قلب خارج القسمة أمل نصر
ارتسمت معالم البشرى والفرحة على وجهي جدها وجدتها، وتهللت أساريرهما بعد هذا الانتصار لكرامتهما، أما هي فقد أطرقت رأسها أرضاً، وتوردت وجنتاها بخجلٍ تضاعف أكثر حين تناهى إليها صوت سليم الجهوري وهو ينده عليها أمام الجميع بنبرة يملؤها الفخر:
ـ ها يا عروسة.. عايزين نعرف بقى رأيك أنتِ؟
كانت إجابتها ابتسامة عفوية نبعت من قلبها، دون أن تقوى على رفع عينيها من فرط الحياء، فتولى جدها الرد عنها على الفور، معلناً موافقة صريحة باركها الحاضرون بالتهليل. التقط سليم تلك الموافقة بذكاء، والتفت بكامل جسده يتوجه بها نحو والدها عباس، قائلاً بنبرة تحدٍّ مغلفة بالاحترام:
ـ أظن كدة مالكش حجة يا عم عباس! إحنا كل اللي عايزينه منك موافقتك، وإنك تحط إمضتك على ورق الجواز.. ولا دي كمان مش عايزها؟
سؤال سليم كان محرجاً ومباغتاً بشدة، وجعل عدداً من الوجهاء الكبار يتدخلون في الحوار فوراً، ويزيدون من حدة الضغط الاجتماعي على الرجل الذي وجد نفسه محاصراً أمام هيبتهم. وتحت وطأة هذا الحرج، اضطر عباس في نهاية المطاف إلى الموافقة على مضض، وهو يبلع ريقه بصعوبة، بينما كانت عيناه تلمحان من بعيد، عبر شق الباب الموارب، نظرات زوجته رضا التي تقطر غلاً، ويعلم يقيناً أنها سوف تسقيه المرار ” بمجرد أن يغادر الضيوف، أو ابنته هدى التي كانت تجهز نفسها لإشعال مناحة وصراخ بعدما ينفضّ هذا المجلس؛ المجلس الذي حشر عباس في الزاوية، وسحب منه الموافقة رغماً عنه أمام كبار البلد.
بعد أسبوع بالضبط، كانت زغاريد النساء تصدح في أرجاء البيت القديم، مهللةً بكتب كتاب سليم وسلوى؛ سلوى التي كانت الفرحة لا تسعها، وكأنها تولد في الدنيا من جديد.
سليم الذي لم يبخل عليها بشيء، أحضر لها شبكةً من الذهب أذهلت كل الفتيات من اصدقائها واقاربها من روعتها. أما والدها عباس، فقد حضر فقط ليضع إمضاءه على قسيمة الزواج، ومضى سريعاً كالغريب دون أن يبارك أو يلتفت خلفه. بالطبع، زوجته رضا لم تحضر وابنتها ايضا،
وكذلك والدة سلوى التي لم تتمكن من القدوم بسبب ظروف السفر والغربة، لكنها هاتفتها ووعدتها بأن تكون أول الحاضرين في الليلة الكبيرة، ليلة الزفاف.