بأول.

-لا أصيلة يا بت اهتمي بكل حاجة لكن جوزك الغلبان سيبيه يولع.

قالت والدتها وهي تضع ما بيدها وتلكزها في انزعاج، فعقدت وسام المنزعجة ذراعيها في حقد هامسة:

-انتي امي ولا امه؟

-أنا مش أم حد يا ستي، وايه القرف اللي لبساه ده، ده ربنا نجده انك مخصماه اوعي يا شيخة كده من وشي اروح اصلي المغرب واتخمد!
قالت والدتها وهي تنظر لها من اسفلها لأعلاها باشمئزاز لتغمغم في طريقها:

-ياكش يتجوز عليكي عشان ترتاحي.

-بتقولي ايه يا ماما؟!

قالت وسام في انزعاج واضح من أفعال والدتها فهمست والدتها بأنف مرفوع قبل ان تغلق الباب خلفها:

-ما بقولش ادخلي استحمي كتك القرف!

زفرت “وسام” واستغفرت الله وقد ملائتها كلمات والدتها بالغيظ فنظرت لجلباب والدتها المنزلي الواسع متمتمه :

-ما انا حامل ومخصماه هعمله ايه يعني، نانسي عجرم؟!

وقفت امام المرآه تطالع هيئتها المهملة ووجها المرهق الخالي من الزينة وحركت اصابعها على الغرة القصيرة فوق جبينها الأسمر الشاحب ثم دبدبت في اعتراض وقد غرست والدتها القلق في اعماقها فقالت لنفسها:

-ايه يعني انا بهتم بنفسي لنفسي مش معنى اني مخصماه اسيب نفسي وحشه ده مالوش علاقة.

حركت رأسها باقتناع بانها لا تفعله من أجل إرضاء “بيجاد” ودلفت لأخذ حمام ساخن سريع، وبعد محاولات طويلة لايجاد ما يناسبها من ملابسها الطبيعية تنهدت في توتر وقد زاد وزنها بشكل ملحوظ واصبحت بطنها المنتفخة لا تتناسب مع ملابسها فقط ملابس والدتها مناسبة في ذلك الوقت:

-ماشي يا ماما احبطتيني ومشيتي، ربنا يسامحك.

وقعت عيناها على ملابس زوجها المعلقة والتمعت عيناها في مكر انثوي ليرتفع جانب وجهها بانتصار فالحاجة تبرر الوسيلة ام أنها الغاية … أممم لا يهم المهم انه مبرر.

جذبت قميصه الرياضي الواسع ذو الماركة الممتازة ووقفت تبحث عن سرواله، وحين لم تجده اتسعت ابتسامتها متخليه عن فكرة السروال وارتدت القميص بمفرده وقد تأكدت انه يصل لمنتصف فخديها.
مشطت شعرها وغرتها المبللة قليلًا ثم وضعت احمر شفاه على وجنتيها تزيدها حمره قبل ان تمرر ابهامها فوق القلم لتمسح بطرفه فوق شفتاها برقة لتزداد ورديتهما بشكل شبة طبيعي كي لا تظهر مفرطة الزينة، فهي لا تريد اثارة انتباهه او ان يظنها تراضيه أليس كذلك؟
وقفت تتابع برضا جسدها، فالقميص الواسع يبتلع تكور بطنها ويعطيها دلال جذاب نوعًا ما، نظرت لسيقانها العارية ووجهها المتوهجة ثم همست في نبرة مرتبكة:

-ايه العبط اللي بعمله ده هي الهرمونات أثرت على دماغي ولا إيه؟

لم تفكر كثيرًا فقد قاطعها صوت شجار عالي نابع من أسفل، هرعت تقترب من النافذة وشهقت حين تأكدت ظنونها وسمعت صوت زوجها العالي، ركضت تبحث عن اسدالها وفتحت النافذة تبحث بعينيه عنه فتابعته يصرح في غضب:

-انا اللي احاسب طيب ايه رأيك لو شوفتك تاني هديك بالجزمة على دماغك عشان انت راجل قليل الأدب ومتربتش!

-عيب يا بيجاد ده راجل كبير بردو، هو مقصدش يخبطك.

قال أحد الرجال المحاولين دفع “بيجاد” عن رجل يبدو وكأنه في الأربعين من عمره سمين الهيئة وملامح الغضب شعت من وجهه عندما هدد زوجها:

-ده انا اللي هربيك يا تربية واطية.

-طيب تعالى ربيني لو راجل تعالى انا واقف مكاني اهوه.

زمجر “بيجاد” في نبرة غاضبة وهو يدفع رجلين من حوله ويرفع اصبعه في الهواء بتحذير يؤكد ثباته في مكانه ويحثه على الاقتراب ان كان يجرؤ.
دار الشجار بينهما قليلًا وكاد يشتعل أكثر لولا تدخل الأهالي وكبار المكان الذين نجحوا في استدراج الرجل الغريب للمغادرة وحثوا “بيجاد” على الصعود لمنزله وانهاء الشجار.

اخذت وسام خطوتين وكادت ترتمي على وجهها حين خطت فوق الاسدال الطويل فخلعته في عضب واتجهت نحو الباب تضع ذراعيها فوق خصرها ونيران الغضب تشعلها فوقفت منتظره إياه لتنفجر في وجهه.
فتح “بيجاد” الباب وهو يسب ويلعن وقاحة الناس هذه الأيام وتفاجئ بزوجته الشبه عارية تقف أمام الباب، فدخل بسرعه مغلقًا الباب خلفه وخرج صوته حاملًا مشاعره المتعجبة:

-وسام واقفة ليه كده؟

-انت يا بني آدم انت عايز تشلني، يعني كل اللي احنا فيه ده وحياتنا المتدمرة وبردو ماشي تتلكك للناس وتتعارك معاهم،
وكأن اللي بيحصل وبعادي عنك ولا فارق معاك من الأساس !

قذف المفاتيح بيده ارضًا معبرًا عن اهتياج غضبه بينما يخبرها من بين اسنانها:

-اتلكك للناس؟
انتي تعرفي ايه حصل اصلًا؟

-مش محتاجة اعرف يا بيجاد انا عارفة حاجة واحده بس انك اناني ومتعرفش تعدي حاجة على خير ابدًا.

-وايه كمان قولي متتكسفيش، ابوكي مكنش بيقول اني اناني بس.

قال في نبرة حادة ليضربها في مقتل فهي تردد تحذيرات والدها بالفعل، اتخذ خطوتين نحوها بينما يحرك يده يحثها في تهكم على الحديث، فوضعت يدها فوق رأسها تحاول لجم صداع حاد بدأ في مهاجمتها ثم أردفت:

-انا اسفه اني بتكلم معاك، انا من الأول كلامي كان واضح معاك واختيارك بردو كان واضح ان انا واللي في بطني مش فيه أكيد.

وبذلك اتجهت نحو غرفتها تغلقها في قوة زلزلت المكان وقفت خلف الباب تحاول تمالك عبراتها دون جدوي فانسابت بحرارة فوق وجهها.
بينما قبض “بيجاد” كفه بقوه وضرب بيده فوق رأسه في غضب وقلة حيله فكل ما حوله يدور ضده فقد كان في طريقه للمنزل وكل ما يسرق خلده هو رؤيتها قبل ان تختبئ منه في غرفتها وكان سيفعل ان لم يرتطم به ذلك الوقح المتكبر الذي امطره بوابل من الشتائم تلتها شتائم غير مبررة لشاب يمسك بضع أكياس يبدو انه يعمل لديه، فما كان من “بيجاد” الا وان باغته بصفعه مدوية وبكلمات أكثر دونية تعيده لرشده بأن البشر ليسوا عبيدًا لأحد.

مر من امام غرفتها فلمح الطاولة المليئة بالطعام وسب أكثر من بين انفاسه المضطربة متسائلًا:

هل كانت مشتاقة تنتظره هي الأخرى، هل افسد فرصة لم يعلم عنها شيء كعادته ؟

سعل بخفة يحاول استجماع افكاره وشجاعته ثم اتجه نحو الباب وانقبض قلبه حين وصلته همهماتها الباكية، كاد ينسحب في خجل ويبتعد ولكنه جذ على اسنانه بإصرار ورفع يده يدق بابها هامسًا في حنان:

-وسام تعالي اتعشي وبعدين نامي.

قابله الصمت لثواني قبل ان تجيبه بنبرة تحاول السيطرة عليها كي لا تظهر بكائها متعمدة احباط آماله:

-لا مش جعانة، الاكل ده ليك أنت ماما بعتهولك.

شعر بقلبه ينعصر لتفتت آماله بأن تكون مشتاقة له مثله وهمس في خفوت:

-أنا أكلت في الشغل، اطلعي انتي كلي عشان اللي في بطنك مالوش ذنب.

-لما اجوع هطلع متشكرة على اهتمامك.

ضرب رأسه بالجدار مرة في اهتياج غاضب وكاد يصيح في حده ولكنه تمالك اعصابه في اللحظة الأخيرة، ابتعد يشعل التلفاز الذي صدح بصوت السيدة أم كلثوم التي استرسلت وطالت في غناءها حتى هدئت ثورته رغمًا عنه وقلبه يترجم كلماتها فيبدأ في دقاته حتى وصلت للمقطع الواصف لحياته الحالية:

أهل الحب صحيح مساكين صحيح مساكين….

ياما الحب نده على قلبي….

ما ردش قلبي جواب…

ياما الشوق حاول يحايلني….

و أقول له روح يا عذاب…

-ولو جيت وخليته يرد وروحته؟

قال “بيجاد” مبتسمُا على مزحته الخاصة وقد انقلب مزاجه للمرح في لحظة وبكل تحدي وعناد توجه لباب غرفة وسام من جديد، كاد يطرق الباب لكنه توقف عندما لمعت عيناه بفكره وقد لمح دولاب الخزف المسمى ب “النيش” المركون بجوار غرفتها فارتفع وجهه في ابتسامه شيطانية وهو يتجه نحوه متعمد القول بصوت يصل إلى مسامعها:

-اما أدخل أعمل قهوة بقى بدل الزهق ده،
اوووه، أيه ده فناجين في النيش انا نقطة ضعفي الفناجين اللي في النيش.

كبح ضحكه كادت تغادر صدره حين وصله صوت ضربات قدماها الصغيرة ولمعت عيناه في مكر وهو يلمح ظلها من أسفل الباب، ليتمتم:

-جيتي في ملعبي يا قطتي!

التفت حوله يبحث عما يساعده والتقت عيناه بالمملحة فوق الطاولة ليجذبها ويتجه نحو الدولاب يفتح ابوابه قائلًا في مشاكسة:

-الله حلو الفنجان ده متطعم بماية الدهب ده ولا إيه يا ترى.

عض على شفاه السفلى ثم رمى المملحة ارضًا لترتد فوق البلاط محدثة اصواتًا مدوية، سمع شهقتها قبل أن يرى الباب يُفتح فتندفع “وسام” مهرولة نحوه صارخة:

-كسرت ايه، كسرت إيه؟

رفع “بيجاد” ذراعيه باستسلام قائلًا ببراءة الذئب:

-مكسرتش حاجة دي الملاحة وقعت!

التفت وسام حول المكان تتأكد بنفسها ثم تنهدت في راحه عندما تأكدت من صدقه لكنها اتجهت نحوه تصفع كتفه في غصب محذرة إياه:

-ملكش دعوة بالنيش بتاعي تاني، انت سامع أوعى تلمس حاجتي.

-على ما اذكر النيش نفسه انا اللي جايبه يعني من حقي كزوج اني اشرب في الحاجة اللي تريحني.

قال بيجاد بفم ملتوي يتعمد اغاظتها فصرخت وهي تجذب خصلاتها:

-أموت نفسي عشان ترتاح، اسمع كلامي بقى.

اقترب منها عنوة يقتحم مساحتها سارقًا أنفاسها بالتصاقه بها ثم قال في لهجة خفيضة تحمل داخلها الكثير:

-ولو مسمعتش هتعملي ايه؟

لمعت عيناها بفطنه لما ينوي عليه وكادت تبتعد ولكنه كان سريعًا وهو يحاوطها بين ذراعيه فهمست بحلق جاف:

-انت بتعمل ايه؟

لم تكمل جملتها وخرجت منها صرخة خفيفة معترضة حين حملها بين ذراعيه ليقول:

-مفيش اصل ابني وحشني أوي وعايز اقعد معاه شويه.

-بيجاد انت بتستفزني ليه؟

قالت وهي تدفع كفيها في جسده الصلب الكبير فحرك ذراعيه باضطراب مستطردً في تهديد ساخر:

-اوعى تقعى عشان بطنك.

عقدت ذراعيها بقوة حول عنقه كادت تقطع عنه الهواء لكنها قابلها بضحكاته رغم ذلك فصاحت في غضب:

-حقيقي إنسان مستفز.

-وانتي انسانه باردة بس مش شيفاني بشتكي!

كادت تنفجر به لكنه وضع كفه فوق فمها وقال في هدوء وكأنه يحادث طفلة:

-بطلي نكد خمس دقايق وسبيني اقعد مع ابني شويه، بطلي انانية.
استلقى على الأريكة واستقر بها داخل احضانه فقالت متهكمة وهي تشعر به يحاوطها بجسده الضخم:

-كده انت قاعد مع ابنك؟

-اه بحب اخده في حضني، معلش استحملي ابن وابوه، بس انتي اللي حاشرة نفسك في النص مضطر احضنك عشان اوصله.

خرج الهواء من صدره حين لكمته في معدته بغضب واتبعتها ضحكاته التي هزت المكان وهو يحكم قبضته حولها حتى اصبح كلاهما على جانبه فوق الأريكة وظهرها يلاصق صدره القوي.
تركها “بيجاد” تقاومه مده حتى خارت قواها وبدون تعليق من كلاهما سكنت وسام بين ذراعيه تلتقط انفاسها فمال يقبل جانب رأسها هامسًا عند أذنها:

-بحبك وبموت في حضنك يا أرق مجنونة.

ابتسمت دون اردتها ورفعت رأسها تناظره بطرف عينيها ثم أجابته في مكر:

-الله وحضن أبنك؟

-ابني مين ابن الكلب ده، المهم حضنك انت يا حلو يا متختخ.

اختفى المرح من عيناها وانقلب مزاجها مائة وثمانون درجة فانتهي بها الحال هاتفة في وجهه:

-تقصد اني تخينه وبقيت وحشه ونفسك تتجوزك عليا عشان كده مش عايز تحسن من نفسك طبعا جتلك على الطبطاب،
ما تتكلم وياترى عرفت مين عليا من ور…..

كبح “بيجاد” المنذهل جماح تخيلاتها بأن ألقى بفمه فوق شفتيها ينهى سيناريو مجنون نسجته لتوها.

ويسألون لما يصعب فهم النساء؟

كان هذا أخر تفكير في عقله قبل ان تُسكره ملمس شفاها وأنفاسهما المختلطة فيندفع معها في معركة ضارية تسحره فيها وتجذبه في بحور غرامها، فيهاجم هو بكل ما يملك من مكنونات هوجاء تتغنى باسمها ..
معركة قوية متعطشة للخضوع لن تنفض سوى بالتلاحم، معركة لا تعرف الفوز فكلاهما خاسر…
وما ألذ الخسارة حين تكون بين أحضان الحبيب …

*****

جلس “ريان” أمام الحاسوب المتنقل يصطنع الانشغال بأمر هام بينما هو في الحقيقة يتلوى بنيرانه وكل ما يشغله هي ضحكات ريم وعمر المنسجمان بلعبة ما على جهازه الإلكتروني.
حتى الصغير صار يتجاهله منذ عدة أيام وصار يحذوا حذوها في عقابها، ذلك الصغير الماكر يتصيدها كلها لنفسه ويتمرغ بين احضانها مستمتعًا بحنانها بينما هو يتلوى بنار الوحدة والشوق.
نظر لريم التي استقامت واتجهت لصنع الفشار فانتهز الفرصة واتجه يجثو بجوار عمر ثم جذب الصغير من قميصه ليقف امامه ويهتف به من بين اسنانه:

-بتبعني يا عمر وبتنفضلي هو ده اتفاقي معاك!

عقدت عمر ذراعيه واجابه بشفاه مزمومه في حنق طفولي:

-مش بنفضلك، انت اللي مش بتعمل حاجة وسايبني اصالحها لوحدي.

لطمه ريان خلف رأسه في انزعاج وقال مستنكرًا وهو يلقي نظرة خلف ظهره متوجسًا عودتها:

-اصالحها ازاي يا روح أمك وأنت واخد كل وقتها، طيب قولها نقعد مع بابا شوية، او اعمل اني واحشك يا راجل.

-انت مقولتليش!

اعترض عمر وهو يلوي ملامحه فدفع “ريان” رأس “عمر” بخفه نحوه محذرًا:

-هتعمل عيل عليا دلوقتي، بقولك ايه ياض تكونش فاكر هتعيش معاها وانا هغور في داهية،
لا فوق ده هو باكدج واحد انا وانت يا مفيش وابقى خلي الانانية تنفعك ساعتها.

-يوه دي ما بقتش عيشه، ما انت اللي فاشل اعملك ايه.

-فاشل، ايه فاشل دي يا ابن الكلب؟
ما انت لو محترم تعمل بلقمتك وتساعد ابوك، أقولك … اعمل تعبان يا اخي بليل وقولها عايز بابا ينام معانا وسيبني انا هتصرف.

تركه “ريان” حين أحس باقتراب “ريم” فتحرك لمقعده سريعًا يتصنع الانشغال بالحاسوب، وضعت “ريم” الوعاء المليء بالفشار أمام عمر الواجم فسألته:

-مالك يا عمورتي؟

هز عمر رأسه بالنفي وأعاد تشغيل جهازه ليندمج كلاهما، هربت منه نظرة نحو والده الذي يحدق به بعيون ضيقه واتسعت عيناه بخوف حين مرر اباه اصابعه امام عيناه نحوه في تهديد مباشر بالمراقبة، فمط شفتيه في ضيق واخذ عقله الصغير يفكر في حل يساعده به كي يتجنب سخطه الذي سيتحول لغباء لا محالة مستهدفًا به ريم، ليتمتم في قلة حيلة:

-مش معقول انا اللي لازم أعمل كل حاجة!

رن هاتف “ريم” واشتعل صدر “ريان” عندما دلفت للحجرة بعيدًا عنهما، فلم يقدر على الثبات واتجه خلفها يحاول استراق السمع في غفلة عن صغيره المنشغل بألعابه.

-مفيش أرخم من قعدت الرجالة في البيت، انا مش فاهمة قاعدلي ليه ده.

-يا بنت الجزمة.

همس ريان من بين اسنانه بتوعد متسائلًا عن هوية المتحدث التي تتذمر معه بشأن وجوده، دوت ضحكتها لتنهش الغيرة في قلبه وسمعها تقول في غنج:

-لابسه بيجامة برموده وتي شيرت عادي.

خرج منه لفظ اعتراضي تلاه لفظ بذئ ثم اندفع للغرفة بدون تفكير هاتفًا:

-انتي بتكلمي مين؟

التفت ريم المرتعبة نحوه وقالت في شبه هستيرية:

-حد يخض حد كده يا بني آدم، صفيت دمي.

-ده انا هصفي دمك كله لو مقولتيش بتكلمي مين وبتوصفيله لبسك.

نست ريم من يحادثها على الخط وتخصرت في اعتراض قائلة في نبرة مستهجنه:

-أنت كمان بتتصنت عليا.

اتجه نحوها عازم النية على جذب الهاتف منها فركضت حول طاولة صغيرة بمنتصف الغرفة وقالت في حده:

-متقربش مني واطلع برا اوض…اااه..

صرخت حين اندفع يجذب الهاتف في قوة من بين اصابعها وزمجر في السماعة:

-مين معايا؟

-أنا وسام…هو في حاجة؟

انعقدت ملامح ريان في بلاهه وهو يستمع لنبرة وسام المتوترة ثم طالع ريم التي تقتله بنظراتها قبل ان تميل لتجذب الهاتف منه مرة أهرى قائلة في تهكم:

-ارتحت، ممكن تطلع برا ومتدخلش في حياتي!

رمقته بحقد جعل الدماء تتدفق في وجنتيه فيبرز الحرج الذي تلبسه فغمغم بشكل غير واضح:

-طالع.

وبذلك وضع قدم خلف الأخرى في وتيرة سريعة يتسابق للخروج من أمامها وقد جعلته كالثور الابله.

لمعت عيون “ريم” في انتصار وارتفع جانب وجهها في ابتسامه ماكرة، اهلًا بك مُعذبي في صرح كيدي العظيم، اختر رقمًا وانتظر بكل كبرياء فرصيدك هناك على وشك النفاذ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *