حب تحت القيود الحزء

في ليلة من ليالي الشتاء الباردة، استفاقت فرحة على صوت أنفاس أمها المتقطعة. أسرعت إلى غرفتها، فوجدت الحاجة سعدية تتنفس بصعوبة بالغة، ووجهها شاحب بشكل مرعب.

اتصلت بسيارة إسعاف بيد مرتجفة، وحاولت أن تهدئ من روع نفسها بينما كانت تراقب أمها بعينين مليئتين بالدموع المكتومة. وصلت السيارة، ونُقلت الحاجة سعدية للمستشفى المحلي على عجل، وفرحة تصلي بصمت طوال الطريق أن تمنحها السماء مزيدًا من الوقت مع والدتها.

لكن الوقت لم يمهلها كثيرًا. بعد ساعات من المراقبة والمحاولات الطبية اليائسة، خرج الطبيب من غرفة العناية المركزة بوجه يحمل الخبر الذي كانت فرحة تخشاه أكثر من أي شيء آخر في حياتها:

“أنا آسف ، البقاء لله.”

انهارت فرحة في تلك اللحظة، وسط ممر المستشفى الفارغ، وحيدة تمامًا، بلا أخ يقف بجانبها، وبلا أب منذ سنوات طويلة، وبلا أحد سوى صمت المكان الثقيل وصدى بكائها المكتوم.

انتشر خبر وفاة الحاجة سعدية بسرعة في البلدة الصغيرة، وبدأ الجيران والأقارب البعيدون يأتون لتقديم واجب العزاء.
كانت فرحة تجلس منكسرة تمامًا، تستقبل عبارات التعزية بصمت وعينين فارغتين من أي أمل.

وصل مهاب في وقت متأخر من العزاء، محترمًا حرمة المكان والموقف، ووقف بعيدًا قليلاً بين الحضور، لا يريد أن يفرض حضوره في وقت حساس كهذا. لكن بعض النساء الحاضرات لاحظن قدومه، وبدأت الهمسات تتصاعد من جديد، هذه المرة بصوت أعلى قليلاً وسط جو العزاء المشحون:

“شايفة؟ جه حتى في العزا. ده مش طبيعي إن ضابط يهتم بالدرجادي ببنت مش له فيها قرابة.”

“الله أعلم بقى، بس الكلام اللي بيتقال كتير، ومفيش دخان من غير نار يقولوا.”

سمعت إحدى الجارات هذا الهمس، واقتربت من فرحة بعد انتهاء جزء من العزاء، وقالت لها بصراحة مؤلمة، ظنًا منها أنها تسدي لها نصيحة:

“يا فرحة، إنتِ دلوقتي وحيدة تمامًا، لا أب ولا أم، وأخوكِ في مصحة. الكلام على سمعتك بدأ يكبر بسبب الضابط ده. لازم تفكري كويس في وضعك، قبل ما الكلام يوصل لحتة مش هتقدري تصلحيها.”

شعرت فرحة بثقل إضافي يُضاف إلى حزنها العميق – ليس فقط فقدان والدتها، بل أيضًا خوف حقيقي من مستقبل مجهول تواجهه تمامًا وحدها، وسط مجتمع لا يرحم من لا “ظهر” يحميها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *