زوجتي ولكن ديفنا عمر
أبت كرامة ناصر أن تقبل إعانة من والده فرفض بحزم:
_ رجع فلوسك في جيبك يابا.. أنا عارف البير وغطاه.. أختي نوال جوازها قرب وهي أولى مني.. أنا خلاص استقليت بحياتي وبقيت مسؤل لوحدي وكل حاجة هتيجي لما ربنا يريد.. كفاية بس ترضى عني!
نكزه أبيه بقسوة كاذبة: وانت عشان فتحت بيت هتكبر على ابوك ي واد انت وترد ايده؟
استنكر ناصر: معاش اللي يرد ايدك يابا بس……
قاطعه الأخر: مافيش بس.. في حاضر يابا.. مهما كبرت واتجوزت وخلفت مش هتكبر عليا.. لما اساعدك أوعى ترفض.. ربنا يديني العمر ويرزقني وما اخليش حد فيكم ناقصه حاجة وانا عايش.. وصحيح القرشين دول مش كتير، بس اهي نواية تسند الزير زي مابيقوله!
واستأنف حديثه وناصر يرمقه بتأثر وغصة دموع تخنق صوته: مراتك مالقيتش كرسي تقعدني عليه يا ابني.. كانت مكسوفة وهي بتجيبلي كرسي من أوضة نومها.. خد المبلغ ده وادفع مقدم أنتريه تقعد عليه ضيوفها وتستر بيتها.. لو انا مش غريب.. في جارة ولا صاحبة ممكن تدق بابها.. اسمع كلامي واعمل اللي قولته.. وزي ما وعدتك الجمعيات اللي معمولة على أسمك هتاخدها كلها.. وربك كريم وهيفضل ساترها.. وان كان على امك ماتقلقش مسيرها تهدى وترضى عنكم.. انت عارفها لسان ع الفاضي!
لم يجد ناصر أبلغ من عناق دافيء صامت.. كان خير رسول لمشاعره الممتنة تجاه والده الذي كان أسخى بعناقه وهو يربت على ظهره مغمغما: يلا قوم خلص شغلك بسرعة وارجع لمراتك وروحوا اشتروا الأنتريه وخليها تختاره وفرحها.. وماتحملش هم.. كل يومٍ هو في شأن.. وبكرة الحال يتغير للأحسن بأمر اللي خلقك!
سبحان من بدل حاله من كآبة وحزن قبل أن يأتيه والده.. وبعد أن غادره..وگأنه منحه طاقة غير محدودة من التفائل وأنعش قلبه الذابل وأقبل على الحياة.. وشعر بشوق شديد لزوجته تلك اللحظة وكم يتوق لرؤية فرحتها وهما يبتاعوا غرفة أنتريه لشقتهما.. لن يبخل عليها.. سيختار لها شيء غالي حتى وإن طالت أقساطه.. وبالفعل انجز سريعا عمله وذهب تسبقه اللهفة لبيته.. وجنة!
_____________________
تأخر الوقت وهو لم يأتي، فتراخت جفناها وأُسدلت لتسقط بغفوة على مقعدها دون إدراك لما حولها.. ولم. يمضي كثيرًا من الوقت إلا وأتى ناصر، ففوجيء بنومتها الغير مريحة وعنقها يتدلى بميل بسيط، ووجها شاحب..وعيناها تحوطها دائرة من هالات سوداء.. فاقترب منها محاولًا تعديل وضعها، فانتفضت للمسته وقالت بنعاس وجفنيها مازالا مطبقان : أنت جيت يا ناصر؟!
ابتسم وهو يتأملها: لأ، لسه مجيتش!
فردت بوعي غائب: طب اما تيجي صحيني احطلك عشا..!
ضحك بخفوت ثم تلاشت رويدا ابتسامته ليحتل وجهه نظرة غائمة حزينة وهو يطالعها بشفقة لا تخلو من شوق لها وهو يسترجع كيف مرت بينهما الشهور الماضية.. تقريبا لم يجالسها يومًا كامل، أو يخرج معها نزهة، أو يتثامر أو يُسمعها كلماتِ غزله الحانية كما كان يفعل.. حتى لقائهما گزوجين، صار له گروتين بارد، خالي من مشاعره الدافئة.. أهملها تمامًا..وتذكر كيف غفى أمامها وهي تقص له شكواها من وحدتها.. لكن رغمًا عنه غرق في سبات عميق، ولم يجد الفرصة ليسألها ماذا كانت تقول..أما هي، فلم تعيد عليه شكوتها مرة أخرى زاهدة في نيل اهتمامه، مكتفية بصمتٍ عاتب يسكن مقلتيها الذي ذهب صفائها، فعمله يبدأ من الصباح الباكر ويأتي ساعتين بمنتصف النهار يتناول غداءه معها ثم يمدد جسده ويغفو لينال بعضًا من الراحة .. ويذهب عُقبها لعملٍ أخر.. حتى ينتهي من التزاماته ومصاريف ولادتها.. ماذا يفعل وأصبح مسؤل عن عائلة ولديه أعباء كثيرة!