حب تحت القيود الحزء
جلس مهاب بجانب السرير، وأمسك بيد والده، وشعر بثقل السنوات الأخيرة يجثم على صدره. فتح والده عينيه بصعوبة، ونظر إلى ابنه، وحاول أن يتكلم بصوت ضعيف متقطع:
“مهاب… جيت.”
“أنا هنا يا بابا. متتكلمش، ريّح.”
حاول والده أن يبتسم ابتسامة واهنة: “كنت عايز… أقولك حاجات كتير… مقدرتش أقولها قبل كده.”
شعر مهاب بغصة في حلقه، وقال بصوت متهدج: “إنت هتقولها لما تحسن يا بابا، مش دلوقتي.”
لكن والده، وكأنه يشعر أن الوقت لا يسعفه، ضغط على يد ابنه بما تبقى من قوته: “الشركة… محتاجة حد يمسكها… إنت وريثي دلوقتي يا بني… سامحني على كل حاجة… ولو قبلت فرحة قولها تسامحني…”
قبل أن يكمل جملته، بدأت أجهزة المراقبة تصدر صوتًا حادًا، وهرع الأطباء والممرضون نحو الغرفة، وأُخرج مهاب بسرعة وسط فوضى المحاولات اليائسة لإنقاذ حياة والده.
بعد دقائق طويلة وثقيلة، خرج الطبيب بوجه يحمل الخبر الذي كان مهاب يخشاه: “أنا آسف، إحنا حاولنا كل اللي في إيدنا.”
في الأيام التي تلت وفاة والده، وجد مهاب نفسه محاصرًا بواقع جديد لم يكن مستعدًا له. الشركة، بكل تعقيداتها المالية والإدارية، كانت بحاجة إلى قيادة فورية، والموظفون والشركاء ينتظرون قرارًا حاسمًا بشأن مستقبلها.
جلس مع أمه، السيدة نادية، التي كانت لا تزال غارقة في حزنها، وقالت له بصوت متعب: “مهاب، إنت الوحيد اللي فاضل. الشركة دي عمر أبوك كله، مش هينفع تسيبها تنهار.”
نظر مهاب حوله، إلى إرث عمره ثلاثون عامًا من الكفاح، وشعر بثقل المسؤولية يستقر على كتفيه بلا رحمة. عرف في تلك اللحظة أن حياته على وشك أن تتغير جذريًا مرة أخرى.
بعد أسابيع من التفكير والتردد، قدم مهاب طلب استقالته من الشرطة، بقلب مثقل بمشاعر متضاربة – حزن على ترك مهنة أحبها، لكن أيضًا إحساس بأنه يفي أخيرًا بوعد قديم كان قد رفضه بشدة يومًا ما.
قال لنفسه وهو يوقع على أوراق الاستقالة:
” المرادي الواجب العائلي بقى عايز كده وقت عنادي مع بابا راح خلاص.”
بعد مرور ثلاث سنوات
مرت ثلاث سنوات كاملة. تحول مهاب خلالها من ضابط شرطة إلى رجل أعمال ناجح، أثبت جدارته في إدارة شركة والده وتوسيعها أكثر، لكن ثمن هذا النجاح كان قلبًا أكثر برودة وصلابة مما كان عليه من قبل. لم يتزوج مرة أخرى، ولم يسمح لأي علاقة أن تقترب من المساحة التي تركتها فرحة فارغة، رغم أنه كان يرفض بشدة الاعتراف لنفسه أن هذا الفراغ لا يزال موجودًا.