حب فوق الغصون الجزءالثاني سارة نيل

-الحلقة الحادية عشر- ’11’

رددت بدهشة:-
_نصابة!!!! أنا مش فاهمة إنتوا بتتكلموا على أيه، مش فاهمة حاجة؟!!!.

– بلاش تعملي نفسك بريئة .. إنتِ فاهمة كل حاجة كويس، التزوير إللي عملتيه في التصاميم وسرقة تصاميم الفريق بتاعك ونسبتها لكِ..

لم تكن ردة فعلها سوى إبتسامة عريضة وهي تسمع لتلك الألاعيب التي حيكت ضدها..

– تمام ماشي أنا مش هرد ومش هبرر بس عايزة أفهم تصاميم أيه إللي زورتها ونسبتها لنفسي ممكن أعرف النماذج دي وأصحابها بس وبعد كدا هسلم نفسي للشرطة مش هستنا لما حضرتك تجيبهم..

– بلاش مراوغة يا غصون .. تقصدي أيه..!

– أقصد إن صاحب التصميم مين وتقدري تسأليه عن تفاصيل التصميم الخفي وإللي ميقدرش يجاوب عنها ألا صاحبه..
كمان بقالي مدة طويلة بشتغل هنا وبدأت من الصفر والنهاردة بس ظهرت إن نصابة وحرامية!!
إنتوا مش ملاحظين إنها حاجة غريبة حبتين!!

قال أحمد بغضب علشان يشوش على المعلومات إللي بتقولها وإللي ممكن تقلب اللعبة كلها ولاحظ إن البعض بدأ يستمع لها:-
– ليه بتنكري وبتراوغي يا غصون أنا فعلًا مصدوم فيكِ بقالك فترة بتطاردني وبتحاولي توقعي بيني وبين صبا والنهارده أخدتي تصاميمها ونسبتيها لنفسك..
ومستخبية ورا ستار الدين والمشيخة بتاعتك دي..

كان عُدي واقف على أخره ومش قادر يستحمل كلمة زيادة بس انتبه لزيزي إللي تقدمت وقالت:-
– سمعة شركتنا مش مستحملة يا غصون وعلاقاتك العاطفية تقدري تمارسيها برا وتخدعي إللي إنتِ عايزاه..

ثم إلتفتت لِعُدي:-
– بشمهندس عُدي من النهاردة هنكمل من غير الآنسة غصون ونقدر نصفي كل شغلها .. ويلا الكل على شغله..

قالت غصون بقوة ودمها يغلي:-
– خليكم متأكدين إنكم ظلمتوني وادعيتوا عليا .. بس أنا واثقة إن الرد هيكون كبير أووي وكافي ليا..

نظرت لهؤلاء الثلاثي وقالت:-
– أحمد وصبا وأسيل .. ربنا عزيز منتقم وحرم الظلم على نفسه وحرمه بين عباده .. أنا مش هدافع عن نفسي لأن مش معايا أي دليل ضد كلامك بس ربنا مُطلع وهو يكفيني…

وعلا صوتها وهي تقول بقوة ويقين ينضح من صوتها:-
– يارب هما ظلموني وإنتَ شاهد ووكيل ومستمع ورقيب..
يارب خدلي حقي وإظهر الحقيقية..
حسبي الله ونعم الوكيل..

نظرت لها صبا بإحتقار بينما شعر أحمد وأسيل بالإنتصار وقد غفلوا عن قدرة العزيز الجبار..
جاء الجميع ليرحل لكن قال عُدي بصوت مرتفع قوي:-
– الساعة دلوقتي 3 ونص .. على الساعة 4 الكل يتجمع في نفس المكان ده .. وأنا هقولكم عقاب الآنسة غصون أيه ومصيرها معانا أيه .. وصدقوني هتبقى مسرحية ممتعة جدًا أتمنى محدش يمشي لأن هتستمتعوا جدًا…

ورحل حيث مكتبه…..

كانت غصون في حالة من الصدمة الشديدة لا تُصدق ما سمعت أهو الآخر أيضًا؟!…

أما صبا وأسيل فنظروا لبعضهم البعض وابتسموا بخبث..

– مش قولتلك مش هيبص في وشها تاني عيب عليكِ يا بنتي..

– تسلم دماغك يا بت يا صبا .. يلا بقاا إلحقي اتقربي منه ودُقي على الحديد وهو سخن..

– أصبري بس على إللي هعمله .. يلا روحي على المكتب وأنا هشوف شغلي معاه..

– يا جاااامد الله يسهلو ….

سارت صبا نحو مكتب عُدي وهي تمثل البكاء والمسكنة تحت نظرات غصون التي بالكاد تقف على أقدامها..
طرقت صبا الباب ثم دخلت دون أن تنتظر الرد…

– مستر عُدي .. ممكن أدخل.

– اتفضلي يا أستاذة خير في حاجة..

سارت حتى جلست على المقعد المقابل وهي تزيد في البكاء وتشهق بحدة .. شعر عُدي بالدهشة والحيرة..

– خير يا أستاذة في أيه!

انزعجت من حديثة الجاف لكن لن تستسلم:-
– أحمد كان اتقدملي وطلب إيدي من بابا .. وغصون كنت بعتبرها أختي…

وزادت في البكاء:-
– الناس إللي كنت بثق فيهم خدعوني.. أنا كنت عملت أيه علشان دا كله .. أنا مستحقش دا والله…
وبعد دا كله تدمر شغلي وتقول عليا كلام مش كويس لأحمد..
أنا كنت عملت في غصون أيه دا أنا بحبها حتى..
أنا مش هتنازل عن حقي يا مستر عُدي..

شعر بحيرة كبيرة لا يعلم ما يفعل، أفعى ناعمة ماكرة حاكت لعبة قذرة مثل أفكارها..
قبض يده وقد برزت عروقه وقال بغضب:-
– وعد شرف بعد أقل من نص ساعة يا آنسه كل الحقوق هترجع لأصحابها والكل هياخد حقه..

شعرت بالإنتصار والأمل فقالت وهي تنظر له عَله يرفع أنظاره بها لكن هيهات..

– ميرسي جدًا لحضرتك يا مستر عُدي، أنا بجد مش هنسى إللي بتعمله ده أبدًا..
عن إذنك..

– اتفضلي..

ثم همس:-
– صدقيني مش هتنسيه أبدًا….

بينما غصون فخرجت نحو الشرفة الزجاجية الخالية وجلس أرضًا ثم سمحت لنفسها بالبكاء ورفعت رأسها نحو السماء وقالت:-
– وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرُ لكم..
أنا واثقة فيك وعارفة إنك هتظهر الحق ومش هتسبني هو إنتَ أصلًا إمتى سبتني..
تعرف أنا عارفة إن دي كلها تكفير عن الذنوب وحسنات ليا من غير تعب، إنت عادل يا الله ومش بترضى بالظلم..
بس الحمد لله أكيد إنت بتعلمني درس وأنا راضية يا حبيبي ومش زعلانة يارب..
أنا أهم حاجة عندي إنت بس متزعلش مني وتكون راضي عني وبعد كدا كل حاجة في الدنيا تخفى في داهية..
ااه صحيح بشكرك يارب إن عطتني الإشارة على الموافقة ولا لا على حازم .. كنت متأكده إنك هترد عليا..
أنا مستحقش الحب واللطف دا كله يارب، إنتَ رحيم بيا يارب وأنا بحبك أووي والله .. متزعلش مني…
اللهم لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت ولك الحمد بعد الرضى..

أخرجت مصحفها بحماس وهي تمسح دموعها واحتضنته بحماس ثم قبلته وهي تقول:-
– تعرف أنا برتاح أووي لما بحضنك وببوسك أووووي…
إنتَ صاحبي ولما بقرأ كلام ربنا برتاح وبيبقى جوايا شغف وحماس أعمل أي حاجة..
كل حاجة هتبقى بخير .. الله لن يُضيعنا أبدًا..
طالما أنا مع ربنا أكيد ربنا معايا ومش هيسبني أبدًا صح..
يلا أما أقرأ شوية على ما البشمهندس عُدي يخترع حاجة جديدة يقولها بس طبعًا أنا قوية بالله…

وأكملت لنفسها:-
– إهدي يا غِصن كل حاجة هتبقى بخير يا بت..

✲✲✲✲✲✲✲✲

فتحت عيونها بتعب وإجهاد ونظرت حولها بتعجب…

هرولت والدتها نحوها تقول ببكاء:-
– مِسك يا بنتي إنتِ كويسة يا حبيبتي..

همست بتعب وهي تنظر لعُبيدة الذي يفحص بعض القيم بحرص:-
– بخير الحمد لله يا ماما..

اقترب العمّ سيد يقول بحزن:-
– وقعتي قلبنا يا مِسك .. كدا ينفع..

– حقك عليا يا بابا، أنا آسفة..

صمتت وهي تتذكر هذا الحلم الذي شعرت أنها عاشت بداخله أيام وليست بعض الدقائق فقط..
شردت وهي تتذكر تفاصيله فكان بمثابة إنذار لها لتستفيق من غفلتها..

قال عُبيدة بحاجبان معقودة:-
– أنا مش هسمح بالتراجع دا يتكرر تاني يا آنسه مِسك..
فوقي شوية من الأوهام وإطارات الحزن والكئابة إللي معيشه نفسك جواه ده..
بدل ما تقولي الحمد لله وتحسني الظن فيه يكون دا ردك .. السخط .. رامية ودنك لكلام ملوش أي معنى .. ربنا قادر على كل شيء والرزق بإيده مش بإيد الناس وإللي بين أيادي الرحمن مش بيتوزع بقوانين الناس..
إرضي بكل إللي ربنا يكتبه واعتبريه رسالة لكِ وأكيد هو أرحم بيكِ من أي حد…

كان يظن أنها ستوبخه وتلقي بسمومها بوجهه مثل كل مرة لكن اندهش فعلى العكس تمامًا غامت أعيونها بالدموع وأخفضت رأسها بخزي حقيقي…

– عندك حق يا دكتور .. الحمد لله على كل شيء..
هبدأ أتابع علاجي بإنتظام ومن غير تقصير بإذن الله..

كان عُبيدة في حالة صدمة فتلك النمرة الشرسة لا يصدر منها أي زمجرة تلك المرة..

همس بداخله:-
– مالها البت مستكة دي أيه إللي حصلها .. هو الإغماء أثر على دماغها ولا أيه!!!!

ابتسمت والدتها ووالدها وتنهدا براحة ثم رددت الخالة فادية:-
– ربنا يهديكِ يا مِسك يا بنت بطني…

نظر لها عُبيدة بحنان وردد سرًا:-
– يلا شدي حيلك يا مِسكِي علشان نتجوز بقاا وأكمل نص ديني…

✲✲✲✲✲✲✲✲

في تمام الرابعة 4 كان الجميع مجتمع وهم يستعدون لمشاهدة تلك المسرحية التي ستقام..
حضرت صبا وأسيل وأحمد وهم في حالة إنتشاء وينتظرون إهانة أخرى لغصون..

– أهي البومة وصلت أهي .. وهنا هيدق أخر مسمار في نعشك يا تيتا غصون..

– أهه شوفي شكلها عجوز إزاي وهدومها مهروله بجد شكلها مقرف جدًا…

– عاملة نفسها الخضرة الشريفة وهي من جوا أقذر خلق الله..

– خلاص هتغور في داهية تاخدها…

وقفت غصون في حالة من الثبات والثقة ورأس مرفوع وهي تتجنب همس الآخرين…

كانت زيزي تقف في ضجر ومدحت أيضًا..

قدم عُدي وهو يحمل في يده شيئًا ما وخلفه السكرتير الخاص بمكتبه..

وقف في المنتصف لينظر له الجميع بترقب..

قال مدحت:-
– أيه إللي إنتَ عايزنا فيه يا بشمهندس عُدي وأيه القرار إللي من وجهة نظرك غصون أحق به…

رفع عُدي أنظاره نحوها ثم قال بصوت أجش:-
– لازم تسمع إللي عندي وبعد كدا إنتَ حُر يا مدحت باشا..
آنسه غصون فعلًا مش هتستنى في الشركة دي دقيقة واحدة ولازم تمشي من هناااا…….!

«حُــب فــــوق الــغــــصــون»
بقلم سارة_نيل.

«حُــب فــــوق الــغــــصــون»
-الحلقة الثانية عشر- ’12’

ملئت الفرحة قلب العقربتان وأحمد عندما سمعوا هذا الحديث من عُدي..

– مش قولتلك خلاص دي نهاية البومة غصون..

– بصراحة مش مصدقة نفسي.

أمّا غصون فكانت ثابتة راسخة بفضل حُسن ظنها بخالقها وبقت تُشاهد فقط..

قال مدحت برضا:-
– دا المفروض إللي يحصل يا بشمهندس عُدي، الله ينور عليك.

سار عُدي بصمت حتى وقف أمام شاشة عرض رئيسية ثم قام بتغير البرنامج المُكرر ووضع شريحة صغيرة بجهازٍ ما..

– أيوا فعلًا كلامي صح بس تسمع كلامي للأخر يا مدحت باشا..

نظر الجميع بتعجب ينظرون لبعضهم البعض..

وقال عُدي:-
– الحقيقة إن شركتك العظيمة ومؤسستك المبجلة بيحصل جواها مكايد وخطط على أعلى مستوى .. في هنا خبراء في نصب الفخاخ..

أصابت الحيرة الجميع وبالأخص أحمد الذي تسائل بتوتر داخلي:-
– قصدك أيه يا بشمهندس ممكن توضح كلامك .. وأكيد النصاب الوحيد إللي هنا بتكون غصون…

– هنعرف يا أستاذ أحمد دلوقتي .. بس تعرف ربنا كبير أووي ومش بيطلع حاجة في دماغ الإنسان كدا والسلام..
صدق رب العزة حين قال “إن ربك لبِالِمرصاد”

استدار لمدحت وقال:-
– لما استدعتني لهنا وقولتلي إنك عايز تنهض بالشركة وتغير من أسلوب التصميم وإن عندك لغبطات كتيرة وأخطاء مش عارف لها حلّ …
لما أنا وصلت هنا أول حاجة عملتها إن مريت على أقسام التصميم والتنفيذ وبصراحة لقيت الدنيا سايبة جدًا ومفيش أي ربط .. وأول الأخطاء يا بشمهندس مدحت إن إزاي مكاتب المصممين المشتركة مش فيها كاميرات مراقبة ودا يعتبر أهم مكان في الشركة وأهميته لا تقل عن قسم الحسابات..
ودا أول غلط أنا صححته والحمد لله إن عملت كدا ودا إرشاد من رب العالمين مش شطارة مني ولا حاجة…

اصفرت وجوه كلًا من أحمد وأسيل وصفا وأدركوا أن هناك من كشف مكائدهم..

ابتسم عُدي برزانة وقال:-
وبدون ما أرجع لحد هنا استدعيت المسؤول وتم وضع كاميرات مراقبة خفية في جميع المكاتب..
المطلوب بقاا .. هينعرض دلوقتي قدامكم فيلم هندي من طراز خاص عايز حضراتكم تستمتعوا بالمشاهدة وهتعرفوا مين النصاب والكذاب هنا…

ضغط على أحد الأزرار فأضاءت الشاشة بمقطع فيديو داخل مكتب غصون وأسيل وصبا وأحمد..
انتظارهم لغصون حتى خرجت وترقبهم لها ثم فتحهم لهاتفها المحمول ومراسلة أحمد لصبا التي قامت بدور غصون من خلف الشاشة في إرسال رسائل بشعة قبيحة مثلهم…
ثم توالى بعد ذلك مقطع أخر وهم يدسون في مكتبها مع تصاميمها تصاميم أخرى مزورة وأخرى خاصة بصبا..
وجميع المكائد التي حاكوها ضدها…

خيم الصمت على المكان وهم يرون تلك الخطط الشيطانية..
أما الثلاثي الشياطين فوقفوا عاجزين عن النطق وكأنهم انفصلوا عن الواقع …خابت أمالهم وتهدمت خططتهم..

وقفت المدام زيزي خجلة من غصون وتنظر لكلًا من أحمد وصبا وأسيل بغضب شديد وعقلها لا يصدق ما كان يحدث بداخل مؤسستها وكأنها تشاهد فيلمٌ هندي حقًا..

بينما غصون ظلت على هدوءها وابتسمت برضا وهي ترى كيف نفض عنها تلك الأكاذيب بتسخيرٍ من الله..
تخجل من نفسها على الظنون التي اعتقدتها ضده..
حقًا هو شخصٌ مختلف..

تقدمت وقالت بهدوء:-
– مدام زيزي الصبح هتكون استقالتي على مكتب حضرتك للأسف مش هقدر أكمل مع حضرتك ولا أبقى في المكان إللي إتهان في كرامتي، أنا صدمتي فيكم أكبر من صدمتي في صبا وإللي معاها على الأقل كنت عارفة إن هما بيكرهوني..
كنت معتقدة إن إللي بينا مش مجرد شغل وبس لأن كنت بتعامل معاكم بكل وِد وتقدير ومعتبرة الجميع أخواتي..
بس يبدو إن الناس مش بيهمها ألا مصلحتها فقط لا غير..

نظرت لهم ثلاثتهم وقالت:-
– مع كل الأذية إللي كنت بتسمعوها ليا كل يوم بس عمري ما كرهت حد فيكم .. عدل ربنا كبير أووي وبجد أنا شفقانه عليكم..

قال مدحت متأسفًا:-
– آنسة غصون أنا بعتذر جدًا .. حقك هتاخديه بس خلينا نصلح إللي حصل ونحل كل حاجة بينا من غير إستقالة ومندخلش الشغل في الموضوع..

– إشمعنا دلوقتي مندخلش الشغل في الموضوع يا أستاذ مدحت ومن شوية حضرتك كنت هتجيب الشرطة..
إنتَ في عمر والدي متعتذرش وأنا مش هرجع أبدًا عن قراري زي ما بشمهندس عُدي قال فعلًا أنا مليش مكان في الشركة دي ومش هبقا فيها يوم زيادة … وأنا مسامحة حضرتك..

ثم استدارت راحلة وهي تقول:-
– السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

– مدحت بلغ الشرطة علشان يجوا يشوفوا الفيلم إللي عندنا ده ويتفرجوا على المواهب..

اتصدم أحمد وصبا وأسيل وإللي كانوا ناوين يعملوه في غصون دار وحصل لهم هم…

التفت أحمد حوله بتوتر ثم وفجأة عندما شعر أن البساط ينسحب من تحت أقدامه..
هرول يجري نحو مخرج الشركة…

اتصدمت صبا وأسيل لما شافوه بيهرب وسابهم في موقف زي ده ..
ناد مدحت بصوت مرتفع على الأمن:-
– امسكوه … وقفوه بسرعة بيهرب..

أسرع رجال الأمن خلف أحمد الذي أخذ يركض بتيهة كبيرة شرع يعبر الطريق السريع ولم يلحظ تلك الشاحنة المسرعة..
حاول السائق الضغط على المكابح مسرعًا لكن كان قد فات الأوان واصتدم جسد أحمد بالشاحنة بقسوة شديدة..

المنظر مروع مهيب يجعل الأبدان تتخشب..
سكن كل شيء فجأة وتجمهر الناس بعدما سقط أحمد ج*ثة هامدة غارق في بحرٍ من الدماء…

✲✲✲✲✲✲✲✲

– السلام عليكم.

– وعليكم السلام، الحمد لله على سلامتك يا غصون.

– الله يسلمك يا ماما.

اترمت على الأريكة بإرهاق فجلست والدتها بجانبها لتتسائل غصون بتعب:-
– المغرب باقي عليه قد أيه ويأذن؟

– خلاص مش باقي ألا ربع ساعة خلاص هانت..

– الحمد لله ربنا ييسر..

– أيه شكلك مهبط خالص.

– أيوا تعبت جدًا النهاردة وكان يوم مليان مشاكل بس الحمد لله عدا على خير..

– خير يا غصون! .. وأيه الموضوع إللي قولتلي عليه في الرسالة ده .. احكيلي يا بنتي أنا مش فاهمة حاجة خالص..

– هحكيلك على كل حاجة يا ماما بس أفطر الأول وهقولك على الموضوع كله.

– طب أنا هحضر الفطار على ما تغيري هدومك..

– تسلمي يا هدهد هتاخدي أجر إفطار صائم يا بختك يا عم..

– ربنا يتقبل يا حبيبتي..

– أمال فين بابا يا هدهد..

– نزل لصلاة المغرب وعلى فكرا هو عرف بموضوع حازم والرد إللي قالهولك .. حصل موضوع كدا واضطريت أقوله يا غِصن..

– خير يا ماما أيه إللي حصل؟!.

– قولتلك لما تفطري في كذا موضوع هنتكلم فيهم..

ثم ابتسمت لها وقالت بسعادة:-
– بس خير أووي يا غصون..

ابتسمت غصون ودخلت الغرفة وهي تردد أذكار المساء وقالت:-
– يارب يا أمي…

نظرت للسماء وابتسمت بأعين مليئة بالدموع ثم قالت:-
– الحمد لله يارب .. على الرغم من كل إللي حصل النهاردة بس كان قمة الخير .. أنا راضية يارب العالمين راضية جدًا أكيد دا كله خير وإنت دفعت شر عني..

تنفست بعمق وقالت بصدق نابع من قلبها:-
– تشاء يا الله وأرضى فأنت أحن وأرحم وأدرى..

– إنت سخرت المهندس عُدي النهاردة علشان يكشف كل الحقيقة وبينت ليا حاجات كتير أنا مكونتش واخدة بالي منها وأولها إن كنت ظلماه بتفكيري عنه..
سامحني على أخطائي وذلاتي يا الله..

بدلت ملابسها ثم أخرجت دفتر صغير لها وكتبت بخط عريض ..
” إذا كان المانع من عند الله فهو قمة العطاء.”

وفي منزل عُدي وبنفس الوقت بدل ملابسه واستعد للخروج لصلاة المغرب لكن قبل ذلك أخرج دفتر صغير وكتب بخط عريض..
” – وكيف حالك معها؟!
= ليس لي بها صلة, سوى أنني أُحدث الله عنها واطلبها منه في كل ليله, لا! بل في كل سجدة، فهي حقًا لا يليق بها إلا حلالًا.”

ووضع القلم على الدفتر ثم خرج لصلاة المغرب وهو يحمل تمرتان بجيبه…

********************

وضعت أكواب الشاي أمام والديها ثم جلست أمامهم بهدوء..

– خير يا غصون قوليلي يا بنتي أيه إللي حصل.!

– أنا سبت الشغل يا بابا..

تعجب في البداية لعِلمه أهمية العمل بالنسبة لها ومدى سعيها وتعبها للوصول لهذا الحد لكن لن تفعل غصون هذا من فراغ..

تسائل قائلًا:-
– أكيد في سبب يا غِصن إحكيلي يا بنتي ..

بدأت تسرد الأحداث من البداية وسخرية أصدقائها وتنمرهم وكيف كانت تتجاهلهم مرورًا بما فعله أحمد من مكائد وموقف حازم الحاد وأخيرًا اتهامهم إياها بالسرقة والنصب وكيف كشف عُدي الحقيقية للجميع..

صُدم كلًا من والدها ووالدتها مما كان يحدث مع إبنتهم وهي لم تُبدي أي ضجر أمامهم دون علمهم..

– دا كله كان بيحصل وإحنا منعرفش يا غصون..

– ملوش داعي أقلقكم يا ماما بمشاكل تافهة زي دي أنا مكونتش بركز معاهم بس إللي حصل في الأخر مكانش ينفع يتسكت عنه..

– لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ربنا على الظالم والمفتري يا بنتي ربك عادل ومش بيظلم أي حد يا بنتي وكل إللي حصل ده في خير لكِ واعرفي إن عوض ربنا كبير وبينسي كل الألام..

– ونعم بالله يا بابا..

– الحمد لله حازم شر وربنا بعده بما شاء وكيفما شاء..

– الحمد لله..

– اسمعي بقى إللي عندي .. وعايز رأيك..

– قول يا بابا..

– تعرفي مين كان هنا النهاردة؟!

– يا ترى مين؟!!!

– عُدي يا ست غصون..

رددت بصدمة وأعين متسعة:-
– بشمهندس عُدي… ليه وكان عايز أيه؟!!!!!!

– طلب إيدك يا غصون….

حُــب فــــوق الــغــــصــون»
-الــحلقة الثالثة عشر

– بصراحة يا غصون الشاب محترم جدًا وإللي لفت نظري إن صادق وسيمات الطيبة وحُسن الخُلق والأخلاق واضحة على ملامحه .. الشاب جه وقال أنا فلان الفلاني وكل كبيرة وصغيرة في حياته قالها بس طبعًا قولت أقولك الأول قبل ما حتى يقعد معاكِ ونسأل عنه.

غرقت في بحر من الحيرة والتيهة .. ماذا تفعل وماذا تقول؟!
ولِما تلك السعادة الخفية التي غمرتها!!!

تخضب وجهها لسببٍ مجهول وتوترت لتقول مسرعة:-
– إللي إنت شايفه يا بابا وأنا هصلي استخارة بردوة ولو في خير ربنا هيقدمه ولو شر ربنا يبعده عني يارب..

ثم تحركت قائمة وهي تقول:-
– أنا هدخل بقاا بعد إذنكم عندي تصميم مهم هشتغل عليه..

واسرعت للداخل فابتسمت والدتها ثم نظرت لوالدها وقالت:-
– مشي في الموضوع ده يا أبو غصون والله أنا قلبي مرتاح..

– بصراحة أنا حبيته وارتحتله بردوة يا أم غصون، هسأل عليه وإللي فيه الخير ربك يقدمه..

– ربنا يسعدك يا بنتي ويرزقك بكرمه يارب يا غصون إنتِ تستحقي كل خير..

دخلت لغرفتها بأعصاب مهتزة..

– أنا متلغبطة أووي ومحتارة وحاسة إن غرقانة وحاسة بحاجات كتير مختلفة … رتبني يارب أنا تايهة..
ااه مفيش حاجة هتريحني ألا الصلاة .. صلي ركعتين كدا يا غصون وتوكلي على الله وخلي عندك يقين بالله ربنا مش هيجيب لكِ ألا كل خير صدقيني..

فردت سجادة الصلاة وبدأت تصلي ركعتين قضاء حاجة حتى يرتب الله دواخلها المبعثرة..

– يارب ارشدني للطريق الصح ومتسبنيش يا الله أنا من غيرك والله ولا حاجة، متوكله عليك ومليش غيرك … أنا لا أملك في نفسي شيء يارب ومش معتمدة على نفسي في حاجة..
تعرف يارب أنا مواصفات فارس أحلامي أيه..
نفسي يكون بيخاف منك يارب .. أيوا بيخاف منك وبيخاف من غضبك لأن لو خاف منك عمره ما هيزعلني أبدًا وهيحافظ عليا .. نفسي يكون همه الأول هو إنتَ يارب ويراعيك..
يكون هين لين وطيب القلب حسُن الخُلق والأخلاق يكون سند ليا بعدك يارب يكون مثل رسول الله حينما احتمت السيدة عائشة خلف ظهره خوفًا من أبيها..
يقومني نصلي ركعتين قيام ليل ويبقى إمامي ونقرأ مع بعض قرآن لغاية الفجر ونشجع بعض على تسميع القرآن..

دمعت عيونها وأكملت بحماس:-
– تعرف يارب أنا هكون صريحة ومش هكذب عليك .. أنا فعلًا نفسي في الحب والرومانسيات وكل الحاجات إللي بيقولوا عليها دي بس تكون في الحلال يارب..
بيتنا يكون كله طاعة وراحة ومودة مش شرط تكون شقة قد أيه ولا عفشها بكام لا يكفيني بيت دافي صغير زي بيتنا كدا..
رفيق يكون مُعين ليا على طاعتك أخذ بيدي إلى الجنة يارب مش يهمني لا وظيفته ولا شكله لا لا .. بس نفسي يكون بلحية خفيفة كدا..
يشوف عيوبي مزايا ويتقبل عاديتي المفرطة .. من الأخر يشوفني جوهرة ويكون يستحق قلبي إللي هيكون هو أول وأخر ساكنيه..
أنا بفضلك حافظت على قلبي يارب من كل المغريات وجاهدت علشان أطلع من المعركة بقلب طاهر .. نفسي أخوض كل المشاعر دي بس في حلالك يا الله وبرضاك..
أنا طبيعي كبنت نفسي أجرب دا كله ومش هكذب وأقول لا بس منتظره إختيارك إنت..
تعرف يارب يا حبيبي أنا واثقة بكل إللي عندك وراضية بيه..
اللهم أختار لي ولا تُخيرني…

تنفست بعمق وقالت وهي ترتب أوراقها:-
– أنا كدا إرتحت وقولت كل إللي جوايا .. أما كلامي معاك يارب بيريحني راحة وبيخليني قوية أووي..
أكمل بقاا المجموعة دي علشان أقدم في المسابقة دي وإن شاء الله فرصة أعوض بيها الوظيفة إللي طفشت منها..

✲✲✲✲✲✲✲✲

استيقظت تنظر بأرجاء الغرفة فلم تجد والديها..
اعتدلت على الفراش وهي تتنهد بحزن..

– أنا عارفة إن تعبتهم معايا نفسيًا وجسديًا وفكريًا كمان، يارب فكها من عندك وأخف علشان أشتغل وأقدر أساعد بابا وأشيل الهم من عليه ..
أنا مش وحشة والله يارب بس أنا مش بعرف أعبر وممكن أقول كلام أنا مقصدوش يمكن دا بسبب الظروف إللي مريت بيها والتعب والضيقة..
التنمر إللي كنت بتعرضله بسبب مرضي كان بيخليني حادة في كلامي وأسخط على كل إللي أنا فيه..
متزعلش مني يارب أنا راضيه بكل شيء والله، أكيد دا كله خير واختبار ليا بس أنا للأسف رسبت في الإختبار ده..
أنا مكسوفة منك يارب من بعد التفكير إللي كنت بفكره والحزن إللي كنت حاطة نفسي فيه..
على الرغم من إن كلام الدكتور عُبيدة إللي قاله كان قاسي بس كان هو الحقيقة .. هو قدر يقول حقيقتي في كام كلمة ولما فكرت وراجعت الكلام تاني عرفت فعلًا إن حطيت نفسي في دايرة من دايرتي..
ولما شوفت الحالات إللي أسوأ من حالتي كل يوم في المستشفى منهم أطفال ومنهم ناس كبيرة في السن ومع ذلك كلهم راضين وبيبتسموا وإللي بيموت وإللي مستنين يموت علشان يرتاح من العذاب .. وأنا هنا عملت نفسي في دور الضحية وصدقت شوية كلام ملهمش أي أساس من الصحة وعيشت نفسي في وهم فعلًا..
الحمد لله يارب .. أنا اتعلمت الدرس واتعلمت الرضا بيكون إزاي..

تذكرت هذا الكابوس الذي عاشته والذي كان بمثابة إنذار شديد اللهجة لها..
كانت تغرق في وحل أسود يكاد أن يبتلعها وأفاعي سوداء تلتف على عنقها وكأنها تلك الكلمات السامة التي جعلتها طوق حول عنقها وتبرر بها سخطها على القدر..

وضعت يدها على مكان الجراحة محل قلبها ثم قالت وهي شاردة:-
– يا بختك يا دكتور عُبيدة .. إنسان متزن وواضح إنه سعيد في حياته .. دكتور وليه مركز وكفاية إنه قريب من ربنا وراضي بحياته واضح عليه النور والرضا الصراحة..
كمان مثقف وناجح في شغله ..
يلا اسكتي يا مِسك وكفاية نق على الراجل هتجيبي أجله..
ربنا يوفقه ويرزقني يارب..
بإذن الله هشد حيلي وربنا يشفيني وأبدأ من جديد هركز في أخر سنة دراسة وأجيب تقدير حلو وكمان هكمل مسيرتي ..
أنا كنت ناوية أتخرج وبس كدا بس خلاص هنجح وأحقق ذاتي وكياني وهحضر ماجستير ودكتوراه كمان..
شكرًا يارب هعتبر دي رسالة وهتعلم من أخطائي..

جلس على مكتبه بتهالك يُفكر بطُرق شتى..

– هقول أيه .. ولا أجيبها إزاي .. مش عارف أفاتح أهلها في الموضوع دا إزاي..

قام وظل يجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا وردد بتوتر:-
– بس يا عُبيدة دا مش وقته صح .. يعني مينفعش أفاتحهم في الموقف ده وكدا..

زفر وهو يشد شعره للخلف:-
– أووف والله ما بقيت عارف أعمل أيه .. أشوف الواد عُدي كدا خبرة وممكن يفيدني..
آآآه يا مِسك طفلة مشاغبة ومش عارف أعمل معاكِ أيه!!
دا حتى رصيدي معاها مش كتير خالص يعني يا عالم لو وافقت .. يا حظك البمبي يا عُبيدة هترفض بالثُلث..

✲✲✲✲✲✲✲✲

بصباح يومٍ جديد..

{واللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} فلا ينالُك عدوٌّ، ولا يصل إليك طاغيةٌ، ولا يغلبك حاسدٌ، ولا يعلو عليك حاقدٌ، ولا يجتاحك جبارٌ.

رددت غصون هذا قبل أن تدخل إلى غرفة المكتب…

– السلام عليكم.

وقفت المدام زيزي حينما رأت غصون تلج للغرفة وقالت بلطف:-
– وعليكم السلام .. اتفضلي يا غصون أهلًا بيكِ..

– أهلًا بيكِ يا مدام زيزي ..

وقفت غصون أمامها ثم وضعت على المكتب ورقة، وقالت:-
– استقالتي يا مدام زيزي .. كدا وصلنا لنهاية الطريق ومش هكمل معاكم الموسم الجديد أخر حاجة بينا كان التصميم الرئيسي..

توترت زيزي فهي تعلم مدى أهمية غصون لهم وما هي مهارة غصون بعملها، حاولت استعطافها وهمست:-
– خلينا نفتح صفحة جديدة يا غصون ونكمل مع بعض إحنا….

قاطعتها غصون بقوة:-
– الكلام ده بقاا مفروغ منه يا مدام زيزي .. كل شيء إنتهى ولو سمحتي متحرجنيش أكتر من كدا..

– بس يا غصون …

– مفيش بس يا أستاذة زيزي أنا مشواري معاكم لغاية هنا إنتهى عن إذنك هروح مكتبي أخد حاجتي…

وخرجت حيث مكتبها فلم تجد به سوى أروى التي هرولت نحوها فور أن رأتها..

– غصون إنتِ عاملة أيه وأخبارك.

– أنا بخير يا أروى الحمد لله إنتِ عاملة أيه وأخبارك.

– أنا بخير … بردوة هتمشي يا غصون..

– همشي يا أروى مقدرش أقعد هنا ولا دقيقة بس رقمك معايا وهتفضلي صديقة عزيزة عليا وهنتكلم عالطول وكمان هنتقابل..

– إنتِ من أنضف الناس إللي شوفتها في حياتي يا غصون ومصدقتش ولا كلمة من إللي سمعتها ولا شوفتها عنك..
ربنا يوفقك يارب وينصرك دايمًا.

احتضنتها غصون بتأثر وقالت:-
– وإنتِ من أطيب الناس والله يا أروى وبحبك في الله .. وربنا يسعدك دايمًا يارب في كل حياتك.

– ربنا أخدلك حقك يا غصون وحقيقي ربنا عقابه أشد .. أنا اتعلمت منك درس كبير أووي يا غصون أنا عيزاكي تعلمني كل إللي إنتِ عارفاه نفسي ابقى شبهك كدا..

انفجرت غصون في البكاء وزادت فصُدمت أروى حتى ظنت أنها قالت شيء خطأ..

– أنا قولت حاجة غلط يا غصون .. ليه بتبكي..

– علشان أنا مش حلوة وعلشان دا ستر ربنا إللي إنتِ شيفاه ده مش شطارة مني .. دا فضل الملك الواسع وعطاياه إللي ملهاش حدود …

نظرت لأعلى وقالت:-
– إنت بتجملني في عيون الناس رغم أخطائي .. نعمك مغرقاني يارب لو قعدت أحمدك عمري كله مش هوافي منها حاجة . الحمد لله على كل شيء..

– إنتِ إنسانة جميلة من جوا ومن برا يا غصون بجد يا بخت كل إللي إنتِ في حياتهم..

– خلاص بقاا يا روري هتكثفيني وهتخليني أنفش ريشي عليكِ..

– آآآه الدلع ليه ناسه يا ست غصون..

تسائلت أروى بحزن:-
– عرفتي إللي حصل لأحمد إمبارح؟

تغيرت ملامح غصون وقالت بإقتضاب:-
– لا..

– بعد ما إنتِ مشيتي إمبارح بشمهندس مدحت قال للأمن يبلغوا الشرطة وأول ما أحمد سمع كدا ولقى نفسه اتكشف طلع يجري برا الشركة والأمن طلع وراه يمسكوه بس وهو بيعدي الطريق عربية نقل كبيرة ضربته..

شهقت غصون واتصدمت ثم تسائلت بفزع:-
– طب هو ماات..

– حالته وحشه خالص واتنقل على المستشفى بس بيقولوا مفيش أمل في نجاته.

– لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. ربنا ينجيه يارب.

– والشرطة أخدت صبا وأسيل..

– يلا الله يسهل لعباده..

✲✲✲✲✲✲✲✲

– عُدي .. عُدي … عُـــــــدي..

نهض بفزع على نداء والدته .. ثم وثب من الفراش وأسرع للخارج..

– في أيه يا أمي.. مالك .. أيه إللي حصل..

– رزق ربنا واسع أووي يا عُدي .. ربنا كريم وعوضه ملوش زيّ..

تسائل بتعجب وهو يراها تحمل بعض الأوراق:-
– أنا مش فاهم حاجة يا أمي .. أيه إللي حصل؟!
قصدك أيه!!

مدت له الأوراق وقالت:-
– ورث أبوك الله يرحمه .. لقيت موظف جاي مع عمك نصر وبيقولوا أن أبوك الله يرحمه كان عامل كام مشروع قبل ما يموت مع بعض الشركاء وفضل المشروع في تزايد وكسب ما شاء الله وهما بلغوا عمك لأننا مكوناش هنا وهما كانوا بيدوروا على الورثة بس هو مقبلش يقولنا ولا يعرفهم طريقنا..

وقف عُدي مصدوم ولا يكاد يُصدق ما تقول واستفهم بتيهة:-
– عمي نصر؟! .. أيه فكروا بينا مش هو مقاطعنا!!!

– بيقول ضميرة صحي لما تعب ودور على مكانا لما عرف ان احنا رجعنا مصر وجاب الناس لغاية هنا..
شقيت ياامة يا حبيب أمك واتغربت واتعذبت لغاية ما وقفت على رجلك وكنا في أمس الحاجة لأي دعم بس الأبواب اتقفلت في وشنا وشوف بعد كام سنة حقك رجع .. وعوض عن سنين عمرك إللي اتبهدلت فيها ..
مترددتش وانت بتسحب نفسك من المشروع إللي كان بالنسبة لك حلم وسعيت علشانه كتير علشان تساعد راجل قليل الحيلة بنته كانت بين الحيا والموت واتكفلت بالعملية بنفس راضية .. والنهاردة ربنا يعوضك بأضعاف أضعاف الرزق ده..

ابتسم عُدي وقال بهدوء:-
– أنا معملتش حاجة يا أمي .. دا رزق الله وأنا مليش دخل فيه أنا مليش أي فضل على عمّ سيد وبنته دا فضل الله ياريت هم الدنيا كله فلوس يا أمي..
والله فلوس الدنيا ولا حاجة قصاد جبر خاطر إنسان أو فك ضيقة إنسان .. أنا أحسن من غيري مليون مرة يا أمي..
نعمة من الله إن لهاني بالشغل والتعب وضيق عليا في بداية حياتي علشان يجعل مني إنسان مش هقول صالح .. لا إنسان مقبول…
كان ممكن يحصل إللي أسوأ من كدا .. الكد والتعب دا فخر ليا وإنجاز لولاه مكونتش وصلت لهنا أبدًا..
رعاية ربنا كانت محوطانا يا أمي.. الكل قفل بابه في وشنا بس إللي أقوى وأكرم من الكل فتح لنا بابه أرحم الراحمين.

قبلت والدته جبينه ومسحت على رأسه قائلة:-
– بحمد ربنا إن رزقني بيك يا كبد أمك .. أنا فخورة بيك يا عُدي..

قبل يديها ورأسها:-
– أنا ولا حاجة من غيرك يا أمي .. إنتِ تاج راسي والسبب بعد ربنا سبحانة وتعالى في إللي وصلتله..
إنتِ لكِ حق في الفلوس دي وكمان هنروح زيارة لعمي نصر أطمن عليه وأصله وكمان ياخد حقه..

– ربنا يجبر بخاطرك يا عُدي .. كل إللي ليا ليك يا حبيبي..
بس قولي هتكلم والد غصون ولا أيه!

ابتسم بسعادة وقال:-
– ايوا هرن عليه أشوف الدنيا فيها أيه..

– مستعجل إنتَ أنا عارفة ..

– دا أنا طاير من الفرحة يا بيلا..

– ربنا يسعدك دايمًا يا عُدي …والله أنا فرحانة أكتر منك ومستعجلة أضعافك..

– هانت يا بيلا هانت .. أما أشوف عم عبد القادر هيقول أيه..

رفع هاتفه يتصل بوالد غصون فأتته الإجابة ليقول بتهذيب:-
– السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

– وعليكم السلام مين معايا ..

– أنا عُدي يا عم عبد القادر..

– أهلًا إزيك يا ابني عامل أيه..

– الحمد لله بخير يا عمي .. إن شاء الله أجي أشرب الشاي معاك إمتى؟

ضحك والد غصون وقال بمرح:-
– ليه الاستعجال ده يا عُدي بس..

– خير البر عاجله يا عمي ولا أيه..

– ماشي يا سيدي .. إن شاء الله تشرفنا يوم الجمعة على بعد صلاة العصر كدا..

– ربنا يباركلك يا عم عبد القادر .. دعواتك بقاا..

ضحك والد غصون وقال:-
– ربنا يسهلك يا عم دا إنت حالتك صعبة..

– جدًا يا عمي ومتأخرة خالص..

وانتهت المهاتفة على هذا النحو ليُحلق عُدي في السماء ويدعو الله أن يسهل له الأمور ويجعلها من نصيبه…

✲✲✲✲✲✲✲✲

داخل زنزانة مُظلمة ينبعث منها ضوء أصفر خفيف وبها عدد لا بأس به من السجينات منهم صبا وأسيل اللتان يجلسان وعلى وجههم غضب العالم أجمع..

قالت أسيل بغل وهي تنظر لصبا:-
– كله بسببك وبسبب كرهك للبومة دي إنتِ إللي ورطتيني معاكِ بسبب غرورك..

وثبت صبا واقفة وقالت بصوت مرتفع:-
– دي كلها أفكارك الغبية إنتِ هتعملي نفسك بريئة ولا أيه..
إنتِ نسيتي غيرتك منها ولا أيه وإنك عايزة تاخدي مكانها..
متحطيش فشلك عليا..

غضبت أسيل وهي تدرك أنها خسرت كل شيء حتى أهلها قد تخلو عنها:-
– إنتِ إللي فاشلة وإلزمي حدودك يا صبا علشان معملش وشك إللي بتتباهي بيه دا خريطة وأعلمك الأدب..

هبطت صبا بيدها على وجه أسيل وهجمت عليها:-
– تربي مين يا بت إنتي … لتكوني نسيتي نفسك دا إنتي كنت ماشية ورايا زي الخدم..

تشابكت معها أسيل وأخذت تجذب شعرها وتقطع بشرتها باظافرها بينما بقية السجينات تشاهد هذا الصراع بحماس..

أسقطت صبا أسيل وجلست فوقها وهي تبرحها ضربًا والأخرى تقاوم وتقاوم..
ظلت أسيل تقاوم حتى قلبت الوضعية وجذبت شعر صبا تقطعه ..
ضربتها صبا بأقدامها حتى إرتدت للخلف..

وقفت كلًا منهما أمام بعضهم .. حتى هجمت صبا على أسيل تخنقها وتقبض على عنقها ..
ظلت أسيل تتلوى تحاول إبعادها..

– علشان تحرمي تعلي صوتك وتمدي كمان إيدك عليا يا كلبة..

لمحت أسيل قدر الزيت الساخن الموضوع أعلى موقد صغير بجانبها.. ظلت تعافر وتحاول مد يدها وهي تشعر أن أنفاسها أوشكت على النفاذ وأنها ستسقط لا محالة..

نجحت بإمساكه ثم وبقوة ألقت محتواه على وجه صبا التي صرخت صرخة رجت الأرجاء وسقطت وجلدها يذوب ويفنى ما كانت تفتخر وتتباهى بهِ ….

«حُــب فــــوق الــغــــصــون»
*الـحـلـقـة الرابـعـة عـشـر* ’14’

سريعًا أتىٰ يوم الجمعة مليء بأحداثه المُثيرة، كان التوتر يُحيط بغصون من كل جانب بينما عُدي فكاد أن يُحلق فرحًا ويتسارع مع الوقت ليمرُ سريعًا..

غصون جميلة رقيقة كأسمها لا حاجة لها بأدوات الزينة ومساحيق التجميل يكفيها جمالها ونقاءها الداخلي الذي طُبع على ملامحها فعكست براءة وجمال فطري..

لكن من صور العناية بنفسها روتين تقوم به كل جمعة من كل أسبوع .. تفرك خليط من السكر والعسل على وجهها ويديها كمقشر طبيعي تليه ببعض الماسكات..

جلست تقرأ سورة الكهف بتأني وخشوع ثم بعد إنتهاءها تنهدت وهي تقول:-
– يارب أنا كل إعتمادي عليك خليك معايا زيّ كل مرة، أنا بطمن وأنا معاك يارب، دلني وأرشدني للطريق الصحيح ونور بصيرتي يا أرحم الراحمين ..
من صور البر بأبنائي في المستقبل إن أختار لهم أب وراعي صالح يارب، أرزقني بالصالح والقائد إللي يربي جيل نافع ينفع أمة حبيبك محمد ويعنّي على طاعتك ويكون خير داعم وسند ليا..

تنهدت ثم أكملت:-
– كدا أنا خلصت كل حاجة…

– غصون إنتِ يا بت .. شوفوا البت بتهرب إزاي!

ضحكت حين سمعت تذمر والدتها فخرجت وهي تقول:-
– خير يا هدهد زعلانة مني ليش..

– يلا يا أختي بلاش شغل الدلع ده على أوضة الصالون إفرشي السجاد وامسحي القزاز يا هانم يلا معدش في وقت..

– أنا مش عارفة إنتِ هالكة نفسك ليه والله، وليه التعب ده أدي أنا بكره الموضوع ده علشان شغل شيل وحط ده … ماله بيتنا زي القمر أهو مش محتاج نضافة..

– اللهم طولك يا روح .. بطلي لماضة يا ست غصون واعملي إللي قولت عليه.

انحنت على رأس والدتها تُقبلها ورددت:-
– عيوني لكِ يا هدهد .. حكم القوي على الضعيف بقاا.

– طيب يا ست الضعيفة خلصي وانقلي على المطبخ اعملي العصير..

قالت غصون من داخل الغرفة:-
– حاضر يا هدهد حاضر..

انقضى الوقت سريعًا ونفذت غصون ما كلفتها به والدتها ثم فور أذآن العصر توضأت وأدت فرضها بإطمئنان مُحاولة تهدأت التوتر الذي هاجمها..

– يارب لا تتركني يا الله.

أخرجت من خزانة ملابسها دريس أبيض اللون مُطرز يدويًا عليه من أسفله للركبة غصون زيتونية يخرج منها ورود صغيرة، وعلى صدر الرداء نقوش من ورود رقيقة تم حياكتها يدويًا أيضًا وعند الخصر حزام رقيق من لألىء من البلور..

ختمت طلتها بإرتداء حجاب طويل أبيض اللون أيضًا وأسفله حجاب سوري مماثل للونه، ثم وضعت حول معصمها إكسسوار بسيط متراص به زينة على هيئة أحجار صغيرة لامعة تحمل ذات اللون الأبيض المفضل لديها..

كانت طلتها تشع نقاءً وجمال فطري غير ملوث بمساحيق التجميل وإنما قلبٌ مليء بالإيمان والطاعة انعكس على ملامح وجهها..

بعد مرور وقتٍ قليل سمعت طرق الباب فعلمت أنه أتىٰ..
ظلت تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا بتوتر بالغ وقد احمرت وجنتيها..

– يارب يارب متوترة أووي .. وقلبي بيدق بسرعة ومش عارفة أعمل أيه، مش بقدر أتحمل المواقف دي صدقًا بتبقى صعبة عليا .. بس إن شاء الله هتمر بلطف ربنا..

وقف أمام المرآة تتنفس بهدوء وقالت تحث نفسها على الثبات:-
– إهدي يا غصون وخليكِ ثابتة كدا .. هتعدي إن شاء الله إنتِ أقوى من كل المواقف دي..
يااه نسيت كل حاجة كنت محضراها علشان الرؤية الشريعة يا خسارة على الساعات إللي قعدت أسمع فيها الدكتورة هالة ودكتور محمد الغليظ..
هدخل مش هعرف أنطق أنا عارفة أنا بكما ومش وليدة اللحظة لا .. لازم أكون محضرة كدا ..

سحبت دفتر من على مكتبها وفتحته وأعينها تمر على بضع صفحات كانت الصفات التي تدعو بها الله وتتمنها لزوجها المستقبلي..

– يارب أنا عارفة إن الطريق صعب وإن إللي أنا عيزاه صعب شوية في الزمن ده .. لا الزمن ملهوش ذنب .. الذنب كله علينا..
مش إنت بتقول يارب ومن أراد مرادي أردت ما يُريد ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد، أنا مش عايزة أتبع هوى نفسي يا الله أنا بس عايزة أرضيك ومش عايزة أعمل حاجة تغضبك يارب .. أنا عارفة إن البدايات بتبقى صعبة في كل حاجة .. أنا عايزة النهاية تكون مشرقة وإن كانت البداية مُحرقة ودا مش هيحصل ألا بعونك يارب..
أرشدني للطريق الصح ..
اللهم رفيق يأخذني إلى طاعتك، سند صالحًا يا الله إذا اعوجّت الخطوات أقامها.
أنا واثقة بإللي هيجي من عندك يارب، أنا عندي يقين إن خيرك قادم ولطفك شاملي..
اللهم اختر لي ولا تُخيرني، دبر أموري فأنا لا أُحسن التدبير.

سمعت طرقات على باب غرفتها فعلمت أنه حان الوقت..
دخل والدها وقال بإبتسامة حانية:-
– يلا يا غِصن تعالي يا حبيبتي.

وأمسك بيدها بحنان وحب أبوي لتظل تحمد الله على نعمة والدها، كم تشعر بالآمان وهو بجانبها .. اللهم إن هذا أبي عيني الثالثة ومأمني وضلعي الذي لا ينكسر فاحفظه ولا تدع سوءً يمسه..

تنفست بهدوء وهي تدخل الغرفة بجانب والدها لتقابلها عطره الذي ملء ذرات الهواء فيدق قلبها بقوة ثائرًا اخرسته بإستغفار خفي، وقالت بهدوء:-
– السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لم يستطيع أن يصوب أنظاره تجاهها، لمح هيئتها بطرفٍ خفي فكانت شرارات النقاء تتناثر من حولها..

تنحنح ورد السلام بنبرة خشنة:-
– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

جلست غصون بمقعد مقابل لكنه ينأى بعيدًا بأحد الزوايا، ابتسم والدها وقال:-
– بشمهندس عُدي يا غصون، ودي ست البنات كلهم وحبيبة أبوها غصون يا عُدي .. أسيبكم أنا بقى علشان تتعرفوا على بعض..

وخرج والدها تاركًا الباب مفتوحًا وساد الصمت الأرجاء..

كانت تفرك أصابعها بتوتر وقد جف حلقها كصحراء جرداء وتُردد سراً ببعض آيات القرآن والذِكر وهي خافضة رأسها لم تجرؤ على رفعها..

بينما ابتسم عُدي ورفع رأسه تجاهها قائلًا بهدوء:-
– إزيك يا آنسه غصون عاملة أيه وأخبارك..

ردت بصوت منخفض هادٍ:-
– أنا الحمد لله بخير الحمد لله..

للمرة الأولى ينظر لها مباشرةً فأخفض عينه وأبعدها وهو بالكاد يُسيطر على هدر قلبه السعيد ..

أجلى صوته وهو يحاول كسر هذا الحاجز وقال:-
– أكيد إنتِ تعرفي عني المعلومات العامة بس إللي تخص الشغل .. أعرفك بنفسي أكتر..
أنا عُدي الحصري عندي ٣١ سنة وبقالي ٥ سنين مسافر برا أنا ووالدتي لأن كنت بشتغل في شركة وحاليا استقرينا في مصر واشتغلت زي ما إنتِ عارفة في شركة بشمهندس مدحت..
والدي الله يرحمه متوفي ومليش ألا أمي الله يبارك في عمرها…

– الله يرحمه يارب .. وربنا يبارك في عمرها..

– اللهم آمين، دا تقريبًا كل حاجة عني بصورة عامة، موصفات الزوجة بالنسبة ليا وعلى رأس مواصفاتي الدين.. تكون ذات خُلق ودين وتكون زوجة صالحة نكمل بعض وناخد بإيدي بعض لكل خير..

أعجبت غصون بهذا جدًا فهو يُشاركها تلك النقطة..
لكن هناك سؤال يلوح في عقلها تُريد معرفة إجابته وتعلم أن المقام ليس مُناسب له ولن تستطيع حتى طرحه، لكن الفضول يُثير عقلها به ..
لماذا هي؟! .. لماذا يُريدها هي بالتحديد؟!!!

تسائل عُدي بصوتٍ رخيم:-
– أيه هي المواصفات إللي بتتمني تكون موجودة في زوجك المستقبلي .. يعني نفسك يكون إزاي .. اتفضلي إسألي أي سؤال ..
وابتسم ثم أكمل بمرح:-
– أنا جاهز لأي إختبار يا آنسة غصون..

نمت على شفتيها إبتسامة ندية وأردفت بينما عُدي فانتبه بكل حواسه لها:-
– في الأول وأهم حاجة يكون همه الأول رضا الله .. يكون بيخاف من ربنا سبحانه وتعالى وبيخاف من غضبه لأن لو خاف منه وكان ربنا الأول في حياته عمره أبدًا ما هيزعلني وهتكون حياتنا أكتر من سعيدة..
يكون أعلى وأفضل مني دينًا وخُلقًا وأخلاقًا وياخد بإيدي لفوق ويساعدني على طاعة الله عز وجل ونتسابق فيها أنا وهو.. نفسي يصحيني كدا نصلي ركعتين قيام ويكون هو إمامي ويقومني لصلاة الفجر ونقرأ القرآن سوا ويسألني عليه عالطول .. لما أغلط في حاجة أرجعله ويدلي برأيه ويرشدني للطريق الصح ويكون رأيه أثق فيه..
يكون حليم وطيب القلب لين وهيّن عليا ومهتم لكل شيء يخصني..
أكيد الحياة مش بتفضل على وتيرة واحدة وبيبقى في منغصات كتير .. بس حتى نفسي وقت الغضب يكون حليم وحتى لو غضب مني ميعديش يوم ألا وكل حاجة عدت معاه وانتهت .. يُعاملني بالحُسنىٰ، ويَدفع أذى الدُنيا عني بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..

لم تُدرك أنها كانت تتحدث بحماس شديد وقالت كل ما بجعبتها..
بينما عُدي فكان يستمع لها بقلبه قبل أذنه .. وكلما قالت جُملة ازدادت وتوسعت إبتسامته وأيقن أن الله قد رزقه رِزق واسع وأنها نعمة تستحق الحمد..

لم يستطع التعليق على هذا الجمال سوى بقوله..

– ربنا ينفع بيكِ يارب .. طب عندك أي استفسارات أو أي أسئلة..

شعرت بالحرج قليلًا وقالت وهي تعلم أن الآتي لا ينال إعجاب الكثير:-
– أتمنى وبطلب من ربنا إن فترة الخطوبة ألتزم فيها بضوابط الخطوبة قدر الإمكان، علشان حياتي بعد كدا يكون كلها بركة، يعني مش عايزة أغضب ربنا في أقل الحاجات .. الطريق صعب وعايز قوة وعزيمة واستعانة بالله..
لأن فترة خطوبة لا تُرضي الله يبقى حياة زوجية لا تُرضي الزوجين..

إزداد إعجابه وتضاعف تعجبه منها .. حقًا تلك الغصون نجحت في إثارة عجبه..

همس سرًا:-
– دا إنتِ بحر ملوش حدود يا غِصن القلب، تستاهلي كل خير والله إنتِ كتير عليا..

قال عُدي:-
– ربنا يزيدك ويثبتك كمان وكمان .. دا الشيء الطبيعي والمفروض بس للأسف المجتمع شوه الصورة الطبيعية للخطوبة وابتدعوا حاجات الله المستعان .. الدين بريء منها..

وأكمل سرًا:-
– لازم أحافظ عليكِ يا أغلى جوهرة علشان متحرمش منك في الحلال وأحميكِ من نفسي من نظرة أو كلمة علشان متعاقبش بيكِ أو فيكِ .. وإن شاء الله مش هفتح باب للشيطان وهستعين بالله ومتيقن إن هيعيني..

تسائلت غصون هذه المرة:-
– لو حبيت أكمل تعليم في مجالي أو اشتغل وأطور من شغلي وابني كياني دا بالنسبة لك في مشكلة..

– أبدًا ومليش أي حق أمنعك من التعليم أو تحقيق حلمك طالما بما يرضي الله بل هقدملك كل السُبل إللي تساعدك وتدعمك إن شاء الله.

ابتسمت غصون وحركت رأسها بإيجاب، فتسائل عُدي:-
– طب أيه هي هوياتك بتحبي تعملي أيه في وقت فراغك وحلمك أيه.؟

– طبعًا أنا شغوفة جدًا بالتصميم وتخصصت فيه ودخلت المجال عن حب واقتناع بحب أصمم جديد وابتكر كمان بحب أنفذ النماذج إللي بصممها بإيدي لأن بحب الخياطة كمان أوووي ..
كمان بحب القراءة أووي في مجالات متنوعة وبقرأ في أوقات فراغي..
نفسي أحقق حلمي وهو إن أوصل رسالة لكل مسلمة في العالم إن الحجاب والحشمة عمرهم ما يمنعهم يظهروا بمظهر راقي وجميل، وأتمنى أقدم نماذج مختلفة وأنفع بمجالي كل بنات المسلمين .. أتمنى إن ربنا يستعملني ولا يستبدل بيا.

للمرة التي لا حصر لها تدهشه ولا يعلم كيف تفكر غصون! ويقف عاجز بالرد عليها..
تشعر أنه شيء في وجهة نظر البعض بسيط لكن بالحقيقة هذا هدف عظيمٌ جدًا ينم عن عقل واعٍ وقلب مُحب لله بصدق…

أطرق برأسه وقال بفخر:-
– إنتِ تستاهلي كل خير وبدعي ربنا إن يحققلك كل إللي تتمنيه..

ابتسمت وتسائلت بعدما بحثت بعقلها عن النقاط التي تريد السؤال عليها:-
– طب أخبار صلاة الجماعة أيه معاك .. وصلاة الفجر؟

تنهد وقال بصدق:-
– الحمد لله بفضل الله وحده هُديتَ إليهما اطمئني.

– الحمد لله.

دخل والدها وهو يتنحنح فأخفضت رأسها ثم خرجت على الفور بعدما طلبت الأذن..

اعتدل عُدي وجلس والد غصون يتحدثون عن بعض الأمور بعض الوقت ..

– عن إذنك يا عم عبد القادر هستأذن أنا بقى.

– مستعجل ليه يا ابني ما أدينا قاعدين.

– مرة تانية إن شاء الله..

– خير إن شاء الله يا عُدي..

ابتسم عُدي وقال بلهفة:-
– أنا هستنى رأي الآنسة غصون وادعيلي بقى يا عمي.

ضحك والد غصون على لهفته وتعجله وقال:-
– الله يكون في عونك يا عُدي والله إنتَ صعبان عليا ربنا يقدم إللي في الخير يارب..

ابتسم عّدي في حرج وجذب خصلاته للخلف ثم استأذن للرحيل وهو يقول:-
– يارب .. عن إذنك يا عمي السلام عليكم.

– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

أغلق الباب من خلفه ووقف يقول:-
– بجد الولد صعبان عليا غصون بنتي هتبهدله أحلى بهدلة.

٠•✦||ــــــــــــــــــ بقلم/سارة نيل ــــــــــــــــــ||✦•٠

من بين الأجهزة الطبية والأدوية المختلفة والسكون الذي يعم أرجاء المشفى..
كان جسده مُمدد على الفراش يصارح الموت من غير وحول ولا قوة، يئن ألمًا وحسرةً وهو في عالم موازي..

من بين بين همساته الخافته وتمتماته الغير مفهومة استطاعت المُمرضة أن تفهم بعض الكلمات وتفك شفراتها وهي:-
– غصون … أنا عايز أشوف غصون .. جيبوها..

خرجت الممرضة وأخبرت أهله برغبته لينظر الجميع إلى بعضهم البعض بتعجب لكن بالنهاية قرروا تنفيذ رغبته..

وعلى أعتاب المشفى كان مجموعة من ضباط الشرطة يهرولون للداخل بصحبة “صبا” التي كانت تنازع واستقبلها الأطباء ليحاولوا إنقاذ ما يمكن إنقاذه…

بينما على بُعدٍ منهم بزنزانة منفردة كانت أسيل تلف بها بجنون وتصدم رأسها بالحائط تارة وتجذب رأسها تارة أخرى وتضحك بشكل مُخيف يُثير الذعر في النفوس..

أخذت تسير ذهابًا وإيابًا وهي تضرب الأرض بأقدامها وتضع يديها على رأسها..
اتسعت أعينها وهي تقول بجنون كمن مسه جان:-
– غصون … غصون … إنتِ لازم تموتي!

«حُــب فــــوق الــغــــصــون»
بقلم سارة_نيل.

…………….

«حُــب فــــوق الــغــــصــون»
*الـحـلـقـة الخامسة عـشـر* ’15’

نسمات الفجر الباردة ضربت وجهها برِقة لتخلق بداخلها الحماسة والشغف تجاة الحياة..
أغمضت أعينها وثمة إبتسامة راضية لاحت على فمها وهي تسحب قدر لابأس به من الهواء…

– مرحبًا أيها الصباح، لديَّ انتماءٌ نحوك وكأنك تشرق من أعماقي، .. صباح الخير..

رددت غصون وهي تقف بالشرفة بعدما أدت صلاة الفجر بنشاط، تحب رؤية نسمات الفجر وتتمتع ببركاته وتلفح نسماته الباردة وجهها..

جلست على مقعد مريح ثم فتحت مصحفها وهمست بشغف:-
– يلا من بدري كدا أقرأ سورة البقرة علشان أبدأ يومي بنشاط لأن اليوم مليان جدًا.

وبالفعل قرأت وانتهت من القراءة ثم جلبت لوحة كبيرة بيضاء وشرعت في عمل تصميمٍ ما بعد أن رددت أذكار الصباح لتشعر أن لديها طاقة تهزم جبال.

قاربت الساعة من الثامنة فخرجت من غرفتها وبدأت تُجهز الإفطار ورصته سريعًا على المائدة.

– يا صباح الخير، أيه سر النشاط ده يا ترى.

– بقى كدا يا هدهد يعني متفتكريش مني حاجة حلوة.

– لا من ناحية الفطار بالذات إنتِ ناسية أمينة إللي معظم الأيام بتاخدي فطارك من عندها والأيام إللي بتكسلي بتصومي يا عيون أمك.

– أمهات بتفضح ولادها استروا من في الأرض يستركم من في السماء يا هدهد .. عموماً يا ستي أنا معنديش شغل وقاعدة النهاردة للتصاميم وكدا فَمش مستعجله قولت أعملكم فطار ملوكي من بين إيديا الحلوة دي..

جلست والدتها على مقعد حول المائدة، وقالت بمرح:-
– طب ربنا يستر بقاا .. وبعدين يا مفترية ملوكي أيه محسساني إن كنت بتعملي عزومة .. دي جبنة وبيض بالبسطرمة وشوية طماطم وخيار ومعلقتين مربي جبتيهم من البرطمان .. يا خيبتك يا هدى في خلفك.

– شوفوا خيراً تعمل شراً تلقى .. وبعدين نسيتي تقولي البطاطس المقلية ولا هي مش من ضمن الفطار .. ظلماني كدهون عالطول يا هدهد.

– الصبر من عندك يارب..

– ليه المناكفة دي من الصبح يا قطة إنتِ وهي..

التفتت غصون لوالدها فابتسمت قائلة:-
– صباح الخير يا عبدو .. عاجبك مراتك كدا قايمة حامية عليا ومش عاجبها فطاري..

انحنى والدها على رأسها مُقبلًا إياه وقال بينما يجلس:-
– صباح الورد على أجمل غِصن في الوجود، أنا أكل من إيدك ولو عيش بملح يا ست البنات..

ابتسمت غصون بإتساع ونظرت لوالدتها بغيظة مُرددة:-
– ربنا يباركلي فيك يا عبدو دايمًا رافع من معنوياتي…

قالت هدى بتذمر:-
– بطلوا كلام وافطروا وانتوا ساكتين..

نظرت غصون لوالدها وقالت بمزح:-
– اللاه هدهد شكلها زعلت وبتغير يا حج عبدو..

ابتسم والد غصون ثم أمسك بيد هُدى بوِدْ وقبلها بتقدير وهتف:-
– دا أم غصون الخير والبركة ونوارة البيت ربنا يباركلنا فيها دي تاج على راسنا يا غصون..

اماءت غصون رأسها مبتسمة بسعادة فكم تعشق هذا الوِد والمودة القائمة بين والديها، وقفت وسارت بإتجاه والدتها ثم عانقتها من ظهرها وقبلت رأسها وقالت:-
– دي نور عيني وتاج على راسي ونعمة من ربنا عليا أمي حبيبة القلب وطمأنينة أيامي..
وإنت يا بابا سندي بعد ربنا سبحانة وتعالى بحبكم وربنا يباركلي فيكم ولا أرى فيكم مكروه أبدًا يا غوالي..

هي ابنتهم الوحيدة وفرحة أيامهم وعوضهم بعد صبرٍ طويل، جاءت بعد أيامٍ عُجاف لتكون مُختلفة عن الجميع بصفاء ونقاء قلبها، أضافت لأيامهم بهجة ولُطف مُخصص بها فقط..

حاوطها كُلا من أبيها وأمها بأحضانهم الحانية فإنها ترى النعيم بأم عينيها حينما يحاوطها دفء أحضانهم..

– تعرفوا حضنكم دا ميتقدرش بتمن، الحنية إللي بحسها منكم وإللي مغرقني بيها مهما كانت ظروف الأيام والواقع المحيط بينا كفيلة إنها تمسح على قلبي وتشحني طاقة ملهاش حدود.
تعرفوا لما اتجوز ويبقى عندي بنت هحضنها عالطول وهغرقها حنان كل يوم هاخدها في حضني وأمسح على شعرها، متعرفوش البنت بتبقى محتاجة قد أيه تحسّ بالحنان والحنية من أمها وأبوها بجد بتفرق أووي .. شعور إنك تلاقي حد حنين عليك دا ملهوش حدود ومش يتعوض بكنوز الدنيا كلها لأن الأمومة والأبوة مش أكل وشرب ولبس بس والله الإحتواء أهم وبعد كدا ربنا بيرزق .. وبردوه هحضن ولادي بردوة زي البنات..

مسحت والدتها على رأسها وقالت بحنان:-
– أمي الله يرحمها كانت معايا كدا وعلمتني كدا بردوة، ربنا يزيدك يا غصون تعرفي يا بنتي أهم حاجة في الإنسان عقله، العقل لما يتحكم فيكِ ويبقى هو القائد بتاعك بتقل أخطائك والتأني عمره ما هيخسرك حاجة هيخليكي تكسبي كتير..

– عندك حق يا ماما كلامك صح، بتعلم منك كتير ونصايحك دي نُصب عيوني..

ربت والدها على كتفها وقال:-
– فخور بيكِ يا غصون ربنا عوضني فيكِ عوض كبير أووي يا بنتي..

– أنا إللي محظوظة بيكم يا بابا، ربنا يديمها نعمة عليا..

كادت والدتها أن تسألها ما تشعر تجاة “عُدي”
لكن رنين هاتف غصون اللحوح جعلها تبتر كلامها..

عقدت غصون حاجبيها وهرعت نحو الهاتف فوجدتها ‘أروى’
أجابتها غصون:-
– السلام عليكم..

– وعليكم السلام، غصون كنت عايزة أقولك على موضوع كدا ضروري..

– خير يا أروى.. اتفضلي طبعًا.

قالت أروى بتردد:-
– أحمد يا غصون مش كنت قولتلك إنه في العناية وحالته صعبة..

شعرت غصون بالقلق وأعتقدت أنها ستخبرها بأنه قد فارق الحياة فتسائلت بوجل:-
– ماله يا أروى .. حصل حاجة.؟

– طالب يشوفك يا غصون.. بصعوبة قدروا يفهموا هو بيقول أيه .. وأهله حاولوا يوصلولك وجم هنا الشركة وطلبوا يقابلوكي لكن المهندس عُدي قالهم إنك سيبتي الشغل وهما قالوا إنهم لازم يوصلولك وحكوا الموضوع فقولت أقولك..

صمتت غصون وشردت بعيدًا فقالت أروى وقد شعرت بأنها سترفض فقالت تقنعها:-
– أنا عارفة إن من حقك تقولي….

قاطعتها غصون قائلة بحزم:-
– عنوان المستشفى أيه يا أروى!..

******************
٠•✦||ــــــــــــــــــ بقلم/سارة نيل ــــــــــــــــــ||✦•٠

بعد مرور ساعة كانت غصون تدخل المشفى مُسرعة لتقابل أروى في الإستقبال..

– هو فين يا أروى..

– فوق في العناية حالته صعبة أووي يا غصون ربنا يتولاه..

– طب يلا بينا..

صعدت غصون برفقة أروى حيث العناية المركزة لتقف مصدومة حينما رأت ‘عُدي’ أمامها، شعرت بالتوتر بعض الشيء، فلماذا هو هنا يا تُرى، من الممكن أنه أتى للعمّ سيد فالمشفى نفسها التي بها ‘مِسك’، لكن بصوت خفيض ألقت السلام:-
– السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هرول أهل أحمد تجاهها وقال والده بإمتنان:-
– شكرًا يا بنتي إنك جيتي .. حقك علينا يا بنتي كلك ذوق..

ثم ناد الرجل على المُمرضة بلهفة:-
– يا بنتي .. أهي غصون جت أهي دخليها بقى الله يباركلك..

ابتسمت الممرضة لغصون بهدوء وقالت:-
– إنتِ بقى غصون .. المريض مش مبطل يهلوس بإسمك وعايز يشوفك ضروري..

قبض عُدي أنامله بقوة حينما سمع هذه الجملة واشتعل صدره بغيرة تكوي ضلوعه لكن ظل مُتماسك لأجل الوضع الماثل وبالأخير الممرضة ستبقى بالغرفة وسيظل هو خلف الزجاج..

دخلت غصون مع الممرضة التي أخذت تجهزها ثم دخلت الغرفة الهادئة إلا من صوت الأجهزة الطبية والأنات الصادرة من هذا الجسد..
بخطوات مرتعشة وقلب تعالت نبضاته اقتربت من موضعه لتجده مغطى بالأسلاك والضمادات الكثيرة..

أدرك أن أحد بالغرفة وبصعوبة شديدة التفت واستطاع برؤيته المشوشة أن يميزها ليهمس بتقطع:-
– غصو..ن … غص..ون..

ادمعت أعينها للحال الذي وصل إليها وهي تراه ضعيف عاجز حتى عن التحدث بعد أن كان لا يترك فرصة لإهانتها..

أبعد الماسك من على فمه وقال بلهاث ليخرج صوته متهدج:-
– شكرا إنك جيت..ي … إنتِ أحسن .. مني .. أنا بطلب منك وطمعان في طيبتك وكرمك … سامحيني يا غصون
. أنا آسف حقك عليا .. سامحني قبل ما أقابل ربنا .. بطلب منك السماح علشان ربنا يسامحني في كل إللي عملته في حقك .. عارف إن أهانتك كتير وعملت .. خطط كتير علشان ألطخ سمعتك .. عارف إن مستحقش بس إنتِ أحسن مني..
أنا آسف سامحيني .. سامحني..
دي النهاية .. سامحني قبل ما أقابل ربنا واطلبي منه يسامحني وادعيلي أنا عارف إن قلبك طاهر..

كان يتحدث بصعوبة شديدة وبالكاد يتمالك نفسه أما غصون فكانت تبكي دون توقف..

أحمد يترقب بلهفة أن تتحدث ومن بالخارج لا يختلف عنها وقد يأس الجميع من أن ينجو..

وأخيرًا هتفت غصون من بين دموعها:-
– هتبقى كويس متيأسش من رحمة ربنا .. ربنا قادر وكبير أووي..

– كل إللي عايزة … تسامحيني يا غصون .. دا كل إللي بقيت عايزة وطمعان فيه..

– مسامحاك يا أحمد ومن غير حتى ما تطلب .. ربنا بيسامح وأنا مين علشان مسامحش .. ربنا يسامحنا جميعًا..

نطق بفرحة واضحة:-
– بجد .. يا غصون .. يعني مفيش في قلبك أي حاجة من ناحيتي ..مفيش أي زعل جواكِ..

– مسمحاك ومفيش أي حاجة جوايا .. وهتبقى كويس إن شاء الله…

ابتسم برضا ثم قال وهو يُغمض عينه وتراخت أعصابه:-
– معتقدش يا غصون … ابقي ادعيلي..

وانطلقت صفارات من الأجهزة المُحيطة لتقف غصون مصعوقة مما ترى للمرة الأولى بحياتها، أسرع الأطباء للداخل يفحصون الأجهزة وأحمد الذي سقط في عالم أخر..

سحبتها الممرضة دون أن تشعر وهي منهارة لا تشعر بما حولها ولا تفعل سوى البكاء، ثار الجميع ودب الهرج حول الغرفة من أسرة أحمد..

استقبلتها أروى تهدأها وتحتضنها .. بينما عُدى فكان يقف يشاهدها بتخشب غارقًا في الحيرة وتساؤلات تعج داخله..
لماذا تبكي الآن!!
ما سبب هذا البكاء لأجل هذا الرجل؟!
أيُعقل أن يكون أنها….!!!

هزّ رأسه نافيًا هذا الهاجس بقوة هامسًا بصدمة رافضًا لتلك الفكرة:-
– مُــــــســـــــــتـــــــــحـــــــيــــل!!!!

«حُــب فــــوق الــغــــصــون»
*الـحـلـقـة السادسة عـشـر* ’16’

– لا مستحيل، أيه إللي أنا بفكر فيه ده أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، دي روحها النقية الطاهرة أي حد في مكانها هيبقى ليه نفس الموقف لأن المشهد مش هيّن عليها، الشيطان بيختار مداخل للإنسان علشان يخرب عليه أمانه..
أنا بثق في غصون أكتر ما بثق في نفسي واسلمها روحي وأنا مغمض.

اقترب عُدي منها وهي منهارة مصدومة فقال بهدوء:-
– غصون يلا تعالي في الإستراحة وإهدي كدا ووحدي الله.

رفعت وجهها المليء بالدموع من أحضان أروى ونظرت له قائلة من بين شهقاتها:-
– أول مرة أكون في موقف شبه كدا وأنا عادةً بخاف من الأماكن دي .. مات قدامي كدا وهو كان خايف وندمان..
بس أنا والله سامحته ومن قلبي ومش زعلانة من أي حاجة والله ..
أنا سامحته علشان ربنا بيقول كدا ..
{وَالْكَاظِمنَ الْغَيْظَ} يكظمونه في صدورهم فلا تظهرُ آثارُه من السبِّ والشتمِ والأذى والعداوةِ، بل قهروا أنفسَهم وتركوا الإنتقامَ.

{وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} وهم الذين أظهروا العَفْوَ والمغفرةَ، وأعلنوا السماحَ وأعتقوا من آذاهم من طلب الثأرِ، فلم يكظمُوا فحسب بل ظهر الحلمُ والصفحُ عليهم.

{وَاللهُ يُحِبُ الْمُحْسِنِينَ} وهم الذين عَفَوا عمن ظلمَهم بل أحسنوا إليه وأعانوه بمالهم وجاهِهم وكرمِهم، فهو يسيءَ وهم يحسنون إليه، ولهذا أعلى المراتب وأجلُّ المقامات.

علشان الآيه دي ويارب سامحه على كل شيء واعفو عنه فأنتَ أهل ذلك.

ابتسم عُدي وأردف:-
– وكدا أفضل يا غصون ربنا يسامحنا جميعًا كلنا مذنبين، يلا تعالي استريحي..

اماءت برأسها بإمتنان وسارت خلفه بصحبة أروى التي ظلت تنقل أنظارها بتعجب بيهم..

قال عُدي محاولًا أن يُخرجها من هذه الحالة ويجعلها تنسى:-
– عمّ سيد موجود هنا تيجي تشوفيه وتطمني على بنته.

– ااه صحيح فكرتني لأن كنت وصلت لغاية باب الأوضة ورجعت لما أروى رنت عليا وقالت أرجع الشركة ..
إزاي راح عن بالي الموضوع ده .. مِسك كانت تعبانة وسمعت صوتهم بس ملحقتش أدخل..

ابتسم عُدي وقال:-
– حصل خير يلا تعوضيها دلوقتي.

انحنت أروى على أذن غصون وهمست:-
– خير يا غصون حاسه إن في شيء في الوسط كدا..

توترت غصون وقالت:-
– حاجة أيه يا بنتي، مش فاهمة تقصدي أيه.!

نظرت لها أروى بنصف عين وأردفت:-
– لنا قاعدة طويلة سواا..

ابتسمت غصون بهدوء وقالت بمشاكسة:-
– أمال أكيد هنقعد مع بعض يا بنتي مش صحاب بقى..

– ماكرة..

وصلوا أمام غرفة مِسك، رأى عُدي عُبيدة مُقبلًا عليهم فانتظر وقال لغصون:-
– ادخلي إنتوا أنا هنتظر دكتور عُبيدة.

حركت غصون رأسها إيجابًا دون التحدث ودخلت للغرفة مع أروى..

– باشمهندس عُدي منورنا .. أيه المفاجأة دي، مع إني حالف يا جدع مكلمكش بس يلا ..

– خلاص بقى يا سي عُبيدة جيتلك لغاية هنا أهو..

– بقى أرن عليك وأسألك أعمل أيه .. أكلم عمّ سيد ولا اتصرف إزاي.. تقولي مش هعرف أفكر دلوقتي يا عُبيدة أنا متوتر، بقى دا رد يا أبو الصحاب.

– بكرا تبقى في موقفي وتعرف يا سي عُبيدة، عمومًا أنا بقول تصبر لغاية حتى ما تخرج من المستشفى ويشدوا حيلهم شوية..

– لسه هستنى دا كله .. طب ما أكلم حتى عمّ سيد كلام مبدئي ولما تخرج من المستشفى نعمل خطوبة عالطول ونكون وفرنا وقت..

– أيه ياض مستعجل كدا ليه امسك نفسك شوية، دا إنتَ شكلك مسخرة أووي لو تشوف شكلك..

– والله أنا غلطان إن بكلمك يا شيخ وبعدين إنت بالذات متتكلمش على الاستعجال والكلام ده .. دا إنت بقالك خمس سنين يا باشا، واستنى إنتَ شايف نفسك عليا كدا ليه العروسة لسه مقالتش رأيها يمكن ت..

– امشي من هنا يالا إنت .. بتقدر البلا قبل وقوعه .. صحوبية فقر والله.

أمّا بداخل الغرفة تعرفت غصون وأروى على مِسك وكونت معهم صداقات بل واحبتهم جدًا، شعرت بالسعادة لوجود أشخاص مثل غصون..
وغصون أيضًا قد خففت تلك الجلسة عنها كثيرًا وأنستها تلك الفاجعة..
فرح العمّ سيد والد مِسك ووالدتها كثيرًا بوجود غصون وأروى وهم يرون تحرر مِسك من حزنها وانخراطها معهم..

– يلا شدي حيلك كدا يا مستكا علشان تخرجي من هنا بقاا ونهيص سوا..

تحدثت مِسك بسعادة وقد تغيرت كثيرًا وأصبحت إنسانة متفائلة:-
– إن شاء الله يا غصون أنا متحمسة جدًا وعندي خطط كتيرة أووي علشان أعملها وعايزة أقولك إن مع إني لسه مش مرّت فترة طويلة بس الحمد لله حاسة بتحسن كبير..

– دا حقيقي فعلًا يا مِسك لأن نظرتك اتغيرت وحالتك المزاجية اختلفت .. الأول كنتي حابسة نفسك في مثلث الحزن واليأس لكن دلوقتي لما قربتي من ربنا ورضيتي وبقى عندك حُسن ظن بالله كل حاجة اختلفت بقيتي حاسة إنك عايشة والدنيا من حوليكِ بقت ملونة..
الحزن بيدمر الإنسان وكفيل يقضي عليه ومفيش أسوأ من إن الإنسان يحبس نفسه جوا وهم ويصدقه، وكل كلمة الناس بتقولها من حوليه يقدسها ويحطها قدام عينه..
الرضا بإللي ربنا كتبه كفيل يقلب حياتك يا مِسك ويفتح قدامك طُرق إنتِ مكونتيش شيفاها..

– عندك حق يا غصون أنا كنت معيشة نفسي في جحيم، أنا مش مصدقة أنا كنت كدا إزاي..

– الحمد لله يا مِسك فضل ونعمة من الله إن ربنا أرشدك للطريق الصحيح ونور بصيرتك ودا علشان هو بيحبك..
الإبتلاء بأنواعه محبة من ربنا لكِ ولازم نستقبله برضا وحب وصبر، ابدأي صفحة جديدة في حياتك واتعلمي من إللي فات، اجتهدي وانجحي واعملي لنفسك كيان يرضي ربنا قبل ما يرضيكي، قربي من ربنا واتعلمي عبادات جديدة وصدقيني رزق ربنا واسع وهيجبر بخاطرك جبر كبير أووي.

– إنتِ جميلة أووي يا غصون بجد من حُسن حظي إن اتعرفت عليكِ، كلامك ريحني أوي ممكن نبقى أصحاب وتعلمني كل إللي إنتِ عرفاه..

– ياااه أنا أبعد ما يكون عن كدا، أنا إللي من حظي إن اتعرفت على بنوتة ربنا بيحبها ومن غير ما تطلبي إنتِ أختي مش صاحبتي يا مستكا، وإن شاء الله أنا وإنتِ والبت رورو نبقى أحلى تيم ونشجع بعض على حاجات جميلة.

قالت مِسك لأروى:-
– مبسوطة أووي يا رورا إن اتعرفت عليكِ وجزاكِ الله خيرًا يا حبيبتي، تقبلي نبقى اخوات..

قالت أروى بأعين دامعة:-
– يا خبر دا من غير كلام طبعًا يا مستكا .. من هنا ورايح هنبقى الثلاثي المرح كدا ومش هنفترق بإذن الله.

– الله بقى شكرًا يارب على الصُحبة الحلوة دي.

لاحظت غصون بعض الكتب على وحدة الأدراج بجانب مِسك فقالت:-
– الناس إللي براحتها بقى ومحدش قدها وقاعدة بصحبة الكتب..

– قولت بدل ما أنا قاعدة كدا وزهقانة ماما تجيبلي كُتب الجامعة على شوية روايات وكُتب تانية .. استغل الوقت بدل ما الترم ده يفوتني..

– ربنا يوفقك يا حبيبتي يارب ويجبر بخاطرك، وبمناسبة الكُتب في شنطتي كتاب لو مقرأتهوش بجد فايتك كتير أووي أووي أووي..

– للدرجة دي .. طب يلا طلعي يا غالية..

أخرجت غصون كتاب من حقيبتها ثم وضعته على قدم مِسك قائلة:-
– دا يا ستي كتاب “لا تحزن” من أحسن الكتب عالميًا، قنبلة تفائل ومتشبعيش منه ومهما تقرأيه تعديه تاني، من أعلى الكُتب مبيعًا في العالم.

– واضح من اسمه .. شكله مبهج أووي ما شاء الله، أنا أصلًا بحب القراءة جدًا.

– ومين أصلًا ميحبش القراءة، دي غذاء الروح، وإنتِ يا ست رورا معايا بردوة كتاب خطير هيعجبك أووي ومن أحسن الكتب..

– بصراحة مجربتش أقرأ قبل كدا، بس يلا أشطا أبدأ أعود نفسي لأن بصراحة الواحد ثقافته صفر..

– مجرد ما هتبدأي أنا بقولك هتدمني القراءة ومش هتبطلي أبدًا.. اتفضلي يا ست البنات..
دا كتاب “فاتتني صلاة” حاجة كدا وهم..

– واضح إن مؤثر أووي .. بإذن الله هقرأه، شكرًا يا غصون..

– مفيش بينا شكر يا أوختي شيلي الرسميات دي بكرا نسرق الكُتب من ورا بعض..

انغمسوا في الضحك وكان يشاهد ما يحدث العمّ سيد والخالة فادية بفرحة وسعادة لا تُقدر..

– أنا والله مش مصدقة إللي أنا شيفاه يا ابو مِسك، الحمد لله مِسك فاقت خالص وحالها اتبدل.

– عندك حق يا فادية ربك كريم أووي .. الحال اتبدل إزاي اللهم لك الحمد والشكر يارب، غصون دي نعمة على كل إللي تدخل حياتهم، ربنا يسعدها يارب ويجبر بخاطرها..
والباشمهندس عُدي مش عارف أرد إللي عمله إزاي..
الناس دي وقفت جمبي وعملوا إللي القريب معملوش..

– ربك بيقطع من هنا ويوصل من هنا يا ابو مِسك، أنا مبسوطة إن مِسك اتعرفت على غصون وأروى وبقى ليها صحاب عاقلة محترمين.. ربنا يسعدها يارب ويجبر بخاطر بنات المسلمين جميعًا يارب..

– اللهم آمين يارب ..

سمعوا طرق على الباب فأذن العمّ سيد للطارق بالدخول ولم يكن سوى عُبيدة وعُدي الذي جاء يرى العمّ سيد ويطمئن إذا كان يريد شيء..

– السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سعى نحوه والد مِسك وتصافحا:-
– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، اتفضل يا باشمهندس عُدي أيه النور ده..

– أيه يا عمّ سيد مش قولتلك عُدي بس بلاش رسميات لو سمحت..

– الله يباركلك يا ابني ويجبر بخاطرك ويرزقك إللي بتتمناه..

ابتسم بهدوء ونظر لغصون بطرف خفي ثم قال بنبرة ذات مغزى:-
– اللهم آمين يا عمّ سيد .. دعواتك اليومين دول بالله عليك.

– والله دايمًا لك نصيب في دعانا يا عُدي..

– ربنا يجعله من نصيبي يارب..

ثم قال دون أن ينظر بإتجاه البنات:-
– الحمد لله على سلامتك يا آنسة مِسك شفاكِ الله وعافاكِ.

– الله يسلمك شكرًا جدًا لحضرتك.

اقترب عُبيدة من مِسك وقال مبتسمًا:-
– آنسه مِسك عاملة أيه النهاردة.

ابتسمت مِسك بإشراق وأجابت:-
– الحمد لله بخير يا دكتور.

– أيه أخبارك بقيتي أفضل ولا لسه بتحسي بوجع جامد.

– بقيت أفضل كتير الحمد لله، خالص الوجع خف جدًا عن الأول وبقيت كويسة..

نظر لها بحنان وهمس:-
– يارب دايمًا في أفضل حال..

– بصي يا ستي هنغير العلاج وهنقلله كمان وهنتبع التعليمات دي، نقدر نتمشى وننزل الجنينة نغير جو وزي ما قولت أهم حاجة النفسية تبقى تمام..

– أنا تمام جدًا يا دكتور وأخيرًا هقدر أشوف الجو برا أنا بصراحة اتخنقت من جو المستشفى أووي.

همس بداخله وأعينه تكاد أن تُخرج قلوب من طفولتها:-
– سلامتك من الخنقة يا قلبي..

لاحظ عُدي حالته فابتسم وقال بمرح:-
– مش يلا يا عريس علشان نتكلم في موضوعنا..

التفت عُبيدة وهو ينظر بغيظ له بينما الكلمة فنزلت على قلب مِسك كصاعقة هزت كيانها ودق قلبها بعنف جزعًا..

تسائل العمّ سيد:-
– هو دكتور عُبيدة هيتجوز ولا أيه..

أجابه عُدي بحُسن نية:-
– خلاص دكتور عُبيدة ناوي يُخطب ويكمل نص دينه..

قال العمّ سيد بصدق:-
– ألف مبروك يا ابني ربنا يتمم بخير ويسعدك يارب.

وقالت الخالة فادية بطيبة:-
– ألف مبروك يا دكتور عُبيدة ربنا يسعدك يا ابني تستاهل كل خير..

شعرت مِسك بنغزات ألم بقلبها لتحاول التماسك لتلحظ غصون تبدل حالها فتعجبت من ملامح الألم التي ارتسمت على وجهها..

همست مِسك بداخلها:-
– أيه يا مِسك إنتِ كنتي مستنيا أيه .. محصلش حاجة علشان تزعلي .. إنتِ مجرد مريضة مش أكتر وهتعدي فترة علاجك وهتمشي وتنتهي القصة ولا هو علشان بيعاملك كويس وبيهتم بيكِ زي الأطفال هتفهمي غلط .. ما هو علشان إنتِ مريضة وهو دكتور..
انسي يا مِسك فترة وهتروح لحال نصيبها وهتنسي..
زي ما اتفقنا هتفتحي صفحة جديدة مفيهاش وجع وألم..
هتتعلمي جديد وتهتمي بنفسك وتحبيها..
فوقي فوقي يا مِسك…

افاقت من حالتها واغتصبت إبتسامة على فمها وقالت بغصة:-
– ألف مبروك يا دكتور ربنا يتمم بخير..

وقف عُبيدة مصدوم وأدرك أنها قد فهمت خطأ، نظر لعُدي بغضب ليبتسم الأخير له .. ليزجره بنظراته وكأنه يقول له..
سنتحاسب على هذه عُدي..
أنا مجنون وسأفعل أي شيء ولا أحد يستطيع توقع ما أفعله..

نظر عُبيدة بتصميم وردد:-
– مينفعش تقولي مبروك دلوقتي يا عمّ سيد..

تعجب العمّ سيد من جملته ولم يستطع فهمه فتسائل بعدم فهم:-
– تقصد أيه .. مش فاهم يا ابني!!

– أقصد لما حضرتك إنتَ والآنسة مِسك تقولوا رأيكم..

– رأينا في أيه.. أنا مش فاهم حاجة!

– أقصد إن كنت هفاتح حضرتك في إن طالب إيد الآنسة مِسك وكنت متكلم مع باشمهندس عُدي..

وقف الجميع مندهشين وعُدي الذي لا يُصدق جنونه أيضًا..

تنهد عُبيدة وقال بحسم:-
– على سنة الله ورسوله يشرفني أطلب إيد الآنسة مِسك.

«حُــب فــــوق الــغــــصــون»
بقلم سارة_نيل.

«حُــب فــــوق الــغــــصــون»
*الـحـلـقـة السابعة عـشـر* ’17’

وقف الجميع في حالة من الصدمة الشديدة، عمّ سيد لم يستوعب ما سمع ووالدة مِسك كذلك..
بينما وقف كلًا من غصون وأروى ينظرون لبعضهم البعض ببلاهة، إلا أن عُدي أخذ يضحك على جنون صديقه.

كان موقف مِسك مُغاير عنهم، شعرت بأشياء مُختلفة لكن ظلت صامتة جامدة فهي قد تعلمت أن تسمع للنهاية أولًا.

– مش فاهم يا دكتور عُبيدة، إنتَ تقصد أيه.!

– أنا عارف يا عمّ سيد إن الموقف غريب وإن دا لا وقته ولا مكانه بس إنتوا فهمتوا كلام عُدي غلط فكان لازم أوضح، وبردوة أنا تلقائي وإللي بيجي على بالي بقوله يعني لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد.

– أيوا يا ابني بس إنتِ عارف الظروف والموقف إللي إحنا فيه.

– وأنا مقولتش حاجة يا عمي أنا منتظر لغاية ما تخرجوا من هنا بالسلامة وأجي زيارة لحضرتك في البيت بس أنا قولت يكون عندك خبر..

لم يجد العمّ سيد أمامه خيار سوى أن يقول:-
– خلاص يا ابني بصراحة أنا إتفاجأت ومش عارف أقول أيه.

وهُنا خرج صوت مِسك التي ظلت صامته تتابع الموقف بدقة وقالت بحسم:-
– بس أنا عندي كلام عايزة أقوله يا بابا بعد إذنك.

شعرت غصون وأروى وكذلك عُدي أن الموقف أصبح عائليًا فقالوا:-
– طب إحنا هنستأذن بقاا يا عمّ سيد وإن شاء الله هنيجي أنا وأروى تاني بإذن الله، يلا سلام يا مِسك.

– مع السلامة يا بنات أنا هستناكم.

وقال عُدي:-
– بستأذن أنا يا عمّ سيد .. سلام يا عُبيدة نبقى نتكلم إن شاء الله.

– مع ألف سلامة يا عُدي يا ابني شرفت ربنا يجازيك خير يارب.

خرجوا ثلاثتهم وبقت مِسك بمواجهة عُبيدة الذي شعر بالقلق حيال ما ستقول ..

قالت والدة مِسك بقلق:-
– في أيه يا مِسك كنتِ هتقولي أيه يا بنتي.

رفعت مِسك رأسها تجاة عُبيدة وقالت بصلابة:-
– أنا مش موافقة يا دكتور عُبيدة شخصيًا ومش مستعدة للخطوة دي نهائي دلوقتي.

اهتزّ ثبات عُبيدة وتعالت دقات قلبه شاعرًا بالخيبة بينما صُدم والدها ووالدتها التي رأت بعُبيدة رجلٌ شهم حقًا وزوجٌ صالح فسيمات الطيبة والصلاح تستطيع أن تراها على وجهه بكل وضوح.

أجلى عُبيدة صوته وتسائل بحذر:-
– طب دا سببه أيه يا مِسك طيب.!

– آنسة مِسك لو سمحت ماترفعش الألقاب.

تقطعت أكباد عُبيدة وهو يرى أن الطريق إليها مليء بالعثرات وأردف بصوت مُختنق:-
– تمام يا آنسة مِسك سبب الرفض أيه وإنتِ حتى متعرفنيش.!

قالت بصوت قوي جعل الأخر يقف بدهشة يُحاول استيعاب ما تقول:-
– علشان أنا مش شايفة طلبك ده إلا بدافع الشفقة مش أكتر، وأنا مقبلهاش.

ردد عُبيدة بذهول:-
– شفقة .. شفقة .. يعني أيه شفقة مش فاهم!

– إنتَ أكتر واحد عارف بحالتي كويس يا دكتور وعارف النتيجة، وأنا من سابع المستحيلات إن أحط نفسي في الإطار ده أبدًا مهما عملت..

٠•✦||ــــــــــــــــــ بقلم/سارة نيل ــــــــــــــــــ||✦•٠

خرجت غصون سريعًا مع أروى وهي تُسرع في المغادرة قبل أن يلحق بهم عُدي..

– في أيه يا بنتي مالك مستعجلة كدا ليه هو في حد بيجري ورانا..

ابتسمت غصون بتوتر وأردفت:-
– لا ولا حاجة يا رورا أصل الجماعة في البيت مستنيني وعايزة أروح علشان ألحق أعمل تصميم علشان خلاص المسابقة قربت ولازم أسلم النماذج بعد بكرة.

– أااه إن شاء بالتوفيق يا غصون وربنا هيجبرك.

– يارب يا رورا وإياكِ يا حبيبتي.

وأكملت:-
– يلا تاكسي أهوو قبل ما يمشي..

تعجبت أروى من تعجلها وقالت:-
– أيه دا كله استعجال علشان الجماعة..

ركبتا سيارة الأجرة وقالت غصون:-
– يا بنتي أصل المنطقة دي التكسيات فيها قليلة وكل ساعة على ما تلاقي فيها تاكسي ولا حاجة.

– ااه طب الحمد لله، ااه صحيح نسيت أقولك.

– خير يا أروى.

– مش باشمهندس عُدي قدم استقالته إمبارح بعد ما خلص شغله..

– بجد .. بتتكلمي جد يا أروى!! طب ليه طيب!

– والله يا غصون ساب الشغل، والله ما أعرف أيه السبب بس شكله علشان الموقف إللي حصل معاكِ ده.

توترت غصون وقالت ناكرة:-
– لا يا بنتي مالهوش علاقة، شوفي يمكن خلص شغله عالطول وإللي جه علشانه خِلص.

– لا بالعكس دا باشمهندس مدحت ومدام زيزي كانوا متمسكين به جامد أووي بس هو أصر.

– ااه ربنا يوفق الجميع..

– صحيح المناقشة بتاعة التصميم بتاعك إمتى؟

– آه فكرتيني الوقت قرب وأنا متوترة أووي يا أروى، دا أنا سمعت إن المُناقشين هيبقوا مصممين عالمين في عالم الموضة والديزاين وهيبقى كمان قدام زائرين وفئات كبيرة أووي..
بس ربنا موجود بصي يا أروى أنا اعتمادي كله عليه وراضية بالنتيجة أيّاً كانت فيكفيني شرف المحاولة.

– أيوا كدا يا بطلة سيبك من التوتر ده وبإذن الله تشرفينا وترفعي راسنا وبعدين تصاميمك تستحق يا غصون وخلي عندك أمل وثقة بالله.

قالت غصون بحماس وإشراق:-
– صح يا رورا عندك حق فعلًا أنا سيباها على الله وبصراحة أنا معدتش بشيل همّ خالص، هعمل إللي عليا وبعد كدا إللي ربنا يكتبه أنا مش بس هرضى بيه أنا هبقى كمان سعيدة بيه.

– زعلانة أووي يا غصون بعد ما قربنا من بعض مش بقينا نشتغل في نفس المكان.

ابتسمت غصون بطيبة ووضعت يدها فوق يد أروى وقالت:-
– الصداقة والحُب مش بالقُرب وتواجدنا في نفس المكان يا أروى، مهما كان مكانك لكن يكفي إن بالقلب موجودة..
المكان الحقيقي للإنسان هو مكانته بالقلب، وأكيد ربنا سبحانه وتعالى ماجمعناش علشان نفترق أو نبعد أبدًا.

– بحب الكلام معاكِ أوي يا غصون .. حقيقي الكلام معاكِ مريح جدًا، يا بخت أي حد في حياته غِصن لطيف شبهك كدا ربنا يديمك في حياة إللي بيحبوكِ يا غصون.

– شوفي بقى هتغر عليكِ وهنفش ريشي يا رورا، بس علشان عيونك جميلة مش أكتر يا بت..

– مش عليا يا غصغص..

– غصغص!! مشي يا بت مش عايزة أعرفك تاني..

ظلوا يتناقشون وهم يضحكون بحب حتى هبطت غصون عند منزلها وأكملت أروى لمنزلها..

سارت غصون حيث منزلها لكن قبل صعودها توقفت تبتاع بعض الفطائر التي تُفضلها والدتها لتُسعد قلبها ولو بأقل شيء.
وعند وقوفها عند المخبز رغمًا عنها سمعت فتاتين يقفون وهم يتمازحون مع بعضهم البعض بألفاظٍ أقل ما يُقال عنها أنها ألفاظ بذيئة، إذا كانوا هكذا يتمازحون فكيف بهم إذا تنازعوا.!!

ابتسمت غصون ببشاشة ثم التفتت وقالت لهم:-
– السلام عليكم، إزيكم يا بناويت .. ممكن أسألكم سؤال لو سمحتوا.

– اتفضلي طبعًا.

– كنت عايزة أسألكم بس لو جربتوا النوع ده من الباتيه حلو أجربه ولا أيه..

قالت إحداهم:-
– حقيقي جميل جدًا جربيه على ضمانتي وهيعجبك.

– تسلميلي يا جميلة القلب، بصراحة شكلكم لطيف أووي وأنا حبيتكم وأمورين أووي تبارك الرحمن.

فرح الفتاتين وابتسما لتقول غصون بهدوء:-
– تعرفوا إنكم لايقين على بعض جدًا وروحكم فيها تشابه كبير، إنتوا أكيد أصحاب.

– فعلًا إحنا أصحاب من عشر سنين..

– ما شاء الله ربنا يباركلكم في بعض يارب، تلاقيكم دعم لبعض ومش بتقولوا ألا ألطف الكلام تدعموا بيه نفسكم.

ضحكوا وهم ينظرون لبعضهم ثم قالت إحداهم:-
– يااه دا إحنا هزارنا مع بعض كله كلام كدا من نوع تاني بعيد عنك.

ابتسمت غصون وقالت بلُطف:-
– تعرفوا يا بنوتات إن ربنا سبحانه وتعالى يُبغض الفاحِش البذيء، وإن المؤمن إللي هما إحنا يعني الرسول قال علينا أيه.. قال إن المؤمن ليس بالطَّعان ولا اللَّعان ولا الفاحش..
يعني المؤمن مش بتخرج من فمه ألا الكلمات اللطيفة إللى بتسيب أثر جميل في النفس حتى لو كان بيهزر..
الرسول عظمنا جدًا وبيحبنا أووي علشان كدا قال علشان يحفظ حقوقنا سِباب المُسلم فسوق ..
تخيلي بس إنك تشتمي حد يكون بالجزاء ده..
الصفات دي لا تليق بالمسلم أبدًا إللي روحه كلها نسمات الإيمان الندية، ونفسه كلها بشاشة الإسلام السمحة..
لنا في الرسول صلّ الله عليه وسلم أسوة حسنة ..
تصدقوا إن الرسول في حياته ما خرجت منه كلمة تخدش سمع السامع أو تجرح شعوره أو تمس كرامته..
ويا وجع قلبي على إللي بقينا فيه .. بقينا نتعمد نجرح شعور بعض ونهزر مع بعض بكلمات تخدش سمع كل إللي يسمعها وممكن يكونوا أطفال ويكرروها وهما مش فاهمين.
كل واحد فينا هيتحاسب على كل كلمة هينطقها لسانه..
وربنا يهدينا جميعًا يارب..

كانت الفتاتين تستمعان بانتباهٍ وبعض الواقفين الذي كانوا يُتابعون المشهد يستمعون بعدما لفتت انتباههم طريقة غصون اللطيفة في النُصح..

تنفست غصون بعُمق وأردفت:-
– أنا قولت نتكلم سوا على ما الفطاير تطلع وحقكم عليا لو صدعتكم ولا حاجة بس بصراحة حبيتكم أووي يا بنات..

ابتسمتا الفتاتان ثم قالت الأولى:-
– إحنا إللي حبيناكي أووي يا جميلة وفعلًا إحنا اتعلمنا درس كنا حقيقي مانعرفهوش وشكرًا جدًا لكِ.

قالت الأخرى:-
– إن شاء الله من هنا ورايح هنهزر بحدود وهنراعي كل كلمة يقولها لسانا، ربنا يكتر من أمثالك.. يمكن علشان لسانا أخد على الكلام ده ومع المُجتمع إللي إحنا فيه وأصحابنا وانتشار طريقة الهزار دي بقينا مفكرينها عادي..

رددت غصون:-
– كلنا معرضين للغلط وكلنا عيوب بس الشاطر إللي يصحح منها.

اندهشت غصون حينما سمعت بعض الواقفين من الأُناس الطيبون يصفقون بحرارة وصاحب المخبز أيضًا مُرددين ببعض الكلمات اللطيفة..
– ربنا يبارك فيكِ يا بنتي … ربنا يكتر من أمثالك .. ربنا يهدي بناتنا وبنات المسلمين يارب..

قالت غصون سرًا:-
– يا الله أنا مش كدا …رزقتني القبول وجملتني في عيون إللي حوليا وأنا مستورة مش أكتر، نعمك كتيرة يارب مقدرش على شكر واحدة منهم..

ابتسمت غصون للجميع ثم قالت:-
– أنا بذكر نفسي معاكم يا ناس يا طيبين .. كلنا محتاجين ده.

تسائلت إحدى الفتيات:-
– اسمك أيه بقى؟

– اسمي غصون .. وانتوا..

– ما شاء الله اسمك لطيف شبهك يا غصون .. أنا جوري وهي حنين..

– والله ما حد جميل هنا غيركم .. جوري وحنين اسماءكم شبهكم والله يا بنات .. أنا اتشرفت بيكم ومبسوطة إن اتعرفت عليكم..

– إحنا أكتر والله يا غصون..

أخذت غصون الفطائر من البائع فوجدت صاحب المخبز يضع بعض “المني بيتزا” بالحقيبة البلاستيكية وقال:-
– دول مني لكِ يا ست البنات علشان الكلام الحلو إللي قولتيه.

– ياربي، شكرًا جدًا يا عمو والله ما مستهلة.

– خلاص بقا هتكسفي إيدي..

– ربنا يجازيكِ خير يا عمو..

وقبل أن ترحل قالت بإبتسامة:-
– سلام يا جوري .. سلام يا حنين..

– سلام يا غصون..

– بجد أنا حبيتها أووي يا حنين..

– وأنا والله يا جوري تلاقيها تدخل القلب عالطول كدا، أيه رأيك نبقى شبهها كدا..

– موافقة جدًا..

٠•✦||ــــــــــــــــــ بقلم/سارة نيل ــــــــــــــــــ||✦•٠

قبل أن تدخل غصون لمنزلها لمحت فتاة وفتى صغيران يقفان أمام إحدى المطاعم وينظرون للطعام بجوع لينفطر قلبها على منظر ملابسهم الرثة وجسدهم الهزيل..
ودون أن تشعر وجدت قلبها ينبض بألم وهطلت الدموع من عينيها لتمسحم سريعًا ثم هرولت بإتجاههم..

– إزيكم يا حلوين..

انكمشت الفتاة على أخيها بخوف لتقول غصون تهدأها:-
– متخافيش يا أم عيون حلوة، ممكن أطلب منكم حاجة.

تشجع الفتى وقال:-
– نعم يا أبلة..

مدت غصون يدها بقطع البيتزا وبعض الفطائر وقالت:-
– بصراحة عمو بتاع المخبز أصر عليا أخد دول وأنا مش بحب الفطاير دي .. وهو قال إنها حلوة وكدا وقالي دوقيها بس أنا محبتهاش بصراحة.. عايزاكم تدوقوها وتقولوا رأيكم فيها..

نظر الفتى إلى أخته بحذر فهمت غصون لتقول:-
– أصل بصراحة ماما منعاني من أكل المخبوزات وخايفة أطلع بيهم، ممكن تنقذوني وتخدوهم حتى لو مش هاتكلوهم.

جرى ريق الفتاة جوعًا ونظرت لأخها فمد يده وسحب الكيس وأعطاه إياها، ابتسمت غصون وتسائلت:-
– طب إنتوا بتبقوا موجودين هنا دايمًا علشان أعرف رأيكم فيها..

– أيوا يا أبلة بنبيع مناديل في الإشارة..

شعرت غصون بالألم لأجلهم وقالت وهي تغصب إبتسامة على فمها:-
– حاضر هجيلكم بكرا أعرف رأيكم إن شاء الله.

أطمئن الفتى والفتاة لوجه غصون فتبسما ببراءة وقالوا:-
– حاضر يا أبلة.

– ممكن أعرف اسمكم.

– أنا وردة.

– وإنتَ.

– أنا رحيم..

– يا لطيف .. وأنا بقى غصون.

– اسمك حلو يا غصون.

قرصتها غصون من وجنتها وقالت:-
– مش أحسن من وردة يا أجمل وردة.. خلاص كدا بقينا أصحاب.

– اتفقنا يا غصون.

– يلا خد بالك من وردة يا رحيم .. سلام يا حلوين..

– سلام يا غصون.

رحلت غصون وقلبها يتألم عليهم..

– رحيم هي غصون هتجبلنا كل يوم أكل، بصراحة طعمهم حلو أووي.

– بالهنا يا وردة، طالما غصون قالت هتيجي يبقى هتجيب أكل معاها ومتخافيش أنا هشتغل وأشتريلك أكل.

صعدت غصون درجات السلم وكبرت أثناء صعودها..

– السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الحمد لله على سلامتك يا غصون.

– الله يسلمك يا هُدهد.

– هاا خير يا بنتي في أيه، كان أيه إللي حصل.؟

قبلتها غصون من رأسها ثم وضعت الفطائر المُتبقية بين يديها وقالت:-
– خدي الفطاير إللي بتحبيها يا هدهد الأول .. وأغير هدومي وأقول أذكار المساء وهحكيلك كل حاجة ..

ابتسمت هُدى وقالت:-
– حبيبة أمك .. ربنا يجبر بخاطرك يا غصوني..

– أيوا ادعيلي كتير يا هدهد..

دخلت غرفتها وهي تبتسم فأقل شيء يُسعد والدتها، بدأت أحداث اليوم تتوافد على عقلها لتتنهد وهي تُخرج دفتر وتبدأ بكتابة كل شيء..

٠•✦||ــــــــــــــــــ بقلم/سارة نيل ــــــــــــــــــ||✦•٠

بعد مرور أربعة أيام، بمنزل غصون..

– هاا يا غصون قولتي أيه يا حبيبتي، عُدي مستني ردنا وفات أسبوع.

تنهدت بحيرة ثم قالت:-
– بصلي كل يوم صلاة استخارة يا ماما ومستنيا اشارة من ربنا سبحانه وتعالى.

– يا بنتي مش معنى صلاة الاستخارة إنك تلاقي إشارة أو رؤيا ممكن تكون الأمور ماشية بيُسر من غير عرقلات.

توترت غصون وحقًا لا تدري ما تقول، أردفت قبل أن تقوم:-
– إن شاء الله يا ماما، هصلي كدا قبل ما أنام مرة وإللي فيه الخير يقدمه ربنا.. يلا تصبحي على خير يا هدهد.

ثم ذهبت لغرفتها بل هربت بالمعنى الصحيح..
توضأت وبخشوع قامت تصلي صلاة الاستخارة وهي تدعو أن يُلهمها ربها الإجابة ويرشدها للطريق الصحيح..

انتهت ونظرت للسماء قائلة:-
– إشارة واحدة يارب .. أرشدني يارب العالمين، أنا منتظره بس رأيك منتظرة هتقولي أيه..
زي ما كل مرة بتعطيني إشارة أنا واثقة إن كمان هترشدني للطريق الصح..

ذهبت لفراشها ثم بدأت بتلاوة أذكار النوم وسورة الملك..

………………

ببستان واسع جميل مليء بالورود، وقفت وهي ترتدي فُستان أبيض اللون وتبتسم بسعادة بالغة..
ظلت تسير وسط الأشجار بجانب جدول ماء رقراق، اتسعت إبتسامتها عندما وجدته يقف ويُعطي لها ظهره..

هرولت بإتجاهه ثم وقفت خلفه وقالت بحب:-
– أنا هنا .. بقالك كتير مستنيني..؟

التفت إليها حينما سمع صوتها لتنظر لوجه فتقف بصدمة حينما لم تجده عُدي الذي عرفته……

فتحت جفونها مستيقظة وصوت أذان الفجر يعلو بالأُفق..
حي على الفلاح .. حي على الفلاح…

قامت من على الفراش بهدوء غريب وأخيرًا عرفت الإجابة من الملك .. وأخيرًا هدأ قلبها..

توضأت وبدأت تصلي الفجر ومن بعده قالت الأذكار وأمسكت مصحفها وبدأت بقراءة سورة البقرة ..

بعد مرور عدة ساعات..
خرجت غصون فوجدت والدها ووالدتها يجلسون وهم يتسامرون وهم يتناولون الشايء والكعك.

– صباح الخير…

– صباح النور يا غصون..

– يا بابا أنا قررت وعرفت إجابتي..

– خير يا غصون…

– أنا ……….

٠•✦||ــــــــــــــــــ بقلم/سارة نيل ــــــــــــــــــ||✦•٠

– أعملك شاي يا بيلا..

ابتسمت والدة عُدي فهو دائمًا من يقوم بصنع المشروبات لها ويقف بالمطبخ كثيرًا ليُقدم لها المساعدة ويتسامر معها..

– لا يا حبيبي، خليها شاي بلبن..

– غالي والطلب رخيص يا بيلا..

وبمهارة صنع كوبًا من مزيج الشاي بالحليب لها وكوب نسكافية له ثم وضعهم على الطاولة أمامها..

– أحلى كوباية شاي بلبن لست الكُل..

جاءت لتتحدث فعَلا صوت هاتف عُدي، نظرت له بتسائل فأخرج هاتفه ليرى من المتصل فاتسعت أعينه بزعر حينما وجده والد غصون..
قلقت والدته لتعابيره المتوترة وقد انخطف لونه..

– مالك يا عُدي في أيه، مين بيتصل؟

ظل يجوب الردهة ذهابًا وإيابًا بتوتر ويجذب شعره للخلف برعب جلي..
توترت والدته من مظهره وشعرت بالخوف لأجله، وتسائلت مرة أخرى:-
– في أيه يا عُدي قلقتني يا بني مين بيرن، ومش بترد ليه؟!

وقف أمامها وأردف بتوتر:-
– دا عمي عبد القادر يا أمي، أكيد هيقولي ردهم .. يا ترى هيقول أيه! .. لتكون غصون رفضت يا أمي..

وردد بتيهة:-
– أنا قلقان .. أنا .. غصون شكلها رفضت قلبي بيقولي كدا..

ابتسمت والدته على تصرفاته وهو يلف ويدور مكانه وقد نبت العرق على جبينه..

– طب رد وإنت تعرف طيب..

– خايف يا أمي.. خايف..

– وحِد الله يا عُدي، إن شاء الله خير وافتكر إن إللي ربنا كاتبه كله خير يا حبيبي..

– ونعم بالله … لا إله إلا الله.

فصل الهاتف ورن مرتان وهو لم يجرؤ أن يضغط على الزر…
نظر للسماء وقد ترقرق بعض الدمع بعينه..

– يارب اجعلها من نصيبي .. أجبر قلبي يارب ومتحرمنيش منها وباركلي يارب..

ابتلع ريقه وضغط يعاود الإتصال هو قائلًا بنبرة مهزوزة وصوت مُتحشرج:-
– السلام عليكم، إزيك يا عمّ عبد القادر.

– وعليكم السلام أنا بخير يا عُدي، عامل أيه.
وأكمل يقول بعد التحية:-
– معلش إن اتأخرنا عليك بس بصراحة ……..

«حُــب فــــوق الــغــــصــون»
*الـحـلـقـة الثامنة عـشـر* ’18’

– معلش إن اتأخرنا عليك بس بصراحة أنا سيبت غصون براحتها على ما تفكر كويس.

قال عُدي بتوتر وقلب مُرتجف:-
– لا مفيش مشكلة طبعًا يا عمي دا حقها، وأنا مستعد أستنى.

ابتسم والد غصون وقال ليُريح قلبه اللحوح:-
– تشرفنا إن شاء الله في الوقت إللي تحبه يا عُدي وتيجي علشان تتعرفوا على بعض أكتر.

اتسع بؤبؤ عينه ولم يُصدق ما سمع، تدحرجت دمعة من عينه ثم انحنى مُسرعًا يسجد شكرًا لله..
اتسعت إبتسامة والد غصون وأدرك أن الله حقًا قد رزق ابنته بالرجل الأمثل والصالح المُحب، هذا العوض الذي كان مُتيقن أنه سيأتي في الوقت المناسب تمامًا وما خيب الله ظن الموقنين به أبدًا..

عندما رأت نبيلة ولدها بتلك الحالة بكت فرحًا وابتسمت في آنٍ واحد، فأخيرًا ستراه سعيدًا مرتاح البال بعد رحلة شقاء قاسية جعلته يعتزل العالم.

– بجد يا عمي يعني كدا خلاص .. يعني هي كدا غصون وافقت .. طب أجي إمتى!’

– أيه يا عمّ الملهوف براحة شوية دا إنتَ حالتك صعبة والله يا عُدي.

شعر بالحرج فهو لم يستطيع كبح سعادته ولهفته، حاول الهدوء فتنفس بعمق وقال بنبرة ينبض منها الفرح:-
– بصراحة أنا مش هكذب عليك يا عمي بس أنا كنت هتجنن من التفكير والإنتظار، أنا كنت خايف جدًا، كنت خايف من خسارتها بس كنت واثق بالله لأن أنا دعيت من كل قلبي وبحُسن ظن، أنا مش مكسوف وأنا بقولك الكلام ده بس أنا بحب الصراحة وأحب أكون صريح..

ارتاح قلب والد غصون أكثر وحمد الله بداخله على نِعمه ورزقه الواسع، ابتسم ورد عليه:-
– وأنا حبيتك يا عُدي ودخلت قلبي ويشهد ربنا إن بعتبرك زي إبني، بس عايزك تجمد شوية ومتبقاش طري كدا يا باشمهندس..

عَلَت ضحكة عُدي واضعًا يده على رأسه بحرج وهتف:-
– حاضر يا عمي عبد القادر هسمع كلامك وأتقل..

وأكمل يتسائل:-
– طب أجي إمتى بقاا!

– اللاه مش قولت إجمد يا ولد .. دا أنا لسه مخلصتش كلامي..

– دا سؤال بريء يا حاج عبدو.

– آآآه منك مفيش فايدة فيك والله .. ماشي يا سيدي أيه رأيك في الجمعة..

– لسه الجمعة!! .. لا دي بعيدة، النهاردة الأتنين وأنا مستني بقالي ١٠ أيام يعني كتير عليا يا عمي، أيه رأيك في الأربع أجي أنا والحاجة معنديش حاجة، دا لو حضرتك مش عندك حاجة يعني..

– أنا مش هقول لغصون على الكلام ده .. هبقى صاحب جدع ليك وهحفظ سرك وإللي بينا، دي غصون لو عرفت مش هقولك بقى .. يمكن كانت العشر أيام طالت لشهر..

– عمي عبد القادر إنت فرحان فيا ولا أيه، راعي حالتي شوية، الجمعة هتبقى بعيد خلينا الأربع..

ضحك والد غصون وقد شعر بقُرب عُدي حقيقةً من القلب، وأردف بقلة حيلة:-
– يبقى الأربع يا عُدي .. هقولك أيه أمري لله.

– الله يبارك فيك يا عمي مش هنسالك الجمايل دي يا حاج.

– ماشي يا بكاش، مع السلامة يا عُدي..

– مع ألف سلامة يا عمّ عبدو…

كانت نبيلة تقف تشاهد المشهد بإبتسامة وبعض الدموع وفور أن انتهى عُدي ركض نحوها صارخًا بسعادة نحو عناقها وحضنها الدافيء ثم فجأة حملها لأعلى وهو يقول بسعادة:-
– بركة دعاكي يا بيلا .. بركة دعاكي يا أمي، الحمد لله الحمد لله ربنا وضع القبول بقلب غصوني الحبيبة..

ماذا تريد بعد؟!..
تراه سعيد ولم تراه بهذه السعادة من قبل..!
هذا ما كانت تدعو به وتتضرع لخالقها من أجله، هذا هو حصادها وما لها بتلك الحياة وكل ما يهمها رؤيته مقر العين مسرور…

– قولتلك يا عُدي هتبقى حلالك علشان ربك رحيم أووي بعباده، أنا دعيتلك كتير وكنت عارفة إن مش هيرد إيدي خايبة أبدًا..

قبل رأسها ثم خرج للشرفة وهو ينظر للسماء الصافية وهتف بدموع رقراقة:-
– اتحرمت من أبويا من وأنا طفل واتأزمت حالتنا أنا وأمي وكنا راضين يارب ودي في حد ذاتها كانت نعمة كبيرة لأنك كنت معانا بكل خطوة، رزقتني بأم علمتني وعرفتني الطريق لك، وبعدين رزقتني الرضا وبقيت أنظر لكل حاجة في حياتي بعين الإعتبار، مكانش عندي أب بس كان عندي رب حنان رزاق علمني كل حاجة .. وكنت حاسس بالرضا مع إن مكانش في إيدي أي حاجة..
كل ده مش شطارة مني دي كلها نِعم، كون إني معاك يارب في طريقك دي أعظم نعمة تستحق الحمد..
مكانش ليا علاقة نسائية ولا بأي شكل من الأشكال إلا أمي وتفاجأت ببنت كل يوم بتزور أحلامي لمدة خمس سنين، اتعلقت بيها وهنا تيقنت إن دا كله مش إعتباطًا ومش من نسج أحلامي .. أكيد مش هتعلقني كدا علشان أتعذب..
وتكمل الحكاية وإللي كانت بالنسبة ليا معجزة وأشوف البنت على أرض الواقع .. ويكمل رضاك عليا وتمهد ليا الطريق علشان تكون ليا في الحلال…
رزقتني عِلم، ووظيفة، ومكانة، ورزق واسع واتردت لنا المظالم..

أخفض رأسه وسقطت دموعه ثم رفعها للسماء مرةً أخرى وقال:-
– مش عارف أقول أيه، بس إنتَ رحيم وحنين ورؤوف ورزاق وأنا بحبك يارب .. أنا بحبك أووي ومش عارف أشكرك إزاي على كل النِعم دي .. إنت جبرت قلبي يارب..

٠•✦||ــــــــــــــــــ بقلم/سارة نيل ــــــــــــــــــ||✦•٠

بنفس التوقيت بالشُرفة وقفت غصون برِداء الصلاة الأبيض والمزركش بغصون وورود صغيرة زاهية..
تنفست بعُمق وهي تشتم الزهور المزروعة بشُرفتها

رفعت رأسها للسماء وقالت بمنتهى الرضا:-
– على فكرا أنا بحبك أووي .. وعارفة إنك بتحبني يارب.. علشان أنا بحس الحب ده..
أنا عارفة إن صلاة الإستخارة مش معناها إشارة أو رؤيا، بتكون بالتيسير أو التعسير بس أنا عاهدت إن بنتظر إجابة واضحة تريح قلبي وإنت مش بتخذلني أبدًا .. وبعتلي إجابة إمبارح … أنا فرحانة أووي أنا بحسك جمبي ومعايا عالطول متحرمنيش الإحساس ده يارب، خليني جمبك عالطول مش عايزة أتحرم من الإحساس ده.

صمتت وهي تتذكر الرؤيا التي بعثها الله لها كإجابة ومحو لكل القلق والشكوك التي بداخلها..
عندما التفت لها فلم يكن عُدي بالهيئة التي عرفته بها..
بل كان يرتدي الإحرام ووجهه ينبعث منه نورٌ ورضا جميل ويبتسم لها ببشاشة ماددً يده لها وهو يقول:-
_ إستنيتك كتير أوي يا غصون.

لتستيقظ على صوت أذآن الفجر يعلو بالأرجاء فعلمت أنها رؤيا صالحة..

تساقط الدمع من عينيها وقالت وهي تعاود النظر للسماء التي تعشق تأملها:-
– إنت راضيتني .. أنا سمعت كلام كتير أووي يجرح حتى من ناس من لحمي ودمي، قالولي إللي إنتِ عيزاه ده مش موجود أصلًا في الدنيا ومستحيل هو إنتِ مش شايفة مجتمعنا ..
بس أنا أخدت الكلام ده كأنه إختبار .. إختبار إنت بتشوفني هثبت ولا هتراجع وأقول فعلًا أنا عايشة في عالم الأوهام..
بس أنا بفضلك كنت من وسط وجعي وبكائي أقول لنفسي إثبت أُحد والكلام ده كان بيزدني إصرار وكنت أرد عليهم أقولهم بكرا ربنا هو إللي هيرد عليكم لما إللي بتقولوا مستحيل يتحقق..
كلام جارح .. إنتِ خلاص بقيتي خمسة وعشرين سنة .. إنتِ أصحابك كلهم اتخطبوا واتجوزوا .. إنتِ اتخرجتي وإنتِ متخطبتيش لسة..
خلي بنتك يا هدى تخلغ الخيمة إللي هي بتلبسها دي .. عمر ما حد هيبصلها أبدًا..
كنت دايمًا عارفة إللي في إيدك مش بيتوزع بقوانينهم..
كنت متيقنة إن في خير كبير أووي مستنيني..
كنت ومازلت مؤمنة إللي إنت كاتبه أفضل وأرحم من إللي أنا عيزاه..
نظرات الناس كانت وحشة أووي، مبدأهم غريب أوي، ومع العلم أنا مكانش أقصى أمنياتي زوج ولا الزواج كان عندي طموح أكبر ومازال بس دي سُنة الحياة فدعيت إن مُرادي يكون مُرادك يا الله..
النهاردة إنت راضتني ورديت على كل كلمة اتقالت، رب المستحيل هو أنت يا الله .. وكل يوم بتنعم عليا..
قُربك هو النعيم الحقيقي يارب..
يارب متسبنيش أبدًا وارزقني الذرية الصالحة .. نفسي أجيب ولاد وبنات كتير وتساعدني وتعيني أربيهم على مباديء الإسلام، نفسي أنشأ جيل يبقوا قادة زي خالد ابن الوليد…
أنا نفسي أعمل حاجة كبيرة أوي للإسلام، نفسي ذريتي الرسول يتباهى بيهم يوم القيامة…
والله بكل إخلاص يارب..

تنهدت بطاقة وقالت:-
– أنا بحبك أووي يارب..

دخلت غرفتها وابدلت ملابسها وهي تذكر اسم الله، ارتدت فستان من اللون الفستقي متناثر على مُحيطة لألىء بنفس اللون وخمار رقيق من اللون الكشميري قامت بلفه بطريقة مُميزة ساترة..

– يا غصون .. إنتِ يا بت .. مش عارفة البنت دي بتغطس فين كدا..

– أنا هنا أهو يا هدهد .. بتنمي عليا كالعادة..

– ماشي يا ستي حقك عروسة بقى..

تخضب وجه غصون وحاولت أن تغير مجرى الحديث لكن سبقتها والدتها وهي تُجهز بعض الأشياء:-
– عُدي جاي بعد بكرا هو والدته يا عروسة..

– بعد بكرا!! .. بدري أووي يا ماما مش بابا قال هيخليها الجمعة.

– أحممم .. سي عُدي مستعجل أوي وقال لأبوكي مش هيقدر يستحمل للجمعة الواد حالته صعبة والله..
بس بصراحة أبوكِ مقليش أنا سمعته وهو بيتكلم، دا كلام بيني وبينك يا ست غصون أوعي تفتني عليا..

شعرت غصون بالحرج وبدأت تجهز وجبتان من الطعام، ثم هتفت بمرح:-
– تنفعي في المخابرات والله يا هدهد .. بس بجد بعد بكرا بدري أوي..

– بدري من عمرك يا روحي .. خير البر عاجله يا عروسة..

– ماما بالله تبطلي تقولي الكلمة دي…

– عروسة!

– أيوا..

– اللاه ما هي حقيقي .. خلاص وست البنات بنتي حبيبتي كبرت وبقت أحلى عروسة .. وأنا هبقى أم العروسة..

– ماما..!!

– يا عيون ماما..

– يووه بقا..

– اسكتي يا عدوة الفرحة سبيني أفرح يا بت متعرفيش أنا حبيت عُدي قد أيه في الله كدا مع العلم من إني ولا قعدت معاه ولا اتعاملت معاه بس فعلًا المحبة دي بتبقى رزق..

– أحممم طب أنا هنزل بقى وهرجع عالطول بإذن الله.

– خدي بالك من نفسك، بردوة مصممة تنزلي بالوجبتين للولاد دول..

– متقلقيش يا ماما .. ليه الفكرة إللي واخدينها على الأطفال ومتقولوش أطفال شوارع .. الكلمة دي أنا مش بحبها..
وردة ورحيم أنا حبيتهم أوي شكلهم بريء جدًا يا ماما ميستحقوش كدا..

– أيوا يا بنتي بس الدنيا بقى يحصل فيها حاجات غريبة وأنا خايفة يكون حد مسلطهم ولا حاجة..

– لا يا ماما .. صدقيني عيونهم كانت بتقول وجع كبير أووي قدرت أقرأه وأنا واثقة إن طالما أنا ناوية خير ربنا مش هيضيعني وهيكون معايا..

– نعم المولى ونعم النصير يا بنتي .. يلا أنا مستبشرة خير إللي يخلوا بنتي غصون تقوم وتتشملل كدا وتعمل أكل إنما أيه فراخ ولحمة ومكرونة بشاميل ولا أجدع عزومة متفائلة خير والله من وراهم .. وكمان ما شاء الله شوفتي رؤيا جميلة..

– بقى كدا .. ليه متفتكريش مني أي حاجة حلوة .. أنا مش عارفة ليه نكران الجميل ده يا نااس .. دا أنا سُكرة ورقيقة مثل غصون البان..

– حصل يا أوختي حصل.! .. أبوكِ فرحان أوي وقالي خلي غصون تعمل االازم للولاد دول.

– ربنا يبارك فيك يا بابا .. عبدو حبيب قلبي..

– اممم طب يلا انجري من قدامي ومتغبيش علشان عندنا شغل كتيررر.

– يا الله دا إللي كنت خايفة منه…

٠•✦||ــــــــــــــــــ بقلم/سارة نيل ــــــــــــــــــ||✦•٠

وقفت غصون بالقرب من إشارة المرور تبحث عنهم، انفرجت أساريرها حينما رأتهم يجلسون على إحدى الدِكاك..
هرعت إليهم وهي تبتسم في سعادة.

– يا أهلًا بالحلوين..

حينما رأتها الطفلة ابتسمت وهبطت نحو غصون محتضنها:-
– غصون .. كنت خايفة متجيش .. الفطاير كانت حلوة أوي.

أحاطتها غصون بذراعها بحب وقال بحنان:-
– يا روحي وإزاي مجيش لأجمل والورود.

نظرت لرحيم المبتهج وهتفت:-
– رحيم عامل أيه.

– الحمد لله بخير يا غصون.

جلست وسطهم ثم عملت على إخراج الطعام وهي تقول:-
– عيزاكم تسموا الله كدا وتقولولي رأيكم .. أنا إللي طابخة على فكرا ومش عايزة هدهد أمي تشمت فيا..
أنا جايبة أكلي هناكل سوا..

ابتهج الأطفال الجائعين وبدأوا يأكلون سويًا وغصون معهم غير مدركة أن تلك مرتهم الأولى التي يتناولون فيها مثل هذا الطعام..!

– شكرًا يا غصون، دي أول مرة أكل الحاجات دي بعد ما ماما وبابا ماتوا..

شعرت غصون بالألم لأجلهم وقالت:-
– الله يرحمهم .. ربنا أرحم من أي حد..

أكملت غصون متسائلة:-
– طب قولولي إنتوا عايشين مع مين طيب؟!

– مع عمي .. بعد ما ماما وبابا ماتوا أخدنا نعيش معاه..

قالت وردة بحزن وتذمر:-
– بس هو مش بيحبنا ولا طنط مراته وولاده كمان.. بيفضلوا يضربوني أنا ورحيم وكمان مش بيدخلونا البيت وبنام تحت السلم .. ولا بيرضوا يأكلونا وبيقولونا نطلع نشتغل ونأكل نفسنا..

صُدمت غصون من كم هذا الجبروت ونظرت للبؤس المرتسم على ملامح الأطفال..

تسائلت غصون:-
– طب هما مش بيخافوا يحصلكم حاجة لما تخرجوا كدا في الشارع وتغيبوا عن البيت..

قال رحيم بحزن مزق قلب غصون:-
– هما نفسهم منرجعش البيت تاني أصلًا .. في يوم معرفناش نرجع البيت واتأخرنا حتى مسألوش عننا ..
وعمو قالنا أنا ووردة ياريتكم ما رجعتوا ربنا ياخدكم ويريحنا منكم…

ادمعت عيون غصون وبالكاد تماسكت ثم وبقوة قررت أنها لن تصمت، الله قد بعثها لهم وجعل هؤلاء الأطفال بطريقها ليس عبثًا وقفت وقالت:-
– طب يلا بينا..

– هنروح فين يا غصون .. إنتِ خطافة أطفال!

ابتسمت غصون على لُطف وردة وتسائلت:-
– إنتِ عندك كام سنة يا وردة؟

– تسعة يا غصون..

– وإنت يا رحيم؟

– 12 يا غصون .. بس ليه..!

– طب يلا هنروح بيتنا..

– ليه..

– بس متخافوش .. يعني أنا شكلي شرير !!
وبعدين في خطافة أطفال بتستأذن إنها تخطف..
يلا يا ولاد وأنا هقولكم..

٠•✦||ــــــــــــــــــ بقلم/سارة نيل ــــــــــــــــــ||✦•٠

– أنا .. أنا فين وشي .. أنا بقيت مشوة .. إزاي هعيش كدا..
لا لا .. رجعولي شكلي تاني .. رجعولي وشي..

– إهدي يا بنتي .. استعيني بالله واصبري..

نظرت صبا للممرضة ووجها مليء بالضمادات الطبيبة وكذلك أجزاء من ذراعيها وصدرها، شعرت أن الدنيا تدور وجاء بمسمعها تلك الكلمات التي كانت تسمعها لغصون..
وليس هذا فقط بل كانت تتنمر على خِلقة الجميع، تستهزأ بالكثير..
كل المواقف التي قامت بها تمثلت أمامها..

– أنا أستاهل .. دا عقابي على إللي عملته.. كل الناس دلوقتي هيتريقوا عليا وهيقرفوا مني .. محدش هيقبلني خالص..
تعرفي أنا قاسية أووي .. أنا وحشة .. أنا وحشة أووي..
أنا في مرة قولت لبنت كانت مصابة بالسرطان وبتتعالج بالكيماوي .. كان شعرها وقع وحواجبها وشكلها بهتان..
تعرفي قولتلها أيه!!
قولتها .. شكلك مُقرف أووي..
تعرفي أنا إللي طلعت مقرفة لأبعد درجة ممكنة..

أكملت بتألم ودموع أغرقت جروحها:-
– أنا عايزة أتأسف من الناس دي كلهم..
غصون وإللي زيها…

———————–

في مشفى للأمراض النفسية والعقلية..

كانت تجلس أسيل في وسط المرضى وقد نجحت في إقناع الشرطة أنها غير سليمة عقليًا..

– الطريق بقى قصير خلاص .. هقدر أهرب من هنا بكل بساطة وأخلص عليكِ يا غصون..

«حُــب فــــوق الــغــــصــون»
بقلم سارة_نيل.

«حُــب فــــوق الــغــــصــون»
*الـحـلـقـة التاسعة عـشـر* ’19’

– تعالوا ادخلوا واستنوني هنا ثواني.

– حاضر يا غصون.

ولجت إلى الغرفة ودخلت خلفها والدتها..

– مين دول يا غصون، في أيه يا بنتي.!

نظرت لوالديها ثم بدأت تحكي كل ما تعرفه عن رحيم ووردة وقالت:-
– وردة ورحيم ملهمش حد في الدنيا وحتى عمهم ميتقالش عليه عمّ لأنه نفسه يتخلص منهم بأي طريقة، فهما ملهمش أمان معاه..
شكلهم أطفال متربية كويس يا بابا ومش ذنبهم حاجة، أنا مأخدتش قرار ألا ما أكلم حضرتك الأول.
دي فرصة ناخد الأجر ونمتثل حديث الرسول صلّ الله عليه وسلم .. “أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما.”
أنا شوفتها فرصة حسنات نغتنمها..
رحيم يا بابا عنده ١٢ سنة يقدر يشتغل معاك في ورشة الخشب ويبقى ليه الأوضة إللي جمب الشقة يقعد فيها وهي متجهزة من كل حاجة..
أما وردة تقعد معانا هنا ونربيها وأعلمها كل حاجة، نخليهم يكملوا تعليم ونرعاهم وكمان هما يسلوكم..

صمتت وقالت بحماس وتمني:-
– حتى لو اتجوزت هبقى بردوة المسؤولة عنهم.
وإنت يا بابا تقدر تسأل عن أهلهم الله يرحمهم، أنا سألت عنهم وكانت والدتهم إنسانة صالحة جدًا ووالدهم سيرته طيبة، وسمعت من الجيران إن حياة رحيم ووردة مع عمهم وولادة سيئة لأبعد الحدود وهو مستعد يرميهم في الشارع في أي لحظة..

فكر والد غصون مليًا بينما قالت والدتها مستنكرة:-
– إزاي يا غصون ندخل ولاد منعرفش عنهم حاجة بيتنا، إللي بتقوليه دا صعب يتقبل، إحنا ممكن يا بنتي نتكفل بمصاريفهم وهما في أي مكان ولا في دار للأيتام.

ابتسمت غصون وقالت بحزن:-
– المسألة مش مسألة فلوس ولا مصاريف يا أمي، النفسية والإحتواء والدفء إللي هيتحرموا منهم..
هيكونوا أيه بعد كدا .. أيه النموذج إللي هيبقوا عليه!
كفالة اليتيم مش مقصودة بيها الفلوس والأكل والشرب يا أمي، إدخال السرور على قلوبهم وإحتوائهم مش بالفلوس أبدًا، إنك تخلقي لهم جو أسري وتعويضهم إللي اتحرموا منه ومش تحسسيهم أبدًا بالنقص دا المطلوب.
وطالما إحنا نقدر على كدا مفيش مشكلة، وبردوة القرار لكم.
إنتِ ممكن تبصي في عيونهم وتمسحي على راسهم هتحسي بكلمة يُتم فعلًا..
جربي كدا واطلعي بصيلهم هتلاقي قلبك بيتحرك لهم تلقائي.
بعد إذنكم.

وجاءت لتخرج فقال والدها:-
– استني يا غصون أنا جاي معاكِ.

وخرج بصحبتها وجاءت والدتها خلفهم..

وقف والد غصون أمام وردة ورحيم المُنكسين لرؤسهم وحقًا كما قالت غصون يرتسم على وجوههم اليُتم.

– اسمك أيه يا حبيبي.

تسائل والد غصون لرحيم.

رفع الفتى رأسه وقال بتهذيب:-
– رحيم يا عمو.

– عندك كام سنة يا رحيم.؟

– اتناشر سنة وأنا كنت في المدرسة بس عمو قالي معدتش أروح.

شعر والد غصون بالألم والغضب لأجل تلك الأطفال فحقًا يُحركون القلب تجاههم فورًا.

انكمشت وردة بأخيها حينما نقل والد غصون أنظاره تجاهها فقال برفق:-
– وإنتِ يا مسكرة اسمك أيه.

– اسمي وردة يا عمو وعندي تسع سنين ونفسي أروح المدرسة تاني علشان بحبها بس مرات عمو بتضربني وبتقولي مفيش شحاتين بيتعلموا.

كانت والدة غصون تشاهد الموقف وحينما تأملت الطفلة وسمعت تلك الكلمات آلمها قلبها وذرفت الدموع..

اتجهت نحوهم ثم جلست على الأريكة وبرفق أشارت لوردة وقالت:-
– طب ما تيجي أخد بوسة صغيرة من خدود الورد دي يا أحلى وردة.

ترددت الطفلة بعض الشيء لكن حينما اطمئنت لملامح هدى المُحبة اقتربت لتجذبها هدى بأحضانها وعندما استشعرت وردة الحنو منها انغمست بأحضانها أكثر وهي تشعر أن لديها شيء مشترك مع والدتها الراحلة..

جذبت هدى رحيم هو الأخر وقالت وهي تمسد على ظهورهم:-
– من النهاردة خلاص بقى دا بيتكم .. وهتروحوا المدرسة وهعملكم كل الأكل إللي بتحبوه ومحدش هيقدر يضربكم.

رفعت وردة رأسها لغصون وقالت:-
– يعني دول مامتك وبباكي يا غصون وإحنا كدا هنفضل معاكِ ومحدش هيضربنا .. ومش هبقى جعانة تاني..

محت غصون دمعها وأماءت برأسها مبتسمة لتركض نحوها وردة محتضنها بقوة طفلة مردفة:-
– أنا بحبك أووي يا غصون .. إنتِ الملاك إللي ماما قالت عليه، هي قالتلي لما كانت تعبانة إنها بعد ما تروح عند ربنا..
ربنا هيبعتلنا ملاك ياخد باله مننا ونبقى معاه..
إنتِ حلوة أوي يا غصون وأنا بحبك.

احتضنتها غصون بقوة وقالت وهي تمسد على رأسها:-
– وأنا بحبك أووي يا وردتي ومن النهاردة هتبقي صاحبتي وأختي وبنوتي الحلوة ومش هسيبك أبدًا وهنعمل مع بعض حاجات حلوة أوووي..

– هيااااه .. أفرح يا رحيم مش هنروح عند عمو تاني ولا حد هيضربنا.. هنفضل مع غصون وباباها ومامتها.. أنا فرحانة أوي يا رحيم.

– وأنا كمان يا وردة .. أنا بحبك أوي يا غصون وبحب عمو وطنط أوي.. شكرًا جدًا لكم وبوعدكم أنا ووردة هنكون محترمين ومش هنعمل حاجة مش كويسة..

قالت هدى بحنان:-
– إنت تعمل وتلعب وتهيص وكمان هنتفسح سواا ونعمل إللي نفسنا فيه..

وظلوا يمرحون ويبتسمون وبدأ العمّ عبد القادر يعتني برحيم وبكل ما يخصه، وأخذت غصون وردة بسعادة للغرفة وبدأت بتعليمها أشياءً كثيرة وتحضير الطعام التي تتوق لتذوقه..
ثم اصطحبتها لشراء الملابس وكل ما تحتاجه..
لتُحممها وتُلبسها ملابس جديدة وتُمشط شعرها وتجعله في جديلة رقيقة..

– واووو هدوم جميلة أووي يا غصون وناعمة، وشعري بقى جميل أوي .. رحيم هو إللي كان بيسرحه وكان مش بيعمله حلو..

– لما نلاقي حاجة حلوة وتعجبنا ونبقى مبسوطين، نقول ما شاء الله .. ونحمد ربنا على النِعم دي علشان يدينا أكتر ..
نقول الحمد لله..

– الحمد لله يا غصون، أنا بحب ربنا علشان بعتك لنا أنا ورحيم .. الحمد لله يارب أنا بحبك أووي، خلينا عالطول مع غصون وخليها هي وبابا عبدو وماما هدهد يحبونا دايمآ..

ابتسمت غصون وقبلتها من وجنتها بقوة ثم أردفت:-
– أيه الوردة الجميلة دي يا ولاد .. ريحتها حلوة وعايزة تتقطف..

– شريرة عايزة تقطفي الورد ..

– أنا شريرة .. طب أما نشوف مين هيحكي الحكاية الليلة.

جاءت بجانبها مسرعة والتصقت بها هاتفة برجاء:-
– خلاص يا غصني .. إنتِ طيبوبة وأحلى غصن في الوجود.

– بكاشة … هممم يا ترى ورانا أيه..

قالت وردة تعد على أصابعها:-
– هنحفظ سورة التكوير بعدين أسمع باقي قصة سيدنا محمد صلّ الله عليه وسلم بعد ما السيدة حليمة السعدية أخدته، وبعدين نسمع حلقة من شامة في البراري وبعدين نقول أذكار النوم وننام والحمد لله.

– الناس إللي بقت حافظة النظام من يوم واحد .. أشطر كتكوت يا أخوتي..

– غصون .. غصون .. قوليلي مين عُدي إللي هيجي بكرا مع مامته .. ماما هدهد مش بتبطل تتكلم عنه..

– ماما هدهد زهقتني بسيرته..

نظرت لها وردة بنصف عين وقالت بشك:-
– بقى زهقتك … بس أنا بشوفك بتفرحي يا غصغص..

– بنت .. والله صحيح معدتش في عيال.. عجب العُجاب.

– دا عريس غصون .. إنتٍ هتتجوزي عُدي صح..

– بنت..!

– خلاص خلاص سكت يا عُدي قصدي غصون يوووه..

٠•✦||ــــــــــــــــــ بقلم/سارة نيل ــــــــــــــــــ||✦•٠

وقفت الممرضة رجاء بجسدها الضخم أمامها متخصرة وترفع إحدى حاجبيها مع نظرة تبصق شررًا..
انحنت نحوها وأمسكتها من ذراعها بقوة وهتفت بجفاء:-
– أيه مفكرة إن لعبتك دي هتفوت عليا يا بت .. كان غيرك أشطر يا حيلتها .. لعلمك من أول ما دخلتي هنا وعيني وقعت عليكِ عرفت إن ده ملعوب منك وإنك بتمثلي علشان تهربي من التخشيبة يا مجرمة..

ضغطت رجاء على ذراعها بقسوة أكثر:-
– بس جيتي لقدرك .. هخليكِ تقولي ياريتني كنت اترممت في التخشيبة ولا جيت هنا .. هربتي من المُر للي أمرّ منه..
أنا رجاء على سن ورُمح وهعلمك الأدب يا مسجونة..
انسي إنك تهربي ولا تطلعي من هنا إلا على القبر، دا في أحلامك دخول الحمام مش زي خروجه بما إنك دخلتي هنا بمزاجك وعايزة تإذي خلق الله..
دخلتي وإنتِ عاملة نفسك مجنونة وأنا هخليكِ مجنونة بحق وحقيقي.

كانت أسيل مع كل كلمة تنكمش أكثر وقلبها يرتجف خوفًا من نظرات تلك الممرضة التي يرتسم على وجهها معالم الشر فأدركت أنها قد وقعت بين مخالب من لا يرحم، وأن الله يُمهل ولا يُهمل وقد حان وقت الحساب..
لتُعيد ترتيب حسابات جديدة وينهدم بناء أحلامها المؤذية فوق رأسها…

٠•✦||ــــــــــــــــــ بقلم/سارة نيل ــــــــــــــــــ||✦•٠

دخل الغرفة بصمت ثم بدأ بروتين إعتيادي يتفحصها ويكتب أدوية ويمحو أخرى دون أن ينبث ببنت شفة تحت نظرات مِسك الصامتة ووالدتها الحزينة..

إنتهى عُبيدة، فابتسم للخالة فادية وتسائل:-
– بعد إذنك يا أمي ممكن أقول كلمتين.

– طبعًا يا ابني اتفضل..

نظر باتجاة مِسك وقال بهدوء:-
– أووعي تفتكري إن أنا تنازلت، أنا هفضل منتظرك العمر كله، بس عايز أقولك على حاجة إنتِ فاهمة غلط وظلمتيني يا مِسك ومحتاجة تعيدي حساباتك تاني…
فكري في كلامي وإلجأي لرب العزة سبحانة وتعالى واستخريه وخدي الإجابة منه..
وإياكِ والتسرُع يا مِسك..

ثم اتجه نحو الباب مبتسمًا وقال:-
– السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

٠•✦||ــــــــــــــــــ بقلم/سارة نيل ــــــــــــــــــ||✦•٠

يوم الأربعاء….

_ هاا يا بيلا أيه رأيك هاخد ورد وشوكولاته وأيه كمان .. تورته ولا جاتوه .. ويا ترى هي بتحب لون أيه في الورد!!

ظل يتحرك ذهابًا وإيابًا ثم وقف أمام المرآة وتسائل بحيرة:-
– أيه رأيك البليزر السمني ولا الرصاصي، وكدا شعري حلو ولا أيه.!!

حركت رأسها دون فائدة قائلة بمرح:-
– كفاية بقى يا عريس .. والله إنت حلو في كل حالتك يا عُدي..

وقف أمامها وقبل يديها ثم قال:-
– بقولك يا بيلا بصي يا ستي إحنا نتفق إن نكتب الكتاب عالطول تبقى خطوبة مع كتب كتاب يعني .. وأقصى حاجة للفرح خمس شهور..
الله يباركلك يا بيلا الجميلة أقفي مع إبنك..

– بس الناس مش هتوافق يا ابني إنتَ ناسي إن بردوة غصون من حقها تتعرف عليك وتتطمن من ناحيتك مينفعش كدا..

– بعد الجواز يا ستي نعمل فترة خطوبة..والله أنا طيب يا بيلا.

– عقلي يا نااس .. والله أنا أشك إن الناس دي هتطردك النهاردة ويقولولك اتكل على الله من هنا يا ابني أيه الاستعجال ده كله..

– وتعاونوا على البر والتقوى يا أمي.

– طب أيه دخل ده في دي طيب يا سي عُدي..

– مش عارف ليه مش حاسين بيا .. الراحمون يرحمهم الرحمن يا مؤمنين..

– أوعى تفضحني بعمايلك دي قدام الناس يا عم النحنوح.

– الله يسامحك يا أمي .. يلا الصبر جميل..

ثم وقف مرة أخرى أمام المرآة يُعدل من هيئة خصلاته وقال بحسم:-
– هلبس السمني أحسن .. أخليني في الفواتح..
أما بالنسبة للورد لازم أختار ورد يناسب غصوني..
اممم عرفت باقة الورود هتبقى أيه، هجمع فيها كل إللي عايز أقوله وصفات غصوني..
باقة من الأقحوان تدل على براءتها ونقاءها وعفتها وطهارتها وإخلاصي لها العمر كله إن شاء الرحمن.. وعلى الحواف ورد القرنفل الأحمر بتعبر عن حُبي العميق اللامُنتهي بإذن الله.

ابتسم بسعادة وقال بنبرة تقطر فرحًا:-
– جايلك يا أرق الغصون وحياتك معايا هتبقى من نوع تاني بوعدك بكدا قدام ربنا.

«حُــب فــــوق الــغــــصــون»
*الـحـلـقـة العشرون* ’20’ والأخيرة.

– هاا يا وردة اللبس كدا حلو.!

– قمر يا غصون، بس إهدي هو إنتِ خايفة ليه كدا!

– مش خايفة ولا حاجة يا وردة بس متوترة شوية.

– طب ليه طيب، هو عُدي دا حد مش كويس.

ردت غصون مسرعة بتلقائية:-
– لا لا مش كدا .. أوف اسكتي يا بنتي اسكتي.

نظرت غصون في المرآة فكانت ترتدي فستان رقيق فضفاض بلون السماء وعلى رأسها حجاب أبيض محتشم فكانت بغاية الجمال والرقة.

دقائق وكان والدها يصطحبها للداخل وهي في قمة توترها..

– السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ابتسمت والدة عُدي حينما رأتها بهيئها المحتشمة الرقيقية، استقامت وأخذت غصون بحنو داخل أحضانها..

– أخيرًا شوفتك يا غصون، حقه والله عُدي، تبارك الرحمن ربنا يبارك فيكِ يا حبيبتي.

– أهلًا بحضرتك يا طنط نورتينا.

– لا طنط أيه .. ماما .. من النهاردة.

ابتسمت لها غصون بوِد وجلست بجانبها فكانت على مقربة من عُدي الذي كان يجلس بتحمس شديد لكنه لم يستطع أن ينبث ببنت شفة.
كانت غصون بقمة خجلها وتخضبت وجنتيها بحُمرة زادتها جمالًا.

مسدت والدة عُدي على كتف غصون بحنان، هي لم تحبها من الآن فقد أحبتها منذ خمس سنوات..
وتشعر الآن بسعادة غامرة.

– إحنا اتشرفنا بيكم يا أحباب بجد، شرف لنا نطلب إيد كريمتكم غصون على سنة الله ورسوله لإبني وحبيبي عُدي.

قالت والدة غصون وقد شعرت بالراحة لوالدة عُدي فوجهها يرتسم عليه معالم الطيبة والحنان وقد قرأت بأعينها حبها لإبنتها:-
– والله إحنا إللي اتشرفنا بيكم يا أم عُدي، كلك ذوق يا غالية.

قال والد غصون وهو يغمز لعُدي:-
– أخبارك يا وحش..

– زي ما إنت عارف يا حاج عبدو مش عايزك تشد عليا..

– بردوة مش بتسمع الكلام… إنتَ حر إنت إللي هتعيط.

– استر يارب.

تنهد عُدي وقال:-
– عمّ عبدو إن شاء هنحدد الخطوبة إمتى، أنا بقول الجمعة إللي هي بعد بكرا، بصراحة أنا كنت بطلب من حضرتك يعني نكتب الكتاب مع الخطوبة..
ونحدد الفرح بعد العيد الكبير بإذن الله.
أيه رأيك .. إللي يناسبك بردوة..

فُزعت غصون من كم الجُمل التي قالها خلف بعضها بينما والدة غصون ففرغت فاهها بصدمة..
نظرت نبيلة له بتحذير ليبتسم والد غصون ويقول:-
– وحد الله يا عُدي باشا.

– لا إله إلا الله يا عم عبد القادر.

– نتفق زي الناس بقا يا حبيبي.

– براحة عليا يا حاج عبدو.

– نحدد الخطوبة الأول بس.

– أيه رأيك في الجمعة الجاية إن شاء الله.

– إللي هي بعد بكرا.!

– أيوا .

– طب دا يصح يا عُدي، إن شاء الله إللي بعدها وكمان بدري، إحنا هنعزم أهلنا وأصحابنا ونجهز نفسنا.

وافق عُدي على مضض وهو يكاد يبكي، وظلوا يتناقشون في بعض الأشياء وفي الأخير خرج الجميع وبقت غصون بصحبة عُدي ورحيم الصغير.

– منور يا رحيم.

– دا نورك يا أبيه عُدي.

ابتسم له عُدي فقد علم الحكاية بأكملها وحقًا لم يتعجب فهو يعلم ما عليه غصون جيدًا..

– إزيك يا غصون عاملة أيه.

أجابت بخجل:-
– الحمد لله بخير.

مد يده بباقة الورد وقال:-
– اتفضلي.

أخذتها من بين يديه بإبتسانة عريضة وهي تتأمل جمال الورود فهي حقًا تعشق الأقحوان أما ورود القرنفل فذوق خاص من نوعه..

– شكرًا جدًا ربنا يجازيك خير.

– العفو دي حاجة بسيطة يا غصون.

تسائل وهو يفتح حديث معها:-
– أيه رأيك في كتب الكتاب مع الخطوبة.

– من رأيي نستنا نص الفترة .. يعني أنا بفضل أنتظر شوية..

– ااه تمام إللي يريحك أكيد.
إنتِ مُناقشة تصميمك الأسبوع الجاي إن شاء الله.

– أيوا بإذن الله ربنا ييسر الحال.

نظر لها وقال بحنان غلب على نبرته:-
– متقلقيش وخليكِ طبيعية إن شاء الله هيعدي على خير.

– بصراحة أنا متوترة جدًا؛ لأن بيقولوا إن اللجنة شديدة شوية.

– إنتِ قدها وقدود، متفكريش في اللجنة فكري في هدفك وبس.

– عندك حق فعلًا.

– إن شاء الله هكون متواجد، بس ممكن أطلب منك طلب.

– اتفضل أكيد..

– بصراحة أنا بدأت أنشأ مؤسستي الخاصة للتصميم وفي حاجة ماسة لمُصممة مُبدعة ومتميزة شبهك، تقبلي تكوني فرد منها.

ابتسمت غصون على إستحياء ورددت بمرح:-
– حاليًا أنا عواطليا وسيبت الشغل .. أفكر في عرضك يا باشمهندس عُدي أيه المانع.

بادلها عُدي الإبتسام وقال:-
– دا يزدني شرف يا سنيوريتا.

ظلت المحادثة بينهم على هذا النحو يتعرفون على بعضهم أكثر ويتعارف الأهل أكثر وأكثر..

٠•✦||ــــــــــــــــــ بقلم/سارة نيل ــــــــــــــــــ||✦•٠

– بقاا يطلع دا كله من وراكِ يا بت يا غصون، أنا قولت كدا بردوة حسيت إن في كيميا كدا.

– بلا كيميا بلا فيزيا يا ست أروى، افتحولي تحقيق بقاا، والله كان الموضوع لسه وأنا يعني مش حبيت أقول ألا ما خلاص يبقى في حاجة.

– وأخيرًا هنفرح يا غصغض، فرحانة أووي وفرحانة أكتر إن إنتِ وأروى جيتوا تاني.

– متقلقيش يا مستكا وهنفرح بيكِ إنتِ كمان عن قريب إنتِ والدكتور عُبيدة..

– مين قال كدا بقاا يا ست غصون.

– أنا يا ست مستكا.

– بصراحة يا غصون أنا تايهة وخايفة أوي.

– طب قوليلي من أيه.!

– ظروفي الصيحة و…

– بجد إنتِ بتصدميني من طريقة تفكيرك يا مِسك، الشيطان مالي دماغك بأوهام وهواجس ملهاش أي أساس من الصحة.
قوليلي يا مِسك أيه هيجبر عُبيدة عليكِ، أيه السبب إللي يخليه أصلًا يفتح موضوع شبه كدا!
كان عندك مشكلة واتعالجتي والحمد لله وكل شيء بإذن الله، ومين قال إن مش نافع لكِ زواج ولا إنجاب، إنتِ إزاي تحكمي الأحكام دي يا مِسك وتقرري كدا من نفسك..
وعلى فكرا صحيًا تقدري تنجبي بإذن الله ومفيش أي مشكلة من حيث الطب وطبعًا كله بأمر الله، بتكون إنسانة مفيهاش أي حاجة وربنا مش رايد.
كل إللي أقدر أقولهولك اغلبي الشيطان يا مِسك واهزميه ومتسمعيش إللي بيقوله.
متحرميش نفسك الفرحة ولا تحرمي أهلك منها واستخيري ربنا مش هيخذلك أبدًا.
دا رأي … قولي كمان يا رورا أنا كلامي في حاجة غلط.

ابتسمت أروى التي تغيرت طريقة ملبسها فكانت ترتدي جيب فضفاض من القماش أعلاها سُترة رقيقة، وحجاب طويل مُزركش بالورد.

– بصراحة يا مستكا إنتِ مكبرة الموضوع، أنا شايفة إن الدكتور عُبيدة حد مُلتزم جدًا وكويس، وعيزاكِ تتطردي الوساوس دي لأن صدقًا دي من أفعال الشيطان.
هقولك على حاجة، قرأت إمبارح، حديث الرسول صلّ الله عليه وسلم “إن جاءكم من ترضونه دينه وخلقه فزوجوه وإلا تكن فتنة وفسادٌ كبير”، وما شاء الله الكل شهد على أخلاقه ودينه.
يعني توكلي على الله وسيبي الباقي عليه وسيبك من كل حاجة، دي رسالة من الرسول كفيلة تمحي كل شك جواكِ.

شعرت مِسك بالراحة والس*كينة تغمرها من حديث أروى وعند ذكر حديث الرسول ﷺ، ابتسم وقالت براحة:-
– الحمد لله إن ربنا رزقني بيكم، والله مش عارفة أنا عملت أيه حلو علشان يرزقني بيكم.
اللهم لك الحمد يارب.

ابتسمت غصون وقالت:-
– يعني نقول أشطا .. ونزغرد.

– أيوا ما إحنا هنزغرد يا عروسة، كلها الجمعة معدتش حاجة.

– خلاص بقاا بلاش تقولوا عروسة..

– صحيح يا غصون نظام الخطوبة هيبقى أيه، وكمان الفستان نويتي أيه عليه.!

تنحنحت غصون واحمرت وجنتيها حرجًا تحت نظرات مِسك وأروى المراقبتان الموقف بدقة، ورددت:-
– بصراحة .. احممم .. يعني عُدي قال إن الفستان عليه وهينفذه من تصميمه وكدا، في موظفة جت وأخدت المقاسات، هو صمم إن هيكون أول فستان يتصمم في المؤسسة والشركة إللي أسسها.

– يا سلام يا سلام اشجيني اشجيني يا أوختي شوفي يا بت يا أروى رومانسية من طراز فريد.

ابتسمت أروى وقالت:-
– أمال هي غصون أي حد يا مستكا ولا أيه.
وقوليلي بردوة هتكوني أول الموظفين بردوة يا غصغص، لا لا موظفين أيه هتكون صاحبة الشركة يا جماعة..

– بطلوا أقر إنتِ وهي، بصراحة أيوا نويت أشتغل فيها وأسس الشغل معاه.

– قرار ممتاز يا غصون .. إنتِ تستحقي تبدأي وتأسسي شغلك من البداية، وبصراحة عجبني الإسم أوي وأول ما قرأته على الإعلان عرفت إنه إختيارك.

– أنا عرفت يا ستي إن هو من أول ما نزل مصر وهو بيأسس في مشروعه علشان يبقى ليه شغل منفصل وعايز يعمل علامة تجارية خاصة بيه، وبصراحة لما اقترح عليا اسم وفاجئني إن المشروع هيكون مشترك بينه وبيني، اخترت الإسم ده ..”كُوني فضفاضة”..
لأن دا كان حلمي … والحمد لله اتحدت الأحلام والأهداف.

– حلو أوي يا غصون عقبالي يارب.

ابتسمت لها غصون وقالت بصدق:-
– إن شاء الله يا أروى ربنا يرزقك بالزوج الصالح التقي إللي يحبك في الحلال، ربنا يسعد قلبك لأنك بجد تستحقي يا أروى وجواكِ نضيف أوي يا حبيبتي.

صمتت أروى وقد غام الحزن على أعينها فها هي قد تمت الثامنة والعشرون وقد حسبها المجتمع الظالم ممن هم قد فاتهم قطر الزواج الملعون وقد باتت هي الأخرى تتصرف بنفس المبدء، أردفت بصدق نابع من قلبها:-
– تعرفي يا غصون أنا لما التزمت في الصلاة ووسعت لبسي وبقيت ألبس حجاب بطريقة صح، إللي كنت بلبسه الأول ده أنا مش بعتبره أصلاً حجاب ربنا يعفو عني يارب..
وبدأت احفظ السور الصغيرة من القرآن ودخلت في جروبات حفظ إللي قولتيلي عليها وكمان معايا المصحف المُعلم بتاع الشيخ المنشاوي، حاسة براحة وس*كينة جوايا كنت مفتقداها من زمان بل أصلًا عمري ما حسيت بيها، والأهم من دا كله الرضا إللي بقيت أحس بيها..
تعرفي دا كله عندي بالدنيا، بقيت حاسة إن معدتش عايزة حاجة من الدنيا ولا شايلة هم حاجة، وبقيت أسأل نفسي أنا كنت فين من دا كله إزاي كنت حارمة نفسي من الحاجات دي كلها، بجد يا غصون أنا مش عارفة أشكرك إزاي لكِ الفضل بعد ربنا سبحانة وتعالى لولا إن قابلتك مكونتش عرفت الحاجات دي كلها..

ترقرق الدمع بأعين غصون ثم احتضنت يديّ أروى بين كفيها وقالت:-
– أنا إللي محظوظة علشان ربنا رزقني بصاحبة قلبها أبيض زيك يا أروى، إنتِ من جواكِ إللي كنتِ حابة التغير وأنا مليش أي دخل، ربنا هو إللي وضع جواكِ ده، ربنا بيحبك وهو إللي هيختارلك إنسان يستحق طيبتك دي.

ابتسمت أروى وقالت:-
– إن شاء الله يا غصون، قوليلي بقاا نظام الخطوبة هيبقى أيه؟!.

– بصي يا ستي هتبقى إن شاء الله منفصلة، هنهيص ونفرح بس بالحلال هنبقى إحنا وأصحابنا البنات وقرايبنا يعني هتبقى على الضيق وهنحضر ليستا حلوة من الأناشيد والدوف وهنزين المكان إن شاء الله.

– حلو أوي يا غصون بجد أفكار جميلة.. فكرة إن تبقى منفصلة جميلة يعني نعرف ناخد راحتنا ونتصور كمان، بس كدا عُدي يعني مش هيلبسك الدهب ولا هيتصور معاكِ.!!

– بصي يا ستي عندي أفكار حلوة، هو هيناولني الدهب وأنا ألبسه لنفسي من غير تلامس وتبقى ذكرى حلوة، وعندي واحدة صاحبتي بتصور سيشن على قدنا كدا هتصورنا بردوة صور تذكارية بردوة من غير أي تجاوزات.

– يا سلام والله أفكار حلوة .. الواحد يقدر يعمل كل حاجة أهو.

– دي حقيقية فعلًا يا أروى تقدري تفرحي وتعملي كل إللي في نفسك بس بحدود، وبصراحة بشوف تجاوزات الخطوبة أوڤر أوي وبتفقد الشغف وتحسي إن كل حاجة بعد كدا ملهاش طعم، بس إوعي تفكري إن ضوابط الخطوبة بتكون سهلة ولا مجرد كلام لا دي عايزة مجاهدة وصبر واستعانة بالله وأهم حاجة صدق، فترة الخطوبة مش بيثبت فيها ألا الصادق ميغركيش بقى اللحى ولا الخمار ولا النقاب، إللي بيخرج من فترة الخطوبة من غير معصية الله هو البطل الحقيقي..

– ما شاء الله أنا اتحمست أووي وهبحث في الموضوع ده، وإن شاء الله لما ربنا يرزقني هطبق ده بس أهم حاجة يكون الشخص إللي معايا عنده نفس المبدأ ومستعد.

– دا حقيقي فعلًا يا أروى، ربنا يزيدك ويحببك في كل حاجة ترضيه، بصي اسمعي لدكتورة هالة سمير في الموضوع ده هتفيدك جدًا.

– إن شاء الله هبحث عنه، بصراحة جذبتني أوي أصلًا حاجة لطيفة الصراحة.

– تعرفوا يا ولاد ربنا منع كل حاجة لحكمة ومصلحة لنا، يعني مثلآ بعيدًا عن الدين مع العلم هو الأساس بس تلاقي إللي بيقضيها وقت الخطوبة ومش بيحط حدود تلاقي بعد الزواج خلاص زهد الحاجات دي وتلاقي الحياة مفيهاش بركة والفتور مستولي على الأيام وعلاقة الزوج والزوجة، حتى لو استمروا كويسين وتمام شوفي لمدة أيه .. سنتين تلاتة خمسة عشرة… بس مسير تلاقي منحدر الحياة بيتغير بعد كدا.. هتقوليلي طب ما أي حد كدا والفئة التانية بردوة مسيرها تتحول .. أقولك لا مستحيل..
ربنا لا يخلف وعده أبدًا مُحال على الله، وهو قالنا كدا “والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبلنا”
كمان ربنا بيقول في الحديث القدسي “ومن أراد مُرادي أردت ما يُريد”.
يعني إحنا عايزين نعمل الحاجات دي كلها ليه!!
علشان دا إللي يرضي ربنا فأكيد مش هيخزلنا أبدًا.

تنفست وقالت بإبتسامة مشرقة:-
– علشان كدا ربنا وصف العلاقة إللي بين الزوج والزوجة بأيه وجعلنا بينهم مودة ورحمة..
جعل أساس العلاقة الوِدْ والرحمة وطبعًا مفيش بعد كدا، إحنا هنحتاج أيه بعد الوِد والرحمة لأن بيجي بعدهم كل حاجة.
يعني ماجعلش الحُب هو القائم؛ لأن المشاعر بطبيعتها مُتقلبة مشاعر الإنسان مش بتستمر على حال وعلى فكرا أثبتوا دا بالعلم كمان .. يعني فرضًا جدلًا الحب دا إنتهى يبقى كدا خلاص الدنيا اتهدت وتخرب الأسرة وكل واحد يروح لحاله، طب لو في أطفال!!
فحكمة ربنا عز وجل كبيرة.. سبحانك يا الله!
أحلى حاجة نخلينا واقعين يعني سيبك من جو المسلسلات والأفلام الهندي وشغل الروايات .. لا الإسلام سما بينا عن كل ده، علشان الحياة يبقى فيها راحة وبركة وكمان حُب سبحان الله .. طمنوا قلوبكم طول ما إنتوا مع الله وعايزين إللي يرضيه هو هيرضيكم بطريقة تدهشكم..

نظر كلا من مِسك وأروى لبعضهم البعض وقالتا في نفس الوقت بمكر:-
– يا بخت سي عُدي بيكِ بجد يا غصغص..

– نننييييي .. تعالوا هنا هعضكم من خدودكم إللي فرحانين بيها دي إنتِ وهي..

قالت أروى وهي تستقيم هاربة:-
– لا أنا همشي أنا بقى واهرب.

كانت تنوى الدخول للمشفى حيث كانوا يجلسون بالحديقة الخاصة بها، فتسائلت غصون بتعجب:-
– هتروحي على فين يا أروى، داخلة المستشفى ليه؟!

– خير يا غصون، كنت من فترة عايزة أعمل تحاليل دم شاملة وبالصدفة لقيت إعلان أن المعمل إللي هنا في المستشفى عامل خصومات وكلام من ده.. هدخل يسحبوا عينة الدم وأحلل إن شاء الله أشوف أخر الدوخة والصداع ده.

– ألف سلامة يا رورا، طب أصبري أجي معاكِ.

– لا يا غصون مش مستاهلة أنا مش هغيب خليكِ إنتِ ومِسك هنا.

قالت مِسك:-
– طب إبقي طمنيني بقى يا رورا.

– حاضر يا عسلات، يلا سلام عليكم.

وذهبت بإتجاة مدخل المشفى وهي تعدل من وضع حقيبتها وتحمل ملف التصاميم الخاص بها وفوقه كتاب..
رنّ هاتفها فعملت على إخراجه وهي تقف أمام المصعد، وصل المصعد فولجت للداخل وهي مازالت تبحث بالحقيبة بتعجل ولم تلحظ الكتاب الذي انزلق منها..

كان بالمصعد ممرضتان وأحد المرضى وشاب يبدو من هيئته طبيب لكن أروى لم تلحظ أحد فقد كانت مشغولة بمن يتصل والتي قد كانت المدام زيزي..

انحنى وأخذ الكتاب وهو يُقلبه بين يديه بينما أجابت أروى بصوت منخفض.

– السلام عليكم، أهلًا يا مدام زيزي.

ابتسم حينما قرأ اسم الكتاب “كوني صحابية”، فتحه لتتسع إبتسامته حينما كُتب بخط اليد أسفل العنوان
“أوْدُ بشدة أن أكون كذلك”
-أروى-

همس بصوت حاني:-
– أروى .. أروى.

قالت أروى بصدمة وأعين مترقرقة:-
– إزاي كدا يا مدام زيزي، طب وأنا أعمل أيه دلوقتي!

ردت زيزي من الجهة الأخرى:-
– دا إللي هيحصل يا أروى، للأسف إحنا هنصفي الشركة وهنسافر برا ونبدأ شغلنا من جديد، لو حابة تيجي معانا وتكملي أهلًا وسهلًا ولو مش حابة خلاص يبقى كدا الله يوفقك.

هزت رأسها نافية:-
– لا مش هينفع أسافر برا، أنا عايشة مع أمي ومرتبطة بيها ومعرفش أصلًا أسيب بلدي ومكاني، ربنا يوفقكم يارب..

– ويوفقك يا أروى .. مع السلامة.

– الله يسلمك.

صمتت بشرود بينما كان يتابع الموقف بفضول وعقله يطرح تساؤلاتٍ جمّا..
– يا ترى مالها .. شكلها زعلان .. وهي مين .. شكلها نقي أوي وطيب، يا ترى حالتها الإجتماعية أيه أكيد عزباء..!!
لو حبيت أطلب منها رقم ولّيها يا ترى هتقول أيه!!.

صُدم من انحدار تفكيره لتلك النقطة، فردد سرًا:-
– اللاه .. اللاه في أيه يا عبد الله إهدى شوية يا وحش..
بس كدا مش هشوفها تاني!!
بس اصبر إنت نسيت المقولة إللي إنتَ ماشي بيها ولا أيه.!
إذا تعلقت بشيء ما فاطلق سراحه إن عاد إليك فهو لك وإن لم يعود فانسى أمره…
أيوا كدا إجمد يا وحش..

فُتح المصعد في الطابق السادس، خرجت أروى منه بذهنٍ شارد، أصبحت الآن دون عمل، كيف ستدبر أمورها هي ووالدتها فهي العائل الوحيد لأسرتها الصغيرة.

تعجب عبد الله وهو يسير خلفها في الرواق ثم جلست على أحد المقاعد، تمالك نفسه وهو يتجه لمعمل التحاليل ويغض بصره متنهدًا وهو يتمتم بالإستغفار.

– افرجها من عندك يارب إنت عالم بالحال يا رحمن.

استجمعت نفسها ثم اتجهت صوب الموظفة التي تجلس خلف مكتب الإستقبال.

– السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

– وعليكم السلام اتفضلي يا فندم.

– عايزة أحلل دم شامل لو سمحتي، أيه المطلوب.

ابتسمت الموظفة وبدأت تسجل بيانات أروى لتجلس منتظرة ..

– اتفضلي استريحي هتدخلي عالطول والدكتور يسحب العينة منك.

– تمام شكرًا جدًا لكِ.

بالداخل كان عبد الله يسحب عينة الدم من أحد المرضى بعقل شارد وهو ينظر للكتاب الموضوع على المكتب.

– أجي أخد التحليل إمتى يا دكتور.

أفاق على صوت المريض فتنحنح وقال:-
– بعد ٣ أيام إن شاء الله.

– شكرًا لحضرتك يا دكتور عبد الله.

ابتسم عبد الله بوِد، حك لحيته الخفيفة وقال بتفائل:-
– سيبها على الله يا عبد الله.. لعل الله يُحدث بعد ذلك أمرا.
أما أشوف الواد عُبيدة لسه لابِد في المستشفى ولا أيه، العيال دي الحُب بهدلها، والباشا عُدي هو كمان هيودع العزوبية قريب… عقبالي يارب أما أكمل نص ديني..
لا لا أكمل نص ديني واتنازل عن تمويني يييي .. يلا كله لأجل أروى يهون..

قادت إحدى الممرضات أروى حيث حجرة التحليل..
جلس عبد الله على المقعد يجهز العينة وبعض الإبر…

– أدخل..

كان منشغل فيما بين يديه، سارت أروى للداخل بهدوء بعدما تركتها الممرضة وهي ترتب بعض الأشياء حول الطبيب..

– السلام عليكم..

يعرف هذا الصوت!! لن ينساه، كان قد سمعه منذ قليل…
رفع رأسه ليجدها بهيئتها البهية أمامه، ابتلع ريقه وابتسمت عيناه ثم همس:-
– مقولتلك صدقت يا بودي، قد عاد إليّ الشيء الذي أطلقت صراحه إذن سوف أتمسك به.

تعجبت أروى من همسه فتسائلت متعجبة:-
– نعم !! حضرتك بتقول حاجة!

– بقول سوف أتمسك للرمق الأخير احممم .. أقصد وعليكم السلام اتفضلي يااا….

تعلقت كلمته وأعينه تجري في ورقة البيانات التي وضعتها الممرضة أمامه فابتسم بإتساع وأكمل:-
– يا آنسة.

جلست أروى وهي تتعجب أمر هذا الطبيب، ليقول عبد الله:-
– عايزة تعملي تحليل شامل، خير يا آنسة أروى بتشتكي من حاجة معينة.

– بصراحة في دوخة ملزماني وصداع دائم.

– إمم ألف سلامة يا آنسة، تمام كدا هنعمل تحليل شامل علشان نطمن على كل حاجة ونعرف سبب الدوخة..

– تمام يا دكتور.

أخرج إبرة وقلبه يكاد أن يطير فرحًا بينما أروى فارتعبت أوصلها حينما لمحت طرف الإبرة الحاد فابتلعت ريقها بوجل..

اقتربت الممرضة تكشف جزء من ذراعها وأروى فقد تعرق جبينها..
اقترب منها عبد الله فانكمشت .. لاحظ هو خوفها فابتسم وقال بحنو:-
– متخافيش .. استرخي علشان العروق متهربش وهي بسيطة جدًا مش هتحسي بيها..

حركت رأسها إيجابًا بخوفٍ خفي، وقالت بحلقٍ جاف وصوتٍ خرج مرتعش:-
– بس بالله عليك براحة ٠٠ أنا بخاف من سحب الدم أوي.

– حاضر .. صدقيني مش هتحسي بيها بس إنتِ متخافيش علشان العرق يظهر عالطول تمام.

– تمام..

– شطورة يا كتكوتة .. ألا صحيح شوفتي الكتاب إللي على المكتب هناك ده، وقع منك صح؟!.

قال ليشغلها فالتفتت تجاة المكتب فوجدت كتابها فعلًا بينما هو في هذا الأثناء كان قد سحب عينة الدم دون أن تشعر..

– يلا بس كدا خلصنا يا ستي .. حسيتي بحاجة!؟

تعجبت من سؤاله فوجدت أنه انتهى، حقًا لم تشعر!!
ابتسمت ليمد يده إليها بكتابها وقال:-
– اتفضلي كتابك.

– شكرًا جدًا لحضرتك يا دكتور.

– الشكر لله وحده، وألف سلامة عليكِ.

– الله يسلمك، اقدر أخد النتيجة إمتى إن شاء الله؟

– يوم الأحد إن شاء الله، ممكن تسيبي رقم تليفونك أو أي رقم نقدر نبلغك بيه.

– أنا سجلت في البيانات رقم تلفوني وتلفون والدتي رقم تاني.

همس عبد الله دون أن يشعر:-
– ياااه ربنا بيساعدني يدوب هي تمشي من هنا وهكلم والدتها عالطول إن شاء الله، شكرًا يارب.

– نعم حضرتك بتقول أيه!!

– احمم لا ولا حاجة، لا إله الله، تمام يا آنسة أروى شفاكِ الله وعافاكِ.

– شكرًا جدًا، السلام عليكم.

استأذنت وخرجت وهي تتعجب من هذا الطبيب..

– دكتور غريب الأطوار أووي .. بس شكله حد محترم.

~———-▪︎|بمِداد:- ســـارة نيـــل|▪︎———~

على منصة كانت تقف غصون أمام إحدى الشاشات، ومن جهة أخرى أربعة من خبراء التصميم العالمِيّن يجلسون في إنتظار الإستماع إلى مناقشتها حول مجموعة من تصاميمها..
كان اثنان منهم سيدات ورجلان..

ظلت غصون تردد بعض الآيات القرآنية وهي تشاهد بعضًا من الأفراد الذين يهتمون بالتصميم والازياء منتشرون في القاعة من ضمنهم والدها ووالدتها ورحيم ووردة وأروى صديقتها التي أصرت أن تأتي لتدعمها..
وكان الحضور المُمَيز لعُدي الذي كان يجلس بكل حواسه ويدعو من قلبه لأجل أن يوفقها الله…

قالت إحدى المرأتان والتي ترتدي فستان فيروزي تاركة لخصلاتها البُنية العنان:-
– أستاذة غصون، ليه إختيارك للأسلوب ده من اللبس، يعني إنتِ كدا بتخُصِي فئة معينة من التصميم وهما المحجبات ودا شيء غلط .. المصمم لازم يتوسع لكل الفئات..

ابتسمت غصون بإشراق ورددت اسم الله قائلة:-
– بسم الله..
أستاذة ميرا .. ممكن أقولك حاجة بسيطة، تعرفي إن الفستان إللي حضرتك لبساه ده ممكن أنا ألبسه وأي بنوتة محجبة تلبسه!!.

عقدت ميرا حاجبيها وتسائلت بفضول:-
– ودا إزاي بقاا.!!

– الفستان ممكن أختاره مقاس كبير درجة بحيث يبقى فضفاض، الفستان بكم كامل ورقبة ومش فيه حاجة شفافة كمان ولو فيه أي جزء شفاف أقدر ألبس بطانة تناسب اللون وبطريقة توحي إن البطانة جزء لا ينفصل عن الفستان..
كمان فستان حضرتك للكعب يعني هلبس حجابي إللي يناسب الفستان واستايله وكدا تمام، وبكدا قدر نوعين يلبسوا الفستان حضرتك إللي بدون حجاب..
وأنا بالحجاب..

أعجبت ميرا بطريقة عرضها، وحقًا اقتنعت بإجابتها وقبل أن تسأل مرةً أخرى تُجادل بمعتقداتها المخالفة عن الحجاب، قال أحد الرجلين وهو المصمم العالمي طارق الزيني:-
– تصاميمك حلوة يا أستاذة غصون وفكرة التصميم الجديدة إللي صممتيها وكانت العرض لمجموعة مهندس مدحت حقيقي فكرة متكاملة ونموذاجية من جميع الجهات..
بس سبب إنحيازك للمحجبات مش مقتنع بيها، ولا السبب علشان حضرتك محجبة ومنحازه لهم..

ابتسمت غصون بهدوء وتسأل الله بداخلها التوفيق والسداد، سارت حتى وقفت أمامهم ثم أمسكت بيد السيدة ميرا وقالت:-
– إنتِ ملامحك جميلة أوي يا أستاذة ميرا على الرغم من إنك متزينة بالميك اب ..
بس على فكرا حاسة إن في جمال من نوع تاني مستخبي..

تعجب أربعتهم وأيضًا الأشخاص الذين كانوا يشاهدون من إجابة غصون، ولا يعلمون الغرض من حديثها هذا، تسائلت ميرا بتعجب:-
– قصدك أيه أنا مش فاهمة..!

نظرت لهم وهتفت:-
– ممكن أرد على إجابتكم بس بطريقتي ومن غير ما أتكلم..

أثارت غصون الفضول في قلب باقي المصممين وهم يتسائلون بأي طريقة تفكر تلك الفتاة!!

اماء لها الجميع فأمسكت بيد السيدة ميرا برفق وقالت بوِد:-
– تسمحيلي يا أستاذة ميرا..

وافقتها ميرا وهي لا تُدرك ماذا تريد..
رافقتها غصون حتى المنصة العريضة، وأشارت لبعض الفتيات الذين معها فأتوا بمقعد ومرأة طويلة ومنضدة صغيرة مستديرة فوقها علبة مستطيلة الشكل..

– اتفضلي يا ملكة ميرا استسمحك ترتاحي على الكرسي.. ممكن.!

– أكيد ممكن يا غصون بقاا عندي فضول أعرف عايزة توصلي لأيه..!

ابتسمت غصون وأردفت وهي تقف بثقة أمام الجمع الغفير محلية بإيمانها بالله ويقينها به وصدقها معه..

– حضرتكم إنتوا إللي هتحكموا بنفسكم .. أنا بس عايزاكم تركزوا في ملامح الأستاذة ميرا ومش عيزاكم تنسوها..

ثم قالت تحت تعجب ميرا وترقبها:-
– وإنتِ كمان هتحكمي بنفسك يا جميلة إنتِ، بس هتسيبي نفسك ليا اتفقنا.

– أوك..

بدأت غصون مبتسمة وهي تُزيل طبقة مساحيق التجميل من على وجه ميرا التي ظلت صامتة تشاهد ما سيحدث للنهاية، نظفت وجهها تمامًا ثم برفق بدأت تجمع خصلاتها في عقصة بسيطة، وبعد ذلك ألبستها حجاب سوري من اللون الاوف وايت وفوقها قامت بلف الخمار الأندونيسي الذي يحمل نفس اللون بطريقة رقيقة وبسيطة جدًا.
بدت ميرا بمنتهى الرِقة والجمال واختلفت ملامحها فبدت أصغر عمرًا..

ابتسمت غصون بفخر وما حسبته وجدته أمامها فكأن ميرا إمرأةً أخرى حقًا.. فهي أجمل من ذي قبل ولا مقارنة بين الحالتين..

ابتعدت غصون من أمام المرآة وقالت بفرح:-
– يلا بصي لنفسك في المرايا..

فتحت ميرا عينيها لترى انعكاس صورتها في المرآة لتظل متخشبة تنظر بتعجب..!!
هذه ليست هي !!
لا تعرف من بالمرآة حقًا..!
رفعت أناملها تتحسس وجها ثم انتقلت تتحسس الحجاب بدهشة!
هي تبدو أصغر عمرًا، هناك شيء بوجهها لا تعلم ما هو، ثمة شيءٌ مختلف وجذاب جدًا..
كأنها كانت مدفونة خلف كومة من الرماد وانجلى للتو.!
ترقرق الدمع بعينها وثمة رجفة أصابت قلبها لا تعلم سببها.!

علمت غصون ما الشعور التي تمر به، استدارت بأتجاة الجميع وأظهرت ميرا بطلتها الجديد ليفرغ الجميع فاههم بذهول حقًا فميرا شخصٌ مختلف تمامًا..¡

– دي إجابتي لكم، عرفتوا ليه بحب أصمم محجبات؛ لأجل الطهارة والإحساس ده، أنا ماحبتش أجاوبكم بالدين وأحكامه علشان عارفة إنها لا تُقابل بالإصغاء..
أستاذة ميرا بقت إنسانة تانية والمدهش بقاا إنها أفضل وأجمل وأرقى مليون مرة من الطلة الأولى، تعرفوا ليه؛ لأن ربنا حبيبنا مش هيأمرنا بحاجة ألا يقيني هيكون في نفع لنا فيها..
الحجاب .. وأقصد بالحجاب الحجاب الشرعي إللي يستر الشعر والصدر، إللي مش بيشف وبيوضح شعرنا من ورا وودانا ولا جزء من رقبتنا وهو ملفوف على بندانة خفيفة وهو نفسه خفيف لو هبت أضعف شوية ريح هيطيروه..
دا الحجاب يا مؤمنة بالله، يا حبيبة الرحمن..
الحجاب ستر وعفة وطهارة وامتثال لأوامر الله إللي بيحبنا، الحجاب إن استر وأخبي عن عيون الناس إللي يستاهله وحلاله شخص واحد..
ويا للعجب بيعطي للوجة قبول ونور ورضا ..
تعرفوا اسمحولي أقولكم على حاجة من وجهة نظري المتواضعة .. نظرية كدا أنا بحسبها مع نفسي ..

البنوتة الجميلة أو السيدة الفاضلة إللي بتخرج وهي متزينة بمستحضرات التجميل مش بتحب نفسها..!
أيوا متستغربوش .. مش بتحب نفسها!!
تعرفوا ليه؛ لأن بحس كأنها بتوجه رسالة فحواها .. إنها مش راضية عن نفسها وملامحها فبتبدأ تغير فيها وتخبيها..
طب ليه!!
إنتِ ملكة كيف ما أنتِ..
إنتِ صُنع بيد الله، وخلقك في أحسن صورة ليه تغيري منها!
إنتِ جميلة زي ما إنتِ ومش محتاجة شوية رماد من صُنع إنسان علشان يجملوكِ.
إنتِ جميلة بقلبك ورضاكِ عن نفسك.
إنتِ مش مضطرة تعملي كدا وتواري للناس إنك جميلة.
احفظي دا كله للي يستحقه..
إنتِ مش عُرضة الكل يتفرج عليكِ.
إنتِ غالية أووي..

تنفست غصون وقالت وهي تنظر للسيدة ميرا التي هبط دمعها دون أن تشعر:-
– لاحظوا الفرق وقولوا .. كدا أجمل ولا الأول مع العلم هي مكلفتش نفسها أي شيء لا كحل بالشيء الفلاني ولا روچ من الماركة العلاني ولا أيلينير من إللي مفيش بعده..

كان الجميع في حالة من الصمت الرهيبة وقد عرت أمامهم أنفسهم..!
والدها ووالدتها ينظرون لها بفخر ويتمتمون بالحمد..
وأروى تبكي وتبكي دون توقف..
أما عُدي فكان في حالة من الجمود وقلبه يطرق بعنف داخل صدره..

همس داخله:-
– دا كله رضا يارب .. أنا مش عارف أقول أيه يا حبيبي.

ابتلعت غصون ريقها ونظرت لِلجنة التقيم ثم أردفت:-
– أنا غايتي رسالة مختلفة عايزة أوصلها ومش يهمني المكسب أو الخسارة لأن واثقة إن المناسب ليا وإللي على مقاسي هو قدري إللي ربنا كاتبه..

استدارت ووقفت أمام ميرا التي مازالت تنظر للمرآة صامتة، رفعت غصون يديها لتزيل الحجاب وهي تقول:-
– خلاص كدا تقدري تخلعـــــــ…

قاطعتها ميرا وأمسك يدها وقالت:-
– لا … هو إنتِ لبستهولي ومش هينزل من على راسي وهدخل بيه قبري…

نزلت دموعها وقالت:-
– إنتِ متعرفيش أنا حاسة بأيه .. أنا حاسة إن طايرة وإن كان عليا طبقات رماد وانزاحت..

ثم استقامت واحتضنت غصون تحت صدمتها …

– أنا جيت علشان أقيم تصاميمك ومعرفش إللي مسنتيني هنا، مفيش حاجة تكفيكِ يا غصون، أنا عاجزة قدامك..
يا غصون أنا ربنا بيحبني إن بعتك ليا..

بكت غصون وهي تشعر بالحياء من الله .. بكت وهي ترى أنها لم تفعل شيء .. بكت وهي ترى أنها مُقصرة .. بكت وهي ترى نِعم المُنعم جلّ في علاه..
بكت وهي تريد أن تقول أنا لا شيء .. أنا لم أفعل شيء..
الله هو كل شيء…!

قام من في القاعة ولجنة التقيم ليصفقوا بحرارة تحت مرأي الكاميرات التي أخذت تلتقط الصور..
والصحافة التي سارعت تُسجل كل شيء..

تهافتت جميع السيدات والفتيات الغير محجبات على غصون لتُلبسهم الحجاب..
فأتت بكمية وافرة من قِطع الحجاب المماثلة لما جعلت ميرا ترتديه وأخذت تلفهم على رؤسهم بكل حُب وفخر وسعادة حقيقية ..

– أول حجاب لكم هيكون مني هدية يجعله مبروك عليكم وتتهنوا بيه..

انقلبت الساحة لمراسم إحتفالات وفرحة وبهجة بحق..

ألبست غصون الأطفال الحجاب بألوان متباينة والفتيات والنساء .. ليخرجوا خلف بعضهم يسيرون كعرض أزياء بممر مُزين..
فبدو كالياقوت والمرجان..

لتصبح غصون معشوقة الأطفال قبل الكبار وبعد ذلك تصبح رائدة الزيّ الإسلامي برعاية حملة توعية تحت عنوان ….
“كُـــــــونِــي فـــضــفــاضـة”.
لتُثبت أن مَنْ استقامت علاقته مع الله إستقام له كل هدف.

هرع إليها والديها لتنغمر بأحضانهم وتنحني تُقبل أيديهم ورؤسهم..

– كنت عارفة إن ربنا هيعضوني فيكِ يا نور عيني..

– دا بركة دعواتك يا أمي يا أغلى من نور العين رضاكِ عليا يكفيني.

– غِصني ونعمة ربنا عليا، حبيبة أبوها أنا فخور بيكِ يا أجمل وأندر الغصون.

اترمت في حضن والدها:-
– غِصنك متقوي بيك وبرضاك.

– قلبي أنا وأمك راضي عليكِ ليوم الدين..

– أيه يا غصون مش هتلبسيني أنا كمان حجاب.؟

– وردتي، ودي تيجي .. أجمل وأحلى حجاب لأجمل الورود..

– بحبك يا غصون ..

ألبستها غصون حجاب على فستانها الرقيق وقالت وهي تحتضنها بحنان وتقبلها:-
– وأنا بعشقك يا وردتي..

– وردة بقت حلوة أوي ..

– وردة عالطول حلوة يا رحيم وزادت حلاوة..

– أيوا وردة أختي جميلة..

– وإنت كمان مش نسيتك يا بطل، اتفضل..

– أيه دول يا غصون. ؟

– دي مجموعة قصص جميلة هتعجبك، عرفت إنك بتحبها من وردة، والقلم دا هيساعدك في حفظ القرآن..
الآية إللي مش تعرف تقرأها مشي القلم عليها وهو هيقرأها.

– دا بجد!!! شكرًا يا غصون أنا بجد بحبك وبشكر ربنا إن بعتك لنا.

ابتسمت له غصون بحنان قائلة:-
– ربنا يبارك فيكم يارب.

كان عُدي يشاهد دون أن يشبع ولم يقف لسانه عن تكرار الحمد، لكن هذا الأمر لم يعد يتحمله…
اقترب منها بينما تبتسم وتشاهد الأطفال بفرحة طفولية..

– غصون.

التفتت باستحياء حين سمعته يناديها برقة، احمرت وجنتيها وأجابت:-
– نعم.

– كنت عارف علشان كدا مش متعجب.

– كنت عارف أيه؟!.

– إن إنتِ مُمَيزة وفريدة من نوعك، وإنك نعمة ربنا رزقني بيها. ..

رجف قلبها من كلماته وأخفضت رأسها وهي تشعر بجفاف حلقها فلم تنطق بحرفٍ واحد..

تأملها وقد أصبح الأمر حقًا فوق طاقته..

نادها برقة وحنان:-
– غصون.

أجابت بصوت منخفض:-
– نعم..

– إحنا مش هنتخطب يا غصون.

رفعت رأسها بصدمة ولم تستطع سوى أن تنطق:-
– مش فاهمة .. لية..

قال بحسم:-
– إحنا هـنـكتـب الــكـتـاب..

«حُــب فــــوق الــغــــصــون»
بقلم سارة_نيل.

«حُــب فــــوق الــغــــصــون»
-الـــخــــاتــــمـــة-

– خلاص يا ماما أنا بقيت كويسة وبخير اطمني.

– أهلًا بيكِ في بيتك يا مِسك يا حبيبتي البيت نور بيكِ يا حبيبة أمك.

– البيت واحشني أووي، وأوضتي وكل حاجة، فات ٣ شهور وأنا في المستشفى.

– ما تنعاد تاني أبدًا يا بنتي فترة وراحت لحال نصيبها، والحمد لله ربنا عوض علينا دا كفاية عُبيدة بالدنيا كلها.

شعرت مِسك بالخجل واحمرت وجنتيها، فقد ارشدها الله للإجابة وصمم على الخِطبة وهي بالمشفى..
– الحمد لله يا ماما .. حقيقي فعلًا عُبيدة حد مُحترم جدًا وإنسان خلوق، وعوض ربنا بعته بعد عذاب ووجع.

– هو ابني قبل ما هيكون جوز بنتي، الله يرزقه ويسعده يارب، راجل ووقف جمبنا كأنه ابن .. الله يُجير بخاطره هو وعُدي يارب .. شباب بقت قليلة والله يا بنتي.

– حقيقي فعلًا يا ماما، والمهندس عُدي إنسان نادر جدًا مش عارفة نرد جميلة إزاي.

– هو رفض كل حاجة، ورفض ياخد الفلوس تاني وقال دا رزقكم وجه لغاية عندكم.

– الله يباركله ويرزقه رزق حلال، خلاص قررتوا على كتب الكتاب.

– إللي إنتوا شايفينه بردوة يا ماما، أنا ارتحت لعُبيدة وعرفته كويس .. وهو عايز يكتب الكتاب علشان زيّ ما فهمتك كدا إحنا ملتزمين بضوابط الخطوبة.

– ربنا يريح بالكم يا بنتي، ويهديكم لكل الخير.

– اعملي حسابك بقى علشان هروح من الصبح بكرا لغصون بإذن الله.

قالت والدة مِسك بقلق:-
– طب مش هتتعبي، يعني متجهديش نفسك..

– يا أمي اطمني أنا الحمد لله بقيت زيّ الحصان وأقدر أعيش حياة طبيعية بفضل الله وبعده الدوك عبوووودي.

– ما تلم نفسك يا ست مِسك .. ااه وبقينا نشوف المُحن عيني عينك .. ما تختشي يا بت الله يرحم دور سيد البواب إللي كنتي قايمة بيه.

– ماما !! أنا طول عمري آنسة جميلة، بس متقلقيش إحنا رجالة أووي ونعجبك..

– يا حسرة .. أما أسكت أحسن وأدخل أجهز الغدا..

– استني بس يا فوودي هقولك على حاجة .. ألبس أيه بكرا في كتب كتاب غصون..

٠•✦||ــــــــــــــــــ بقلم/سارة نيل ــــــــــــــــــ||✦•٠

وقف “عبد الله” يُشاهد عُدي وهو يكاد أن يُحلق من فرط سعادته ويتجهز ليعقد قرآنه..

– ما خلاص بقاا يا عمّ كفاية .. هو إنتَ بتغيظ فيا ولا أيه.!

– اللاه أيه يا بودي مالك في أيه، بس قولي مين مزعلك.

قلب عبد الله عينه ونظر للجهة الأخرى بينما عُبيدة فكان يكتم ضحتكه حتى احمرّ وجهه..

– آآآه ما هو محدش قدكم الباشا عُدي رايح يكتب كتابه .. وعُبيدة بيه الجمعة الجايه وأنا متشعلق مع السنيورة أروى وبحتايل عليها نكتب الكتاب ومش راضية تتكرم عليا..
دا حتى منشفة ريقي وفاهمة موضوع ضوابط الخطوبة غلط، من ساعة ما اتخطبنا ملمحتهاش ألا بالصدفة ولا قابلة إننا حتى نتعرف شات ولو كلام بسيط بحدود ..
يا عمّ أنا كاااتم جوايا كتيرر، ولولا الملام أعيط..

وأخيرًا نفسّ عُبيدة عن نفسه وانفجر ضحكًا على هيئة عبد الله التي تدعو للشفقة..

– لا مش قادر والله شكلك مسخرة يا بودي .. لا والله صعبت عليا..

شعر عبد الله بالضيق من سخريتهم عليه ليقذف كلًا منهم بما طالته يده..

– صحاب أيه دا إنتوا… مش عارف أقول أيه مش عايز اتعصب عليكم وازعلك إنت وهو..

قال عُدي وهو يُعدّل من هيئته:-
– براحة يا دوك .. أنا عريس النهاردة ومش عايز غم…

– ااه الباشا عُدي معدش حد هيعرف يكلمه خلاص..

– طبعًا يا ابني .. أنا النهاردة أسعد يوم في حياتي، متعرفوش أنا فرحان قد أيه.!

قال عبد الله بجدية وصدق:-
– تستاهل كل خير يا عُدي … إنت تعبت ولازم تكون النهاية سعيدة..

وضع عُدي يده على كتف عبد الله وقال بحب أخوي:-
– متقلقش اتحمل علشان طعم الحلال .. كل شيء يهون علشان الحلال يا صاحبي، إحنا كلنا مرينا بنفس الموقف ومتقلقش هتفرح وتنول إللي إنت عايزة…جرب النهاردة كدا وفاتحها في الموضوع تاني..

ابتسم عُبيدة وقال:-
– أنا كمان عديت بنفس المرحلة يا عبد الله وأنا حاسس بيك هي مجاهدة صعبة ومش أيّ حد بيفوز فيها، مش بيثبت ألا الصادق افتكر دا كويس يا صاحبي..

– إنتوا اخوات، وسند بعد الله عز وجل، ربنا ما يحرمني منكم ولا من جمعتنا دي أبدًا ووقفتنا في ضهر بعض..
حقيقي إنتوا رزق كبير..

– يارب وجعلنا دايمًا عون لبعض في الخير..

قال عُدي بتعجل:-
– يلا يا شباب العصر قرب خلاص .. يلا علشان أخد أمي اتأخرنا أوي..

– اهدى يا عريس مستعجل كدا ليه…

– استعجل ..!! أنا داخل على ست سنين مستني يا عُبيدة وكدا مستعجل ..

وهبط الدرج بفرحة ولسان يُكرر الحمد، ليقول:-
– وأخيرًا يا غصون، وأخيرًا سيدة منامي ويقظتي، حبيبة مراهقتي وشبابي وشيخوختي إن شاء الله.

=================

عند غصون…..

وقفت أمام المرآة بفستان أبيض ذا تصميم بسيطٍ جدًا من قماش الشيفون الناعم ذا تنورة واسعة ومن الصدر منقوش بورود بيضاء وأوراق شجر ويتدلى جزء بسيط من الغصون على تنورة الفستان ..
وأذرع الفستان كان لهم نصيبهم من ذات النقوش وينتفخان من الكتف انتفاخ بسيط ليُلائم حجابها الطويل..
لفت حجاب طويل بذات اللون الأبيض النقي، كان مرفوع من فوق أكتافها ويتراخى على صدرها بثنيات بسيطة وشكل جميل..
ثم فوق الحجاب وضعت تاج مجدول من الغصون الفضية الجميلة…
فكانت بمنتهى الرقة بوجهها النقي وهيئتها البريئة..
ما أضافته من الزينة كان بعضًا من الكُحل بعينيها ليبرز جمالهم الطبيعي ومُرطب بسيط على بشرتها وآخر لشفتيها..

خرجت نحو الشرفة فقد أستأذنت من مِسك وأروى أن تبقى بمفردها عدة دقائق..

نظرت نحو السماء وابتسمت ثم قالت:-
– عصيتك ورحمتني ..جبرتني سترتني وجملتني في عيون الناس .. أنا ولا حاجة يا الله بدونك وقوية كل القوة وإنت معايا..
النهاردة وبعد رحلة من الكلام المؤذي من صحاب، وجيران، وأهل، وأقارب ..
بعد ما دخل كام واحد البيت وخرج .. رافض واختلفت أسبابهم ما بين .. دي معقدة، دي مش حلوة، دي مش مقبولة، دي مش قوي يعني، أصلها كبيرة…
إنتِ أخرك أيه يعني!!
إنتِ كبرتي وعديتي خامسة وعشرين وبصراحة الشاب يحب البنت الصغيرة….
إنتِ بعُقدك دي محدش هيرضى بيكِ..
دي فلانة إللي أصغر منك بخمس سنين اتخطبت، دا بنت فلان زميلتك اتجوزت..
هاا اتخطبتي ولا لسه يا غصون، محدش كدا ولا كدا اليومين دول .. أصبري يا بنتي هو رزق وإنتِ بكرا ربنا يعوضك…
يا خَيمة .. يا عجوزة … يا تيتا .. يا مدام..
أنا كنت باجي اشتكيلك وأعيط، كنت بقولك أنا متيقنة يارب إن في النهاية هتدهشني…
كنت بقولك يارب مش دي كلها اختبارات ليا … وأنا مش هسمح للشيطان إن يخليني أخسر ويفوز عليا .. أنا هنجح في الإختبار..
أنا هثبت يارب .. وكنت كل يوم أزود مواصفاتي وأصعبها..
وفي الأخر والنهاردة هقف قدام كل إللي قالي مواصفاتك دي مستحيلة .. كل إللي سمحوا لنفسهم يقولوا إن في حاجة مستحيلة وأنا ربي الله .. القادر..
هقف النهاردة واقولهم شوفوا استجاب…

منعت نفسها من البكاء بشق الأنفس وقالت:-
– أنا بحبك .. حتى لو كانت افعالي لا تدل على ذلك يا الله..
أنا هكرس حياتي في سبيلك … بوعدك إن هكون مثال جيد للإسلام ومش هزعلك مني..
هنشر الحجاب وهنطلق في سبيل الدعوة..
هأُنجب أجيال خالد بن الوليد … هبذل كل طاقتي إن أعلم أولادي واجعلهم قادة الرسول يفتخر بيهم..
هعلهم حُبك..
وحُب حبيبك مُحمد..
وحُب القرآن..
وحُب الصحابة وأمهاتنا المؤمنين..
وحُب شعائر الدين ..
وحُب الأقصى … وهقولهم إن القدس عربية وستظل..
وهحكيلهم عن سوريا وأطفالها .. وعن بلاد الشام.
بس كُن ليّ مُعين … ومُدني بالقوة..
وفي الأخر مش عارفة أقول الحمد لله على أيه ولا على أيه، نِعمك لا تُعد ولا تحصى..
شكرًا يارب .. شكرًا يا حبيبي.. الحمد لك وحدك ولا فضلًا لسواك..

ودخلت الغرفة مرة أخرى مبتسمة..

– غصون. .. غصون عُدي وصل وراح المسجد يلا بسرعة نقف في البلكونة نسمع..

دخلت البنات الغرفة
أروى ومِسك وبنات العائلة .. فتاتيّ المخبز حنين وجوري ..
والصغيرة وردة..

– ما شاء الله جميلة أووي غصغص..

– بجد يا وردة..

– بجد … أحلى عروسة بس أنا هبقى أحلى منك..

– ااه يا لمضة .. ماشي يا ستي قوليلي فين رحيم.!

– راح المسجد مع بابا عبدو وأبيه عُدي..

من بعيد وقفت هُدى تتأمل ابنتها بعيون دامعة، ثم همست:-
– لك الحمد يارب جبرت خاطرنا، يارب ارزق بنات المسلمين بالأزواج الصالحين يارب واجبر بخاطر الجميع يارب وفرحهم فرحتنا..

كان الجميع يتراص على سور الشرفة يبتسمون بحالمية ومنهم أروى والتي شعرت بقلبها يرجف حين سمعت صوت عبد الله كشاهد على العقد..
ابتسمت وقررت بنفسها أنها ستُفاجأه اليوم..

علا صوت مُكبر الصوت..

– هل قبلت بِـ غصون عبد القادر نُعمان زوجةً لك.

ردّ عُدي والفرحة تنبض بحروفه:-
– قبلتُ بها، وقَبل بها قلبي وعقلي وكل كياني زوجةً وحبيبةً ومئوى…

صرخت الفتيات ولكزت كلًا من أروى ومِسك غصون التي شعرت بالخجل…

– مبروك يا غصون بقيتي مدام عُدي الحصري فهمي نظمي رسمي…

– شوفتي يا بت الرومانسية إللي كانت على الملأ..

– شوفت يا أختي ربنا يرزقنا يا مِستكا..

قالت غصون بتذمر:-
– دا قرّ دا ولا أيه .. وبعدين ما الراجل لسانه نشف يا ست أروى وإنتِ عمللنا أخت التقلانه بقاا..

– أما أسكت أحسن الست غصون محدش هيعرف يكلمها بقاا.

اقترب الجميع وبارك لغصون .. منهم الحاقد والحاسد ومن يتمنى زوال النعمة.. ومنهم المُحب فعلًا..

اقتربت غصون من والدتها فابتسمت هدى وامسكت بيديها ثم قبلت جبينها وقالت:-
– مبروك يا حتة من روحي يا فلذة كبدي، يا نور عيوني..

– أنا كل ده يا هُدهد!

– وأكتر منهم يا قلب هدهد..

ارتمت غصون داخل حضنها:-
– هفضل طفلة محتاجة حضن أمها .. إنتِ مرايتي يا أمي..

– راضية عنك يا غصون ربنا يسعدك يا بنتي ويجعل الحزن بعيد عن طريقك .. ويجعل التوفيق حليفك..

– اللهم آمين يا أمي…

صعد عُدي بصحبة والد غصون للمنزل ثم أطال عبد القادر النظر لعُدي وقال:-
– إديتك روحي إللي معنديش أغلى منها، حتة مني وصاحبتي وبنتي وحبيبتي ونور عنيا وبهجة بيتنا..
واثق إنك راجل ومن أول ما بصيت في عينك وإنت بتتكلم عنها عرفت إن إنتَ الشخص الصح..
إنت مش عُدي .. إنت بقيت ابني عُدي..
الحزن مش عايزه يعدي من قدام عيون غصون، وعارف إن الحياة أكيد مش على وتيرة واحدة …
بس في نهاية كل يوم تنام والبسمة على وشها..

ابتسم عُدي ونظر للسماء ثم قال:-
– هو إللي بيني وبينك .. وبعدين بعيد عن حُبها إللي بيجري في روحي .. أنا أخاف أزعل غصون أو أظلمها .. تعرف ليه.!
علشان ربنا بيحبها.. ربنا هيكون ليا بالمرصاد..
إنت عايزاها تشتكيني لربنا .. أنا أخاف، مجرد الكلمة بترجف جسدي..

ابتسم عبد القادر وطبطب على ذراعه بحنان أب..

٠•✦||ــــــــــــــــــ بقلم/سارة نيل ــــــــــــــــــ||✦•٠

بحديقة واسعة مليئة بالأشجار والأزهار الجميلة وقفت بجانبه وهي منكسة الرأس بحرج..
لم يرفع أعينه عنها يُطمئن نفسه أنها حقيقية..

جمع كل مشاعر الحُب والإشتياق بكلمة واحدة:-
– غصون..

ارتجف قلبها فور أن سمعت اسمها، تنحنحت ورفعت رأسها فغاصت بعينيه للمرة الأولى ثم أجابت:-
– نعم.

– استنيت كتير علشان أقولك إللي في قلبي .. وجه الوقت إنك تعرفي أغرب قصة .. المعجزة إللي حصلت معايا..
حب حياتي إللي صبرت عليه وربنا رضاني بالحلال..

تعجبت ولم تفهم ما يقول..
مدّ عُدي يده نحوها وفرد كفه أمامها..

بلعت ريقها .. بحياتها لم تمسّ يدها يد رجل سوى والدها..
لكن قد أصبح الآن زوجها ولا حرج..
رفعت يدها ببطء فكانت ترتعش لمرتها الأولى التي تمسّ رجل…
اغمضت أعينها ووضعت يدها بعد تردد داخل كفه وقبض عليها بحنان وحب..

نظرت له وقالت للمرة الأولى:-
– عُدي..

اغمض أعينه لذلك اللحن الجميل وابتسم قائلًا:-
– روح عُدي ونور عيونه..

ابتسمت بخجل وقالت:-
– دي أول مرة إيدي تلمس راجل…

رفع يدها وقبلها بحنان:-
– ودي المرة الأولى إيدي تلمس امرأة غير أمي، بس المرة دي وأول مرة .. حلال .. مراتي وحبيبتي..

نظر داخل عينيها وقال:-
– غصون .. أنا بحبك لا أنا مجنونك يا غصون، مش بحبك من دلوقتي لا .. من خمس سنين..

قالت باستغراب:-
– خمس سنين …إزاي..

بدأ عُدي يحكي لها عن كل شيء، كيف كانت تأتيه بمنامه لمدة خمس سنوات، وعذابه وحبه لها وتعلقه بها وصدمته حينما وجدها حقيقية..

– شايفك مش مستغربة..!!

نظرت للسماء وقالت:-
– علشان كنت عارفة إن في معجزة هتحصل معايا، كنت عارفة إن في أقدار خارجة عن إرادتي..

– عندك حق يا غصوني..

اقترب منها ثم قبل جبينها وهُم أسفل شجرة ويتدلى عليهم بعض الغصون..
ابتسم لها وقال:-
– أحُبك يا قرينة الروح، يا عوض أيامٌ عُجاف، يا جائزة صبر مرير.

ابتسمت له ونظرت له بحب ثم قالت بعد أن قال قلبها:-
– “ولتعلم أنّ هذا القلبُ خاويًا لم يَمسسهُ طائفًا مِن وِدٍ ولم يعلم للهدِرِ سبيل، فقد أقسم بأغلظ الأيمان ألا يقع ذائبًا إلا بهواكَ، فالتشتد رِحالكَ ولتأتني من غَيْبٍ قد غَشِيته رحمة ورعاية الرحمٰن..)”

رد عليها بنفس المشاعر وقال بما كتمه قلبه:-
– “وإني والرحمٰن لأتجَلد بعزم المُثابرين، وأُحْكِم وِثاق قلبي كي لا ينفلت مِنْ سِجن أضلُعي ذاهبًا إليكِ ليُخبركِ بما يَعبُقه وما زِلتُ لم أَمتلك الحقُ بَعد؛ فـ أُحرم مِنْ مُباركة ربي
لِـ عشقي أسفل ظِلال الحلال … لذاك سأُقاصي هذا القلبُ لِئلا يُؤذيكِ وسأُعيد قَيْده خلف قولي “وقد قَبِلتُ زواجُهَا”)”
والآن قد امتلكت الحق .. “أحُبك غصون، أحبك زوجتي.”

٠•✦||ــــــــــــــــــ بقلم/سارة نيل ــــــــــــــــــ||✦•٠

على متن طائرة هليكوبتر كان عُبيدة ومِسك يستعدان للقفز عن طريق المظلات..

– مُستعد يا عبووودي..

– مُستعد يا مجنونة .. والله شكلك هضيعني معاكِ.

– اجمد يا بعلي .. دا حلم حياتي وأخيرًا بحققه.

– طب وأنا ذنبي أيه طيب يا بنت الناس أنا لسة شاب في بداية حياتي لا روحت ولا جيت.. مش حِمل البهدلة دي..

– متنساش إن دا وعدك ليا..

– يعني اقولك هدية كتب الكتاب اختاريها وأنا هعمل إللي إنتِ عيزاه .. تقوليلي على أغرب طلب في الوجود ده..
أنا واثق إن مفيش واحدة طلبت من جوزها الطلب ده إلا إنتِ وبردوة مفيش أهبل طاوعها ألا أنا..

– عبووووودي..

– أهي عبووودي دي إللي جيبانا لورا..

– يلا بينا ..

– يلا .. الحمد لله إن مصلي ومجهز نفسي علشان لو جرالي حاجة..

صرخ حينما قفزت تلك المُتجبرة ليقفز خلفها..

وتظل تصرخ بفرحة عارمة وهي تتقلب في الهواء بشجاعة تُحسد عليها..
اقترب منها عُبيدة خوفًا عليها..

– هووووو أنا مبسوطة أووي يا عُبيدة..

احتضنها عُبيدة وهم يقتربون من الأرض، ورغم خطورة الأمر شعر بالسعادة حينما رأى فرحتها..

– بحبك يا مِستكة قلبي .. بحبك يا مغلباني…

احتضنته وهي تصرخ:-
– وأنا كمان بحبك يا دووك عبوووودي.. أحبك طبيب قلبي..

وتعلقت صورة النهاية على جدار منزل الزوجية واسفلها مِستكة قلبي …. طبيب قلبي..

٠•✦||ــــــــــــــــــ بقلم/سارة نيل ــــــــــــــــــ||✦•٠

أمام أحد الشواطيء جلس عبد الله أمام أروى التي تأكل حلوى عزل البنات بنهم..

– دوق يا بودي..

– اللاه ما تعقلي يا رورا أمال، أدوق أيه بس .. دا اسمه غزل بنات .. عيب يا بيبي عيب..

– خلاص إنت حر .. كل ما أخلص تروح تجيب..

– صحيح نسيت أقولك على حاجة.!

– قول يا سي عبد الله.

– كان في حاجة لقيتها في التحليل نسيت أقولك عليها.!

– قول .. أيه هي..

– سكر زيادة يا روحي..

– يا خفيف..

– ماشي .. ماشي ادلعي ما إنتِ نشفتي ريقي وفي الأخر جيباني تاكلي غزل بنات وأنا قاعد أتفرج عليكِ…
آآآه يا بختك يا عُدي إنتَ وعُبيدة عيني عليكم باردة..

– بطل قرّ يا بودي الحسد حرام..

– هو أنا كنت لقيت وقولت لا.. حِني عليا يا سلطانة..

ابتسمت له أروى بحنان فهو حقًا طيب القلب كالأطفال:-
– هتسبني أشتغل وأحقق أحلامي..

– أكيد يا أروى ما طبيعي إنتِ بدأتي شغلك مع عُدي وغصون.

– بحبك يا عبد الله.. بحبك يا أغلى حاجة..

لم يُصدق ما سمعت أذناه فقام ووقف أمامها ثم قبل يدها ناظرًا لها بحب صادق:-
– أنا إللي جيت على جدور رقبتي أول ما شوفتك يا صحابية.
بحبك يا أروى .. بحبك وربنا شاهد…
وهكون لكِ ما تتمني .. وهنعمل عُمرة بفلوس الفرح..بس هعملك حفلة إسلامي زيّ ما إنتِ عايزة..

– ربنا يحبك يا عبد الله..

– تعالي ناخد سلفي..

– يلا قدام البحر ..

وقفت بجانبه وبيدها كتاب “كوني صحابية” ثم ابتسم وهو يُقبل رأسها والتُقطت الصورة مُعلقة بمعرض عنوانه “مودة ورحمة.”..

٠•✦||ــــــــــــــــــ بقلم/سارة نيل ــــــــــــــــــ||✦•٠

عدّل عُدي من وضع الكاميرا..
ثم وقف بجانب غصون أسفل الشجرة بينما تدلى عليهم ويظللهم غصونها..
أمسك بيديها ناظرًا لها بحُب..

– لم يكن مُجرد حُبًا عاديًا، حُبًا ليس كأيّ حُب..

ابتسمت وتسائلت وهي تضع يدها على قلبه:-
– وما بِه حُبك، كيف هو.؟!

– إنه حُب تُظللهُ الغصون، إنه «حُــب فــــوق الــغــــصــون».

وهنا التُقطت الصورة لتنغلف عندها حكاية خرجت من قلب فتاة بسيطة عَبرّ عنها نزيف قلمها المتواضع..
ترجو من الله أن تكون وُفِقت ونال ما ألهمها الله إعجابكم..
وإن كان من توفيق فمن الله، والتقصير فمني ومن الشيطان..

-تـــمت بحمد الله وفضله-
الفقيرة إلى الله/ سارة نيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *