متاهة مشاعر الجزء الرابع
ـ أنت شكلك ناوي تقضيها تليفون الليلة.. ما تقوم تروح لدنيا..
تمنى مازن بالفعل لو يستطيع الذهاب لها, ولكنه يعلم أنها سترفض استقباله.. فهي لن تكون البديل الجاهز الذي ينفث به إحباطاته.. لم تكن تلك طبيعة علاقتهما.. ولن تكون.. كما أنه لن يهجر منزله ليلة زفافه.. يكفيه أن يهجر فراش عروسه.. ولكن ما بينهما.. يظل حبيس جدران المنزل.. ولولا احتياجه للفضفضة ما حادث يزيد.. لكنه يعلم أن حديثه مع يزيد كحديثه مع نفسه..
قطع أفكاره صوت يزيد يسأل بلهفة:
ـ شوفتها الليلة يا مازن؟.. عاملة إيه؟
ابتسم مازن بسخرية فكلٍ يغني على ليلاه.. فكر أن يراوغه قليلاً ولكنه أجابه:
ـ جميلة.. حزينة ووحيدة..
صوت تنهيدة يزيد كاد أن يصم أذنه.. قبل أن يجيبه مسرعاً:
ـ طيب اقفل بقى عشان أكلمها.. أنت أخدت أكتر من وقتك!..
أغلق يزيد وحاول الاتصال بعلياء عدة مرات ليجد أن الهاتف مغلق في كل مرة.. زفر بحدة وهو يعيد المحاولة مرة بعد مرة لتقابله نفس الرسالة الصوتية..
لابد أنها غاضبة.. أو تمر بإحدى نوبات تمردها التي ازدادت في الآونة الأخيرة.. وخاصة بعد سفره.. حسناً.. ليس تمرد بالمعنى المفهوم وإنما تذبذب مهلك في الانفعالات والمشاعر.. وهو لم يبتعد إلا أسبوعين.. وينوي العودة إليها بعد يومين وأخبرها بذلك بالفعل قبل ذهابها للزفاف.. لم تغضب وتغلق هاتفها إذاً؟..
تحرك ليدخل إلى غرفة نومه _التي أغلقتها ريناد على نفسها منذ سمعت صوت الهاتف لظنها أن علياء هي المتكلمة_ اندس بجوارها في الفراش ووجدها توليه ظهرها كالعادة.. حاول أن يضمها برقة.. فوصله صوتها:
ـ هي الساعة كام دلوقتِ؟..
أبعد ذراعيه ليضعهما تحت رأسه:
ـ الساعة اتنين..
ـ وأنت بعد ما خلصت وشوشة مع الهانم.. جاي دلوقتِ تحضني؟..
أجابها بصبر وكأنه يكرر أكليشيه يومي:
ـ أنا هنا معاكِ.. وهي بعيد.. طبيعي أني اطمن عليها.. وبعدين مش هي اللي كانت على التليفون.. ده…… حسن..
ـ برضوه الوقت اتأخر.. تصبح على خير..
رفعت الغطاء على كتفها حتى غطى أذنها وهي تغمض عينيها في قوة.. هرباً من رغباته التي لا تنضب ولا تقل.. لقد أصابها الملل بل الاشمئزاز من حالته تلك.. حتى أصبحت ترحب بمكالمته المستمرة لتلك الحمقاء الأخرى.. فتتخذ من غضبها ذريعة لرفضه مرة بعد مرة وهي مطمئنة أنه لا يستطيع الهرب نحو الأخرى.. وأن لا ملجأ له إلا هي.. فلتستمتع بقوتها تلك حتى تروض رغباته تماماً.. راحت في نومٍ عميق بالفعل وهي تتلذذ بتلك الفكرة.. تهذيب يزيد.. وتحجيم رغباته..