الفصل الثاني والعشرين لولا الغرام بقلمي روز أمين
وحتى الجدة “وفاء”، التي كانت تظنها الملاذ الآمن، انضمت إلى جبهة الحصار، ألقت بثقل سنوات خبرتها وطالبتها بفرصة لأشرف، مرددة بنبرة لا تقبل الجدال أنه “فرصة هائلة لا يجوز تفويتها”
عند نهاية كل ليلة، كانت تدير ظهرها للعالم، وتدس وجهها في وسادتها لتجهش ببكاء مرير، مستسلمة لدموع الألم التي باتت طقسها اليومي قبل النوم.
كانت تشعر بنفاذ الأكسجين من حولها، كأنها تقف في مركز دائرة، تحيط بها أبواق عائلية مفتوحة على آخرها، تطلق أصواتًا حادة تطن في رأسها بلا انقطاع.
اجتاحتها رغبة عارمة في أن ترفع صوتها وتصرخ بملء حنجرتها، أن تضرب بيديها على هذا الجدار الخانق وتهتف في وجوههم، بأن يكفوا وليصمتوا
لكن الكلمة كانت تموت في حلقها قبل أن تولد، فحياؤها الفطري، وتربيتها السليمة التي نشأت داخلها، كانت دائمًا أقوى من رغبتها في التمرد.
كانت الأغلال غير المرئية تمنعها من الصراخ، لتظل محبوسة في صمتها، تدفع ثمن رغبة الآخرين في صياغة مستقبلها.
_______♕________
استيقظت “بسمة” من نومها بنشاط، دلفت إلى الحمام، توضأت ثم دلفت إلى غرفتها لتؤدي ركعتي الضحى بسك..ينة وهدوء، انتقت ملابسها بعناية وارتدتها، وقبل أن تغادر، اتجهت صوب المطبخ بحلته الجديدة، حيث كانت والدتها تقف أمام الموقد الحديث، ككل أجهزة المنزل بعدما جددت كل شيء بمال “الجمعية”، كانت غارقة في إعداد طعام الغداء وسط تصاعد الأبخرة وروائح الطهي الذكية.
تسللت من خلفها بخفة، وضمتها بحنان ، ثم طبعت قبلة رقيقة على وجنتها وهتفت بمرح:
-صباح الفل يا سمسم.
التفتت إليها ورمقتها بنظرة حائرة، وقد عقدت حاجبيها بدهشة قبل ان تقول:
– صباح ايه يا أم صباح؟ ده الظهر قرب ياذن يا بنتي!
ثم تفحصت هيئتها بنظرات فاحصة من منبت شعرها حتى أخمص قدميها، وأردفت بتساؤل:
– وبعدين انت لابسه ومتشيكه كده ورايحه على فين ان شاءالله؟
اتجهت نحو المبرد بخطوات مراوغة، أخرجت بعضًا من عُلب الجبن ومعجون الفراولة، “المربى”، ثم وضعتها على الطاولة الخشبية، التقطت قطعة من الخبز، وبدأت تفرد عليه الجبن بهدوء مصطنع وهي تجيب:
– رايحه الجامعه يا ماما وراجعة على طول.