قلب خارج القسمة أمل نصر

ـ ينصر دينك يا حج رضوان!

صاح بها سليم بفرحة عارمة بعدما فهم المغزى الذي يرمي إليه أبوه، بينما التفتت عيونه نحو والدته الحاجة صفية، التي مصمصت شفتيها وشاحت بوجهها عنهما، معبرة بوضوح عن عدم رضاها عن هذا الأمر.

………………………..

 

ـ طب انا غلطت في ايه يا ستي؟ قوليلي ع الاقل اخفف عن نفسي احساس القهرة اللي حاسة بيها، دا انا كنت بساعد وطالع عيني في توضيب البيت عندهم ، لا حد قالي ولا بلغني أن جاي عندهم ضيوف الا في اخر لحظة، حتى لما قابلت الضيف الغريب مكنتش اعرف انه عريس لهدى، والله ما كنت اعرف ولا اقصد ابان قدامه، دا انا حتى كنت مبهدلة وشكلي زفت والله

 

قالتها سلوى وهي مرتمية في حضن جدتها، والدموع المكتومة منذ الأمس تجد أخيراً مخرجاً آمناً، بينما كانت يد الجدة المرتجفة، والمشققة بفعل السنين، تمر بحنان فوق ظهرها الواهن الباكي.

داخل ذلك البيت المحكوم بقانون الإيجار القديم، حيث الأثاث المتهالك والحيطان التي غزتها التشققات ورطوبة الزمن، كانت سلوى تجد واحة راحتها الحقيقية. هذا المكان، رغم ضيق الحال وقلة الحيلة، يضم الشخصين الوحيدين اللذين ينبض قلباهما بحبٍ خالص لها دون شروط أو مصلحة؛ جدها القابع على مقعده الخشبي يتابعها بعينين غائمتين دمعهما عزيز، وجدتها الطيبة.

هما السند الحقيقي والوتد الذي يمسك خيمتها بعد فراق والدتها التي أُجبرت على الزواج في بلاد بعيدة عقب طلاقها، لتترك طفلتها في حماية هذين العجوزين، بينما الأب عباس موجود في الدنيا كأنه غير موجود.

تخدمهما سلوى برموش عينيها طائعة راضية، وهما من جانبهما يغدقان عليها بحنانٍ يعوض جفاف السنين، أو يهوّنان عليها كسر الخاطر كما يفعلان الآن، وهي تجلس جوار ستها تبثها شكوى ما عانته بالأمس من ذلّ على يد أختها، وعودتها مبكرة من بيت والدها كأنها حملٌ ثقيل انزاح عن كاهلهم، لتقبل على ملاذها الدافئ مستجيرة.

 

ظلت الجدة “عايدة” ملتزمة بالصمت، بقلب مجروح يقطر دماً على ابنة بنتها، وعلى الغلب والشقاء اللذين كُتبا على هذه المسكينة منذ ساعة ولادتها في الدنيا.

أما الجد، فقد كان رجلاً حقانياً، صاحب مبدأ، ولا يمكنه الصمت أمام هذا الضيم والكسرة التي رأاها في عيني حفيدته، فتنحنح بقوة ليطرد وهن السنين من حنجرته، وقال بنبرة حاسمة يملؤها الشموخ رغم قلة الحيلة:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *