عيد جواز ابني حكايات روز أمين
مرات ابني منعتني من عزومة عيد جوازهم، وأمها نزلت صورة وكتبت عليها: “لأفراد العائلة فقط”. دخلت عملت لاف وكتبت: “يبقى من هنا ورايح مش دافعة مليم في الفواتير اللي المفروض العيلة بس هي اللي تشيلها”. بعد خمس دقائق بالظبط، لقيت الكاميرا شاشة التلفون منورة بـ 30 مكالمة فايتة.
مرات ابني منعتني من عشا عيد جوازهم الخامس، وسابت أمها تنزل الصورة على الفيس وكتبت كلمتين عرفوني مقامي بالظبط: “لأفراد العائلة فقط”.
كنت قاعدة لوحدي في الشقة الأرضي في بيتي الدوبلكس اللي شقيت عمري فيه وبملكه من تلاتين سنة، بتفرج على صورة ابني يوسف وهو مبتسم جنب حماه وحماته وإخوات مراته، وحتى ولاد خالاتها. الكل كان قاعد على ترابيزة المطعم الكبيرة، الكل ما عدا أنا.
المضحك مش إني اتنسيت، الناس بتعرفك مكانتك عندها بأفعالهم من قبل ما ينطقوا. المضحك إن الست اللي دافعة عوايد البيت، وواصل المياه والنور والغاز للبيت كله، هي أنا! يعني فلوسي من العيلة، لكن أنا لأ.
قبلها بكام يوم، مروة مرات ابني رمت لي الكلمتين وهي ماشية ومستعجلة كأني مشوار وخلصت منه: “احنا هنعمل العشا ضيق وملموم يا طنط، والترابيزة على القد بالظبط”. محرجتهاش ومسألتش إشمعنى أمها وأبوها وإخواتها وولاد خالاتها جم في الحجز الضيق وأنا اللي مجتش! في سني ده الواحد بيتعلم إن الشحاتة في الأصول بتخلي القعدة مالهاش طعم.
ليلتها عملت كوباية شاي وقعدت على كرسيّ وكنت بحاول أستمتع بالهدوء، لحد ما الفيس بوك جاب لي الخلاصة. حمات ابني كاتبة تحت الصورة: “العيلة وبس.. الحمد لله المحبة جمعتنا أخيراً مع أغلى الناس”.
العيلة وبس! فضلت باصة للكلمتين دول أكتر ما بصيت للصورة نفسها. بقالهم خمس سنين يوسف ومروة عايشين في الشقة اللي فوقي من غير إيجار، خمس سنين بشيل عنهم الفواتير والمصاريف عشان ابني يعرف يتنفس ويبني نفسه. كنت بدفع الغاز في عز الساقعة، وواصل المياه والنور والطلبات وعوايد الحكومة، وسبتلها الجنينة تتصرف فيها براحتها، وبقت تتعامل مع غسالتي ومجففي كأنهم خدمة فندقية، وكنت أطبخ لقمة يوم الجمعة والكل يقعد على ترابيزتي وياكل كأن الأكل بيطلع سحر.
هي دي بقى الغلطة لما بتقدم السبت وتتطوع بزيادة وسط العيلة؛ في الأول بيشيلوك فوق راسهم، بعدين بيتعودوا، وفي الآخر يهمشوك وتفضل محفظتك برضه هي اللي بتدفع.
مدمعتش، دخلت عملت لاف، وكتبت تعليق واحد: “ما دام كده، يبقى من هنا ورايح مش دافعة مليم في الفواتير اللي المفروض العيلة بس هي اللي تشيلها”. قفلت التابلت وسبته.
خمس دقائق والتلفون مفسلش زن؛ مروة.. يوسف.. مروة تاني.. يوسف تاني. تلاتين مكالمة فايتة ورا بعض كأنه إنذار حريقة، م رديتش على ولا واحد فيهم.
قمت فتحت درج الملفات وطلعت الفايل اللي كنت مجهزاه من أسابيع في صمت؛ فواتير النور، والمياه، وطلبات فصل العدادات اللي كنت مقدماها في الشركة عشان شقة فوق تنفصل تماماً. مروة افتكرت الكومنت ده لقطة زعل وانفعال، مكنتش تعرف إنه قرار ومتخطط له من بدري.
فجأة سمعت رزع رجلين على السلم، ويوسف بيخبط على الباب كأن البيت بيولع. فتحت لقيت ابني واقف ونفسه مقطوع ووشه أحمر ومحرج زي ما مكنتش بشوفه من وهو عيل صغير.
قال لي: “أمي، إيه التعليق اللي إنتِ كاتباه ده؟ مروة بتعيط في العربية وعيلتها كلها شافت الكلام ده، امسحيه حالا!”.
مسألنيش “إنتِ كويسة؟”، مقاليش “حقك علينا إننا مجيناش أخدناكي”، كل اللي فارق معاه: “امسحيه”.
بصيت له وحسيت براحة تامة في قلبي وقولت له: “يا يوسف أنا مش هسمح حاجة، ده حق ربنا ودي الحقيقة”.
بص لي كأن الحق بقا قلة أدب لمجرد إنه اتقال قدام الناس.
قال لي: “إنتِ بتنكدي علينا ليلتنا”.
قربت أبتسم وقولت له: “لأ يا حبيبي، إنتوا اتبسطتوا في ليلتكم وخلصتوا، أنا بس بظبط حساباتي”.
طلعت له كشف حساب شركة الكهرباء من الفايل وحدفته له، عينيه راحت على الأرقام ورجع بص لي.
قولت له: “من أول الشهر الجاي، عداد النور والمياه بتاع الشقة اللي فوق هيتحول باسمك، وأنا خلاص ألغيت الدفع التلقائي من حسابي في البنك”.
ملامحه اتغيرت، مش غضب، ده كان رعب! لأن الناس لما بتتعود إنها تتشال، بتسمي ده حب، ومبيفوقوش غير لما اللي شايلهم يقرر ينزلهم من على كتافه.
قال لي وهو مش مصدق: “إيه؟ طب ليه دلوقتي؟”.
رديت: “عشان عرفت إني مش من العيلة، وطالما مش عيلة، يبقى مشالشي شيلتكم”.
وقبل ما ينطق، باب الشارع اترزع ومروة دخلت ووشها مقلوب من الكسوف مش الندم، وقالت لي: “ده اسمه لوي دراع يا طنط مارثا”.
هزيت راسي وقولت لها: “لأ يا مروة، دي اسمها الأصول والدنيا لما تعلمكم تشيلوا مسئولية نفسكوا”.
تاني يوم الصبح، البيت كان فيه هدوء م عشتهوش من سنين، شربت قهوتي على ترابيزة المطبخ من غير ما أسمع صوت مروة وهو جاي من السقف. السكون ده مكنش وحدة، كان نظافة وراحة بال.
على الضهر، عربية شركة الكهرباء والمياه دخلت الممر، كنت منسقة مع الفني من كام يوم. وأنا نازلة معاه البدروم، مروة ظهرت في أول السلم بروب البيت وقالت: “في إيه؟ إيه اللي بيحصل هنا؟”.
قولت لها: “الفني بيركب العداد الخاص بيكم، من النهاردة كل واحد يدفع استهلاكه”.
وشها جاب ألوان وقالت: “مش من حقك تعملي كده، احنا مش عاملين حسابنا ولا مجهزين ميزانية لده!”.
رديت عليها: “بقالكم خمس سنين قاعدين ببلاش، إنكم تعملوا حساب مصاريف نوركم وميتكم ده أ ب مسئولية”.
بصت لي كأني سرقت منها حاجة، مع إني كل اللي عملته إني وقفت عطايا لناس مقدرتهاش.
بعد كده لما قعدت تقول إني بعاقبهم عشان “عشا خاص وصغير”، عرفت وقتها لأي مدى واصلة البجاحة وقلة الأصل عندها؛ مكنتش عيلة كفاية عشان أقعد معاهم على الترابيزة، بس كنت عيلة ومقبولة جداً وأنا بدفع تمن السقف اللي مداريها!
على يوم الإثنين، كنت نقلت كراسي وترابيزة الجنينة بتاعتي وطلعتها لها فوق في التراس بتاعها. وعلى يوم الأربعاء، قفلت باب الأوضة اللي فيها الغسالة والمجفف بتوعي بقفل. وعلى يوم السبت، تلاجة البدروم كانت فاضية لأني بطلت اشتري طلبات غير لنفسي بس.
كل خطوة كانت صغيرة، وقانونية، وفي السكات، وبتاعتي أنا. وكل خطوة كانت بتولع مروة أكتر من اللي قبلها، لأن البيت اللي كانت بتتعامل فيه كأنها الملكة، طلع بتاع الست اللي شالتها من صورة العيلة.
ليلة الثلاثاء، يوسف خبط تاني، المرة دي كان جايب ورقة وقلم وكاتب ميزانية بإيد تترعش ومعاه إعلانات لشقق إيجار. قعد على ترابيزة مطبخي كأنه راجل لسه شايف تمن السلام النفسي كام.
قال لي بصوت واطي: “يا أمي، مش ينفع نرجع زي الأول؟ احنا هنتأسف لك على الصورة”.
نزلت كوباية الشاي وقولت له: “يا يوسف، الموضوع عمره ما كان موضوع صورة وبس”.
وعرفته إن العيشة الساهلة دي انتهت؛ لو عايزين يفضلوا في الشقة اللي فوق، هيبقى فيه عقد إيجار رسمي، بإيجار المثل زي السوق، وفواتير منفصلة، وحدود واضحة بيننا.
بلع ريقه بصعوبة وقال: “مروة مستحيل توافق على كده، دي بتقول إن البيت ده كده كده هيبقى بتاعي في الآخر”.
هنا صوتي حِدي وقولت له: “يمكن.. بس لحد ما الوقت ده ييجي، البيت ده بتاعي أنا، وأنا لسه عايشة وبطولي يا يوسف، ومش هقبل أعيش زي الخيال في بيتي”.
لما طلع بالكلام ده فوق، السريخ والرزع بدأ. البيبان كانت تترزع وصوت مروة واصل للسقف وحاجة إزاز اتمطرت في الأرض.
تاني يوم الصبح، أول ما يوسف نزل على شغله، نزلت البدروم وطلعت عشر كراتين فاضية، رصيتهم بنظام في الطرقة قدام باب شقتهم، وخبطت.
مروة فتحت وهي بالروب، عينيها حمرا ولسانها جاهز لردح جديد: “عايزة إيه؟”.
بصيت لها بكل برود وقولت: “جبت لك كراتين تنفعكم، يوسف قال لي إن شروطي مش عاجباكم، فقلت أسهل عليكم شيل الحاجة ونقلتكم”.
لأول مرة من ساعة صورة “العيلة وبس”، مروة ملاقتش كلمة واحدة تطلع من بوقها، لأن تهديدها بالمسامحة والفرجة طلع فاشوش، والكراتين بقت محطوطة تحت رجليها.
فجأة، الكبرياء اللي في عينيها اتهز، وبصت للكراتين كأنها شافت لغم. بلعت ريقها، وحاولت تلم شتات نفسها وقالت بنبرة حاولت تخليها قوية: “يعني بتطردينا يا طنط؟ بتطردي ابنك وحفيدك اللي لسه هييجي الدنيا عشان صورة؟”
بصيت لها بكل ثبات وقولت: “أنا مابجبرش حد يمشي يا مروة. أنا حطيت شروط لبيتي، والي يرفض الشروط يبقى هو اللي اختار يمشي. الكراتين دي عشان أساعدك تنفذي قرارك.”
قفلت الباب في وشها ونزلت شقتي.
على العصر، سمعت صوت يوسف وهو راجع من الشغل مستعجل. مفيش عشر دقائق والرزع بدأ تاني فوق. صوتهم كان عالي لدرجة إن الكلام كان مسموع؛ مروة كانت بتصرخ وتقول له: “أممك بتطردنا! جايبالي كراتين قدام الباب! اتصرف يا إما هلم هدومي وأروح لأهلي!” ويوسف صوته مكتوم، بيحاول يهديها وخايف من الفضيحة وسط الجيران.
سيبتهم يولعوا في بعض، وقمت عملت لنفسي فنجان قهوة مظبوط.
المغرب، الباب خبط خبطات هادية. فتحت لقيت يوسف واقف، عينه في الأرض، ووشه شايل هموم الدنيا. دخل وقعد على الكرسي، وحط راسه بين إيديه وقال بصوت مخنوق: “تعبت يا أمي.. تعبت بجد. مروة مشحونة وأمها قالبة الدنيا ومكلماني في التلفون تسمعني كلام، ومروة حاطة شرط يا نمشي يا ترجعي في كل قراراتك وتعتذري لها.”
قعدت قدامه وقولت له بروقان: “والله يا حبيبي، مروة حرة، تروح لأهلها، تقعد في الشارع، ده شيء ميرجعليش. بس إنت راجل، وليك ذمة مالية وبيتك، هتمشي ورا كلام حماتك؟”
يوسف بص لي ودموعه قريبة: “أنا مفيش معايا فلوس لإيجار ومصاريف نقل وتأمين شقة ثانية دلوقتي يا أمي، إنتِ عارفة البير وغطاه، وعارفة إني كنت بظبط دنيتي على أساس إن المصاريف دي مش هتدفع.”
قولت له: “وده كان غلطي من الأول يا يوسف، أنا اللي دلعتك وعيشتك في وهم إن الدنيا ببلاش لحد ما نسيت إن السقف ده وراه ست بتشقى عشان تدفع عوايده. أنا هخففها عليك.. لو مروة مشيت، إنت تقدر تقعد في أوضتك القديمة هنا معايا، وتدفع بس نصيبك في أكلك وشربك لحد ما تقف على رجلك. إنما شقة فوق، بإيجار المثل وعقد رسمي، واستهلاككم لوحدكم.”
سكت يوسف، وحسيت إن كلامي وجعه في مقتلع رجولته، بس كان لازم يفوق.
يوم الأحد الصبح، لقيت عربية نص نقل واقفة تحت البيت.
حما يوسف وحماته وولاد خالتها اللي كانوا في الصورة جم بنفسهم. مروة كانت واقفه في البلكونة بروبها وبتشاور لهم، وبدأوا ينزلوا الشنط. يوسف مكنش معاهم، كان في شغله.
نزلت وقفت في المدخل، حماتها بصت لي بقرف وقالت بصوت عالي وهي بتستلم شنطة: “يا خسارة العشرة يا أم يوسف، بتطردي ابنك عشان كلمة؟ الدنيا دوارة، وبكرة تندمي لما تلاقي نفسك لوحدك في البيت الكبير ده ومش لاقية حد يسأل فيكي.”
بصيت لها وابتسمت بكل برود وقولت: “الوحدة في بيت نظيف ومحترم، أحسن بمليون مرة من لمتكم الكدابة على ترابيزة مدفوعة من جيبي. شرفتي ونورتي يا أم مروة، وياريت وأنتوا ماشيين تاخدوا كراسي الجنينة معاكم عشان متعمليش كركبة.”
مروة نزلت وهي بتعيط وعاملة سيناريو الضحية، وركبت العربية مع أهلها ومشوا.
لما يوسف رجع بالليل، دخل الشقة اللي فوق، لقاها متبهدلة وفاضية من لبسها وحاجتها الشخصية. نزل لي وقعد في الصالون ومقاش كلام.
قولت له: “العشا جاهز يا يوسف.”
بص لي وقال: “مليش نفس يا أمي.”
رديت عليه بحنان الأم بس بحسم: “هتاكل يا حبيبي، وعقد الإيجار أهو على التربيزة، امضيه عشان لو مروة حبت ترجع، تبقى عارفة إنها راجعة بيت بالإيجار مش مملكة أبوها.”
يوسف مسك القلم، وإيده كانت بترحف، ومضى على العقد.
الشهر اللي بعده، البيت بقى هادي فعلاً. يوسف بدأ يصحصح لشغله، وبقى يدور على شغل إضافي عشان يسد التزاماته. مروة كلمته بعد أسبوعين تشتكي من قعدة بيت أهلها وضيق المكان، وتحاول تخليه يضغط عليا، بس يوسف رد عليها كلمة واحدة: “أنا مضيت العقد، لو عايزة ترجعي بيتك، ارجعي، بس هناكل ونشرب بفلوسنا ونورنا بمصاريفنا.”
أنا بقى؟ رجعت أهتم بنفـسي، أروح دار تحفيظ القرآن الصبح، وأقعد في جنينتي العصر أشرب الشاي وأنا عارفة إن كل مليم بطلعه طالع في مكانه الصح، وللناس اللي تستاهل. الأصول مابتتجزأش، واللي مبيعملش لأمه حساب في لمتها، ملوش مكان في جيبها.
بعد شهرين من العيشة ناشفة في بيت أهلها، مروة لقت إن الوضع هناك مش زي ما كانت متخيلة. مفيش الدلع بتاع زمان، ولا المساحة الفاضية، وإخواتها بدأوا يتضايقوا من قعدتها هي وحاجتها في وسطهم. حماتي (أم مروة) اللي كانت بتشحنها، بقت كل شوية تقول لها: “جوزك مش ناوي ييجي يصالحنا ويرجعك بكرامتك؟ إحنا مش حمل مصاريف زيادة!”
في يوم جمعة، لقيت الباب بيخبط. فتحت، لقيت يوسف ومروة واقفين. مروة كانت حاطة وشها في الأرض، شايلة شنطة صغيرة، وباين عليها التعب والإحراج. يوسف بص لي وقال بصوت هادي: “مروة راجعة بيتها يا أمي.”
وسعت لهم السكة وقولت: “تنور بيتها.. قصدي تنور شقتها اللي مأجرينها.”
مروة بصت لي وقالت بنبرة مكسورة ومستسلمة: “حقك عليا يا طنط.. أنا غلطت في حقك، ومكنتش فاهمة قيمتك ولا قيمة اللي كنتِ بتعمليه معانا.”
رديت عليها بابتسامة هادية بس فيها حسم: “المسامح كريم يا مروة، وإحنا ولاد النهارده. بس عشان نبدأ على نظافة والأمور تكون واضحة، يوسف مضى عقد الإيجار، والعدادات باسمه، وكل أول شهر الإيجار ووصولات المرافق بتعدي عليا هنا. طول ما الأصول محترمة، هتشيلكم عيوني. بره الحدود دي، كل واحد يلزم حده.”
هزت راسها بالموافقة ونزلت على الشنطة وطلعت فوق من سكات.
الشهور جرت، والحياة شكلها اتبدل تماماً. يوسف اتغير بـ 180 درجة؛ بقى يدور على القرش، بيحسب استهلاك النور والمياه، وبقى راجل مسؤول بجد مش مجرد عيل عايش عالة على مرتب أمه وعوايدها. مروة كمان اتعلمت الأدب؛ بطلت الردح وبقت تعمل حساب لكل خطوة، والغسالة والمجفف بتوعي بقوا خط أحمر مابتعديش جنبهم، راحت اشترت غسالة بالتقسيط على حسابهم.
بعد سنة، مروة ولدت، وجابت ولد. سموه “أحمد”.
يوم السبوع، حماتها وأهلها جم البيت عندي. المرة دي، محدش فيهم تجرأ يرفع عينه فيا ولا يتكلم بنبرة كبرياء. أم مروة جت قعدت جنبي وقالت بنفاق واضح: “مبروك الحفيد يا أم يوسف، يتربى في عزك، البيت منور بوجودك.”
بصيت لها وقولت: “الله يبارك فيكِ يا أم مروة. البيت منور بأصحابه وبإيجاره المدفوع في وقته. اتفضلي اشربي الشاي.”
لما العزومة خلصت، والكل مشي، يوسف ومروة نزلوا لي الشقة ومعاهم الولد الصغير. يوسف حط ابنه في حضني وقال: “أهو يا أمي.. أحمد جه الدنيا، وعايزك إنتِ أول واحدة تدعي له وتشيليه.”
شيلت الحفيد، وبوسته، وحسيت بنصر حقيقي. نصر لأني مكسرتش ابني، بالعكس، أنا صلبته وخليته راجل يقدر يحمي بيته وعياله. بصيت لمروة وقولت لها: “المرة دي العيلة بجد كلها هنا.. ومفيش حد ناقص على الترابيزة.”
مروة دمعت وقالت: “إنتِ أساس العيلة يا طنط.”
رجعت شقتي هادية زي ما أنا عايزة، أحمد بينور عليا كل يوم العصر لما ينزلوا بيه، والفلوس بتتدفع في وقتها، والكل عارف مقامه بالملي. الأصول لما بتتأصل من الأول، بتريح الكل في الآخر.
مرت خمس سنوات كاملة، وأحمد الصغير بقى يجري في الجنينة ويملى البيت حركة وشقاوة. خلال السنين دي، يوسف اتقدم في شغله جدًا وأثبت كفاءة، والمسؤولية اللي شالها فوق كتافه بعد درس الكراتين خلت شخصيته أقوى وأنجح. مروة كمان اتغيرت تمامًا؛ بقت ست بيت واعية، ووقفت جنب جوزها، ووفرت معاه كل مليم يقدروا يشيلوه على جنب.
في يوم، يوسف ونزل هو ومروة وقعدوا معايا على ترابيزة المطبخ. يوسف طلع من جيبه دفتر شيكات، وحط قدامي مبلغ محترم وقال وعينه بتلمع بفخر: “أمي.. الشيك ده فيه كل مليم دفعتهولك إيجار في الخمس سنين اللي فاتوا.”
بصيت له باستغراب، فكمل وقال: “أنا ومروة كنا بنشقى وبنوفر، والنهاردة الحمد لله دفعنا مقدم شقة تمليك واسعة باسمنا في كومباوند جديد، وهيتفضل معنا المبلغ ده. أنا كنت مخليه إيجار الشقة فوق عشان أحس بالمسؤولية، بس كنت حاطط في نيتي إن الفلوس دي لازم ترجع لك كتر خيرك على كل اللي عملتيه معايا زمان.”
مروة اتكلمت وقالت: “والله يا طنط يوسف عنده حق، إحنا لولا وقفتك الناشفة معانا مكنش زماننا بقينا أصحاب ملك النهاردة، ولا كنا عرفنا قيمة القرش ولا شيلنا مسؤولية عيالنا.”
بصيت للشيك وبصيت لهم، ورجعت الشيك ليوسف وقولت له: “الفلوس دي يا حبيبي مش بتاعتي، دي إيجار شقاك ومجهودك. خدها كمل بيها أقساط شقتك الجديدة، أو شيلها قرش أبيض لأحمد ينفعه لما يكبر. أنا مكسبي الحقيقي مش الفلوس، مكسبي إني سيبت ورايا راجل بجد، وست بيت صالحة تعرف تدير بيتها بالأصول.”
في نفس الأسبوع، حمات يوسف (أم مروة) وقعت في ضيقة مالية كبيرة بسبب تجارة دخل فيها ابنها وخسروا فيها مبالغ ومكنوش ملاحقين على الديون. مروة جت حكت لي وهي مكسوفة، وقالت إن أمها بتطلب منها تطلب من يوسف يتدخل أو يستلفوا لها.
حمات يوسف جت البيت عندي بنفسها، كانت مكسورة ومحنية، وقعدت تعيط وتقول: “الحقيني يا أم يوسف، إحنا في عرضك، البيوت بتتخرب والديانة واقفين على الباب.”
بصيت لها وقولت بوقار وحسم: “يا أم مروة، الدنيا دوارة زي ما قولتِ لي من خمس سنين بالظبط وأنتِ بتاخدي شنط بنتك. أنا يوسف ابني مش هيستلف ولا هيحط نفسه في ديون، ومروة بيتها مستقر. بس أنا كست كببرة وأعرف الأصول والدين، هسلفك المبلغ اللي يفك زنقتكم كقرض حسن لوجه الله، وترديه على أقساط مريحة، عشان البيوت متتخربش وعشان خاطر حفيدي أحمد وأهله.”
الست بكت وبامت راسي وقالت: “إنتِ أصيلة بجد، ودايمًا كبيرة بمقامك وأفعالك.”
هنا بتنتهي حكايتنا، والدروس المستفادة منها واضحة لكل عين:
العطاء بلا حدود يفسد الأبناء: الدلع الزيادة بيطلع شخص اتكالي، والمسؤولية هي اللي بتصنع الرجال.
الأصول والحدود تحمي العلاقات: وضوح الحقوق والواجبات من الأول بيمنع المشاكل وبيحفظ كرامة الكل.
صاحب الحق عينه قوية: لما تقف في حقك وتضع حدود بمساندة الأصول والدين، الكل في النهاية هيحترمك ويعرف قيمتك.
الرد بالإحسان عند المقدرة: القوة مش في الانتقام، القوة في إنك تثبت للجميع إنك فوق الصغائر، وإن الأصول اللي اتربيت عليها مابتتغيرش مهما تغيرت الظروف.