حب تحت القيود
حب تحت القيود.
الفصل الأول
جلس مهاب في مكتب اللواء، منتظرًا أن يأتي، بينما كانت الدقائق تمر ثقيلة كالرصاص. لم يكن هذا استدعاءً عاديًا؛ فمنذ أسبوع كامل، والمكالمات لا تنقطع من مكتب والده، ومن معارف والده، ومن أشخاص لم يكن مهاب يعرف حتى أن لهم صلة بالشرطة أو بالداخلية.
فُتح الباب أخيرًا، ودخل مهاب. سلّم عليه اللواء بابتسامة فيها نوع من التعاطف، ثم مدّ إليه ورقة رسمية:
“أمر نقل يا مهاب. إلى إحدى محافظات الصعيد. القرار فوق، مش من عندي.”
أخذ مهاب الورقة، وقرأ السطور ببطء، وكأنه يحاول أن يقنع نفسه أن ما يقرأه ليس حقيقيًا. لم يكن ينقصه الفهم؛ فقد عرف السبب من اللحظة الأولى. والده، السيد صالح، رجل الأعمال الذي بنى إمبراطوريته من الصفر، لم يكن يومًا ليقبل أن يظل ابنه الوحيد ضابطًا في الشرطة بينما إمبراطوريته تنتظر من يرثها. حاول معه لسنوات الإقناع، ثم اللين، ثم الضغط المباشر، وأخيرًا حين لم ينفع شيء، لجأ إلى ما يجيده أكثر من أي شيء آخر ، الواسطة والنفوذ وقد وجد أن لا مزيد من الأنتظار وعليه الضغط أكثر.
قال اللواء بنبرة أقرب للنصيحة: “اعتبرها تجربة يا مهاب. المكان صعب شوية، بس هتتعلم منه حاجات كتير.”
خرج مهاب من المكتب، والورقة في يده تزن كطن من الحديد. اتصل بأمه في طريقه، فسمع صوتها المتردد وهي تحاول أن تخفف عنه.
لكن مهاب كان يعرف والده أكثر من أن يصدق هذا الأمل.
في الصباح التالي، انطلق جنوبًا. كانت الطريق طويل، والمشهد يتغير تدريجيًا؛ المباني الشاهقة تتلاشى، ليحل محلها امتداد من الحقول الخضراء، ونخيل يقف كحراس على جانبي الطريق، وقرى صغيرة تلوح بين الحين والآخر كأنها لوحات من زمن آخر.
كان يفكر طوال الطريق في التناقض الذي يعيشه: ضابط له سلطة وهيبة في الشارع، لكنه أمام والده مجرد ابن يُفرض عليه القرار فرضًا. هذا الشرخ بين الصورتين كان يؤرقه أكثر من فكرة النقل نفسها.
وصل إلى المركز عند الظهيرة، والشمس حارقة، والغبار يتطاير مع كل عربة تمر على الطريق الترابي. كانت البلدة صغيرة، بيوتها من الطوب اللبن ممزوجة بمبانٍ حديثة قليلة، وشارع رئيسي واحد تتفرع منه أزقة ضيقة، ونخيل يحيط بأطرافها من كل جانب.