أتحداك أنا الجزء الثاني

«أتحداك أنا»
«الفصل الرابع عشر»

يوم آخر لقول أُحبك فقط لا أكثر.

أستنشقت رائحة عطر قوي، وشعرت بيدٍ قوية تربت على وجنتهـا الناعمـة، وصوتٍ من بعيد يُناديهـا باللكنة الألمانية، وصوت أنثوي أيضًا أخترق عقلهــا، فتحت “لينا” عينيها ببطءٍ ترمش بهما عدة مرات وهي تحاول جاهدة الخروج من تلك الشرنقة التي تبتلعها، وما إن وعت إلى نفسها، حتى وجدت وجهًا منحنيًا إليهـا بقلق، وخلفه العشرات من الوجوه متعددة الجنسيات والألوان، تسائلت بريبة ولكن باللكنة الإنجليزية:
-ماذاا حدث؟!.. أين أنا؟!..

عبس صاحب الوجه الأقرب وهو يقول:
-لقد أصبتِ بالإغماء بعد وصولك.

لتتابع فتـاة بلهجة مهمتمة:
-إنكِ تجلسين على مقعد من أحد مقاعد صالة المطار.

أستقامت في جلستها وهي تحك شعرها محاولة الإستيعاب، همست بتوتر ولكن بلكنتهـا:
-من أولهـا كدا؟!.. إيه ياربي ده.

رفع أحد حاجبيه وهو يفكر، ألتفت برأسه لتلك الفتاة تحديدًا ليجدهـا تبتسم ببهجة، عاود النظر إليهـا متسائلًا بتوجس:
-هل أنتِ من مصر؟!..

أومأت برأسها بتوجس واضح وهي تنظر إليه كمفترس، بينما هو يرمقهـا بطرف عينيه قبل أن يخبرهـا:
-طب ما كنتِ قولتي من الأول.

أتسعت عيناهــا بذهولٍ، رفعت أنظارهـا إلى الفتاة التي أخبرتهـا ببسمة لطيفة مع كلماتهـا:
-أنا و”حاتم” مصريين، آه شكلنا مش بيقول كدا بس دي الحقيقة.

ضيقت حاجبيهـا بقوة وهي تنظر لهمـا بريبة، مد “حاتم” يده وهو يخبرهـا بإبتسامة هادئة معرفًا عن ذاته بثقة عالية:
-حاتم الدغيدي، رجل أعمال مقيم هنا من كذا سنة، وأُختي “ريمــــا”.

إبتسمت لهـا “ريما” وهي تسألهـا بإهتمام:
-إنتي كويسة، حاسة بحاجة؟!..

شعرت “لينا” أنها بداخل كوكب آخر، بلعت ريقهـا بتعب عاجزة عن إستيعاب أي شيء يحدث حولهـا، أخفضت رأسها تفكر على ما يجب فعله، لكن صوت “حاتم” الساخر أخرجهـا من عنق أفكارها حينما قال:
-هي القطة أكلت لسانك؟!..

تجهم وجهها وهي تسأله بحنق:
-أفندم؟!..
-أهو بتتكلمي، في إيـه؟!.. إنتي كويسة.

زفرت “لينا” بضجر وهي تجيبــه:
-أيوة كويسة.

نهضت من مكانها بحذر حتى لا يُصيبهـا الدوار مرةٍ أُخرى، نظر “حاتم” حوله قبل أن يضع يديه بداخل جيوب بنطالــه لاويًا ثغره بتعجب، وجه أنظاره نحو شقيقتـه التي تدنو منها قليلًا متسائلة بجدية:
-هو إنتي جاية لحد مُعين هنـا.

سؤال ألجمهــا، وجعل جسدها يتخشب، هي هنا هاربة.. ضائعة.. تائهة، تحتاج إلى يد تدعمهـا، إلى كلمات تبث لها الطمأنينة، تحتاج إلى “مراد” كثيرًا!.

سحبت نفسًا عميقًا وردت دون شعور.. بصوتها البارد:
-أنا جاية ببدأ حياتي من جديد هنا، فمعرفش حاجة هنا لسة.

تمتمت بتلك الكلمات المقتضبة وهي تنظر حولهـا باحثة عن حقيبتهـا، ما أن وجدت ضالتهــا حتى قبضت عليها وهي تنظر لهما ببسمة متكلفة، ثم قالت بشكر مع إيماءة خفيفة من رأسها:
-أنا بشكركم على إللي عملتوه حقيقي.

تابعت كلامها وهي تتسائل في شئ من التردد:
-لو تعرفوا الأماكن هنا في ألمانيا كويس قولولي؛ لأني زي ما قولت أنا أول مرة أجي ألمانيا، وأنا في عنوان عاوزة أعرف مكانه فين بالظبط، عشان لو طلع بعيد ممكن أقعد في أوتيل.

قبل أن يُجيبهـا “حاتم”، قالت “ريما” بإبتسامة جادة رغم تلهفها الذي ظهر بلهجتها:
-أوتيل إيه؟!.. طب ما تيجي تقعدي معانا كام يوم دول، إنتي في الغربة ومحتاجة القرشين دول.

رفع “حاتم” حاجبيـه للأعلى وهو ينظر لشقيقته، يود كثيرًا أن يسألها بسخرية:
-شوف مين بيتكلم.

شعرت “ريما” بنظرات شقيقها، فإبتسمت له بتوتر وهي تنظر له بعيون راجية، رفضت “لينا” بقوة وهي تتراجع للخلف قائلة بجدية:
-لأ شكرًا يا آنسة ريما، أنا مدبرة أموري.

قطبت “ريما” جبينها وهي تتسائل بخفوت متعجب “آنسة؟!”، تنهدت في شئ من الضيق بعدما شعرت بالحرج من معاملتهـا الرسمية وليس الودودة، في حين دنى “حاتم” منها بهدوء وهو يقول لها مصححًا:
-هي مش قصدها، على العموم وريني العنوان كدا.

أخرجت من جيب بنطالها الصغير ورقة مطوية ثم ناولته، قرأ العنوان بصوتٍ خافت مهتم، قبل أن يتقوس فمه بإبتسامة جانبية، نظر لها بتعبيرات وجهه الساخرة متمتمًا:
-معقولة؟!.. شقتك في مكان فخم زي ده، إنتي طلعتي جنبنـا.

نظرت له “لينا” بغيظ مكتوم من تلك الكتلة المثيرة للأستفزاز فقط، أومئ برأسه بيخفة قبل أن يسألها بتعجب:
-صحيح، هو إنتي إسمك إيه؟!..

رفعت ذقنها قليلًا وهي تجيبــه:
-لانــا.

نظر لها “حاتم” قليلًا ثم قبض على يد شقيقته برفق يسحبها خلفهـا، وبيده الأخرى أشار للواقفة تناظره بضجر قائلًا بصوتٍ جدًّ:
-طب تعالي يالا أركبي معانا، هنوصلك في طريقنا.
-لأ شكرًا أنا هشوف عربية أجرة.

ألتفت لها على حين غرة وهو يقول بحدة:
-بقولك إيه أنا لسة راجع من السفر تعبان ومش ناقص كتر كلام، وبعدين عيب أوي أسيب بنت بلدي وهي أساسًا جارتي، أتفضلي يالا.
-ماشي، بس أتكلم عدل أحسنلك.

قالت كلماتها الأخيرة ببرودٍ قاتل وهي تجر حقيبتهـا خلفهـا وتتحرك من أمامه بكل ثقة، مسح على وجهه بنفاذ الصبر وهو يسير مع شقيقتـه مغمغمًا بتذمر:
-صبرني يارب.

*****
إزداد وضعه سوءًا بعد إستيعاب صدمتـه، وقع مرة أخرى في حفرة عميقة لا نهاية لها من الظلام الدامس، كادت أن تتوقف نبضات قلبـه لولا إلحاق الأطباء والذين أستشعر بعضهم بخطورة الموقف، في حين ظلت “دينا” واقفة تنظر لباب الغرفة المحتجز فيهـا شقيقها بفزع، جسدها بالكامل يرتجف، وجهها شاحب، شفتيهـا زرقاء، تشعر ببرودة قارصة تعصف بجسدها، ضمت ذراعيهـا تحتضن جسدها، و”أدهم” يقف عاجزًا، القلق ينهش قلبه من كل جانب، محبوبته ورفيقـه!.. عليه أن يبدو صلبًا رغم أنه يود كثيرًا أن يقع جالسًا على الأرض بضعف ويبكي ألمًا.

دنى في إتجاه “دينا” وهو يقول:
-أهدي يا دينا، مراد هيعدي منها إن شاء الله.
-مـ.. مش قاا.. قادرة، تـ.. تعبانة ـأوي.

أنهمرت دموعهـا بقهر بنفس لحظة خروج الطبيب من الداخل وهو يزفر بتعب، أنتفض جسدهما مع خروج صوت “دينا” المتحشرج بالبكاء وهي تهرع عليه متسائلة:
-مراد كويس صح؟!.. طمني عليه أرجوك.

كسى الحزن على وجه الطبيب الشاب وهو ينظر لهما مشفقًا على حالهما:
-للأسف حالته بتتدهور، قلبه كان هيقف لولا ستر ربنا.

هدر “أدهم” بعصبية وهو يشير بيده:
-يعنـي إيـه؟!.. أعمل أي حاجة، أجبله أحسن داكترة أجانب هنا، أو أسفره برا، المهم يكون كويس.

قال الطبيب بوجوم:
-للأسف هو مش بيعاني في الجسم أكتر من حالته النفسية، الصدمة إللي واخدها هو مش قادر يتقبلهـا، إحساسه بالندم مخليه مستسلم في الحالة دي، فهو حاليًا بإيده يخرج نفسه بنفسه أو يستسلم.

كلماته ترددت بسرعة وعـ,ـنف بداخلهمـا، فزع سيطر عليهمـا، جعل كل منهما يتصنم في مكانه، شعرت “دينا” أنها ستقع في إغماءة طويلة، فأستندت بيدها على ذراع “أدهم” رغمًا عنها، أنتبه لها فأسرع بإمساكها وهو ينطق بخوف:
-دينا.

فغرت شفتيها وهي تنظر أمامها بـ عينين مُتسعتين ذاهلتين.. دامعتين، أرتجف جسدهـا بصورة مُقلقة وهي تبكي بصمت، بدأت تدور بها الدنيا، وضعت كف يدهـا على جبهتهـا، أقترب منها الطبيب وهو يُصيح على إحداهن لتلحق بها:
-يا nurse تعالي بسُرعة.

أقتربت منه ممرضة شابة سريعًا وهي تجيبـه بإهتمام، أشار بيده نحو “دينا” وهو يقول:
-خديهـا، خليهم يقيسولها الضغط لتقع مننا.

وبالفعل أستندت عليها “دينا” بتعب، راقبهـا “أدهم” بعينين حزينتين وألم عنـ,ـيف يضـ,ـرب قلبـه، هو بين نارين لا يعلم أي طريق يتخذه، أنتشله الطبيب من تفكيره وهو يربت على كتفـه قائلًا بوجوم حزين مقدرًا ما يمر به:
-أنا عارف إحساسك، ماتقلقش كله هيعدي بأمر الله.

أومئ رأسه بالإيجاب وهو يبلع ريقه بمرارة، غادر الطبيب من أمامه، وقف “أدهم” جوار باب الغرفة الشبه مغلق، رأى”مراد” المسطح على الفراش يتصل به الكثير من الأجهزة الطبية، مغلق العينين، جسده ساكن بطريقة مخيفة، هنا لمعت عيونه بالدموع وهو يقول بصوتٍ خائف مرتعش:
-إنت مش صاحبي وبس، إنت أخويا يا مراد، عملنا كل حاجة مع بعض، عشنا كل حاجة سوا، مش هقدر أشوفك كدا، هقع معاك، مش هستحمل.

ولكن عقل “مراد” يذهب إلى تلك الذكرى مجددًا، وقوفه بجبروتــه.. قوتـــه المخيفة بعض الشئ، يرفع يده مصوبًا سـ,ـلاحه نحوها، كلماتٍ سامة ينطقهـا تطعن قلبهـا المسكين، ونقطة النهاية حينما أطلق عليهـا رصاصتـه مع وداعه البارد، وكلمتها قبل أن تفقد وعيها تتردد في عقلــه حتى أنه نطقها على أرض الواقع دون شعور:
-هتندم!!.

*****
بعد هروبه إلى إحدى البلاد الأوروبية، تحرك “آريان” بخطى واثقة، وإبتسامة جادة تزين وجهه، أنتقل إلى غرفة الأستقبال الخاصة بالفندق الذي يود المكوث فيه مؤقتًا، توقف أمام الطاولة الرخامية العالية، أستند بكلتا يديه عليها وهو ينظر لموظفة الأسقبال قبل أن يقول باللكنة الإنجليزية.
-في حجز نازل بإسم “آريان واكد”، مظبوط؟!..

أومأت موظفة الأستقبال برأسهــا وهي تنظر لشاشة الحاسوب، لم ينتبه إلى تلك العيون المتسعة بإنبهار نحوه، ألتوى ثغرهـا بإبتسامة صغيرة وهي تقول بلكنها العربية المصرية:
-ياربي هو في كدا، ده كأنه بطل من أبطال الروايات إللي دايمًا بقرأهـا، يا خرابي على الحلاوة.

أتسعت عيونه للحظة ولكن تمالك ذاتــه بصعوبة مكافحًا أن لا تخرج ضحكته، في حين تابعت وهي تقول في شئ من الخوف مع مرحها:
-لألأ نقول ماشاء الله لا يجراله حاجة، بس ده جنسيته إيه طيب، ياخرابي على الفضول، شكلي هرجع متجوزة.

بنفس اللحظة أعطت موظفة الأستقبال لكل منهما مفتاح غرفتـه، وقع من تلك الفتاة ورقتين على الأرضية، وقبل أن تنحني بجسدها، وجدتـه ينحني بجذعه يجلبـه ثم أعطاها بكل هدوء، شكرته باللكنة الإنجليزية، ليجيبهــا بإبتسامة جذابة باللكنة المصرية:
-مفيش داعي للشكر، عن إذنك.

تركها متسعة العيون ودقات قلبهــا تتعالى، خبأت وجهها بالأوراق وهي تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها من شدة الحرج، تمتمت بإرتباك وهي تنظر حولهـا:
-أتفضحت، يارب تكوني أتبسطتي.

*****
وصلت “لينـا” أخيرًا إلى شقتهـا، أبدلت ملابسهـا ثم مددت جسدها على الفراش، وقبل أن تغمض عينيهـا وجدت رنين هاتفها يرتفع معلنًا عن إتصال، سحبته من على الكومود وهي تعتدل بجلستها ثم أجابت بإهتمام:
-أيوة يا سيادة اللواء… آه وصلت بالسلامــة الحمدلله… الله يسلمك.

صمتت قليلًا قبل أن تسأله بجدية وقلبهـا ينبض بخوف دون إيجاد لسبب ذلك:
-طيب هو أنا عايزة أعرف أخبار مراد؟!..
-للأسف مراد فاكر إنك ميتة، وأول ما عرف جتله جلطة في القلب أعدت معاه 3 أيام، وأول ما فاق وأستوعب الحقيقة بردو رجع تعب تاني، ومستسلم لحالة فيها خطورة على حياته.

كلمات وكلمـــات ولكن بمثابة صفعات تلقتهـا على وجنتيهـا، توسعت عيونها السوداء بصدمة، مع هلع قلبهـا عليه، فـ مع ذكر إسمه تشعر أن عاطفتهـا بحرًا لا يهدئ أبدًا، فهو عالق في ذكرياتها؛ كالذنب لا يغتفر، كلما بحثت عن طريق لنسيانه، وجدته وإليـه المفر.

ظن اللواء “سامي” أنها أغلقت الإتصال، ولكن تفاجئ بصوتهــا الشرس وهي تقول بقوة وكأنها صيغة آمرة:
-مراد لازم يعرف إني عايشة، مش هسمح أنه يجراله حاجة، حتى لو حياتي أنا في خطر لازم يعرف، لأنه لو عاش حتى هيعيش قلبـه ميت.
-مينفعش يا لينا، إنتي كدا بترميه هو نفسه في النار.

قاطعـتــــه بحدة عنيفة جعلت الذهول يتمكن منه:
-مفيش خطر عليه، لو هو متسرع، فهو دلوقتي هيقدر خطورة الموقف، ولو حضرتك مخلتوش يعرف، أنا هوصله المعلومة بطريقتي، وأظن حضرتك عارف “لينا الصاوي” لما بتقول كلمة بتنفذهـــا.

وهناك من يمـ,ـوت شنقًا بالفراق، ستقاتل حتى لا يحدث ذلك، فهي ستختاره في كل مَرّة ومُرّة.

*****
«أتحداك أنا»
«الفصل الخامس عشر» 🌹🌹🌹

أنا فقط بحاجة إليك ولو للحظة.

وحياة تمنتهـا وعندما أمتلكتها فقدت رونقها ككل ملكية خاصة باتت داخل حدود المتاح، ظلت تسير في غرفتها ذهابًا وإيابًا، وهاتفهـا بين يديها تنتظر مكالمة اللواء “سامي”؛ بشأن حـ,ـادثة “مراد”، ظلت لفترة طويلة تتحرك بتوتر وعيناها تتقلب فيما حولها بإرتباك، ما أن تعالى رنين هاتفهـا حتى أجابت بلهفة دون عمدٍ:
-أيوة، ها إيه الأخبار؟!..

تنهد اللواء “سامي” بضيق قبل أن يُجيبهـا بهدوء:
-لانـا، إسمعي كويس إللي هقوله، الناس إللي إنتي كنت معاهم وإللي بينفسوكي، مش هيقدروا يعملوا حاجة لمراد، لأنه يدوب ميعرفش غير الناس إللي أتقبض عليهم، لكن لو حسوا منه إنك عايشة حياته هتبقى في خطر، هما بيتابعوا حالته، أستوعبي الكلام ده وأركني عواطفك على جنب.

قطبت جبينهـا بقوة وهي تتسائل بحدة:
-يعني إيه؟!..

من جديد أجابها بهدوئه:
-يعني مش أقل أسبوعين، أقل حاجة.

صرخت فيه “لينا” بقهر:
-كدا مراد حياته في خطر بسببي، لو جراله حاجـة أنا آآ…

قاطعهـا اللواء “سامي” بجدية وهو ينهض من مكانه:
-يا لانا، الموضوع دلوقتي مش بإيديا، أنا أتواصلت مع المستشفى، ولما بلغت الدكتور إللي ماسك حالته، قالي لو عرف أساسًا دي هتبقى صدمة تانية في حالته مش هستحملهـا، لأنه مش مستوعب، هيستوعب لو ظهرتي قدامه، وده شئ مستحيل يحصل، لأنك مش هتنزلي مصر إلا بعد سنة.

عقدت ما بين حاجبيهــا بقوةٍ وهي تقول بغضب:
-سنـة!!.. ده مستحيل يحصل.

حتى ينهي ذلك النقاش قال بنفاذ الصبر:
-سبيهـا لوقتهـا، المهم الفترة دي تعدي وبعدين هنتفق.

أنهى مكالمتـه معهـا، فصرخت بغضب وهي تلقي هاتفهـا على الفراش، وضعت يديهـا على رأسهـا تحاول السيطرة على ذلك الصداع الذي بدأ يغلبهـا، تنفست بغضب جامح وهي تحرك رأسهـا بالسلب متمتمة بحزم:
-مش هيحصل، مش هفضل سنة هنا، كلهـا أسبوعين وهقوله.

*****
خمسة أيامٍ أُخرى مرت بأحداث حزينة.. جامدة.. مؤلمـة، خرج “مراد” أخيرًا من المشفى وهو ينظر حوله بجمودٍ، وبجواره كل من “أدهم” وشقيقتـه، تحركوا به نحو السيارة، فبدون حديث طويل هتف برفيقه بصيغة آمرة التوجه إلى شركتـه ثم أن يذهب بشقيقته إلى المنزل، فما كان من الأخير إلا أن يستجيب لرغبتـه.

قبل أن يدخل الشركة وجد يد تقبض على كفه، إلتفت بعينين حادتين سرعان ما ترخت عندما وجد إبن خالتــه أمامه ينظر له بسمة واسعة وعينين قلقتين تتأمله بدقة، دون شعور أحتضن رفيقــه متنفسًا بعمق ما أن رأه يقف على قدميـه، أغمض “مراد” عينيه للحظة قبل أن يفتحهما وهو يتراجع للخلف، إبتسم له بشحوب متسائلًا:
-آخر حاجة أتوقعها هو نزولك يا جاســر.

إبتسم له “جاسر” وهو يربت على كتفــه قائلًا بجدية:
-إزاي أسيبك لوحدك في أزمتك، إحنا طول عُمرنا على الحلوة والمُرة، هسيبك دلوقتي؟!..

أومئ “مراد” برأسه إيماءة خفيفة، فتابع “جاسر” بقلق وهو ينظر له بعدم تصديق:
-إنت إيه إللي جرالك؟!.. شكلك أتغير، وشك كله تعب وجسمك كمان، إيه إللي يستدعي لكل ده.

مسح “مراد” على وجهه وهو ينظر أمامه بشرود قبل أن يتمتم بحرقة وعيناه تلتمعان:
-أي حاجة بنعملها يا جاسر بيكون ليهـا ضريبة، أنا دلوقتي بتدفع ضريبة الندم، وذنب في رقبتي هفضل شايله، ووجع في قلبي لو حكيت عنه من هنا لبكرا مش هعرف أوصفلك.

تألم “جاسر” لحاله وقبل أن يسأله، وجده يُضيف:
-عارف إنك عاوز تعرف قصدي والحكاية كلهـا، أنا معنديش طاقة أحكي، لما أدهم يوصل أبقى أقعد إسمع منـه، أنا محتاج أهرب شوية.

دون أن ينتظر رده تحرك صوب داخل الشركة، زفر “جاسر” بحنق وهو يضع يديه بداخل جيوب بنطاله، صمت قليلًا وهو يقول بإمتعاض:
-يعني ملقيتش غير أدهم، ده أنا مش بطيق أقعد معاه مع بعض ولا هو، أقعد أسمع منه الحكاية!!..

سحب نفسًا عميقًا قبل أن يقول بإبتسامة ساخرة:
-وهو ما هيصدق، ويتفشخر بقى بنفسه ويحط رجل على رجل ويطلع طاقة الخامة إللي مش بيطلعها على أي حد غيري، ماشي يا أدهم الزفت.

*****
بعد قليل.

دخل “أدهم” غرفة مكتب “جاسر” وإبتسامة بلهاء مرتسمة على شفتيـه، ما أن رأه “جاسر” حتى أغمض عينيـه بقوة وهو يمسح وجهه بقوة، متمتمًا من بين أسنانه:
-يالهوي بقى.

تحرك “أدهم” نحوه وهو يجلس المقعد ثم قال بإبتسامة واسعة تثير غيظه:
-جـاسو حبيبي، حمدلله على السلامة وصلت إمتى؟!..

رمقه “جاسر” من طرف عينيه مجيبًا بحنق:
-نص ساعة.
-لما قالولي إنك وصلت جاسو مصدقتش، بصراحة طول السنين دي ملقتش حد أرخم عليه غيرك، كنت أرخم على مراد لكن إيده بتسبقه، فضلت أقول فين أيامك يا جاسو فيــن أيامك يا جاسو وفضلت أصرخ وآآ..

قاطعـــه “جاسر” بغضب وهو يضـ,ـرب بقبضة يده على سطح المكتب، أنتفض “أدهم” من مكانه ينظر له بدهشة، رفع سبابته نحو وهو يقول بصرامة:
-إيه جـاسو دي؟!.. قولتلك 100 مرة متقولش أي اسم دلع ليا، بتنرفز.

أتسعت إبتسامة “أدهم” وهو يحرك كتفيه قائلًا:
-ده أحلى دلع يابني، هو حد طايل ولا إيه جوجو؟!..

توسعت عينــاه وهو ينطق بصدمة:
-جوجو!!..
-ده في كمان ساسو وسورو، وفين 3 تانين بس يليقوا على البنات، هيبقى شكلك وحش لو قولتلهملك.

هب “جاسر” واقفًا وهو يدور حول مكتبـه هادرًا بغيظ:
-بس بقـــى قولتلك بتعصب.

وقف “أدهم” قبالتــه وهو ينظر له بذهول:
-بيعصبك الدلع ده؟!..
-أيوة، فياريت تتنيل على عينك تقعد وتحكيلي عن موضوع مراد.

أومئ رأسه سريعًا وهو يقول ببسمة باردة مستفزة:
-هحكي يا جاسو ولا جسوري، جسوري ساسو، سورو جاسر، جـ… آآآه…

سدد له لكمة عنيفة في فكه وقبل أن يستوعب وجده يسدد له لكمة أخرى أشد أسقطتـه أرضًا، جثى فوقه وهو يرفع يده كبضة يستعد لتسديد لكماتــه، رفع “أدهم” يديه يحمي وجهه وهو يقول:
-خلاص خلاااص حرمت، بلاش إيديك وحياة عيالك يا شيخ، المرة إللي فاتت فضلت بايت في المستشفى.

تنفس “جاسر” بغضب وهو يخفض يده، وثب واقفًا وهو يقول:
-أيوة كدا أتعدل.

حرك “أدهم” رأسه ببراءة وهو يجلس على المقعد وقبالتـه “جاسر”، عدل من هيئتـه قبل أن يقول وهو يشير بيده:
-يالا إطلع بـ200 جنية.

رفع “جاسر” وجهه نحوه وهو يسأله بحنق:
-نعم!!.. بتوع إيـه؟!..

أستخدم “أدهم” يده في الإشارة قائلًا بثقة:
-لأ ما أنا لازم أستغلك، 200 جنية قصاد إني أحكيك الحكاية بالتفصيل الممل، هتجيب ولا أقوم وساعتها أبقى قابلني إن عرفت.

دس “جاسر” يده في جيب بنطاله وهو يخرج محفظته الجلدية الثمينة، أخرج منها ورقة بمئتي نقدي وأعطاها له بوجهٍ ممتعض، أخذهـا منـه “أدهم” بإبتسامة شامتة، قبل أن يضع ساقه فوق الأخرى ويرخي ظهره على مسند المقعد بفخر، ثم بدأ بسرد ما حدث منذ البداية، والأخير يستمع إليه بإنتباه.

*****
خمسة أيامٍ مرت دون أي جديد، لقد حفر السواد تحت عينيه ونحل وجهه بشدة، بل نحل جسده كله، وفوق كل هذا يتحتم عليه.. العيش بشكل.. طبيعي!! يتوجب عليه التعامل مع هذا وذاك، تحية هذا، الابتسام لرجل الأمن، القيام باجتماعات مهمة يكاد لا يفقه منها شيئًا لذا لا يتركه كل من “جاسر” و”أدهم” في أي منهم.

في حين كانت “لينا” جالسة تتابع أخباره بإهتمام، تقص ملامحه من فوق الأوراق وتحتفظ بها في ألبوم مميز كبير خاص به وحده، ووقت الحنين، حين الأشتياق لا تملك إلا أن تضمه بين أحضانها، القلب يئن بألم، العين تدمع بتوسل لقاء، والروح تستجدي قربًا لم تنلـه وربما لن تفعل.

*****
أيام وأيام أخرى، ليس بها سوى الألم، ولكن منذ متى والألم يدوم؟!.. كابوس جديد ككل ليلة، سـ,ـلاح.. تصوبيه نحوهـا.. إصـ,ـابتها بطـ,ـلق نـ,ـاري.. ثم الندم.

حرك رأسه بعنـ,ـف وكأنه يحارب، يحاول التنفس ولكن ثقل عنيف على جسده، صورتها وهي غارقة في دمائها ومن ثم الإشتعال بحريق هائل في قصرها جعلت جسده يرتجف أكثر، ومن ثم أخيرًا فتح عينيـه فجأة ينظر حوله بخوف وعدم إستيعاب.

ظل على ذلك الحال لدقائق معدودة، قبل أن يعتدل في جلستـــه ويغادر فراشــه، نومه أصبح متقطع، ظل ينهت بقوة وحبات العرق الباردة قد تصفدت من جبينه، وفجــأة بدأ بالصراخ؛ وكأنه يريد إخراج ما بداخله منذ أول يوم.

كان يصرخ بصوت مبحوح وهو يضـ,ـرب كل ما تطاله يده، لا يرى إلَّا حُمرة الغضب تُغشي عينيه، أو ربما هو
دمه الذي يغلي! انهار على الأرض متهالكًا ثانية هاتفًا برجاء، بصوت مذبوح ينحره سكين الألم:
-مش قـادر، الندم معاكي صعب، ليه دبختيني يا لينـــا بمـ,ـوتك، ليـــــه؟!..

أخذ يضـ,ـرب رأسه برتابة في الحائط خلفه، عدة ضـ,ـربات هادئة ليعقبها بصرخة ألم محملة بكل حرقة العالم.. شقت دياجير الليل، من حنجرته المذبوحة، ولكن هل للألم ذاك علاج؟!..

فتحت شقيقتــــه الباب بقلق تزامنًا مع أنتهاء صرخته لتجده متهالك أرضًا في حالة يرثى لها، يلهث بقوة واضعًا يده على صدره موضع قلبه الهادر، عيناه حمرواوتان كما بركتان من الدماء والأسوأ كانت تلك النظرة فيهما.. نظرة خواء شديد، ضياع وتيه، نظرة رجل مقهور!

دنت منــه بصدمة وهي تضع يدها على فمها تمنع ذاتها من البكاء، أقتربت منه ثم جلست على الأرضية الصلبة تجذبه بداخل أحضانهـا، حاول أن يغمض عينيـه ولكنه فشل، يرى صورتها حينما يغمض عينـاه وهذا يؤلمــه، مسحت على خصلات شعره ودمعاتها تهبط على وجنتيها قبل أن تهمس بإختناق:
-عمري ما شوفك بالضعف ده.

كان جسده يرتعش رغم أحضانها الدفائة، قال بصوب شارد بعيد… بعيد جدًا:
-دبحتني يا دينا، دبحتني بمـ,ـوتهـا، كنت عاوز أعتذرلهـا، أعوضهـا، أقضي إللي باقي من عمري معاهـا، مش عارف أعيش من بعدهـا.

أخفضت وجهها تنظر لمعالم وجهه الشاحبة وهي تقول بشهقة بكاء:
-هتكمل حياتك، لازم تكمل، مش هستحمل أفضل شيفاك كدا.

فقال هامسًا بذات الصوت المختنق المعبأ بالألم:
-أول ما النهار يطلع هزور قبرها، وحشتني أوي، يمكن أرتاح بإحساسي أنها في نفس المكان إللي أنا فيه.

*****
في اليوم التالي، جلس “مراد” أمام قبرهــا بعيون حمراء.. متألمة، كادت أن تهبط دموعه لكن تمالك ذاته، ورفيقـه “جاسر” يقف خلفه ينظر له بألم مثله، يربت على كتفيه كنوع من الدعم، وضع “مراد” الورد الأحمر والأبيض على قبرهـا قبل أن يبتسم بشحوب:
-وحشتيني أوي، أنا عارف إنك حاسة بيا، شوفتي وصلت لفين؟!.. مـ,ـوتك غير حاجات كتير أوي جوايا، كنت فاكر أني أقدر أخضع الكل بقوتي وهيبتي، لكن إنتي هديتي كل إللي بنيته في أيام في لحظة واحدة، كان نفسي أعرف إنتي مين من الأول، كنت هاخدك في حضـ,ـني وأهربك من الدنيا كلها، بس نكون سوا.

صمت قليلًا قبل أن يضيف بصوت متحشرج:
-قلبي مدقش غير ليكي، مش هقدر أعيش كدا، كل لحظة بعيش في تعب وندم، قلبي محروق ومش عارف أهدى، إنت سمعاني صح؟!.. أرجوكي تسامحيني، قلبك إللي أدتهولي أنا دوست عليه بشغلي، لكن مـ,ـوتك قتـ,ـلني يا لينـا، سامحينـي.. أنا بحبك.

أخض رأسه تنهمر دموعه الحـ,ـارقة على وجنتيـه، تنفس بعمق وهو يمسحهم بعـ,ـنف، وثب واقفًا بهدوء وهو ينظر لقبرهــا نظرات مؤلمة، شعر بألم حاد في قلبــه، فوضع يده يسحب نفسًا عميقًا ويزفره بحرقة، ربت رفيقه على كتفه وهو يتمتم بشفقة:
-يالا يا مراد.

أومئ برأسه ولكن تصلب جسده فجـأة في مكانـــه، رائحة عطرهــا المميزة، فغر شفتيه قليلًا وهو يرمش بعدم إستيعاب، إستمع إلى صوت رفيقه وهو يتسائل بخشونة لفتـــاة ما ترتدي النقاب:
-مين حضرتك؟!..

أستدار “مراد” بعنـ,ـف وعيناه متسعتان بذهولٍ صادم، لم يرى سوى عيناهـا، ولكن كفى بهمـا، في عينيهـا أغلال وأصفاد معلقة، أرتجف جسده لوهلة حتى شعر أنه سيقع لولا رفيقه الذي أسنده وهو ينظر إليه بخوف وحيرة نحو تلك الفتاة صاحبة العينين الدامعتين رغم صلابتهمــا.

دنت “لينا” منـه خطوة واحدة وهي تناديــه بألم وعيناها تلتمعان بشدة:
-مراد.

أبعد “مراد” رفيقه عنه وهو يتحرك نحوها بعينيه الذاهلتين، وقف أمامهــا يحدق فيهـا بعيون بداخلهما ألم وغضـ,ـب يكاد أن يفجر العالم بأكمله، رفعت “لينا” النقاب حتى يراهـا ويتأكد، قطب جبينـه بوجع وهو يشعر بأن قدماه لم تعد تتحمل الوقوف، فجثى على ركبتيه بضعف وهو ينظر حوله وكأنه تائه، جثت على ركبتيهـا أمامه قبل أن تنهمر دموعهـا وهي تلمس وجنتـه هاتفة:
-مراد، أنا عايشة، ممـ,ـوتش، عايشة وجيتلك.

نظر لهـا بذهول وعيناه تلمعان، رفع يده نحوها يلمس وجهها، يريد التأكد من وجودهــا، خفق قلبــه بشدة وهو يتمتم بإسمها وكأنه يتذوق حروفهـا:
-لينا؟!.. إنتي عايشة بجد، عايشـة.

*****
«أتحداك أنا»
«الفصل السادس عشر» 🌹🌹🌹

جميعنا نكسر قواعدنـا لشخصٍ ما.

عيناهــا السوداويان ترمقانه بخوفٍ، أبعد يده عنهـــا يضعها على صدره موضع قلبه؛ يسحب نفسًا عميقًا بعدما شعر بنغزات عنيفة تضـ,ـربه، هز رأســه بالسلب والدموع تصل إلى عيونه لأول مرة أمامهـا، قائلًا بضعف:
-أنا مش أد الوجع ده، أنا مش أده.

أحتضنت يداه ليرتعد وهو يحدق فيهـا بذهول، أغرورقت عيناها بالدموع وهي تنظر له بوجع على حالـه، بدون ندم أو أن تفكر مرتين، ألقت نفسهـا بين ذراعيــه ودموعهـا تنهمر بسعادة وهي تقول:
-أنا مامـ,ـوتش يا مراد، أنا عايشة، الظروف فرضت عليا كل ده، أنا عايشة.

قاطعهـا عناقــه القوي الممزوج بالسعادة والشجن واللهفة.. والإشتياق، أغمض عينيه قليلًا يتنفس بعمق، وقلبــه الأليم قد بدأ يجتاحــه الشعور بالإرتياح، تراجع للخلف يبعدها عنه برفق، ووضع يده على وجهها يتأكد.. بأنامله المرتشعة وعييون تتساقط منها الدموع قال:
-يعني إنتي مش خيال، ده مش حلم!!.. وهصحى بعدين على الوجع إللي عشته من بعدك، ردي عليا.

كان “جاسر” واقفًا خلفــه يناظره بعينين قلقتين.. خائفتين عليه، والصدمة تعتريـه من ضعف إبن خالتــه، وشعوره بأن الحياة عادت إليه من جديد بظهور تلك الفتاة الغامضة، تابع ما يحدث بصمت رغم حزنـه وخوفــه على ما هو قادم!.

أحتضنت “لينا” وجهه بحنوٍ وهي تمسح دموعه برفق قبل أن تقول:
-أنا عايشة، ده مش حلم، ده حقيقي.

حرك رأســه بالسلب وهو يهمس بآخر سؤال توقعتــه:
-إزاي هونت عليكي تعملي فيا كدا؟!..

تبدلت تعبيرات وجههــا إلى جمودٍ مخيف، نهض “مراد” ببطءٍ، كاد أن يساعده “جاسر” ولكنه منعه بإشارة من يده، فتراجع للخلف، أختفت آثار الألم من وجهه ليحلّ مكانهـا الذهول وشئ من السخرية، فقد ظهر ذلك بوضوح في لهجتـه حينما تسائل:
-سبتيني بين الحياة والمـ,ـوت ومشيتي عشان تنتقمي؟!.. معقولة تفكري تنتقمي بالطريقة دي؟!..

بلعت ريقهـا بصعوبة وهي تنهض من مكانهـا، قبل أن تقول:
-أنا فعلًا فكرت أنتقم منك، فكرت أني أسيبك العمر كله تعيش بذنبي، تتعذب ببطء، لكن مقدرتش، أول ما عرفت إنك فالمستشفى بلغت القيادة إنك لازم تعرف، لكن منعوني، لأن حياتي وحياتك في خطر.

نظرت خلفهـا للحظة قبل أن تعاود النظر إليه وهي تُضيف بجدية:
-إنت متراقب، ومش هيسبوك إلا لما يتأكدوا من مـ,ـوتي، ورغم خطورتي إني أنزل، بس نزلت عشان تتأكد بوجودي، لو هنتقم منك مش هيبقى بالطريقة دي، مش هنكر إني كنت عاوزة أشوفك ضعيف، لكن دلوقتي لأ.

لاح شبح ابتسامة باهتة على ثغره وهو يقول بألمٍ:
-بس إنتي فعلًا أنتقمتي، أنتقمتي مني يا لينا وشوفتيني ضعيف.

التوى ثغره للجانب معلقًا:
-لو كنت متغيرتش الفترة دي، كنتي ممكن تلاقي رد فعل مني صعب، مفيش واحدة في العالم ده كلـه قدرت تحرك مني شعرة أو تشوفني على حقيقتـي، إلا أنتي.

تنهد بحرقة وهو يتمتم بسخرية:
-بس يوم ما شوفتيني على حقيقتي كسرتيني.

إبتسمت “لينا” بعذاب وهي تقول:
-وإنت قبل ما تديني فرصة يا مراد أظهرلك على حقيقتي كسرتنـي بردو.

وضعت يدها على صدرها وهي تقول بعينين حمراوتين:
-أثر رصاصتك موجود ومش هيتشال أبدًا.

سحبت نفسًا عميقًا وهي تتابع كلماتهــا المعذبة له ولهـا:
-مراد، أنساني، أنساني يا مراد، أنا وإنت مننفعش لبعض خالص، لا المجتمع هيرضى بينا، ولا الظروف، ولا كسرة إللي جوا كل واحد فينا إللي كانت على إيد التاني، أنسانــي وعيش حياتك.

دنى منها عدة خطوات يقبض على ذراعهـا بقوة وهو يهدر بهـا بغضب:
-إنتي جاية عشان تقوليلي الكلمتين دول، أنساكي؟!.. كنت نسيتك وإنتي ميتة.

نظرت له بثباتٍ قبل أن تقول بجمودٍ رغم نبضات قلبهـا المرتفعة:
-حتى لو عدينا من كل ده، المـ,ـوت مستنينا لو أتجمعنـا، أنا مش فارق معايا نفسي، لكن إنت آآ..

بتر باقي عبارتها قبل أن تشرع فيه لتتحول تعابيره للوجوم المضطرب، تبدلت نبرته متسائلاً بعبوس مخيف:
-وأنا إيه؟!.. مش فارق معايا نفسي عشانك؟!.. إنتي متخيلة إني هسيبك؟!.. تبقي مجنونة.
-هتسبني، لأن لو إتجمعنا هتلاقي أحلى رصاصتين مستنينا، لكن لازم نبعد حتى لو مؤقتًا، سبني يا مراد، خلينا أبدأ حياتي على نضافة، أنا أطمن عليك دلوقتـي.

كان وجهه صلبًا.. مرهقًا.. وغير حليق الذقن، وعيناه غابتين مظلمتين من الأسرار، سألهـا بحدة:
-إنتي أطمنتي عليا، طب وأنا إيـه؟!.. إنتي ليه بتعملي فيا كدا؟!..

أخذت نفسًا عميقًا لتقول بقسوة متحسرة:
-مش أنا، قولتلك أنا وإنت مننفعش نكمل يا مراد، طريقنا كله شوك، وهتلاقي نهايتـه هو المـ,ـوت، فـ ليه نمشي فيه؟!..

-أتسعت عينا “مراد” للحظةٍ قبل أن تعودا لبرودهما وهو يقول بصوتٍ خطير:
-وإنتي هتقدري تعيشي من غيري؟!..

عم الصمت داكن مشحون بينهما.. وعيناهما في حربٍ يائسة، إلى أن قالت “لينا” أخيرًا:
-محدش بيمـ,ـوت من الفراق.

لم تتغير ملامح “مراد” وهو ينظر إليها، إلا أن عينيه ألتمعتا ببريقٍ أكثر قسوة، وهو يقول مصححًا:
-صح، لكن بنتعلق ما بين السما والأرض، مش قادرين نطول أي حاجة، والوجع بيفضل عايش معانا طول العمر.

أخفضت وجهها لتقول بجهد بعيدًا عن عينيه القاتمتين:
-خلاص يا مراد، على العموم أنا هفضل برا مصر مش أقل 8 شهور، لازم عشان الكل وقتهـا يكون أتأكد من مـ,ـوتي.

ألقت نظرة سريعة على ساعة اليد الخاصة بهـا قبل أن تغمغم:
-أنا لازم أمشي، طيارتي بعد ساعة، يدوب ألحق.

وقبل أن تستدير وجدتـه يناديهـا بصوته العميق، ألتفتت له بعينيهـا الحزينة، لتجده يدنو نحوهـا، يجذبهـا برفق من معصمهـا نحوه، أحتضن وجههــا وهو يتأمل تعبيراتـهـا الحزينة، قبل أن يهمس لهـا بصوتٍ عميق:
-لينا، أنا مش هقدر أنساكي، هستناكي من دلوقتي، بس لازم تعرفي إنتي في الآخر ليا.

فغرت شفتيها قليلاً تنظر إليه بعدم تصديق لكنها أرغمت نفسها قبل أن تصاب بالدوار ثم قالت أخيرًا:
-أتمنى، لكن معتقدش، لأني زي ما قولت، لا المجتمع ولا الظروف، ولا الكسرة إللي جوانا هتخلينا نتجمع.

نظرت لـه نظراتٍ أخيرة قبل أن تغطي وجههـا بالنقاب، عادت لمعة القوة بعينيهـا وهي تشير بيدهـا قائلة بهدوء مخيف:
-من الأفضل إنك تنساني، زي ما أنا هعمل.
-كدابــة.

قالهـا ببساطة وهو يحرك كتفيــه، لتشتد الحدة بعينيهــا وهي توليه له ظهرهــا، وبخطواتها الثابتة تحركت نحو الخارج، تاركة قلبهـا العاشق المحطم، مع قلب من حطمهــا، تحت نظراتــه القاتمـة.

أقترب “جاسر” منه يربت على كتفه بدعم، ليجده يقول بلهجة قاسية غريبة عليــه وهو يرتدي نظارتـه السوداء:
-مش عاوز حد يعرف إللي حصل ده مهما كان مين.

*****
جلست “دينا” بغرفة الجلوس مع “أدهم” الذي لازال يرمقهـا بمكر، يفكر بحماس أنها بعد عدة أشهر ستكون زوجتــه، تعالت نبضات قلبـه تلقائيًا وهو يتنهد، نهضت من مكانها بتوتر وهي تقول:
-هاروح أجيبلك حاجة تشربهـا.

نهض وسبقها عند باب الغرفة قبل أن تخرج لتصطدم بصدره، أبتعدت عنه بنظرة حادة وقالت بتحذير:
-أدهم، خد بالك.

رفع حاجبيـه وهو يقول بجدية:
-كلها شهرين وتبقي كلك ملكي.

قطبت جبينهـا بقوة وهي تسأله بدهشة:
-إنت بتتكلم بجد؟!.. هنتجوز ومراد في حالته دي؟!..

زفر زفيرًا حارًا وهو يقول بجدية تلك المرة:
-أخوكي حالته صعبة فعلًا، بس في الشهرين دول هنكون جنبـه بردو، وهيكو حاله أتحسن، لكن تأجيل والله ما هييحصل، بسببه أجلنا فرحنا سنـة بحالهـا، المفتري.

قال كلمتـه الأخيرة بغيظٍ، ليتفاجئ بنفس اللحظة دخول “مراد” من باب المنزل، فقد كانت “دينا” تركتـه بسبب جلوسهـا بمفردها معه، رمقهم “مراد” ببسمة باهتة وهو يقول بهدوء:
-أطمن يا صاحبي، الفرح في ميعاده، أنا بقيت كويس.

نظرت له شقيقتـه وهي تقول بإرتباك:
-مراد، إنت آآ..

أتسعت إبتسامته لكن لم تصل إلى عينيه وهو يؤكد لهـا:
-صدقيني أنا بقيت كويس، هدخل أغير هدومي وبعد كدا هطلع على الشركة.

ضيق “أدهم” عينيه بريبة وهو يراه يتركهمـا متوجهًا نحو غرفتـه، غابة سكون أمتدت بينهم قبل أن تتسائل “دينا” بتعجب:
-هو حاله أتغير كدا إزاي؟!..

نظر لهـا في حيرة قبل أن يقول بشك:
-أنا عارف مراد كويس، في حاجة حصلت غيرتـه، وخلت حاله يتحسن شوية، بس في نفس الوقت في نار جواه مش قادر يخرجهـا، حالة مراد مطمنش، بس بكل ثقة أقدر أقولك في مصيبة جاية.

شهقت “دينا” بقلق وهي تسأله بذعر:
-مصيبة!!.. هو إحنا ناقصين.

مسح على وجهه بقوة وهو يقول بجدية:
-هبقى أسأل جاسر، وربنا يستر، المهم دلوقتـي أن الفرح في ميعاده وإلا مكنتش هقدر أسكت أكتر من كدا.
-لا والله؟!.. كنت هتعمل إيه؟!..

نظر لها بتحدٍ وقال وقد أظهرت نبرته قوة تحديه:
-لو حصل، هخطفك.

*****
إبتسمت “مريـــم” وهي تقف على الشاطئ بالقرب من مجموعة تقدم رقصة فلكلورية فوق الرمال، كان الجميع تعلو الضحكات شفاههم لهذه الفرقة التي تتراقص على لحن لاتيني، كانت تراقبهم بحماس، لم تشعر أن جسدها بدأ في التمايل بخفـة، أغمضت عينيها لرائحة البحر بتلك النغمات، كانت تعيش سحرها الخاص، إلا أنها أنتفضت فجـأة حين شعرت بملمس غريب على خصرهـا.

لتجده رجلاً أربعينيًا.. من الواضح أنه أجنبي عن البلد، يضحك إليها مشاركًا في المرح والرقص، إلا أنه لم يقف بإتزان تمامًا، وعيناه زائغتان ضاحكتان.

حاولت “مريم” الإبتعاد عنه، ولكنه قبض على خصرهـا بقوة، صرخت فيه بلغتــه وهي تدفعه في صدره:
-أبتعد عني، لا أريد الرقص.

إلا أن صرختها ذهبت هباءً وسط باقي صرخات الغناء الصاخبة، ولم يلتفت إليهـا أحد سوى ذلك الثور، حيثُ جذبه بعنـ,ـف من ظهره قبل أن يبدأ حواره معه بلهجة غاضبة، وكذلك الأخير أصدر تهديداته إلا أن جملة ختامية منه جعلته يتراجع ويبتسم بسماجة ثم يغادر من المكان، تحرك نحوها وهو يسألها بإهتمام بلغتهـا:
-إنتي كويسة؟..

أتسعت عيناهـا وهي تسأله بذهول:
-هو إنت؟!..

إبتسم بخفة وهو يرى عبوسهـا، قبل أن يعقد ساعديه أمام صدره الضخم وهو يقول:
-آريــان، إسمي آريــان.

*****
في المساء، وصلت “لينا” إلى ألمانيا، كانت تسير بخطى شاردة وهي تتجه نحو منزلهـا قبل أن تقابلهـا في الطريق “ريمـا”، تحدثت معها قليلًا لتهتف الأخيرة بقلق:
-إنتي مالك وشك أصفر كدا ليـه؟!.. تعالي عندي الڤيلا، أشربي حاجة ونقعد بالمرة مع بعض شوية نتكلم، وعلى فكرة أخويا مش موجود دلوقتي.

تلك المرة وافقت “لينا” بدون مجادلة، هي في أشد حاجة إلى الجلوس مع أحد حتى لو كان غريب، وصلت معها وولجت إلى الداخل، أصدرت “ريما” أوامر للخادمة بجلب كوب من عصير، ثم جلست معهـا تتحدث بحماس لوجودهـا فتاة مصرية معهـا بنفس المكان، وفجـأة هبت “ريما” واقفة وهي تقول:
-ياربي، أنا هاروح أصلي صلاء العشاء، تيجي تصلي معايا؟!..

تصلب جسد “لينـا” في مكانهـا، تقلبت عيناها فيما حولهـا بإرتباك جلي، وهي تتمنى أن تهرب من هنا، همست بتوتر وكأنها تسألها:
-أصلي؟!..

*****
“أتحداك أنا”
“الفصل السابع عشر” 🌹🌹🌹

تحدث عن حزنك بسخرية، كي لا يشفق عليك أحد.

منذ وفاة والدتها لم تستمع إلى تلك الكلمة العظيمة رغم بساطتها، “الصلاة”، لم تفكر مرتين وهي تنهض من على الأريكة، متوجه بخطى ثابتة نحو المرحاض كي تتوضئ، وقد عزمت إلى الذهاب إلى باب الله، فحينما شردت قليلًا وجدت جميع الأبواب مُغلقة إلا هو، فـ لتلجئ إليـه، فهي على ثقة بأن الله ألطف من أن يحزن قلبهـا ثم ينساه، وأكرم من أن يعطيها الحزن الطويل لا يعقبه الفرح، الله أعظم من أن يزرع فيهـا أمل ثم يميته.

دقيقة وأخرى وأخــرى، وكانت أرتدت زي الصلاة الخاص بـ”ريمـا”، أغمضت عيناها للحظةٍ مستشعرة تلك الراحة الغريبة التي أجتاحت قلبهـا، قررت أن تبدأ من جديد، تبدأ حياة خالية من الذنوب، ولكن هل سيحدث كما تتمنى؟!.. أم أن هناك لعبة قدر جديدة؟!..

******
في الجهة الأخرى حيثُ يوجد مكان للسعادة، خرجت “مريم” من ذلك المكان بخطواتٍ راكضة وهي ترتدي سترتهـا، شهقت بخوف حينما وجدت “آريان” يربت على كتفهـا يعقبـه سؤالــه المدهوش:
-إنتي جريتي ليه؟!.. الحق عليا إني لحقتك وبعرفك على نفسي؟!..

أشاحت عينيها بعيدًا عنه بتوتر، وهي تعض على شفتها السفلى بحرجٍ، تفهم “آريان” موقفهـا.. فبدون شعور إبتسم بمكر وهو يقول بشقاوة:
-آه مكسوفة، عشان معاكستك ليا آآ..

هدرت فيه بخجل:
-بس متكملش.

ضحك بخفة وهو يقول:
-من زمان مشوفتش بنت مكسوفة.

تابع كلماته وهو يمد يده لها للمصافحة:
-آريان.

صافحتـــه “مريم” في شئ من الإرتباك:
-مريم.

أومئ له برأسه وهو يتمتم إبتسامتــه الجذابة:
-إسم جميل زيك كدا.
-آه ده إنت بتردلي المعاكسة بقى؟!.
-تؤ، أنا مبعرفش أجامل.

هزت رأسهـا وهي تلقي نظرة سريعة على ساعة يدهـا، قبل أن تقول بجدية:
-طيب شكرًا على إنقاذك ليا، أنا لازم أمشي.

قالت كلماتهـا سريعًا ثم غادرت من أمامه دون أن تنتظر الرد، أتسعت إبتسامتـــه وهويتمتم بخفوت:
-هبلة.

وضع يديه بداخل جيوب بنطالــه مقررًا أن يمشي سيرًا، وأن يتوجه إلى البحر، فهو صديقه الثاني بعد “لينا”، فكر قليلًا في حياتــه الغامضة، وكيفية البدء بحياة نظيفة، شعر بأن هموم الدنيا تتثاقل فوق كتفيــه ولكن تلاشى كل ذلك ما أن رأها مجددًا تقف وحدهـا أمام البحر، مغمضة عينيهــا وكأنها تحاول أن تداوي شيئًا ما في روحها، وقف خلفهـا وهو يقول بصوتٍ أجش:
-هو إنتي؟!..

أستدارت نحوه وهي تقول بدهشة:
-آريان؟!.. بتعمل إيه هنا؟!..
-جاي لصديقي التاني.

قال كلمته وهو يشير نحو البحر، لم تجيبـه بل عاودت النظر إلى البحر وأمواجه، خرجت من شرودها على سؤاله:
-معلش بس الفضول هياكلني، إنتي سرحانة في إيه؟!..
-حلو البحر أوي.
-بتحبيـه؟!..

صمتت قليلًا قبل أن تقول بشرودٍ:
-مختلف، يقدر يفرحك بموجة ويبكيك بإعصار، يقدر يحتوي دموعك بمايته الدافية، ويمسحها ببرودته، فاتحلك دراعته في أي وقت ودايمًا.

ظهرت ابتسامة متعجبة على جانبي ثغره قبل أن يؤديه:
-حلوة الفلسفة دي.
-كلنا فلاسفة، لكن وقت الفعل بنختلف.

قال مبتسمًا بعد صمتٍ دام للحظاتٍ:
-معاكي حق.

ثم السلام على الزمان بما معنى.

*****
ظلت “دينا” جالسة مع “أدهم” لفترة طويلة يتحدثان معًا عن حفل زفافهمـا، موضوع وآخر يتحدثان معاًا فيه بضحك ومرح إلا أن أتى موضوع الخاص بـ”مراد” وحبيبتـــه التي في عالم آخر، هنا.. أعتدلت “دينا” في جلستهـا وهي تتنهد بحرارة قبل أن تقول بجمودٍ:
-نهاية لينا كانت هتبقى كدا فعلًا، سواء إمبارح أو النهاردة .. بكرا، كانت نهايتها هي المـ,ـوت يا أدهم، إللي زيها مينفعش يعيش، أنا مش عارفة.. مراد إزاي فكر يحب واحدة زيهـا.

رفع رأسه ليخاطبها بهدوء:
-دينا، خدي بالك إنتي بتتكلمي عن واحدة ميتة، وبعدين لينا أتفرضت عليهـا الظروف دي، آه كانت شيطانة، لكن رجعت للحق، ولو هي ماتت، فهي ماتت شريفة قدام العالم كله بعد ما سلمت أبوها وأكبر مافيا للإنتربول.

أشارت “دينا” له بنظراتها، وأخبرته بهدوءٍ زائف:
-إنت بتقول إيه يا أدهم؟!.. حية أو ميتة هي زي ما هي، البني آدم مننا ملوش غير سمعتـه وإسمه، وهي لو كانت عايشة كانت سمعتها وبلاويها هتفضل تطاردنا، وهتبوظ سُمعة أبويا النائـــب العـــام، لمجرد أنها بنت أكبر تاجر مخدرات.

حاول “أدهم” أن يضبط إيقاع تنفسه ليخرج صوته هادئًا وهو يتابع بتمهلٍ علها تتخلى عن عنادها الأهوج:
-دينا، إنتي متعرفيش حاجة عن حياتهـا فمن الأفضل تقفي لحد هنـا، إنتي أصلًا بتتكلمي عن واحدة ميتة، لكن لسه عايشة في قلب أخوكي، لازم تراعي مشاعره.

نظرت إليه بجدية وهي تقول بتهكم:
-مع الوقت هيكتشف أن حبه ده وهم، وأن ده مجرد ذنب حسه لما ضـ,ـربها بالنـ,ـار.

صمتت للحظةٍ وهي تضيف بشرودٍ:
-إللي تستاهل واحدة زي مراد هي “سلوى”، بتحبـه وعندها كرامة، وعيلتهـا محترمة جدًا، هي دي إللي تناسبنا، وإللي تستاهله يا أدهم، غير كدا لأ.

رد “أدهم” بهدوء وهو يشبك كفيه على الطاولة ناظرًا لعينيهــا بنظرة العارف:
-مع الوقت هتكتشفي إنك غلط، وأن كلامك عن العيلة وإللي يناسب وميناسبش كلام فاضي، وأن إللي زي لينا يستاهلوا فرصة تانية.

هو فقط ألقى تلك الكلمات بهدوء بارد خالي من أي أنفعالات.

*****
عاد “حاتم” أخيرًا بعد يوم طويل من العمل، ألقى سلسلة المفاتيح وهاتفه على أقرب طاولة، قبل أن يعقد ما بين حاجبيه بإستغراب حينما وقعت نظراته على “لينا” برفقة شقيقتـه، توجه نحوهمـا ثم صافحهــا ببسمة مجاملة، وجلس قبالتهم، إنتبه إلى سؤال شقيقته وهي تقول بإهتمام:
-إيه يا حاتم، عرفت تتصرف في موضوع السكرتيرة ده؟!..

مسح على وجهه بإرهاق وهو يجيبهـا:
-للأسف لأ، السكرتيرة من يومين مشيت خلاص عشان فترة الولادة قربت، وأنا مش عارف أجيب مين مؤقت مكانهـا.

تعلقت عيني “لينا” عليه قليلًا تفكر بعمق، قبل أن تقول فجأة:
-أنا ممكن أبقى مكانهـا.

إبتسم “حاتم” بسخرية وهو يسألهـا ببرودٍ:
-يا سلام وده إزاي بقى؟!..

إبتسمت له بثقة وهي تضع ساقها فوق الأخرى قبل أن تجيبــه:
-أنا بعرف أتكلم أربع لغات، إنجليزي وفرنساوي وألماني وصيني، وشوية إيطالي، وبالنسبالي الشغل ده سهل لأنه تخصصي.

رأت بوضوح ذلك البريق الامع بعينيه، وما كان إلا بريق إعجاب، نظرت له بثقة لتجده ينهض من مكانــه، ثم يقول بلهجة هادئة لكن أمتلأت بنبرة الحزم الذي لا يقبل الجدل:
-بكرا تكوني في مكتبي الساعة 7 الصبح، ومعاكي أوراقك وشهادة تخرجك، هستناكي.

قالهـا وهو يشير بإصبعه قبل أن يولي لها ظهره متوجهًا نحو الدرج يصعد عليه نحو غرفتـه، نظرت لهـا “ريما” بإنبهار وهي تقول:
-معاكي 4 لغات!!.. لأ إنتي كدا تعلميني بقى.

إبتسمت لهـا “لينا” بخفة، قبل أن تقول ببسمة صغيرة:
-إنتي متعرفيش أنا أرتحت أد إيه معاكي، أنا عمري ما أتكلمت كتير أد ما أتكلمت النهاردة.

أتسعت إبتسامتها السعيدة وهي تقول:
-بجد؟!.. طب طالمًا كدا، ليه عنيكي فيها حزن؟!..

سحبت نفسًا عميقًا وهي تجيبهـا بإبتسامة تخفي ألمها:
-النصيب، لسه في جوايا حتة مدفونة، صعب أنها ترجع تحيا تاني.

تبًا كم هي بارعة في إخفاء ألمها، مسحت “ريما” على خصلات شعرها بحنوٍ وهي تقول:
-إنتي جميلة أوي يا لانا، وصدقيني مهما كان إللي حصلك ربنا هيعوضك.

أومأت برأسهـا وهي تقول بثقة غريبة:
-أنا واثقة من ده، وهعيش أستنى العوض ده، لأني محتاجة حاجة ترجع قوتي من جديد، عشان أعرف أبدأ من جديد.

بلعت ريقهـا بصعوبة قبل أن تهب واقفة وهي تقول:
-أنا لازم أمشي.
-تمام يا حبيبتي، المهم متنسيش ميعادك في شركة أخويا، هبعتلك اللوكيشن على الوتساب.

ستشفي جراحك، وتضحك من أعماقك، ستمضي ناسيًا وليس متناسيًا.

*****
كان جالس على مقعده الجلدي، يضع رأسه بين يديه، والشرود والألم يبقيان معًا بجواره، قست عينا “مراد” وهو ينظر أمامه، لا يعرف كم ظل جالسًا هنا، تجرفه ذكرياتٍ وترميه أخرى، لكن كل موجةٍ منها كانت تعود به إلى نفس الشاطئ، “لينــا”.. بره الآمن.

يريدها أن تعود إليه حتى تصبح ملكه، كي يقيدها به للأبد، فهي أرضـه.. وطنـه.. أمانــه من ذلك العالم الأسود الذي يحيط به، قال بعد فترة طويلة وهو يبتسم بعمق متوحش:
-تبقي أكبر غبية ومغفلة لو فكرتي إني ممكن أسيبك، أنا بحبك يا غبية، لازم تفهم ده، مش بالسهولة دي تمشي وتسبني، أنا مع كل القسوة إللي فيا والتحدي بحاول أحاربهم عشانك، لأن بإختصار مقدرش أخرجك من حياتي.

مرر يده عل شعره وهو يقول بألم:
-لازم ألاقيهـا.

*****
وصلت “لينا” إلى منزلهــا بعد يوم طويل من الألم وقليل من المرح، تنهدت بحرقة، وما التنهيدة إلا هي صراخٍ مكبوت، قاطع الصمت في منزلها صوت رنة هاتفهـا معلنًا عن وصول رسالة، أمسكت الهاتف ظنًا أنها من “ريما” ولكن تعجبت حينما رأت أن الرقم غريب وغير مدون لديهـا، فتحت الرسالة لتتسمر في أرضهـا وهي تقرأ ما كتب فيهـا بالإنجليزية:

-“المرة القادمة لا تعودي إلى المنزل متأخرة هكذا، فنبضات قلبي أرتفعت قلقًا عليكي يا حوريتي الجميلة”

*****

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *