حب تحت القيود

في مكتبه الجديد، البسيط مقارنة بما اعتاد عليه في القاهرة، استقبله العميد المسؤول عن المركز بترحيب فاتر لكنه مهذب: “أهلًا يا مهاب بيه، إحنا محتاجين ضابط جاد زيك هنا. المنطقة دي فيها مشاكل مش بسيطة.”

بدأ مهاب يتجول في المركز، يتعرف على زملائه الجدد، وعلى طبيعة القضايا التي يتعامل معها المكان: نزاعات على الأرض، مشاجرات عائلية، وبين الحين والآخر إشارات مبهمة لموضوع “الثأر” الذي يبدو أنه جرح قديم لم يندمل بعد في ذاكرة البلدة.

في أول أسبوع، جلس معه أحد الضباط ، في بداية الأربعينات قضى معظم حياته المهنية في الصعيد، وقال له بنبرة تحذير ودودة:

“إنت جاي من القاهرة، عندك قوانين وكتب، وده كويس. بس افهم حاجة، هنا الناس بتحل مشاكلها بطريقتها الخاصة قبل ما توصل للقانون. وأخطر حاجة ممكن تقابلك هنا هي التار. كلمة غلط، أو تصرف متسرع، ممكن يشعل حريق ياخد سنين يتطفي.”

استمع مهاب بجدية، وقال لنفسه إنه سيتحلى بالحكمة اللازمة.

مرّت أيام قليلة هادئة نسبيًا، حتى جاء بلاغ في عصر أحد الأيام الحارة: “سرقة في الصيدلية الوحيدة في البلد.”

قرر مهاب أن يذهب بنفسه، رغم أن الأمر كان يمكن أن يُحال لأحد صف الضباط. كان لا يزال في مرحلة “التعرف”، يحاول أن يفهم نبض المكان وناسه من خلال التفاصيل الصغيرة.

عند وصوله، وجد مشهدًا مختلفًا عمّا توقع. الدكتور صفوت، صاحب الصيدلية، رجل في الخمسينيات معروف بين أهل البلد باحترامه وحكمته، كان واقفًا عند الباب بوجه جاد، بعيدًا عن الابتسامة المعتادة التي وصفها له بعض من قابلهم في المركز.

بجانبه، وقفت فتاة في العشرينيات، ترتدي معطف الصيدلية الأبيض، ووجهها يحمل قلقًا ممزوجًا بإصرار غريب. كانت تتحدث بسرعة، صوتها يرتجف، وهي تحاول إقناع الدكتور صفوت بشيء ما:

“يا دكتور صفوت، بلاش الشرطة الله يكرمك، أديني فرصة أخيرة.”

رفع صفوت يده برفق، في إشارة أن قراره قد اتُّخذ فعلًا: “أنا آسف يا فرحة. إحنا اتكلمنا في الموضوع ده أكتر من مرة، وأنا صبرت عليكِ كتير. بس المرة دي مختلفة، والموضوع خرج عن إيدي.”

وقف مهاب على مسافة قصيرة، يراقب دون أن يتدخل بعد، محاولًا فهم أبعاد الموقف قبل أن يفرض حضوره. لاحظ أن الفتاة لا تتحدث كمن يخاف على نفسه من عقاب، بل كمن تخوض معركة لحماية شخص آخر بكل ما تملك من قوة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *