متاهة مشاعر الجزء الأول بقلم نهى كلبة
رن جرس الهاتف الخاص بحسن بنغمة تمنى لو يسمعها منذ أسبوع كامل.. فالتفت بلهفة- لم تفت على نيرة- ليلتقط الهاتف بسرعة.. وهو يتأمله بفرحة ويخبر نيرة بعجلة:
ـ آسف يا نيرة.. تليفون مهم.. لازم أرد عليه..
رفعت حاجباً واحداً وهي ترد باستفزاز وقد أدركت هوية المتصل:
ـ ما ترد.. هو أنا منعتك؟!!
ارتبك قليلاً:
ـ أصل.. ده عميل مهم.. والشغل اللي بينا سري..
لوت شفتيها بسخرية بالغة:
ـ عميل!!.. والعميل بتخصص له نغمة “حبيبي يا عاشق”!!..
ـ قصدك إيه يا نيرة؟
ـ قصدي معروف.. وقصدك أنت كمان.. بس أنا مش هسكت.. ومش هستسلم.. باي يا خطيبي يا حبيبي..
(6)
وقف عامر أمام نافذة مكتبه وهو يستعيد الحوار الذي دار بينه وبين صبا منذ عدة أيام..
ابتسم بحزن وهو يتذكر همسها بأن فريدة سألتها عنه..
فريدة.. هل ما زالت تتذكره؟.. هل تحن إليه كما يحترق شوقاً إليها؟..
هل من الممكن أن تسامحه في يوم من الأيام؟!!..
لقد هدم كل ما بينهما في لحظة حماقة.. وفشل في اختبار تمسكه بها.. استمعت أذناه لكلمات انطلقت من بين شفتيها وغفل قلبه عن صراخ روحها اليائس..
ابتسم ساخراً من نفسه.. كيف من الممكن أن تسامحه بينما هو غير قادر على مسامحة ذاته؟؟!!…
تحرك متوجهاً نحو أحد الأدراج ليخرج منه صورة حديثة لسيدة في منتصف الثلاثينات من عمرها.. كانت عينيها الفضية ترمق الفضاء بنظرات غامضة بينما أحاط شعرها الداكن الشقرة بوجهها وأراحت إحدى وجنتيها على يدها وهي تبتسم ابتسامة غامضة وحزينة.. وكأنها تدرك أن صغيرتها ستمنحه تلك الصورة لتكون زاده في سنين بعده عنها..
تلمست أنامله ابتسامتها الحزينة وهو يتذكر لقاءه الأول بها..
كان ذلك منذ أكثر من خمسة عشر عاماً.. وكانوا قد بدأوا بتنفيذ فكرة حاتم العبقرية بتولي أعمال الديكورات للمجمعات السكنية التي تتولى شركتهما بنائها.. فتعاقدوا مع مكتب لأعمال الديكورات لتلك المهمة وهو المكتب الذي كانت تعمل به فريدة..
كان هو مايزال يتخبط جراء فقده لزوجته وحبيبة عمره ورفيقة دربه منذ شهور قليلة فقط.. كان تقريباً يعيش على هامش الحياة معتزلاً الجميع وذاهلاً عن كل ما حوله.. فحاول حاتم معه بقوة ليخرج من تلك الحالة فقد مرت شهور وهو لا يزال يعيش في صومعة أحزانه.. فما كان من حاتم صاحب التفكير العملي إلا أن أجبره على تولي تصميم المجمع السكني الجديد الذي تعاقدوا على انشائه مؤخراً, وكذلك الإشراف على أعمال مكتب الديكورات حتى يتم تسليم الوحدات جاهزة تماماً..