متاهة مشاعر الجزء الأول بقلم نهى طلبة

في أحد الأيام ذهب لتفقد تقدم العمل بأحد الفيلات ليفاجئ بتلك الفتاة ضئيلة الجسم, قصيرة القامة وقد جمعت كتلة من الشعر الشقر تحت قبعة بيسبول ووضعت فرشاة للرسم بين أسنانها.. بينما أمسكت بأخرى وجلست القرفصاء منهمكة في رسم أشكال غريبة على أحد جدران الفيلا..

ألقى التحية بهدوء لينبهها لوجوده.. فانتفضت بشدة لتقف وتواجهه والفرشاة ما زالت بين أسنانها.. وسألته بعنف:

ـ أنت مين؟.. وبتعمل إيه هنا؟؟!!

نظر إلى مظهرها الصبياني وقال بلهجة متفكهة:

ـ أنا اللي مفروض أسأل السؤال ده.. أنتِ مين وبتعملي إيه هنا؟..

رفعت حاجباً متعجرفاً ومرسوماً بدقة وهي تسأله بسخرية متبادلة:

ـ ليه بقى؟.. سيادتك تبقى مين؟..

أغضبته سخريتها فصاح بغضب:

ـ إحنا هنزر!!.. ردي على السؤال..

رفعت القبعة من فوق رأسها فتناثرت خصلات بلون سنابل القمح, كلا.. بل أغمق قليلاً, خطفت نظراته على الفور فضيق عينيه وهو يتأملها بتقدير مختلف.. فلم تعد ذات هيئة صبيانية متشردة بعد الآن..

لم تخفِ نظراته عنها فابتسمت له بتحد مستفز.. لكنه فوت فرصة الشجار عليها عندما أخبرها بلهجة أقل غضباً:

ـ أنا المهندس عامر.. المهندس اللي صمم المجمع السكني ده..

كان يظن أنه سيبهرها بتلك الجملة إلا أنه فوجئ بهزة لامبالاة من كتفيها.. وهي تخبره بمنتهى الإستفزاز:

ـ تصميم سخيف جداً… على فكرة.. أنا مش فاهمة أنت فخور قوي كده ليه..

كانت تلك الجملة بمثابة شرارة البدء لعلاقة عاصفة استمرت عدة أشهر.. لم يهتما خلالها بفارق العمر فقد كانت فريدة فقط في التاسعة عشر.. بينما هو في بدايات أربعينياته…

كان أحياناً يُخضع جنونها لحبه, فيزدادا اقتراباً.. وأحياناً أخرى تتمرد عليه وتهرب منه ومن عواطفه التي تحكمت به بطريقة لم يظنها ممكنة, فقد كان يظن أنه سيعيش مع ذكرى حبه لزوجته الراحلة ما تبقى له من عمر ليفاجئ بقلبه يدق بقوة عاشقاً لفريدة وجنونها..

شعر وقتها أن لحظة لقاءه بها كانت فاصلة في حياته.. وأن ما عاشه سابقاً كان مجرد لحظات تمهيدية لعشقه لتلك المتمردة فضية العينين..

تزوجها أخيراً بعد معاناة لإقناعها بأنه لن يُحجم من طموحها الفني.. وعاشا معاً عدة شهور في سعادة مطلقة.. تخلت فيها فريدة طواعية عن عملها واكتفت بدراستها في كلية الفنون فقط.. وتناست طموحاتها الفنية من أجل عيون عامر ورغبة منها للتفرغ له, ابتعدا عن الناس والواقع في عالم يضمهما فقط.. حتى كانت العودة المتوقعة للحياة الطبيعية والتي كانت بالطبع تضم ابنته نيرة..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *