قلب خارج القسمة أمل نصر
وأمام هذا التجاهل المتعمد والصد الجاف، شعرت سلوى باليأس؛ فانسحبت بهدوء وجلست على طرف الفراش، ممسكةً بهاتفها المحمول القديم لتقلب في رسائله القديمة علّها تشغل عقلها عن التفكير ومشاعر القهر التي تحاصرها.
لكن الاستراحة لم تدم لدقائق؛ إذ انفتح الباب فجأة ودلفت زوجة أبيها بملامحها المتلونة، واقتربت من سلوى قائلة بنبرة تمثيلية تفيض بالمسكنة والرجاء:
ـ معلش يا سلوى يا حبيبتي.. عارفة إنك تعبتي، الشقة لازم تبقا فلة قبل ما الناس يوصلوا. اطلعي يا بنتي انشري السجادة الكبيرة دي ع السطح عشان تتهوى، وبالمرة وأنتِ فوق أملي الطواجن وأكّلي الطيور عشان منسية من الصبح.
اضطرت سلوى للرضوخ كالعادة، وحملت جسدها المنهك وصعدت درجات السلم نحو السطح. بذلت كل ما تبقى من طاقتها لتنشر تلك السجادة الثقيلة التي كادت تقصم ظهرها، ثم اتجهت نحو الطيور، تملأ الأواني بالماء وتضع لها الطعام وسط الغبار المتطاير الذي تغلغل في ثيابها وشعرها.
ما إن انتهت من مهمتها الشاقة وبدأت بالهبوط، حتى تجمدت الدماء في عروقها؛ لقد وصل الضيوف!
كانوا يدلفون من باب البيت، بينما والدها وزوجته يستقبلونهم بحفاوة بالغة وتراحيب حارة عند المدخل. لزقت سلوى في مكانها فوق درجات السلم، وعجزت عن تحريك قدمها خطوة واحدة إضافية للأسفل. كيف تنزل وتظهر أمامهم الآن؟ كيف تواجه الأغراب بجلبابها المبلل بماء الطيور، وشعرها الأشعث، ومظهرها المزري الذي يفوح تعباً وقهراً؟
غمرتها حسرة حارقة نهشت قلبها، وهي تقارن بين صورتها الحالية وصورة أختها هدى التي تقف في الداخل بكامل زينتها، وعطرها، ودلالها. شعرت بالدموع تغشي عينيها وتحجب عنها الرؤية، فقررت أن تدير ظهرها للموقف كله، وتصعد ثانية إلى السطح لتختبئ هناك حتى ينتهي الكابوس ويرحل هؤلاء الضيوف.
ولكن، وكأن الحظ يعاندها حتى النهاية، تعثرت قدمها بجردل الطعام الفاضي الذي كانت تحمله. اهتز الجردل البلاستيكي الثقيل من يدها، وافلت ليتهاوى من فوق درابزين السلم، ويسقط بقوة مرتطماً بالأسفل، وتزامناً مع ارتطامه، دوت في المكان صيحة ألم حادة أطلقها شاب!
شهقت سلوى برعب، وضربت على خديها بكفيها معاً، وجرت نحو الدرابزين لتستكشف حجم المصيبة التي ارتكبتها. نظرت للأسفل، فالتقت عيناها بشاب وسيم ومهندم للغاية، كان يمسك بمقدمة رجله التي نزل عليها الجردل مباشرة وهو يتأوه.
زاد هذا المشهد من همها وقهرها، وبدافع من الصدمة والخوف، نسيت مظهرها المزري، وتقدمت نحوه بضع درجات تتأسف بعفويتها وتلقائيتها الريفية:
ـ أسفة يا أستاذ.. رجلك بتوجعك أوي؟ يا مصيبتك يا سلوى!