قلب خارج القسمة أمل نصر

كانت الكلمات فاحشة، ثقيلة، وقاسية على إدراك سلوى. نزلت الحروف عليها كالأسواط، فرددت بصدمة مذهولة والدموع تتجمع في عينيها:

ـ أنا خدامة يا هدى؟! أنتِ ازاي تقوليلي كدة؟ حرام عليكي.. أنا أختك الكبيرة!

لوحت هدى ببرود وازدراء:

ـ تحرم عليكي عيشتك! دا أنا لسة هقول وأقول…

بترت هدى جملتها فجأة حين تناهى إلى مسامعها اقتراب الأصوات من ردهة البيت. جرت نحو الباب، وواربته بفتحة خفيفة لتسترق النظر، فاكتشفت أن الضيوف يستعدون للمغادرة والرحيل بالفعل.

أشعل هذا المشهد النار في صدرها؛ فالعريس يغادر دون أن يلتفت إليها، وكل هذا بسبب أختها القابعة أمامها. وتحت تأثير حركة مجنونة واندفاع أعمى، التفتت نحو سلوى، وجذبتها من يدها بعنف وقسوة دون سابق إنذار، ثم فتحت الباب على مصراعيه، وجرتها إلى الردهة أمام الجميع، وصاحت بصوت عالٍ وهي تبتسم ابتسامة صفراء تقطر لؤماً:

ـ إيه يا جماعة؟ أنتوا هتمشوا من قبل ما تشوفوا العروسة؟ دا أنا دخلت الأوضة مخصوص عشان أجيبهالكم بنفسي!

وبسبابتها كانت تشير نحو تلك المسكينة التي شعرت وكأنها جُرّت من الدار إلى النار؛ بهيئتها المزرية تلك، وعباءتها المتسخة، وشعرها الأشعث، وحتى وجهها لم تتمكن من غسله بعدما غلبها التعب والشقاء في خدمة البيت لتغفو وتنام، ثم تستيقظ وتُجرّ عنوة لتقف أمام امرأتين ترتديان عباءات فاخرة تتفحصانها بتقييم مهين، وهذا الشاب الذي قابلته بالصدفة أمام المنزل وقد احتدت ملامحه واشتد فكه من الغضب، يلقي بنظرة مشتعلة نحو شقيقتها هدى

 

اشتدت حدة نظرات سليم، وصوّب عينيه كالسهم المسموم نحو هدى. كان جوفه يموج بصراعٍ عاصف بين دافعين؛ أولهما يدفعه بقوة ليقذف في وجهها برداً قاسياً يكسر غطرستها ويعرّفها مقامها الصغير، وثانيهما صوت عاقل في عقله يرجوه التريث والتمهل حتى لا يقلب الطاولة ويفسد الأمر كله قبل أن يضمن حق تلك المسكينة.

وفي وسط هذا الصمت المشحون، خطفت “رضا” الانتباه بنبرة ممتلئة بالتمثيل، خرجت من بين شفتيها وكأنها توبخ ابنتها، لكنها كانت مبطنة بسمّ شديد الخبث:

ـ يوه! دي شكلها صحتها من النوم.. معلش يا سلوى يا بنتي، أختك بقى حبت تعرفك ع الضيوف قبل ما يمشوا، أصلها متعلقة بيكي أوي ومترضاش تداري عنك حاجة!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *