بشرى الجزء الرابع
جاء صوت رشاد من الطرف الآخر، متلهفاً، يحمل خليطاً من الغرور المصطنع والمشاعر المكبوتة:ـ ألو.. بشرى؟ ألف مبروك عليا المشروع الجديد.. أظن سمعتي النتيجة؟ظلت بشرى صامتة، فتابع رشاد بنبرة بدأت تتخلى عن قناع العمل وتتحول إلى الرجاء:ـ بشرى.. أنا عارف إنك سامعاني. أنا مخدتش المشروع ده عشان الفلوس، أنا خدته عشان أثبتلك إني لسه واقف على رجلي، وعشان أقولك إن مكيرمكش ولا يعليكِ في السوق ده غيري.
. الجيار ده بيستغلك، بيستغل اسم عيلتك وعقليتك عشان يكبر على قفاكي.تنفس رشاد بعمق، ثم قال بصوت خفيض وندم حقيقي:ـ بشرى.. أنا غلطت، ونهى كانت غلطة عمري وبنهي كل حاجة معاها دلوقتي. أنا مش قادر أنساكي، ولا قادر أشوفك مع غيري. ارجعيلي يا بشرى.. ارجعي لبيتك ومكانك، والشركة دي والمشروع الجديد ده كله هيبقى تحت إيدك وتحت أمرك، بس نفتح صفحة جديدة.طوال حديثه، كانت بشرى تستمع بملامح جامدة كالصخر، لم تهتز فيها شعرة واحدة، ولم تجد في قلبه أي أثر للوجع القديم؛
بل شعرت بشفقة شديدة على صغره.أبعدت الهاتف عن أذنها وقامت بتشغيل “المكبر الصوتي” (الاسبيكر) ليرتفع صوت رشاد في الغرفة، ونظرت إلى جبريل الذي التفت إليها بابتسامة هادئة وواثقة.ردت بشرى أخيرًا، بنبرة صوت باردة، حاسمة، ومميتة لأي أمل بداخلة:ـ خلصت كلامك يا رشاد؟.. أولاً، مبروك عليك المشروع اللي واخدة بخسارة وراهن فيه شركتك عشان بس ترضي نقصك، السوق مبيحترمش اللي بينتحر تجارياً عشان “لقطة”. ثانياً، الباشمهندس جبريل الجيار أكبر بكثير من تفكيرك المريض، وده شريكي اللي سندي وعرّفني قيمتي اللي إنت دايست عليها.
ثم أخذت نفساً عميقاً وأضافت بكلمات سددتها كالسـهام:ـ ثالثاً وأخيراً.. بشرى اللي كانت بتتنازل عشان ترضيك ماتت ويوم ما خرجت من باب بيتك اتدفنت. أنا دلوقتي في مكان بعيد جداً عنك وعن صغائرك، ومبقاش فيه أي مساحة في حياتي لشخص زيك. قضايا الطلاق والنفقة المحامي بتاعي هيقفلها الأسبوع ده.. وفر مجهودك وفلوسك للمشروع اللي هيقصم ظهر شركتك.وقبل أن ينطق برصاصة واحدة من ذهوله، ضغطت بشرى على زر إنهاء المكالمة، ثم قامت بحظر رقمه (Block) نهائياً.
التفتت بشرى إلى جبريل، لتجده يتقدم نحوها وعيناه تشعان بفخر غير مسبوق. وقف أمامها، ومد يده ليمسك يدها برفق وأمان، وقال بصوته العميق:ـ كنت واثق إنك أقوى من إن أي ماضي يهزك.. دلوقتي بس، نقدر نبتدي نخطط للمشروع الحقيقي اللي هيعلم على السوق كله، ومع بعض يا بشرى.ابتسمت بشرى للمرة الأولى من قلبها، وشعرت بحريتها الكاملة؛ لقد أغلقت صفحة رشاد للأبد، وفتحت ذراعيها للمستقبل بجانب رجل يعرف حقاً كيف يصون الجواهر.