الفصل الثاني والعشرين لولا الغرام بقلمي روز أمين
كان يتطلع علبها بملامح جامدة، وعلامات التعجب ترتسم على وجهه من رد فعلها المبالغ فيه، ثم تحدث مستنكرًا:
-فيه ايه يا دليلة؟هي الحاجات دي فيها هزار،ثم أنا مش فاهم إيه اللي مخليكي مش مصدقة ومذهولة أوي كده؟!
انطلقت حروفها بنبرة حادة، بينما كان صوتها يتهادى متحشرجاً بالدموع الحبيسة:
-لأنه ما ينفعش يا بابا، أشرف ده عمري ما شفته غير أخويا الكبير، مش ده كلام حضرتك؟
ثم التفتت إليه بنظرة يملؤها اللوم والعتاب المرير، وتابعت متسائلة:
-مش حضرتك اللي دايما تقول لي إن أبيه علي وأشرف دول إخواتك وسندك يا دليلة؟
استنكر تفكيرها، وقطب حاجبيه قائلًا بحدة:
-بس أشرف مش أخوكِ، أشرف ابن عمتك، وراجل محترم وأنا اللي مربيه بإيدي، وواثق فيه وعارف إنه هيكون سند ليكِ بعدي إنتِ وأخوكِ.
انفجر بركان مشاعرها الهائلة التي عجزت عن كبتها، بينما تلألأت عيناها بشرارت غضبٍ عارم وهي تصيح معترضة بشدة:
-وأنا مش هتجوز حد علشان يكون لي سند يا بابا.
صمتت للحظة، ثم نظرت في عمق عينيه وتابعت بنبرة منكسرة:
-وأساسًا هحتاج سند ليه وأنت موجود؟
زفر ببطء، وحاول التحدث بهدوء ليمتص ثورتها العارمة:
-هو أنا يا بنتي هعيش لك العمر كله؟
هتفت بلهفة يتملكها خوفًا حقيقيًا من فكرة الفقد:
-ربنا يخليك لينا ويطول في عمرك يا بابا.
ثم عادت ملامحها مكفهرة وتصلبت من جديد، وهي تتابع حديثها بلهجة مستنكرة:
-بس أشرف أنا عمري ما فكرت فيه ولا شوفته غير إنه أخويا، وبعدين ده أكبر مني بعشر سنين، هو ازاي يفكر فيا كده أصلاً؟
حاول جاهدًا إقناعها بالمنطق والعقلانية، فقال بصوت هادئ:
-السن عمره ما كان مشكلة يا دليلة، وحوالينا ناس كتير فرق السن أكبر من كده بكتير، ومع ذلك عايشين مبسوطين ومتفاهمين.
قاطعته بصوت غاضب ومنفعل:
-أنا مليش دعوة بحد، أنا في نفسي، وأنا مش عاوزة اتجوز أشرف.
لم يستسلم ، بل زاد من ضغطه عليها متمسكًا بموقفه وهو يترجاها بكلماته المستعطفة:
-طب ادي لنفسك فرصة تفكري وتصلي استخارة، ما ينفعش تقولي رأيك في موضوع مصيري زي ده من غير تفكير سليم.
لم يكن يدرك أن إصراره وضغطه هذا يدفعان ابنته إلى حافة الهاوية، كانت مثقلة بالهموم،تشعر باختناق إثر صدمتها بفضل نتيجة الثانوية العامة وضياع حلم غزلته خيطاً بخيط طوال عمرها، لتأتي هذه الصدمة الجديدة كضربة قاضية تلتهم آخر ذرات طاقتها وصمودها.