في حجر الشيطان الجزء الثالث هند شريف
الفصل التاسع عشر
هل من لقاء!!
…………….
ربما في زمن آخر يحدث اللقاء
ربما في حياة آخري ألقاكِ
ولكن ليس الأن أبداً
كيف نلتقي وفي مقلتيكِ تكمن ضحاياي!
كيف أحبكِ ولم أعرف للحب عهداً!
كيف تسامحيني ولم أعرف للتسامح طريقاً!
كيف تريني فارس الأحلام ولم أكن يوماً فارساً !
إعلمي أني لم أكن يوماً بريئاً فقد فقدت البراءة منذ زمن
إعلمي أني لم أكن يوماً هذا الرجل النبيل الذي تنشدينه
إعلمي أنه لم يكن بيننا سوي صدفة لن تتكرر
……………………………..
يجلس في مكتبه ينظر للجريدة التي في يده ربما للمرة الألف لا يعلم حقاً ولكن غضبه المستعر مما قرآه للتو
(عودة إبنة رجل الأعمال المشهور ياسر الصياد وجثة الخاطف مجهولة الهوية )
هذا بإختصار ما قرآه في الجريدة من قتل عُمر وماذا حدث وأين آسر وكيف عادت !! كل هذه الأسئلة كانت تعصف برأسه يجب أن يعلم ماذا حدث
إذا حاولت تلك الفتاة النطق بحرف واحد ستودي بحياته المهنية التي تعب في بنائها كثيراً
ظل يتحرك يميناً ويساراً يكاد ينفجر غضباً طلب من سكريترته الخاصة أن تخبر محمود المجئ فوراً
جاء محمود سريعاً دخل إليه وجده يجلس علي مقعده الكبير قال بصوت هادئ
محمود:أؤمرني يا طارق باشا
رد عليه بضيق
طارق:تروح علي مستشفي (…….) وتعرفلي كل حاجة عن عُمر مات إزاي ولقوه فين كل حاجه فاهم وتجيبلي آسر من تحت طقاطيق الآرض….والبت بنت ياسر الصياد رجعت بيتها مش عاوزة تغيب عن عنيكم لحظة مفهوم؟؟
رد بدهشة
محمود:هو عُمر مات ؟؟؟
هبّ من مكانه والشرار يتطاير من عينيه قائلاً
طارق:إنت مبتفهمش أيوة مات يا بني آدم ولو ممشتش من قدامي دلوقتي هتحصله
خرج مسرعاً خوف من بطشه فهو يعلمه جيداً مع كلمة واحده(مفهوم يا باشا)
بعد حوالي ساعة جاءه إتصال من محمود رد سريعاً قائلاً
طارق:ها عرفت كل حاجة
محمود:أيوة يا باشا بس مفيش حاجات كتير يعني كل اللي يعرفوه إنهم لقوه في منطقة صحرواية أخدت المكان بالظبط ورايح أهو كان مضروب برصاصة في رقبته الدكتور اللي شرح الجثة قال إنها طلقة مش متنشنة بالظبط لأنها كانت قريبة من ودانه ومحدش جه شاف الجثة غير وكيل النائب العام عبد الرحمن والواد الدكتور أخو أسيل وصاحبتها وإتعرفوا ع الجثة علي إنها اللي كانت في الفيديو بس ميعرفلوش إسم ولا أي حاجه خالص
بعد تفكير عميق رد عليه بهدوء لا ينم عن غضبه وتوتره الشديدين
طارق:والزفت آسر عرفت عنه حاجة !!
تردد في الرد ثُم قال
محمود:الحقيقة يعني ياباشا أنا بعت رجالتي كلهم في القاهرة من غربها لشرقها بس لسه ملاقوش حاجه
إنفلتت أعصابه هذه المرة قائلاً
طارق:أنا عاوزهم في مصر كلها يا بني آدم إنت فاهم آسر يكون عندي بكرا بالكتير يإما إنت هتكون مع عمر في نفس القبر
ثُم أغلق الهاتف دون كلمة آخري والتوتر يكاد يفتك به…يجب أن يجد آسر بأسرع وقت ممكن..إنه يعرف الكثير والكثير ويجب أن يتخلص منه
وتلك الفتاة هل ستثير الضجة ولكن كيف فهي لا تملك أي أوراق ضده حتي هذا الفيديو المصور لا يوجد ما يدل عليه أبداً به
لا يوجد ما يُثير الشكوك حولها أبداً سوي كيفية هروبها وعودتها سالمة هكذا!!
………………………………..
منذُ أن قرأت تلك الكلمات وهي لا تتحدث فقط مقلتيها غائرتان بالدموع
لا تعلم كم مرة قرأت تلك الكلمات التي وجهها لها هي وحدها
إبتسمت وهي تقرأ الكلمة للمرة الألف تقريباً (ياحبة القلب)
خفق قلبها كثيراً عندما قرأت طلبه الوحيد منها في مراعاة والده وزيارته
ها هي نقطة ضعفه يخبرها هي فقط بها هي تعلم هذا تشعر بهذا
تُري كيف هو الأن…وماذا يفعل…وأين ذهب
دمعة خائنة تحررت من مقلتيها تلتها الكثير والكثير إنتفضت ذعراً عندما سمعت طرقات خافته علي الباب…أعادت الأوراق إلي مكانها داخل الظرف الكبير ثُم وضعته بالكومود وأغلقت عليه بالمفتاح….مسحت دموعها سريعاً حاولت أن تهدأ قليلاً ثُم أخذت نفساً عميقاً وقالت بصوت حاولت أن يخرج هادئاً
أسيل:إدخل
ها هو مشاكسها يدخل عليها بالإبتسامه التي إشتاقت لها قابلته هي الآخري بإبتسامة حاولت بثه كل حبها بها…إقترب منها وجلس بجانبها علي الفراش ثُم إحتضن كفيها الصغيرين قائلاً
مازن:حمد الله علي السلامة ياحبيبتي…..وحشتيني أوي
إحتضنه بشدة والدموع تجد طريقها علي وجنتيها قائلة
أسيل:وإنت كمان وحشتني أوي أوي يامازن
ملّس علي شعرها الحريري قائلاً بصوت متأثر
مازن:خلاص مفيش حاجة هتبعدنا عن بعض تاني إن شاء الله ياحبيبتي
نظرت لها بعينين مغشيتين بالدموع قائلة بحزن
أسيل:إن شاء الله
تلاعب بشعرها كما كان يفعل معها وهي صغيرها قائلاً
مازن:يلا بقي ياهانم أنا عاوز أفطر معاكي
إبتسمت من بين دموعها قائلة
أسيل:حاضر إسبقني وأنا جاية وراك أهه
ولكنه لم يكن ليسمح لها ان تبقي وحيدة مرة آخري أمسك كفيها وأوقفها قائلاً بمكر
مازن:ياتنزلي معايا بالذوق يإما هشيلك
أكمل ما يقوله وهو يستعد ليحملها ولكنه توسلته قائلة وهي تضحك
أسيل:لأالالالا خلاص نازله معاك أهو
أشعث شعرها مرة آخري وهو يبتسم ثُم أمسك كفيها يقودها حيث الجميع ينتظرهم علي مائدة الإفطار ومعهم حبيبته العنيدة
كانت تجلس في إنتظار نزول اسيل مع مازن الذي أصر أن يذهب إليها بعدما أخبرته أنها تفضل البقاء وحدها لبرهة من الزمن… تتذكر ما حدث قبل ذهابه لأسيل بقليل بينما كانت سميحة تشرف علي مائدة الإفطار كما لو كانت وليمة لأجل أسيل
إستيقظ من نومه شاعراً بالراحة الشديدة ها قد عادت شقيقته الحبيبة وأخبر العنيدة أنه يحبها وأخبرته خفقات قلبها وإرتعاشاتها أنها تحبه أيضاً إغتسل ثُم إرتدي سروال من الجينز وقميص أبيض مفتوح الأزرار العلوية وأرجع شعره بنظارته الشمسية للوراء فتح باب غرفته تفاجئ بها تفتح هي الآخري الباب المقابل له وياليتها ما فعلت فقد كانت كما البدر في ليلة تمامه
تركت شعرها للعنان وهذه أول مرة يراها هكذا وكانت ترتدي فستان باللون القرمزي ذات حمالات سميكة وأظهر خصرها النحيل بمنحنياته الرقيقه لاحظ تورد وجنتيها وإرتجافة كفيها علي الباب عند رؤيته…إبتسم بتلقائية قائلاً وهو يقترب منها بصوت أجش
مازن:صباح الخير
إرتجفت ولم تستطع رفع عينيها عن الأرض صوته العميق هذا يهزها ويجعلها لا تستطيع الحراك ولا النطق…أجلت حنجرتها قليلاً ثُم قالت بصوت مبحوح
نادين:صباح النور…أسيل صحيت بس كانت خايفه أوي حلمت حلم تقريباً خوفها جامد
تأثر مما قالته بحكم عمله كطبيب يعلم جيداً أنه قد تمر فتره حتي تعود حالتها النفسية كما كانت…رد بتأثر
مازن:طيب وهي عاملة إيه دلوقتي طمنيني
رفع عينين قلقتين إليه قائلة
نادين:هي بتتظاهر إنها كويسة وقالت هتصلي وتيجي تفطر معانا بس…..
قال مازن متوسلاً
مازن:بس إيه يانادين إتكلمي من فضلك
قالت بصوت فاض به القلق والتوجس
نادين:حاسة إن فيه حاجة غلط مش دي أسيل حساها مخبية حاجة فيه حاجة إتكسرت جواها أنا متأكدة كمان هي طلبت إنها تقعد لوحدها شوية
تنهد بضيق وتململ في وقفته قائلاً
مازن:وإنتو سيبتوها تقعد لوحدها إزاي؟؟
ردت بيأس
نادين:والله طنط وأنا حاولنا كتير بس هي رفضت رفض قاطع
مازن:طيب هي بقالها أد إيه لوحدها!!
نظرت لساعة يدها
نادين:حوالي ربع ساعه أو أكتر
أومأ رآسه بتفكير ثُم قال
مازن:طيب قولي لماما تحضر الفطار وانا هجيبها وأجي هخليها تفطر معانا تمام؟
قالت برجاء
نادين:ياريت تعرف تجيبها يامازن ياااااااريت
إقترب منها أكثر قليلاً ثُم
مازن:إن شاء الله…..بعد الفطار هاخدك ونروح للدكتور إتفقنا؟
تذكرت ما حدث البارحة فإحمرت وجنتاها تلقائياً فأومأت برأسها دون أن ترد
إبتسم بجذل كم يعشقها بهذا الخنوع والهدوء والتوتر الواضح وبشدة….إقترب برأسه إلي مستواها وهمس بجانب أذنيها قبل أن يغيب عن نظرها
مازن:وحشتيني
لم تجد القوة للرد عليه أخذ صدرها يعلو ويهبط وإشتعلت وجنتاها وهبط قلبها بين أضلعها وإرتعشت يداها بشدة ظلّت علي هذا الحال طويلاً…لم تسمع صوته رفعت رأسه لتجده عند غرفة أسيل ينوي أن يطرق الباب قبل أن يغمز لها بعينيه بإبتسامته الجذابة التي تخطف أنفاسها
وضعت يديها علي صدرها تهدئ نبضاته الثائرة ثُم أخذت نفساً عميقاً تستعيد به توازنها وذهبت لتخبر سميحة بما طلبه مازن منها وعلي شفتيها إبتسامة لم تطئها منذُ زمن
عادت من شرودها علي صوت ياسر وهو يحتضن أسيل بحب شديد وهو يقول
ياسر:حمد الله علي سلامتك ياحبيبتي…نورتي البيت كله يا نور عيني
ردت عليه وهي تتشبث بقميصه تستمد منه الأمان
أسيل:الله يسلمك ياحبيبي
جاءت سميحة من الخلف إختطفها من أحضان والدها تزرعها بين أضلعها كما لو كانت مازالت في العاشرة حتي قال مازن وهو يضحك
مازن:الظاهر هنقضيها أحضان بقي ممكن نفطر أنا جعان يا عالم…جعان أوي الصراحه
قال جملته الأخيرة وهو ينظر لمعذبته بنصف إبتسامة…أطرقت برأسها خجلاً
جلس جميعهم علي طاولة الطعام في جو دافئ عائلي إفتقدته نادين منذ زمن..إشتاق له مازن…تمنّي ياسر أن يدوم إلي الأبد ويحفظ أولاده ويديم عليهم هذه الجلسة الجميلة
أما هي أليس من المفترض أن تكون في قمة سعادتها…فها هي عادت إلي عائلتها سليمة معافاة..لا ينقصها شئ…لكن لما تشعر أنه ينقصها كل شئ!!
لما تشعر بتلك القبضة التي تعتصر قلبها بقسوة ..لما تشعر بهذا الخواء داخل صدرها..لما تلك الدموع لا تترك مقلتيها أبداً…أحقاً إشتاقت له!!
أحقاً إشتاقت لجفاءه وبروده!!
إستفاقت من شرودها علي صوت نادين وهي تشد علي يديها قائلة
نادين(بهدوء):لازم نتكلم ضروري
حاولت الإعتراض ولكن عينا نادين المتوسلتين جعلتها تومئ برأسها بالإيجاب
بعد الإفطار إستأذنت هي ونادين بالذهاب لغرفتها وبعدما أغلقت نادين الباب نظرت لها ومقليتها ممتلئة بالدموع وقد عزمت أمرها أن تخبرها بكل ما يعتمل في صدرها منذ سنين طويلة
أمسكت كفيها بين يديها قائلة بتأثر
نادين:قبل ما يحصل اللي حصل إنتِ شكيتي إن فيه حاجه أنا مخبياها عليكي وده حقيقه
إنقبض صدرها وتعالت نبضات قلبها ليس الأن أرجوكِ يكفيني ما يجري لا أستطيع تحمل صدمات آخري…إبتلعت ريقها ونظرت لها مشجعه كأنما تطلب منها أن تكمل
وياليتها ما فعلت
تنهدت نادين بعمق والدموع تغزو مقلتيها بلا رحمة قائلة
نادين:وقت ما بابا وماما سافروا أنا تعبت أوي لاني كنت لوحدي ومكنش حد بينصحني بالصح والغلط واحد ضحك عليا وخلاني أدمن وكل يوم كان يجيبلي حبوب وكنت باخدها وأنسي أي حاجه مضايقاني ولما مر الوقت وعرفت إيه دي سيبته بس مقدرتش أسيبها وبقت ملازماني طول الوقت أنا قاعدة معاكي كويسه ومعنديش صداع لاني لسه واخده حباية حاولت أبطلها كتير بس مقدرتش
بعد ما حصل اللي حصل مازن هو اللي لقاني وهو راجع م المطار ولأنه دكتور طبعا عرف علي طول وإنهردة المفروض أروح المستشفي علشان أتعالج ومش عارفه هرجع إمتي …(ثُم أكملت وجسدها يرتعد بشدة)..أنا اللي بتمناه إنك تسامحيني إني مقولتلكيش بس كنت خجلانة من نفسي واللي فيه لكن دلوقتي مقدرش مقولكيش لأنك أختي وحبيبتي ومش عارفه إذا كنت هشوفك تاني ولا لأ
…أنا عارفة إنه ده مش وقته وكان المفروض أفضل معاكي لأني عارفة إنك مش هتحكي اللي جواكِ غير ليا بس أنا دلوقتي معطوبة من جوا مدمرة جسدياً ونفسياً مش هقدر أساعدك لازم أثق في نفسي تاني وأكون جديرة بحبك وطهارتك وبرائتك علشان أقدر أكون معاكِ
كانت كل كلمة تخرج من شفتيها تقتل شيئاً في تلك الجامدة أمامها
أيجب عليها أن تواجه كل هذا وحيدة…رفيقة دربها التي من المفترض أن تساندها في تلك اللحظات تصبح مثله هو…..تراه فيها كأنما يحدثها عن طريقها
عيناها كعيناه تتوسلان أن تدعو له
كيف تستطيع تحمل كل هذا….بالله عليكِ أخبريني نادين كيف أتحمل كل هذا كيف!!
إنهمرت الدموع من مقلتيها…تشنج جسدها وصدرها يعلو ويهبط بشدة وقلبها يهدر بين صدرها بعنف…كم مرة عليها تقبل الصدمات!!
لم تستطع الرد إلي أن سمعت صوت نادين المتحشرج الممتزج بالدموع
نادين:سامحيني يا أسيل بجد أنا مريت بأسوأ أيام حياتي وخصوصاً لما إنتِ إتخطفتي عشت أيام بجد صعب أوصفها سامحيني أنا أسفه إني صدمتك فيا ودلوقتي تحديداً بس غصب عني أنا هنزل دلوقتي مع مازن هروح المستشفي وإحتمال متشوفنيش لشهور لازم أعرف إنك مسامحاني سماحك ليا ده هيديني دفعة أكبر
إحتضتنها وهي تبكي بشدة ويرتجف جسدهما الإثنين معاً….هدأتا قليلاً ولكن نشيجهما الصامت ظلّ في الأرجاء إلي أن قطعت الصمت بصوت حزين
أسيل:أنا مسامحاكي لأنك حتة مني وأختي وهفضل جنبك طول العمر ومبسوطة أوي إن مازن جنبك وواثقة إنه مش هيسيبك لوحدك….عاوزة صاحبتي ترجعلي في أقرب وقت وعاوزاكي تكوني قوية وتثابري علشان ترجعي زي زمان
أعادت إحتضانها مرة آخري وظلّت الإثنتين علي هذا الحال حتي سمع طرقات خافتة علي باب الغرفة
مسحت كل منهما دموعهما وحاولت أسيل أن ترد بهدوء
أسيل:أدخل
دف إلي الغرفة وهو يعلم أن نادين تخبرها عمّا بها ويعلم أيضاً أن كل منهما تحتاج مؤازرته وإن إختلفت الأسباب…كانت كل واحده منهما ذات عينان حمروان من كثرة الدموع وممسكة بيد الآخري تستمد منها الأمان…إقترب منهما بإبتسامة هادئة موجهاً حديثه لنادين
مازن:أنا كلمت الدكتور وهو مستنينا…يلا بينا!!
أومأت برأسها بالإيجاب وهي تنظر لأسيل بحب وتقدير…فقامت الآخري لتقترب من مازن تُقبله من وجنتيه وتتشبث بذراعه وهي تقول
أسيل:خد بالك منها علشان خاطري وخليك جنبها فاهم
أحاط كتفيها بيديه وقبّل رأسها ولم تحيد عينيه عن تلك الواقفة أمامهم بوجه متورد وجل..ثُم قال بهدوء ومكر
مازن:متقلقيش ياحبيبتي نادين في عينيا ومش هسيبها لحظة….يلا بقي يانادين الراجل مستنيني
ودّعت أسيل للمرة الآخيرة ربما وهي تبكي وذهبت مع مازن إلي طريق جديد وحياة جديدة بالتأكيد
أما الآخيرة فإتجهت للشرفة وأسندت ذراعيها وهي تنظر للسماء الصافية تُحدثها قائلة (سمائي كيف أعود بصفائك ونقائك وقد تركت صفائي ونقائي لديه…كيف أكون بحرية الطيور في بحورك وتركتُ حريتي لديه..كيف بالله أخبريني !!)
كانت تُحدث السماء بصمت ولكن الطعم المالح لدموعها أخبرها أن عينيها لن تري السعادة أبداً بعد فراقه…علمت أنها تعشقه وتحبه ولن تتواني عن الدعاء له ولن تتوقف عن حلمها بأن تراه كما أرادت أن تراه وليس كما يري هو نفسه
…………………………………….
كان يجلس أمام قسم الشرطة في سيارته مستنداً علي المقود مغمضاً عينيه مُحاولاً أن ينسي صورتها التي تطارده بإستمرار صوتها الذي يتسرب بداخله هيُشعره أنه إنسان ومازال بداخل صدره قلباً ينبض
في تلك اللحظة بالذات جاءه إتصال من رقم مجهول علم من هو علي الفور
رد في هدوءه المعتاد
يوسف:أيوة…عملت اللي إتفقنا عليه…تمام…وصل…طيب
أغلق الهاتف ثُم أخرج بطاقة الهاتف ليرميها بلا مبالاة في الطريق ثُم تنهد بعمق وهو يفتح باب السيارة فقد حان الوقت
دلف إلي قسم الشرطة يسأل عن النائب العام شخصياً وبالطبع لأن مظهره يدل علي أناقته دخل له بسهولة شديدة
النائب العام(عمار):إتفضل
جلس في هدوء واضعاً قدماً فوق الآخري قائلاً
يوسف:أنا عندي معلومات عن يس الحسيني ومعلومات عن هشام باشا الشناوي وطارق الحداد هتوديهم في داهية وتبقي حضرتك خدمت البلد خدمة كبيرة وأخدت جايزة كمان
ثُم خلع نظارته الشمسية ونظر له بتحدي مُكملاً حديثه
يوسف:وإلا بقي الصحافه هتعرف إن الشرطة بتتستر علي ناس في مجلس الشعب وخصوصاً الجرايد المعارضه وأظن يعني الشرطة مش محتاجة كره أكتر من اللي الناس بتكرهولها ولا إيييه؟؟
كانت الرجل يبتلع ريقه في صعوبه مع كله كلمة تخرج من فم هذا الواثق أمامه بل ويرتعش بتردد فهو يعلم جيداً ما يخبره به هذا الرجل الجليدي الجالس أمامه
ولكنه إدعي الهدوء وهو ينظر له قائلاً
عمار:وحضرتك بقي معاك حاجة تدعم اللي بتقوله ده ولا هو كلام وخلاص…وع فكرة يس الحسيني مسجون أصلا لأنه عليه قضايا بالهبل وكلها بمستندات لكن الأستاذ هشام والأستاذ طارق ممكن أعرف معاك إيه ضدهم ؟
نظر له بإبتسامته الواثقة ثُم قال
يوسف:أنا
تحركت رأسه بعدم فهم قائلاً
عمار:مش فاهم إنت إزاي؟؟
رد بهدوء شديد وهو يضغط علي كل حرف
يوسف:أنا مصدر معلوماتك اللي هيحاولوا يتخلصوا منه في أقرب وقت…..بكرا هكلمك أعرف ردك علي اللي قلته وفي المقابل عندي إعترافات تانية كتير أوي هتفيدك وهتخليك أشهر نائب عام في البلد
ثُم أكمل بسخرية قائلاً وهو يخرج من الباب
يوسف:أصلنا شعب عاطفي
لا يعلم مالذي جعله متأكد هكذا أنها ستفعل الذي طلبه غداً..ربما لانه يعرفها متسرعه…فضولية…تكره طارق وأمثاله وتتمني التخلص منهم جميعاً
كل ما يعلمه أن قلبه يخبره أنها ستفعل هذا غداً
خرج من هناك وهو يعلم جيداً أن السيد عمار سيبعث بأحد ورائه بل وسيخبر طارق تحديداً بما حدث منذ دقائق…وهذا ما حدث بالفعل علم أن هناك من يتتبعه
إبتسم بجذل وهو يتحرك ناحية سيارته قبل أن ينظر يميناً ويساراً يفكر حتي إنطلق بها سريعاً وسط الزحام في محاولة فاشلة لتتبعه فقد جاء وقت الذروة تحديداً لأنه يعلم أن هذا ما سيحدث…..بعد وقت ليس بالقصير وصل لمنطقة شعبية نائية أخفي سيارته عند إحدي رجاله ثُم صعد السلالم المتهالكة ليدخل إلي منزل مهترئ
رمي بنفسه علي أقرب مقعد ثُم أغمض عينيه علّه يجد بعض الراحة قبل أن يري التعب مرة آخري
تحسس جيب سترته الجلدية ليُخرج هذا المصحف الصغير الذي أعطاه له والده
ظلّ يتأمله في وجل كأنما يراه للمرة الآولي خائف بشدة…قلبه يهدر في صدره بعنف مضاعف..إزدري ريقه بصعوبه وهي يفتحه تلك السورة التي كان يقرأها له والده منذُ ساعات
بدأ بالقراءة وكلما إنغمس أكتر في القراءة كلما تبلل قميصه بأنهار من الدموع كانت حبيسة مقلتيه منذ سنوات وآخيراً وجدت مكانها بين يدي ربه….إرتعش كفيه وهو يقرأ ويتذكر حديث والده وهو يخبره أن رحمة الله وسعت كل شئ
كان لسان حاله يقول…كيف يسامحني وأنا أخطأت في حق كل من حولي
كيف يسامحني وأنا من قتلت أنفس بريئة ليس لها ذنب سوي أنها كانت في طريقي…كيف يسامحني وأنا أوهمت فتاة أنها فقدت ما فقدته حبيبتي قبل زمن
كيف وكيف !!
كان يبكي بصوت مسموع كأنه يُفرغ كل ما طال حبسه سنوات طويلة..كأنه ببكائه هذا يتبرأ مما فعله منذ سنوات…يغتسل من ذنوب لا تعد ولا تحصي ولكنه التواب الرحيم….تعلق بكلمات والده كالطفل الصغير الذي وجد حضن والدته كأمان له
رحمته وسعت كل شئ وكلما كان يردد تلك الكلمات كلما زادت دموعه آكثر وزاد إرتجاف جسده المنهك والمثقل بالذنوب أكثر وأكثر
غطّ في نوم عميق علي تلك الحالة المزرية يحتضن المصحف كأنه ملاذه الأخير وأمانه الوحيد بعدما ترك والده…كأنه الشئ الوحيد النقي الذي تبقي له ليتطهر به
…………………………….
إستيقظت من نومها تشعر بالصداع يفتك برأسها…ربما لأنها لم تنم جيداً ليلة أمس من كثرة التفكير فيما قاله هذا الأحمد تذكرت ما فعلته تحديداً بعد رحيله
دلفت للمنزل أراحت قدميها من هذا الكعب العالي المرهق…تشممت سترته التي تركها علي كفتيها حتي لا تبرد ثُم إحتضتنها بشدة وهي تبتسم ببلاهة
دلفت لغرفة النوم ومازالت السترة بين يديها ثُم ألقتها علي الفراش وبدلت ملابسها بآخري مريحه….نظرت لكفها الذي كتب عليه رقم هاتفه بكل هدوء وعلي شفتيه إبتسامة هادئة نابعه من قلبه أدخلتها هي إلي قلبها وأغلقت بابه عليها حتي تحتفظ بها لنفسها فقط
أخرجت هاتفها لتحفظ به الرقم…ظلّت تتلمس شاشة الهاتف المزينة بإسمه وهي تبتسم ببلاهة…ماذا يحدث لي لما أشعر بالأمان معه ولا أخاف أبداً
ربما لعيناه الصادقتين..ربما لإبتسامته الجميلة!!
عادت الذكريات تعصف برأسها بقوة كيف أفكر هكذا وأنا لا أصلح لأي رجل كان
وخصوصاً هذا الأحمد النبيل الذي لا يستحق منها هذا أبداً فقد ساعدها كفاية
سيصبح فقط نعم الصديق وليس أكثر من ذلك لا يستحق أبداً الإرتباط بفتاة ليست بفتاة حقاً….نزلت دمعة خائنة من مقلتيها مسحتها بخجل كأنما تواري بها العجز بداخلها
قامت من فراشها بتثاقل أخذت حماماً ساخناً تُزيح به ذكريات سيئة قررت التخلص منها منذُ الأمس حتي تبدأ حياة جديدة وأول ما تريد فعله إستكمال دراستها الجامعية التي ستساعدها علي بناء ريما جديدة
أنهت حمامها..فتحت هاتفها الذي كان صامتاً منذُ الأمس وجدت الكثير من الإتصالات التي وردتها من هايدي..إبتسمت هايدي نعم الصديقة بالنسبة لها وقد كانت محقة كل الحق عندما أخبرتها أن تنسي هذا الإنتقام الغبي فلن تجني منه سوي الألام ويكفيها إلي الأن تلك الألام…..قامت بالإتصال علي هايدي التي ردت عليها بلهفة
هايدي:انتي فين…وليه مبترديش قلقتيني عليكي طمنيني
ضحكت بشدة ثُم قالت
ريما:براحة شوية عليا أجاوب كل ده إزاي يعني…أنا كويسة وزي الفل ياستي ها بقي عاملة إيه ياعروسة ؟؟
لم تستوعب صوتها في البداية بل صمتت قليلاً ثُم قالت بتردد
هايدي:ريما إنتِ كويسة؟؟
إبتسمت بهدوء قائلة
ريما:والله العظيم الحمد لله كويسة…..ممكن أطلب منك طلب؟
تنهدت بعمق ثُم قالت
هايدي:الحمد لله إنك بخير ياحبيبتي الحمد لله……طبعاً أؤمري
ريما:كنت عاوزاكي تقدميلي علشان أكمل دراستي السنة الجاية إن شاء الله ممكن؟
تهللت أسارير هايدي بشدة ثُم قالت بدهشة
هايدي:بتتكلمي بجد؟؟
ريما:أيوة والله بجد ها هتقدميلي؟
ردت بدون تردد
هايدي:طبعا يوم الأحد إن شاء الله اصل إنهرده الجمعه
ريما:خلاص إتفقنا…بصي هقفل معاكي ناو علشان بابا ع الويتنج
أغلقت مع هايدي ثُم ردت علي والدها الذي كان صوته يُشع فرحاً كبيراً وهو يقول
ماجد:ريما حبيبتي تعالي ع البيت حااالاً ليكي عندي خبر حلو جداً
ردّت عليه بتساؤل
ريما:خير يابابا إيه اللي حصل؟؟
ماجد(بفرحة عارمة):تعالي بس بسرعه مش هينفع في التليفون…يلا أنا مستنيكي
أجابت بالموافقة وقامت لإرتداء ملابسها وذهبت سريعاً لمنزلهم عندما دلفت إلي الداخل كان ماجد يجلس في منتصف الردهة وبيده ظرف كبير ومبتسم براحة لم تراها عليه منذ زمن….إقتربت منه عاقدة حاجبيها في تساؤل
ريما:خير يابابا فيه إيه!!
قام من مكانه إثر صوتها يحتضنها بشدة وعيناه تدمعان وأعطاها الظرف قائلاً
ماجد:الظرف ده جالك من شوية مكتوب عليه إسمك أنا شفت الصور اللي فيه بس مقرتيش الكلام فضلت إنك تقريه لوحدك…ربت علي كتفيها بحنان ثُم تركها قائلاً
ماجد:أنا مستنيكي في المكتب
جلست علي أقرب مقعد وفتحت الظرف بأنامل مرتعشة لأنه جعلها تتذكر تلك الصور الشنيعه التي رأتها منذ شهور….عندما رأت الصور شهقت بعنف وهي تري أنها لأخري غيرها ظلّ صدرها يعلو ويهبط وهي لا تستوعب ما تراه فتحت الورقة المرفقة بالظرف وبدأت تقرأ المكتوب بها ودموعها الممتزجه بفرحتها العارمة تغرق تلك الورقه
(أعلم أذيتكِ كثيراً وأعلم أنكِ لن تسامحي ولكني حتي أتطهر من ذنوبي فأنتِ الذي تبقي لي منها يجب أن تعلمي أني لم أمسسكِ ولم أتقرب منكِ بأي طريقه…نعم جردتكِ من ملابسك ولكني لم أمسسك فقط صورتُك بحركات مسرحية….هذا لتعلمي أنكِ مازلت فتاة نقية لم يمسسكِ بشر….وليس خطأكِ أنكِ وثقت بي ولكني أنا الشيطان فلم أبالي بكِ ولكن بعث الله لي الملاك ليقيني من ذنوبي التي كنت غارق بها لأذني…أقدم إعتذاري الذي أعلم جيداً أنك لن تقبليه…ولكن تطهيراً لذنوبي التي لم تطهر بعد
آسر)
كانت تضحك تارة وتبكي تارة قامت من مكانها ومازال الظرف في يديها هرولت إلي مكتب والدها…بكت في أحضانه وهي تتلمس منه الأمان وهو يشدد من إحتضانها ويربت علي شعرها الناعم وعيناه تدمعان
قالت والدموع الممتزجة بإبتسامتها الجميله تلطخ وجنتيها
ريما:أنا هكلم هايدي وماما أقولهم ع الخبر الحلو ده
إبتسم ماجد بحنان قائلاً
ماجد:أنا كلمت ماما وهي نازله مصر إنهرده
تعلقت برقبته كطفلة في العاشرة وهي تقول
ريما:خلاص هكلم هايدي عن إذنك ياحبيبي
قبل جبينها بقوة ثُم تركها
كانت هايدي تشعر بالفرحة العارمة من أجل صديقتها….كانت تشعر أن ريما ستبدأ ببناء حياة جديدة وشخصية مستقلة جديدة لم تعرفها من قبل ولكنها أفضل من تلك التي كانت تتسم بالغرور والعجرفة
أغلقت مع هايدي علي موعد باللقاء غداً لأنها ستعود للمنزل اليوم حتي تستقبل والدتها لأن لديها الكثير لمناقشته مع والديها…أمسكت هاتفها وقررت مشاركته الحديث ولا تعلم لماذا فقط أرادت ذلك
……………………..
كان يعمل هنا وهناك يذهب لهذا الطبيب وتلك الصيدلية كان عمل شاق بالفعل ولكنه لم يشعر بالتعب منه بل كان سعيداً لأنه كون الكثير من الصداقات الجيدة وبدأ في إدخار بعض الأموال من أجل إستكمال علاج والدته…بعدما أنهي الطلبية التي كان عليه تسلميها قرر أن يستريح قليلاً علي أحد المقاهي القريبة من مكان عمله…كان الجو حاراً أرخي ربطة عنقه التي لا يستسيغها لكن هذا العمل يتطلب منه تلك الأناقة…فك الأزرار العليا لقميصه…قام بطلب عصير برتقال
تذكر تلك الفتاة الجميلة بكل ما تحمله الكلمة من معني عينان بلون السماء في صفائها وقوام يالله لم يجد له مثيل من قبل…نهر نفسه كثيراً علي هذا التفكير الغريب عليه فهو لم ينظر لفتاة هكذا من قبل بل يفكر هكذا من قبل
توقف أحمد توقف ما هذا الغباء…قطع عليه شروده صوت هاتفه وجد رقم غريب يتصل به قام بالرد بهدوء
أحمد:سلام عليكم
إرتجفت وكانت علي وشك أن تغلق الهاتف ولكن صوته المتسائل أوقفها
أحمد:الو مييين؟؟
تنحنحت قليلاً ثُم أجلت حنجرتها لتقول
ريما:أنا ريما
إبتسم وأرخي ظهره علي الكرسي ثُم قال
أحمد:اهلا أهلا إزيك؟
إبتسمت بسعادة وهي تقول
ريما:أنا كويسة أوي أوي الحمد لله وإنت؟
أحمد:الحمد لله تمام
حسناً من الواضح أنه ينتظر أن تقول شيئاً..ماذا تقول نظرت للسترة المعلقة بجانب ملابسها ثُم إبتسمت وهي تقول
ريما:جاكيت البدلة بتاعك يعني كنت عاوزة أقابلك علشان أديهولك يعني وكدا
إبتسم لخجلها الذي لم يكن يعلم أنها تمتلكه
أحمد:بالنسبة ل (يعني) دي هتفضلي تقوليها كتير؟
ضحكت بشدة ثُم لم ترد قال..أكمل هو قائلاً
أحمد:بالنسبة للجاكيت بقي انا هخلص شغل إنهرده الساعه 9 تمام بالنسبالك؟
تلاعبت بخصلات شعرها الصفراء ثُم قالت
ريما:إمممممم معلش نخليها بكرا علشان مامتي راجعه م السفر إنهردة؟
إمممممم هكذا….إذاً لما هاتفتني إبتسم بجذل وهو يرتشف العصير قائلاً
أحمد:خلاص مفيش مشكلة نخليها بكرا…وحمد الله علي سلامة مامتك
ريما:الله يسلمك ميرسي….طيب تمام هكلمك بكرا ماشي؟
أحمد:لا هكلمك أنا لما أعرف هخلص شغل إمتي يمكن أخلص متأخر وساعتها مش هعرف أقابلك تمام!!
تمتمت بصوت خافت قائلة
ريما:طيب تمام
أغلقت معه وتجهزت لتعود لمنزل عائلتها لتبدأ ببناء شخصية جديدة لم تكونها يوما
………………………..
اليــــه … شهيدين كنا بِعُمْر الياسمين .. انت برئ من آثام الهوى و انا متحررة من لعنات الذاكرة كيف اكافئك على عمر كامل من الوجع ؟! هل أُقبّل جُرحك بثغر النسيان ؟ أم أمد شعري كالليل على دموعك علّه يخفي اضطرابات روحك ؟ تقول : أحبكِ فتنبت في قلبي زهرة عذراء .. لم تنمو لرجل قبلك و أقبض ابتسامتك الخجولة في كفي و أغدو أنثى تحرق اشواكها بلا خوف ! أنثى ارهقتك فكراً .. و أغرقتها عِشقاً و انتقم منك بالحب أكثر ! والموت فيكَ يبدو شهي أشهى مما كنت أتصور ….
طوال طريقهم للمشفي كان يشعر بتشجنها وإرتجافها…دموعها الحبيسة في مقلتيها..نظراتها التائهة نحوه والخائفة…أمسك يديها برفق يشد من أزرها قائلاً
مازن:متخافيش أنا جنبك ومش هسيبك
إرتعشت من لمسته ثُم قالت برجاء
نادين:ممكن أطلب منك طلب !!
رد علي الفور
مازن:طبعاً إتفضلي
تحررت الدموع من مقلتيها ثُم أخذت نفساً عميقاً قائلة
نادين:متكلمش ماما وبابا مش عاوزة حد منهم يعرف حاجة (أردفت بألم) عمرهم ما كانوا جنبي علشان يبقوا جنبي دلوقتي
أوقف السيارة جانباً ثُم تنهد بعمق محتضناً كفيها الصغيرين بين يديه قائلاً
مازن:محدش هيعرف غيري أنا وأسيل ولما تعدي المرحلة دي لينا كلام تاني ماشي….ويلا بقي الدكتور مستنيني بقاله ساعه
إبتسمت من بين دموعها وأومأت برأسها علامه علي الإيجاب
أكمل طريقهم للمشفي قابل صديق له من الجامعه كان في الثلاثون طويل القامة قسمات وجهه وسيمة نوعاً ما..إستقبله بحفاوة كبيرة قائلاً
إياد:الدكتور مازن بنفسه عندنا يا مرحبا يا مرحبا…وحشتني ياواد
إحتضنه مازن قائلاً بإبتسامة
مازن:إنت كمان والله ياإياد وحشتني إيه الأخبار ؟
إياد:كله تمام
أشار مازن لنادين وهو يمسك يديها قائلاً
مازن:اعرفك نادين اللي كلمتك عنها…دكتور إياد يا نادين صديقي وصاحب المستشفي دي
مدت كفان مرتجفتان لتسلم عليه لاحظها هو ومازن لذلك أومأ برأسه قائلاً
إياد:أهلا بيكي أنسه نادين….أتعشم ترتاحي معانا هنا كلنا تحت أمرك
جلسوا ثلاثتهم بينما بدأت هي بالحديث قائلة
نادين:ممكن أعرف العلاج هيكون إزاي وأد إيه؟
إبتسم إياد قائلاً
إياد:لازم أعرف كل حاجة عنك الأول وإبتديتي تتعاطي إمتي علشان أقدر أحدد مراحل العلاج…هسيبكم دلوقتي شوية مازن يشرحلك وأنا هروح اشوف الأوضه بتاعتك جهزت ولا لأ
إستأذن منهم بين أمسك مازن يديها قائلاً
مازن:العلاج بييجي علي مراحل نفسية وجسدية وعلشان كدا لازم الدكتور المعالج ليكي يعرف كل حاجة فاهماني
أومأت دون ان ترد فأكمل قائلاً
مازن:تمام..أنا بثق في إياد جدا ومتخافيش دايماً هجيلك وهفضل جنبك علشان خاطري كوني قوية وخليكي عارفة أني هفضل أحبك مهما حصل لاني بحبك وبس
كانت الدموع تغادر مقلتيها مرتجفه اليدين ولكن نظرت له بعينان غائرتان قائلة
نادين:وأنا مش هخذلك وهكون قوية علشانك وعلشان نفسي
إبتسم بعشق قائلاً
مازن:بحبك
لم ترد ولكن إحمرار وجنتيها وإرتعاشه جسدها أخبره الكثير ولم يكن يريد أكثر من ذلك الأن
تركها لتبدأ حياة جديدة وبناء شخصية كانتها يوماً ما
………………………………..
في صباح اليوم التالي
إستيقظت علي حالتها منذ الأمس منذ ذهبت نادين وعاد مازن مثقل الهم ولم يرد أن يتحدث بالكثير علمت أنه يحبها…هذه نظرات عاشق هي تعلمها جيداً….أخبرها والدها بالأمس أن أحدهم قُتل وهي تعلم هذا ولكن تظاهرت بالمفاجئة حتي أخبرها أنه يجب أن تذهب اليوم لتُدلي بأقوالها حتي تُقفل القضية…إبتسمت بسخرية وهي تعلم لما سيتم غلق القضية بهذه الطريقة ولكنها لن تهدأ ستفعل كما طلب منها اليوم وليس غداً
إغتسلت وأدت فرضها وإرتدت ملابسها المكونة من سروال واسع باللون الأزرق وقميص أبيض فضفاض طويل وحجاب مكون من اللونين وحذاء رياضي وحقيبة ظهر من الجينز..وأخذت تلك الأوراق وذهبت
كان ياسر يجلس في الردهة مع سميحة التي إندهشت بشدة من خروج إبنتها بذلك التصميم قامت إليها قائلة
سميحة:رايحة فين يا أسيل دلوقتي
أسيل:مشوار صغير وراجعة ياماما
قام ياسر هو الآخر يتقدم منها قائلاً
ياسر:مشوار إيه إنتِ لسه راجعة من يومين وأنا أخاف عليكِ حد يتعرضلك تاني إستني مازن يروح معاكي
قاطعته قائلة بتصميم
أسيل:مازن تعبان بقاله كذا يوم يابابا ولو حضرتك عاوز تطمن أوي خلي البودي جارد ييجي معايا وصدقني مش هحاول أتخلص منه أبداً
قال ياسر بضيق
ياسر:طيب هترجعي إمتي ؟
ردت بإيجاز
أسيل:ساعة بالكتير عن إذنكم
خرجت وهي تتذكر أنها أخذت بالأمس الفيديو المصور من غرفة مازن لأنها وببساطة قررت التخلص منه لا تريد أن تؤذيه لأنها تعلم جيداً أنه سيتطهر من ذنوبه بطريقته….لا تريد أن تكون هي مصدر آذاه بأي طريقة كانت..مسحت دموعها المتحررة بعنف وهي تصعد للسيارة ومعها بالطبع الحارس الخاص
ذهبت لجريدة من جرائد المعارضه المشهورة بعدما قامت بتصوير الأوراق التي معها….. وطلبت أن تقابل رئيس التحرير شخصياً
قابلها بحفاوة كبيرة قائلاً
عبد الله:أهلا أهلا أنسه أسيل إتفضلي…حمد الله علي سلامتك
ردت بإيجاز وهي تضع الأوراق علي المكتب أمامه قائلة
أسيل:الله يسلمك يافندم متشكرة….الأوراق دي هتودي ناس كبيرة أوي في البلد في داهية زي طارق الحداد وغيره وأعتقد إن ده هيفيد الجريدة أوي وياريت بعد ما تنشره كل الجرايد التانية تاخده وتنشره ممكن ؟
كان يقرأ الأوراق بإنبهار وإبتسامة إنتصار تزين وجهه وهو يقول
عبد الله:طبعاً ممكن دي مساعده ليا كبيرة ياأنسه بجد متشكر جدا
أومأت برأسها دون أن ترد ثُم قامت قائلة وهي تخرج
أسيل:من فضلك أنا عاوزة الورق ده يكون في الجرايد الصبح ع الصفحة الأولي
قبل ما تقوله برحابة صدر قائلاً
عبد الله:وحياتك إنهرده إنتِ جاية بدري والجريدة لسه منطبعتش
إنفرجت أساريرها وشكرته كثيراً وخرجت من عنده والإبتسامة الحزينة تزين وجهها
أخبرت السائق أن يذهب بها إلي الشاطئ فكم كانت تريد في تلك اللحظة أن تتحدث للبحر المتلاطم بأمواجه…كم كانت تريد أن ترسل له عشقها عبر أمواجه…كانت تريد لتلك الأمواج أن تخبره أنها بجانبه وستظل بجانبه مهما بعُد عنها
على الشط الأقرب للحنين أمام غيمة الغروب .. شفاه الشمس الحمراء تقبّل قمة البحر من بعيد ككل العشاق الذين يظنون أنهم بعيدون عن العيون . جلست على صخرة ابحث فيّ عن نفسي مع موجة عابرة .. تمر أنت على ذاكرتي وتغيب في حِضن موجة أخرى, لتحبو إلى فكري أشياء تافهة لا تكاد تلهيني عنكَ حتى تعود إليّ مع صوت الماء يضرب صخرتي .. صوت صاخب كـ حُبك .. مخيف كـ نسيانك ! أتذكّر يوماً قلت لي وكأنك تودعني “وداع ما قبل البداية” : أكثر ما يخيفني يا طفلتي الحلوة, أنني كالموت البطئ اذا اتحد قلبي بقلبك .. قد تموتي ! بِحدس أنثى عاشقة توقعت كل شئ .. وحدث لكن ما لم أكن اتوقعه أن يكون كلامك صادقاً إلى هذا الحد !!
…………………………..
إستيقظ وجد نفسه علي نفس المقعد محتضناً المصحف الصغير بين يديه إعتدل في جلسته بتعب شديد وأغلق المصحف مُقبلاً إياه وهو يتذكر ما حدث البارحة….دلّك عنقه بأرق شديد وهو يفكر من المؤكد أن طارق يبحث عنه في جميع أنحاء الجمهورية الأن ولكنه سيصبر فقط سيصبر قليلاً حتي يعلم انها فعلت ما طلبه منها وعندها سيفعل الكثير أما الأن فهو يشتاق لها نعم يشتاق لها….أنا يوسف أو آسر لا يهم ولكني أشتاق لبرائتها التي غزت عالمي
إغتسل حتي يرتاح قليلاً وإرتدي ملابسه ونظارته الشمسية وإتخذ طريقة للإسكندرية حتي وصل أمام منزلها بعد ساعتان ونصف تقريباً علي الجانب الآخر من الشارع ظلّ منتظراً أن تخرج…بعد حوالي ساعه تقريباً
خرجت ولكن ليس بتهورها المعتاد ولكن بهدوء وحزن شديد ولكن لم يكن شئ ليمنع…….
بعد حوالي ساعه تقريباً
خرجت ولكن ليس بتهورها المعتاد ولكن بهدوء وحزن شديد ولكن لم يكن شئ ليمنعه من تأملها وتأمل أشد تفاصيلها التي إشتاق لها
وجد السائق إتخذ طريقه وهي تتلمس زجاج السياره كأنها تراه به وهو علي الجانب الآخر لا يعلم هل ينظر للطريق أم يتأملها هي فقط
إبتسم بعدما ذهبت لتلك الجريدة وخرجت منها بتلك الإبتسامة الجميلة التي سيحفظها بداخله إلي الأبد
رأها وهي تجلس علي الشاطئ وتتحدث مع البحر…..كان قلبه يهدر بشده بين أضلعه…إرتعشت قبضته علي المقود يمنع نفسه بصعوبه من آخذها بين أحضانه وزرعها بين أضلعه………بعد وقت ليس بالقليل لم يمّل من النظر إليها فيه قامت من مكانها ودموعها تخترق حصونه إختراقاً………تحرك بسيارته كأنما يودعها وإتخذ طريق عودته بعدما ترك قلبه معلقاً بأستارها هي
…………………….
من منا توقع أن يكون علي هذا الحال قبل أشهر
من منا لم يصدمه مأل حياته
من منا لم يصدم نيابة عن الآخر
من توقع أن أعود ولا أعود حقاً
ومن تخيل أن أترك روحي هنالك
أترك روحي في تلك المنطقة المهجورة
ومن تخيل أن شعوري كان بعيد كل البعد عن النفور
وأن الذي أعيشه الأن ليس سوي بقايا نفسي الضائعة
من أنا الأن ومن كانت هذه الفتاة التي لا تأبه سوي لطموحها
ومن هذه التي أعيش بها التي تلخصت أحلامها به ب….قاتل
أليس من المفترض أن أكون سعيدة ربما مشتتة إنما سعيدة
أنا معا عائلتي مع أبي سندي وقلبي وأمي حياتي
مع أخي أخييييراً صديقي ورفيق مشاكلي ومشاكساتي
مع صديقتي أيقونة حياتي ونصفي الحلو
نعم من المفترض ان أطير فرحاً, أن أتمتع بالسلام الذي أعيشه
بالحنان المغدق عليّ
لما إذاً أشعر أني خائنة !!
أنا مكتفية وهو حزين
أنا محاطة بعائلتي وهو وحيد
هو هناك وأنا هنا وكم أود أن أقتل الكاف
هو غائب متهم ومعذب ووحيد
بيننا غمامة ماضيه
وضباب أعينهم
بيننا الكثير والكثير
يريدوني أن أضحك
كيف وقد تركت إبتسامتي له
تنير له ليالي قلبه العاتمة
يريدوني أن أتحدث
كيف وقد تركت لديه ثرثرتي الخانقة
تونسه هو وروحه المُعذبة
يريدوني أن أطمئن
كيف بالله وقد أعطيته قلبي منذُ زمن……
الفصل العشرون
بداية النهاية
……………
وعدتُكِ أن لا أُحِبَّكِ..
ثُمَّ أمامَ القرار الكبيرِ، جَبُنْتْ
وعدتُكِ أن لا أعودَ…
وعُدْتْ…
وأن لا أموتَ اشتياقاً
ومُتّْ
وعدتُ مراراً
وقررتُ أن أستقيلَ مراراً
ولا أتذكَّرُ أني اسْتَقَلتْ
…………………..
شعور بالإختناق والخوف…رجفة سرت في أجسادها والضابط يطلب منها أن تخبره عن كل ما حدث وأن تصف المكان الذي كانت به ربما يستطيع القبض علي الخاطف الآخر الذي لم تكن تريد أن يُقبض عليه أبداً
بدأت تحكي ما حدث منذُ بداية حديثها مع المدعوة سالي سكرتيرة هذا الطارق…ثُم أخبرت الضابط أن الفيديو المصور ضاع بلا رجعة فقد فقدته صديقتها ربما يكون قد حصل طارق عليه ليخفي جريمته…نظر لها مازن الذي كان يحضر التحقيق معها نظراً لحالتها النفسية…كانت الدهشة واضحة علي معالمه ولكنه لم يرد تكذيبها في تلك الحالة تحديداً وفضّل الهدوء حتي تُكمل ما تقوله
الضابط:أنسة أسيل تقدري توصفي شكل المكان الآخير اللي كنتِ فيه؟؟
إبتلعت ريقها بصعوبة والدموع تتدفق بمقلتيها قائلة
أسيل:كان مكان مش نضيف زي عشة كدا المكان اللي لقيتو فيه جثة التاني هو ده اللي كنت فيه
أكمل الضابط أسئلته قائلا
الضابط:طيب ممكن تقوليلنا إيه اللي حصل بالظبط يوم ما رجعتي البيت !!
إنتفاض جسدها المفاجئ ودموعها التي تحررت من مقلتيها جعلته يطلب لها بعض الماء حتي تهدأ لتُكمل التحقيق بينما طلب مازن منه
مازن:مينفعش نأجل التحقيق ياحضرة الظابط حضرتك شايف حالتها عاملة إزاي؟
الضابط:أنا أسف يادكتور مقدرش خالص أولاً ده لسلامتها وثانياً لأن القضية دي خدت وقت أطول من اللازم وبعد اللي نزل في الجرايد طبعا طارق الحداد مش هيسيبها في حالها وهي الشاهدة الوحيدة ع اللي حصل بالأوراق اللي معاها دي
بعدما إرتشفت القليل من الماء وهدأت قليلاً قاطعت حديثهم قائلة بثبات
أسيل:خلاص يامازن أنا كويسة وأقدر أكمل التحقيق…(أكملت حديثها كاذبة وهي تجيب علي الأسئلة قائلة)
كان هو وصاحبه التاني بيتخانقو وفي خلال خناقتهم ده كان فيه مسدس واقع علي الأرض من واحد فيهم أنا مسكته وضربت الرصاص وبعدين وقع مني وجريت علي الطريق السريع وهناك لقيت عربية وقفتها وطلبت منهم يوصلوني ولما شافو حالتي كدا وصلوني من غير أسئلة
كان جسدها ينتفض بشدة والدموع تتدفق وأنفاسها تتسارع مع صدرها التي يعلو ويهبط إلي أن قام مازن قائلاً
مازن:أظن كفاية لحد كدا هي قالت كل اللي عندها والباقي شغلكم إنتوا أما طارق ده ميقدرش يهوب ناحيتها لو إنتو مسكتوه وأظن المستندات اللي معاكو كافية لكدا
كان الضابط علي وشك الإعتراض إلا أن جاءه هاتف رد عليه بإختصار قائلاً
الضابط:أيوه يافندم…طبعاً طبعاً…شاهد جديد!!…حاضر يافندم دقايق وأكون عند حضرتك
إلتقطت أذناها تلك الكلمة وتوقف قلبها عن النبض (شاهد جديد)..تُري أهو هذا الشاهد الذي يقصد!!!
أجفلت عندما سمعت الضابط يخبرها أن تمضي علي أقوالها وتذهب بسلام
أمسكت القلم بيد مرتجفه وضعت إسمها وذهبت مع مازن الذي ترك المحامي يُنهي بقية الإجراءات ويعرف ما يحدث في تلك القضية
عندما صعدت السيارة بجانبه وجدته ينظر لها كأنما يكتم غضبه الشديد ولكن الشرار المتطاير من عينيه أخبرها أنه علي وشك الإنفجار…إبتلعت ريقها بصعوبة وخرج صوتها مهزوزاً بعض الشئ وهي تقول
أسيل:مالك!!
خرج صوته غاضباً رغماً عنه وهو يقول
مازن:ليه كدبتي علي الظابط ليه يا أسيل إنتِ أخدتي الفيديو من أوضتي بس لييييييييييييييه فهميني ليه !!
كانت ترتجف بشدة والدموع تجري علي وجنتيها ولم ترد
ضرب بقوة علي المقود وشتم بصوت عالي ثُم إنطلق بالسيارة وهو مازال غاضباً ويتحدث كأنما يُحدث نفسه
مازن:نفسي أفهم بتحمي مين!! إنتِ كنتِ هتموتي وماما كانت بتموت في اليوم ألف مرة لأنها فاكراكي رحتي منها إيه اللي أنتي مخبياه علينا إنطقي يا أسيل فهميني وهل هو ده اللي حصل فعلاً !!!!
كانت ترتعد بشدة من صوته الجهوري ولم تستطع أن تتحمل أكثر إنفجرت دموعها وهي تصرخ به قائلة
أسيل:بسسسس بقي بس كفاية محدش عارف اللي أنا فيه ابوس إيدك سيبني في حالي دلوقتي كفاااااااايه
أوقف السيارة جانباً سريعاً تفاجئ من ردة فعلها الغريبة إحتضنها بشدة وهي ترتجف بين ذراعيه كالفراشة..ظلّ يهدهدها كطفلة صغيرة إلي أن سكنت آخيراً بين ذراعيه…قبّل جبينها بقوة ثُم أعادها إلي مكانها وربط لها الحزام….فرك رأسه بتعب وهو يتمتم بصوت خافت
مازن:أنا أسف بجد مكنش قصدي ياحبيبتي
إنطلق بالسيارة وقد قرر عدم العودة للمنزل الأن تحديداً بهيئتها المزرية تلك يكفي والدته ما حدث إلي الأن….ذهب إلي مقهي بالقرب من البحر ثُم حاول إيقاظها بهدوء وهو يمسك كفيها الصغيرين
مازن:أسيل حبيبتي قومي
إنتفضت مذعورة في البداية حاول أن يُهدئها قائلاً
مازن:متخافيش أنا مازن..ياحبيبتي إهدي محدش هيأذيكي طول ماأنا عايش
هدأت قليلاً بينما جسدها مازال يرتجف..حلّ حزام الأمان وهو يقول بإبتسامة هادئة
مازن:إيه رأيك في أيس كريم زي اللي كنت بجيبهولك دايماً فاكراه!!
إبتسمت بتعب وهي تومئ برأسها…..أمسك كفيها قائلاً بإبتسامة مشاكسه
مازن:أنا بس بصالحك متتعوديش علي كدا حضرتك
ربتت علي كفيه بإبتسامة
أسيل:ماشي ياسيدي موافقة
جلسوا سوياً علي الشاطئ وهي تلتهم الأيس كريم…ظلّ ينظر لها كم كانت في تلك اللحظة مجرد صورة باهتة لتلك الفتاه المفعمة بالحياة التي كانت تجري معه علي الشاطئ وتلعب وتُلطخ وجهه بالحلوي
أجفلت عندما أمسك يديها قائلاً
مازن:مش إحنا إصحاب وأنا أقرب حد ليكِ؟؟
أومأت برأسها دون أن ترد..بينما أكمل هو قائلاً بصوت هادئ يعاكس تلاطم أمواج البحر في ذلك الوقت من السنة
مازن:الصحاب مش بيخبوا حاجة علي بعض وخصوصاً لما تكوني عارفة إن صاحبك ده عمره ما هيخذلك في يوم من الأيام مش كدا!
إرتجفت يديها تحت كفيه ولكن مرة آخري لم تنبت بحرف…أخذ نفساً عميقاً وهو يكمل
مازن:ليه أخدتي الفيديو من غير ما تقوليلي يا أسيل أو حتي تتناقشي معايا أنا عاوز بس أعرف السبب
سحبت يديها من تحت كفيه ووضعت علبة الحلوي جانباً وهي تنظر للبحر والدموع تتساقط من مقليتها….وقف إلي جانبها واضعاً ذراعيه حول كتفيها قائلاً
مازن:حبيبتي متخافيش كلميني بصراحة أرجوكِ يا أسيل أنا مش متعود منك علي السكون ده
نظرت له نظرة تائهة مشوشة كأنما تطلب الدعم ولكن كيف تخبره بالله كيف!!أخذت نفساً عميقاً وردت عليه قبل أن تعود للسيارة بكلمة واحدة
أسيل:لأنه أنقذ حياتي من الموت والإغتصاب
جملة واحدة كانت كفيلة بإرتفاع ضغط الدم في أوردته…تصلب فكه وعادت شرارة الشر لعينيه مجدداً كأنه ليس طبيب وهو يُلحق بها وبفعل الصدمة لم يستطع أن يقول شيئاً (إغتصاب!!)
……………………………..
كانت جالسة علي هذا الفراش الواسع تتأمل تلك الغرفة الغريبة عليها منذ يومان تحديداً وهي قابعة بتلك الغرفة فراش واسع نافذة تطل علي أجمل منظر تراه عيناك…خضرة شاسعة تتواري بورودها الفراشات بخجل وتتهادي فوقها زقزقة العصافير في سربها وضوء الشمس الساطعة يُظهر كل وردة بلون مختلف يشع الأمل والنور في قلبك….وتحت النافذة يقبع مجموعة من أزهار الجاردينيا التي تبعث الصفاء علي النفس وزهور البنفسج التي تشير للحب البرئ…في ركن آخر من الغرفة كان هناك مقعد كبير بجانبه مجموعة من الكتب القصصية التي تمتد يديها لأي منها
شعرت بالخواء…نعم هذا هو التعبير لتلك الحالة التي هي عليها…ولكن يجب عليها المثابرة فقد أعطته كلمتها أن تحارب لأجله ولأجلها وستفعل هذا لأجلهما معاً…… تذكرت لحظة تركه لها مقبلاً جبينها كأنه يراها للمرة الآخيرة تركها لمصير لا تعلم إذا كانت تستطبع مواجهته بدونه أم لا!!
وبعدها تدفقت دموعها أنهاراً وظلّ جسدها يتأكل كأنما النمل يجري به وإرتعشت أوصالها إلي أن دخل الطبيب الهادئ نوعاً سحب كرسياً وجلس أمامها قبل أن يبدأ الحديث قائلاً
إياد:تحبي نشوف الأوضة بتاعتك ولا نتكلم شوية ؟؟
كان الصداع بدأ يتمكن من رآسها وهي تتلمس جبينها المتصبب منه العرق الغزير وهي تقول دون أن تنظر له
نادين:لو سمحت عندك أي حبوب للصداع ؟
إعتدل في جلسته بهدوء شديد وهو يقول
إياد:مش بحب أخد أي حبوب خلينا نتكلم الأول عنك
نظرت له بعينان حادتان وهي تفتش في جيب حقيبتها التي كادت أن تتمزق بفعل عصبيتها
نادين:مش مهم أنا أكيد معايا
كادت أن تخرج تلك الأقراص إلا أنها وجدته يسحب منها الحقيبة وهو يقول بحزم
إياد:معلش يا نادين من هتاخدي الحبوب دي ولا هتشوفيها تاني لو عاوزة تتعالجي
هتفت بقهر وهي تحاول إلتقاط الحقيبة منه ولكن طوله الفارع ما كان ليساعد أبداً
نادين:أنا حرة محدش له دعوة بيا متشكرة يادكتور
كتف ذراعيها قائلاً
إياد:مينفعش أولاً لإن ده شغلي وثانياً وده الأهم لأن صديقي بيحبك وبيموت فيكي ووصاني إني أفضل جنبك وحسب كلامه إنك وعدتيه إنك هتكوني أقوي من كدا ومش هتخذليه
كانت نظراته متحدية وجادة في نفس الوقت أما هي فكانت نظراتها مشوشة وتوقفت يديها في الهواء
جلست علي المقعد في قهر متزايد وتدفقت الدموع من مقلتيها
حلّ الصمت المطبق علي المكان عندما عاد هو بدوره لمكانه منتظراً منها الحديث……كانت تبكي بشدة وتركت لدموعها العنان بينما كانت شفتيها تقول من بين إرتجافها
نادين:أنا وعدته إني مش هخذله بس غصب عني مش قادرة دماغي هتنفجر والله مش قادرة بجد
كانت تقول تلك الكلمات وهي تمسك رأسها بين يديها وتضغط عليها بشدة علّها تتخلص من تلك الآلام التي تفتك بها
إقترب منها إياد وهو يمسك يديها في محاولة لتهدئتها قائلاً
إياد:وهو واثق فيكي أوي وعارف إنك مش هتخذليه أرجوكِ خليكي قوية علشانه وعلشانك…هو عارف إنتِ أد إيه قوية وواثق فيكي بلاش تخذليه بقي
كانت كلماته تشد من عضدها وتزرع فيها العزيمة….توقفت الدموع قليلاً ولازال إرتجاف جسدها واضحاً لديه…لامس كفيها برفق وهو يومئ برأسه بإبتسامة هادئة قائلاً
إياد:أنتِ قوية وهتقدري تتحملي صح
أومأت برأسها بتعب..قادها بهدوء شديد نحو غرفتها التي ستقيم بها تلك الفترة ثُم قال
إياد:بصي من الشباك المنظر حلو أوي الخضرة رائعة جدا وكمان في ورود تحت الشباك قدامك شوفي!!
ألقت نظرة ولكنه لاحظ توترها وتشنجها ثُم يديها التي تجري علي جسدها كأنه يأكلها بفعل النمل…نعم هو يعرف فهي تريد الجرعة الأن لقد تأخرت حقاً…لم ينبت بحرف واحد تركها تتأمل المنظر الخلاب أمامها
الخضرة الشاسعه والفراشات التي تمتص رحيقها وسرب الطيور المتسابقة وتلك القطة الصغيرة التي تحضتن وليدتها تحت الأشجار
كان منظر يخطف الأنفاس حقاً….نظرت له بوجه شاحب بشدة وشفتين زرقاوين وهي تقول
نادين:أنا مدمنة بقالي خمس سنين ومحدش يعرف غير مازن وأخته اللي هي صاحبتي…
إحتضنت نفسها بذراعيها كأنما تحمي نفسها من اللاشئ ثُم أكملت بصوت مرتجف
نادين:من فضلك عالجني وساعدني أني أكون طبيعية
إبتسم بتشجيع وهو يضع يديه في جيب سترته الطبية قائلا
إياد:إن شاء الله هتكوني كويسة بس أهم حاجة الإرادة ويكون عندك سبب تكملي علشانه وأظن الإتنين موجودين…أسيبك ترتاحي دلوقتي وتستمتعي بالمنظر الجميل دا
علي ما يبدو أنها لم تلاحظه فكان هذا أفضل إذا أنه خرج وأغلق الباب ورائه بالمفتاح فهي مازالت في البداية وربما تهرب وهي أمانة في رقبته
قام بالإتصال بمازن الذي لم يتركه إلا عندما طرده إياد من المشفي قائلاً أنه هكذا لن يساعد أبداً في علاجها
عادت بذاكرتها إلي تلك اللحظة التي تركها بها إياد وهي مازالت تنظر لنقطة وهمية تحاول بقدر الإمكان عدم التفكير في ذلك النمل التي ينهش في جسدها بالداخل وهذا الصداع الفاتك برأسها والألام التي في أسفل معدتها إلي أن خلعت سترتها السميكة وهي تلقيها علي الأرض بإهمال
تشعر كأن جسدها علي وشك الإنفجار…حرارة تجتاحه بشدة كأنها النار تحرقه بأكمله
حاولت الخروج ولكن الباب كان مغلق بالطبع ظلّت تطرق في البداية كانت طرقات هادئة إلا أنها تحولت بفعل ألامها إلي آخري صاخبة..مصطحبة بصراخاتها ودموعها التي لطخت وجنتيها حتي دخل إياد ومعه بعض الممرضات في محاولة فاشلة لتهدئتها..كانت تصرخ بهستيرية وهي تقول
نادين:أرجوكو مش قادرة هموت نمل بيجري في جسمي كله حباية واحدة
كانت تحارب الممرضات بشراسة وعيناها حمروان كالدم إلي أن تعب جسدها كليا حتي تشنج بقوة وظلّت تصرخ وتأن حتي أعطوها إبرة مهدئة
سكن جسدها آخيراً….بالمختصر تلك هي حالتها منذ يومان كل ليلة يحدث هذا الشي………دموعها تحررت من مقلتيها فهي رفيقتها في الليالي السابقة عندما تكون مستيقظة بالطبع….معظم الوقت تكون نائمة ولم تكن لتعرف اليوم سوي أن أخبرها الطبيب (السمج) نوعاً ما بالنسبة لها لبروده وهدوءه المستفز لها….أتي ليخبرها بأنه مضي يومان علي مكوثها وأن مازن طلبه ليطمئن عليها ولم يوافق علي إعطائه لها
كانت تود لو تزيل تلك الإبتسامة اللامبالية التي يقابلها بها لما يتدخل في كل صغيرة وكبيرة ولم يوافق علي حديثها مع حبيبها لأنها( مازالت غير مؤهلة للحديث)!!!!
………………………….
طريق العودة للمنزل لم يكن شيقاً جداً فقد كان الصمت المطبق هو سمة الطريق
كانت بجانبه بوجه جامد ولكن داخلها يحترق وتتألم بشدة ولكن ضغط مازن بتلك الطريقة كعادته يدخل إلي أعماقها بطريقة تجعلها لا تستطيع الكذب كل هذا جعلها غير قادرة علي المقاومة آكثر والحمد لله أنها لم تقل المزيد….أما هو فكاد أن يكسر المقود تحت يديه مازال غير مستوعب لما أخبرته به للتو(أنقذها من الإغتصاب!!)شقيقته الصغري كانت علي وشك أن تفقد أعز ما تملك يالله ما هذا….حاول عدم التطلع لها ولكنه يعلم من تشجانتها أنها ليست علي ما يرام أبداً وكيف تكون علي ما يرام….عندما وصل للمنزل كانت هي أول من ترجل من السيارة دون أن تنبت بحرف بل إنطلقت إلي غرفتها مسرعة ولم تبالي بنداءات سميحة الملحة التي كانت علي وشك أن تصعد السلالم ورائها فأوقفها مازن قائلاً
مازن:سيبيها ياماما دلوقتي إنتِ عارفة إنها كانت مضغوطة إنهردة أوي وتعبانة خليها ترتاح وبعدين إطلعيلها
نظرت له سميحة بحزن ثُم قالت
سميحة:أنا خايفة عليها أوي يامازن دايما ساكتة ومش بتتكلم وخاسة أوي ومش بتاكل وكمان نادين مش عارفة راحت فين وسابتنا في اللي إحنا فيه ده
شعر بغصة في حلقه عندما سألت عنها رباه كم إشتاق لها…إبتلع ريقه بصعوبة ثُم قال كاذباً
مازن:نادين سافرت لباباها ومامتها هما بعتولها زيارة من وقت ما كانت أسيل مخطوفة بس هي رفضت تروح…ودلوقتي أسيل وافقت إنها تسافر ورفضت إنها تقولك علشان متزعليش منها أو تمسكي فيها وقالتلي أقولك بس أنا نسيت
نظرت له بإنزعاج وهي تقول
سميحة:وأنا يعني كنت همنعها عن أهلها إخس عليكي يا أسيل…البنت تعبت معانا أوي ومن حقها تشوف أهلها بردوا زمانهم وحشوها….بس أنا كنت بقول تفضل مع أسيل شوية إنت شايف حالتها عاملة إزاي وأنا خايفه عليها أوي ودايما نادين كانت معاها طول الوقت وقريبين من بعض أوي
أغمض عينيه بتعب ثُم تنفس بعمق قائلاً
مازن:ماما حبيبتي أنا عمري ما هسيب أسيل ومتخافيش عليها طول منا جنبها إحنا صحاب بردوا أما نادين فقريب أوي هترجع إن شاء الله مش هتغيب…بس دلوقتي قوليلي بابا فين؟
سميحة:يااااارب يابني ياااااارب…بابا في المكتب ياحبيبي مستنيكو من بدري
قبّل جبينها قائلاً
مازن:طيب أنا هروح أشوفه…ومن فضلك عاوز فنجان قهوة سادة ضروري دماغي مصدعة جدا
أومأت والدته برأسها بعدما قبلته من وجنتيه ولكن قلبها معلق بتلك القابعة بغرفتها دون أن تستمع ولا تري أحداً….تري ماذا تخفيه إبنتي فقد إشتقت لكِ ولمشاكستك لي
……………………………….
بعدما قرأ ما حدث في الجرائد قام بالإتصال علي النائب العام يخبره أنه سيقابله اليوم ولكن يطلب منه أولاً الحصانة ومعاملته كشاهد علي كل ما سيخبره به….وبالطبع وافق الضابط عما قاله لأنه لم يكن بيده شئ ليفعله وخصوصاً بعدما نُشر كل شئ في الجرائد وتلك الحركة المزعومة بإسم (6 أبريل ) نزلت إلي الشارع تطالب بالقبض علي هؤلاء المجرمين القتلة وحلهم من مجلس الشعب وخصوصاً في تلك الفترة العصيبة وافق النائب العام علي كل شئ بدون تردد….هكذا قريباً جدا سيتطهر من ذنوبه أمام القضاة ولكن ماذا سيفعل ليتطهر منها أمامه هو (الله) أمام من قتلهم…من آذاهم..وخصوصاً ريما التي لا يعلم ما إذا سامحته ام لا ….كل ما يعرفه أنها بدأت العودة لدراستها وهذا جعله سعيد ربما ستبدأ بالعودة لحياتها شيئاً فشيئاً…..أما هو فماذا يفعل كيف سيعود وقد تمكن العفن من روحه
أغمض عينيه في ألم وهو يشتاق لها بشدة…يشتاق لرحيق برائتها
لبحر ثرثرتها..لخجلها المريب بالنسبة له..لأنهار الجميلة..لرقة كلماتها العذبة…لدعائها الذي يخترق حصونه….هو يشتاقها وحسب
كل ما يتعلق بها هو يشتاقه
إنطلق بسيارته التي ظلّ بها منذُ الأمس مختبئاً من رجال طارق الذي لم يتواني رجاله عن البحث عنه طوال الليلتين الفائتتين….متجهاً لبداية التطهر والنقاء ولا يهم أبداً رحيل حياته يكفي أن تتطهر روحه……
وصل بعد حوالي الساعة والنصف ولكنه لم يدخل فقد رأي أن المكان مُحاصر بمعظم رجال طارق لذا قام بالإتصال علي الهاتف الشخصي للنائب العام قائلاً بهدوئه المعتاد
يوسف:تاخد عريبتك دلوقتي حالاً وتطلع علي قسم (…) في الإسكندرية وإلا إبنك اللي في النادي هتجيلك جثته علي طبق من دهب
رد الرجل في ذعر وخوف شديد
عمار:لالالالا أرجوك حالاً والله
يوسف:لوحدك مش عاوز أشوف مخلوق معاك
إستمع عمار لكلماته علي الفور إذ وجده بعد خمس دقائق لا أكثر يستقل سيارته الحديثة مانعاً أي من حراسه بالصعود معه…إبتسم بثقة وإنطلق ورائه مباشرة…ربما لم يكن رجال طارق السبب الرئيسي لتلك الفعلة
كان أسهل عليه أن يسجل كل تلك الإعترافات ويرسلها بظرف إلي أن يتم القبض عليه ولكن شوقه الجارف لها جعله يُقدم علي تلك الخطوة بعدما أعلمه أحد رجاله أنها ذاهبة اليوم لهذا القسم تحديداً لتُدلي بأقوالها مع آخيها الطبيب…..كم يذكره وجود أخيها بجانبها بماضي بعيد كان لا يتركها به آبداً كان هو السند والرفيق لها ولكن عندما إحتاجته حقاً لم تجده…فقدت روحاً وحياة وكان هو بعيداً جداً عنها
تحسس جيب سترته ربما للمرة الألف ليتأكد من وجود هذا المصحف الصغير به..إبتسم بحب كبير وهو يتذكر حديث والده فقط هذه الجملة التي تجعله يعلم أنه علي الطريق الصحيح دائماً (رحمته وسعت كل شئ) وعندما أمعن في كل شئ وجد رحمته وسعت كل الكون
بعد حوالي الساعتين النائب العام الذي كان يحاول تفادي السيارات علي الطريق السريع بأعجوبة وهو ورائه يتلذذ بكل خطوة يقوم بها…بعد نصف ساعة تقريباً كان عمار أمام قسم الشرطة المتفق عليه
جاءه إتصال منه قائلاً بهدوء شديد
يوسف:برافو عليك….إطلع بقي عند رئيس المباحث وعشر دقايق وهكون عندك…ومتقلقش إبنك مجرالوش أي حاجة أنا بطلت أئذي الناس من زمان
كان عمّار يلهث بشده وهو يخرج نفساً عميق بعدما أغلق هذا المتبجح الخط في وجهه وبالفعل قام بإنتظاره عند رئيس المباحث في نفس الوقت الذي كانت تلك الفتاة تُدلي بأقوالها عند ضابط آخر
أما هو ترجل من سيارته سريعاً حتي يُدلي بأقواله هو الآخر ثُم اللحاق بها فقط يراها ولا يريد شئ آخر
بعد عشر دقائق تقريباً في مكتب رئيس المباحث يجلس السيد عمار في قبالته هو واضعاً قدم فوق الآخري وعلي رأس المكتب يجلس رئيس المباحث السيد علاء الذي رحب وبشدة بعمار….كان عمار ينظر ليوسف بغضب شديد ويكاد يضربه علي بروده وعنجهيته ثُم قال
عّمار:طلباتك إتنفذت بالحرف…جيت هنا أهو وهتتعامل كشاهد ملك في القضية وهتكون في مكان أمين لحد ما كل حاجة تخلص
خلع نظارته الشمسية ثُم قال
يوسف:فاضل حاجة واحدة بس
نظر له عمار بفضول محاولاً السيطرة علي غضبه من هذا الكائن المستفز
عمّار:إييييييييه هو ؟
إبتسم بسخرية قائلاً
يوسف:الحصانة اللي عند طارق وهشام لسه موجودة…
قاطعه عمّار قائلاً بنفاذ صبر
عمار:متقلقش جالي قرار إنهرده برفع الحصانة عنهم ممكن نبدأ التحقيق!!
إبتسم بثقة قائلاً
يوسف:لما البنت اللي بتشهد تمشوها ومحدش يسألها عن أي حاجة تاني هي سلمت الأوراق وخلاص وكمان الأقوال اللي مضت عليها متبقاش موجودة الأوراق اللي إتسلمت يتكتب عليها إسمي أنا مش إسمها
ثار به عمار قائلاً
عمار:هو إيه ده إنت بتبيع وتشتري فينا كدا ليه ما تخلص
قال علاء الصامت آخيراً وهو يحاول تهدئته
علاء:إهدي ياعمار باشا هو الورقة الوحيدة الرابحه في إيدينا واللي هنكسب بيها تعاطف الشعب ووقوفه جنبنا من تاني
هدأ عمّار قليلاً ثُم وجه حديثه ناحية علاء قائلاً
عمار:طيب كلم الظابط اللي بيعمل معاها التحقيق خليه يسيبها تمشي
أومأ علاء بالإيجاب وهو يفعل ما آمره به ثُم نظر ليوسف قائلاً
علاء:نقدر نبدأ التحقيق دلوقتي يا أستاذ
إرتخت عضلاته ثُم أكمل بهدوء
يوسف:إتفضل أنا جاهز
كان يتحدث بهدوء شديد ولكن داخله يغلي ويكاد ينهار لم يكن يريد أن يسمع أخطائه من لسانه حاله..كان يستمع لكلامه ولما كان يفعله من أجل طارق وغيره..كأنه شخص آخر الذي يتحدث عنه كيف فعل كل هذا دون أن يرف له جفن..دون أن ترتجف يداه وهو يقتل هذا الموظف..دون أن ينهار أمام إختطافه لشباب من عمره أو يصغرونه أعواماً ولكن مهلاً كاهلي سأتخلص منك قريباً فقط الصبر……تنفس بعمق بينما كان مغممضاً عينيه وهو يتحدث كأنه يري كل من آذاهم الأن أمام عينيه
فتح عينيه وجد زوجان من العيون ينظران له بدهشة فكم المعلومات التي أدلي بها حتماً ستودي لقتل طارق وهشام وخصوصاً بعدما تخلي عنهم أسيادهم كالعادة في تلك المواقف..لم يرف له جفن فما كان يعتمل في صدره أكثر بكثير من تلك النظرات المشدوهة التي تتوق فقط لمعلومة صغيرة تساعدهم علي الإرتقاء بأنفسهم وليس العدالة
إستقام واقفاً وهو يرتدي نظارته الشمسية قائلاً
يوسف:أنا أقدر أحمي نفسي كويس من طارق واللي زيه ياعمار باشا
كل المطلوب مني أني أكون في المحكمة لما يتحدد المعاد تمام؟
إقترب من المكتب وهو يمضي علي ما قاله بإسم (يوسف إبراهيم)
نظر له عمّار بتساؤل
عمار:وأنا إيه يضمنلي إنك هتكون موجود يوم المحاكمة مش يمكن طارق يلاقيك ويديك الفلوس وترجع عن أقوالك وساعتها أبقي أنا اللي خسرت
إبتسم بتهكم شديد ثُم نظر له من تحت نظارته الشمسية قائلاً
يوسف:طارق لو لقاني هيقتلني وأنا عاوزه في السجن أكتر منك ومش محتاج فلوسه في حاجة وأظن إني لما وعدتك وفيت لحد دلوقتي تمام ؟
وافق عمّار علي مضض بينما علاء ينظر له بريبة وهو يقول
علاء:هنستناك ولو مجتش هنجيبك
لم يرد عليه بل رمقه بهدوء شديد وهو يغلق باب المكتب
إستقل سيارته وقام بالإتصال علي أحدهم
يوسف:أيوة..هي فين؟…طيب تمام
أغلق الهاتف وإنطلق إلي شواطئ الإسكندرية علي إحدي المقاهي وجدها تجلس بجانب الذي يراه لأول مرة ولكن من الواضح أنه في حنانه علي شقيقته يشبهه كثيراً..أما فكانت كما كانت أول مرة رآها بعدما تركها
هادئة..حزينة..خائفة..نعم خائفة…إبتسم بشغف وهو يراها تلتهم الآيس كريم كأنها تقتله ….رفقاً بي صغيرته…كم أنتِ شقية وجميلة
عندما تركت علبة الآيس كريم ووقفت إقترب منها أخيها الأطول منها ليضع يديه علي كتفيها إلي أن تحولت نظراتها لآخري تائهة مشوشة
خرج من السيارة لم يستطع تمالك نفسه وهو يقف خلف شجرة ولكن قريبة منها كفاية ليسمع ما قالته في تلك اللحظة التي جعلت النبض في قلبه يتوقف للحظات وأنفاسه المتسارعه تهبط بين أضلعه
(لانه أنقذ حياتي من الموت والإغتصاب)
لم يشعر بشئ بعد بضعة دقائق أجفلته الموجه العاتية لهذا البحر الذي لم ينفك يتلاطم مع تلاطم أمواج حيرته في تلك الجميلة البريئة جدا بالنسبة لشيطانه
إستقل سيارته متخذاً طريقه لمنزلها لا يستطيع يجب أن تراه…يجب أن تعلم أنه بجانبها ولن يتركها أبداً ولكن فقط هو الوقت فلتنتظري قليلاً حبيبتي
……………………………………
اليوم هو أولي أيام حضورها للجامعة..يوم جديد وحياة مختلفة ستري كل شئ بعين مختلفة الأن ومنذ تلك اللحظة التي علمت بها أنها مازالت أنثي ولم يممسها بشر ومنذُ أن تعلمت كيف تنظر للناس ومنذُ أن وجدت نفسها
ستري كل من تراه بعين مختلفة…..منذ يومان بالتحديد عادت والدتها من السفر متغيرة تغير تام..هادئة..مهتمة بها وبشدة..تتحدث معها عن كل التفاصيل المهمة..وأهم من هذا كله أنها إعتذرت لها عن تقصيرها في حقها وأن اللوم الأكبر عليها طلبت منها السماح وهي لم تحتاج لأكثر من هذا إرتمت في أحضانها وتلمست بها الأمان الشديد والدفئ الذي كانت تنشده…كانت تتقلب علي الفراش بإبتسامة راضية وهي تتذكر مقابلتها لأحمد ووالدته السيدة عايدة..تذكرت كم كانت محبة وحنونة جدا…
في صباح عودة والدتها إستيقظت وتناولت إفطارها في جو أسري لم تناله منذ زمن ثُم إتصلت بهايدي التي أخبرتها أنها قدمت لها في الجامعة لتُكمل دراستها وغداً ستبدأ كم فرحت كثيراً بهذا الخبر……رن هاتفها حوالي الساعة الرابعة عصراً نظرت له وجدته هو إبتسمت تلقائياً وهي ترد
ريما:ألو
كان يشعر بالإرهاق الشديد ومع ذلك لم يستطع أن يتخلف عن وعده لها طالما أنهي عمله في هذا الوقت المبكر فكر لما لا يجعلها تري والدته منذُ أن حكي لها عنها وهي تريد أن تراها وبشدة لذا قرر أن يجعلها تأتي لتتناول الغداء معه وهو ووالدته هكذا وبكل بساطة…إبتسم بغباء وهو مازال يفكر عندما ردّت عليه بصوتها الهادئ…
أحمد:إزيك يا ريما…حمد الله علي سلامة طنط
ريما:الحمد لله تمام…الله يسلمك ربنا يخليك
أكمل بمزاح
أحمد:الجاكيت بتاعي سليم ولا؟
أجابته بمزاح هي الآخري
ريما:لا سليم متقلقش مش متعور ولا حاجة
ضحك بشدة
أحمد:بنعرف نألش أهو…المهم بقي بصراحة يعني لما قلت لمامتي عنك حبت إنها تشوفك بس المشكلة إنها مش بتتحرك من السرير وطلبت إني أعزمك ع الغدا بس أنا اللي هعمله ها هتيجي ؟؟
دغدغت ضحكته الرنانة مشاعرها ولكنها وفي لحظة إستعادة توازنها عند طلبه الآخير والدته مريضة ويريدها أن تأتي المنزل لتناول الغداء…فكرت بشك هل ستُخدع مرة آخري…….لم يمهلها فرصة للتفكير إذا به يكمل
أحمد:وهاتي طنط معاكي كمان علشان مينفعش تيجي لوحدك ماما هتكون سعيدة أوي لو شافتها
إبتسمت بإرتياح شديد
ريما:طبعاً طبعاً خلاص إتفقنا هكون عندك علي أربعة كدا تمام؟؟
إبتسم بل إزدادت إبتسامته حتي ظهرت غمازتيه
أحمد:خلاص إتفقنا ومتنسيش الجاكيت إتفقنا؟
ريما:إتفقنا
أغلقت الهاتف وهي سعيدة بشكل لا يصدق…قطبت حاجبيها وهي تتسائل كيف سأقنع والدتي بالذهاب معي لمنطقة شعبية وتصعد سلالم متهالكة!!
ظلت تذهب وتجئ بالغرفة وهي تفكر ثُم ذهبت تتهادي في مشيتها قليلاً وهي تتلاعب بخصلات شعرها الأصفر بدلع إقتربت من والدتها بدلال
قابلتها والدتها بإبتسامة خالصة وهي تحاوطها بكتفيها بدأت ريما بالحديث قائلة
ريما:ماما مش إحنا بقينا صحاب وأقدر أقولك علي كل حاجة من غير خوف !!
أومأت نهال برأسها
نهال:طبعاً ياحبيبة ماما ها عاوزة تكلميني فيه إيه؟؟
تنهدت ريما وهي تقول
ريما:اللي حصلي غير فيا حاجات كتير أوي ياماما…وأولها إني مبصش للناس من فوق إني أتعلم إننا كلنا واحد وزي بعض وربنا بيدي الرزق لمن يشاء يعني ممكن كنت أنا أبقي مكان أي حد فقير…..
إبتلعت ريقها والدموع تتجمع في مقلتيها تابي الهبوط
ريما:هايدي إتغيرت من اللي حصل فيا وعلمتني إن البساطة في التعامل أهم من الفلوس وشخص تاني قابلته علمني إن الكرامة والرجولة أهم من مليارات….أنا خليت واحد شاب يخسر شغله بسببي ياماما بسبب غروري ولما حكيت لهايدي قالتلي كلام وجعني خلاني أتغير أوي ولما قررت إني أروح للشاب ده أعتذرله كنت لسه متهورة وعلشان كدا رحتله بيته
كانت نهال تنظر لها بإنشداه فتلك هي المرة الأولي التي تتحدث فيها ريما بتلك الطريقة..وهي أيضاً المرة الأولي التي تتأثر فيها نهال بكلام كهذا
شهقت عندما قالت أنها ذهبت لشاب منزله مرة آخري ولكن قاطعتها ريما وهي تمسك يديها برفق قائلة بإبتسامة من بين دموعها
ريما:الشاب ده كان المفروض يطردني أو حتي يتخانق معايا كل اللي عمله إنه زعقلي علشان جيتله لوحده خاف عليا وهو ميعرفنيش أصلاً ووالدته كانت معاه في الشقة قدملي حاجة وخلاني أمشي وفي مرة تانية شافني بتمشي الساعة 12 بالليل ياماما لبسني الجاكيت بتاعه وزعقلي وروحني من غير ما يعمل أي حاجة….وكل ده وهو ساكن في مكان شعبي منظقة معرفش إسمها إيه زي حارة أو حاجة كدا بس برجولته دي يستاهل أحسن من الفلوس بكتير صح؟
كانت الدموع تتدفق من مقلتي والدتها وهي تحتضنها بشدة وتقول
نهال:إنتي دلوقتي اللي إديتيني درس كبير في الأخلاق ياريما والولد بجد محترم أوي لازم نشوفه ونشكره علي اللي عمله معاكي ده طلع راجل بجد
إبتسمت ريما برضا من بين دموعها هي الآخري
ريما:بجد يامامي بجد!!
أومأت نهال برأسها وهي تري تهلل أسارير طفلتها الوحيدة….
ريما:طيب أنا كلمته علشان هو عاوز الجاكيت بتاعه عزمني علي الغدا أنا وإنتي علشان مروحش لوحدي بس في بيته لأن مامته مبتقدرش تتحرك ها يامامي هتيجي معايا
نظرت لها وجدتها تنظر لها بطفولة شديده وهي تتشبث بقميصها كأنها مازالت طفلة صغيرة إبتسمت نهال وهي تقول
نهال:أيوة ياقلب ماما هاجي معاكي يلا روحي إلبسي وأنا هقول لبابا إننا هنتغدي برا إنهرده ولما نرجع نعرفه كنا فين
إبتسمت بسعادة وهي تحتضن والدتها مقبلة وجنتيها وذهبت كالريح من أمامها لترتدي ملابسها
أخرجت معظم ملابسها من الخزانة الخاصة بها وضعت إصبعها في فمها وهي تفكر ماذا ترتدي أخرجت فستان طويل باللون الزهري وفوقه جاكيت قصير إبتسمت برضا بعدما إرتدته فقد كان هادئ بسيط رقيق بنفس الوقت لم تكن تحتاج لوضع أي مساحيق تجميل فقد كان وجهها مضئ بطبعه وهي لم تعد تفكر بهذا الشكل فلم تهتم أخذت حقيبتها الصغيرة وإنطلقت مع نهال التي أصرت عليها أن تغير ملابسها الرسمية القيمة جداً بآخري أكثر بساطة وأن تذهب معها بسيارتها الخاصة….في طريقهم لمنزل أحمد
نهال:أنا نفسي اعرف إنتي ليه خلتيني اغير هدومي ؟
إبتسمت وشعرها يتطاير مع الهواء قائلة
ريما:ياماما ياحبيبتي إحنا رايحين منطقة شعبية وبعدين أناقة الناس مش لبسها ببساطتها وكلامها
إبتسمت بتفهم
نهال:إممممممم ماشي ياحبيبتي علشان خاطرك بس……
الجزء الثاني من الفصل العشرون
عندما وصلوا نظرت نهال للشارع الضيق الذي لم يكن يسع لسيارة أكبر من سيارة ريما أبداً رفعت إحدي حاجبيها وهي تنظر للأطفال في الشارع وهم يلعبون…مطّت شفتيها بإمتعاض وهي تحاول التخلص من هذا الشعور بالندم علي مجيئها لتلك المنطقة
كانت تتابع خلجات والدتها والإبتسامة لا تفارق شفتيها ولكنها قادرة علي تغيير وجهة نظرها صفّت السيارة بجانب المبني المتهالك ومعظم الأطفال يلتفون حولها وهي تبتسم بمرح بينما والدتها تنظر لهم نظرة فوقية شديدة وهي تحاول التخلص منهم والصعود للمبني الذي كان علي وشك الإنهيار من كثرة التشققات
صعدوا السلالم بصعوبة كانت والدتها تضع أطراف اصابعها علي الدرج خوفاً من الأتربة عليه……عندما وصلوا حاولوا إلتقاط أنفاسهم المتسارعة وهي تطرق الباب عدة مرات حتي ظهر هو…حبست أنفاسها من مظهره المدمر لكل أعصابها وعطره النفاذ يتغلغل في أعماقها….كان شعره الطويل مصفف بعناية ويرتدي قميص أزرق مفتوح الأزرار العلوية رافعاً أكمامه قليلاً و بنطال أسود قماش…إبتسم وهو يقول
أحمد:حمد الله علي السلامة أنا عارف الطريق صعب حبتين…إتفضلوا
إبتسمت هي الآخري
ريما:الله يسلمك ميرسي
ضغطت قليلاً علي كتف والدتها الصامتة فخرجت من صمتها مرغمة وهي تقول بأنف متعالية
نهال:الله يسلمك
دخل جميعهم للمنزل بينما هو يدعوهم للجلوس قائلاً
أحمد:إتفضلوا إقعدوا ثواني بس هجيب ماما وأجي
أومأت ريما برأسها وجلست بينما والدتها مازالت تقف وهي تنظر للمنزل نظرة فوقية وتلك الأريكة المتهالكة التي دعاهم للجلوس عليها..حتي قاطعتها ريما قائلة برجاء
ريما:ماما من فضلك بلاش البصة الدونية دي للناس أحمد بجد راجل ومحترم أوي ومش معني إنه مش غني يبقي نتعامل معاه من فوق حضرتك شايفة هو إستقبلنا إزاي أبوس إيدك ياماما بليز
أومأت رأسها بإستسلام وهي تجلس بجانب إبنتها وتفكر في كلامها
نظرت لها مرة آخري وجدتها سعيدة إنها سعيدة حقاً…هادئة النفس وستبدأ في دراستها غداً حسناً يجب أن أتعامل مع كل الناس سواء ولكن يجب علي التأقلم أولاً قطع حديثها لنفسها ظهور أحمد مرة آخري ولكن ليس وحده هذه المرة بل كان يجر كرسي متحرك تجلس عليه سيدة كبيرة في السن نوعاً ما عيناها تشع حنان غريب ورغم تجاعيد وجهها إلا أن صفائه مازال به إبتسامة لم تفارقها تقريباً وهي ترحب بهم قائلة
عايدة:اهلاً وسهلا نورتونا معلش إتأخرت عليكو
قامت ريما من مكانها لتسلم عليها إحتضنتها ريما ولكن عايدة لم تستطع تحريك يديها وهي تقول
عايدة:أنا متأسفة ياحبيبتي بس مبقدرش أحرك إيدي
إبتسمت ريما قائلة
ريما:ولا يهمك ياطنط…اعرفك علي مامتي (نهال)
تقدمت منها نهال ولم تعلم لما دخلت عايدة قلبها كأنها تعرفها منذ زمن ربتت علي يديها برفق وهي تقول
نهال:بصراحة مش عارفة أشكرك إزاي علي تربية أحمد ربنا يحميه
نظرت له بحب وحنان شديد وهي تقول
عايدة:ربنا يخليهولي مليش غيره دلوقتي
جلس جميعهم يتسامرون في بعض الأحاديث العادية بينما شكرت نهال أحمد بشدة عمّا فعله مع ريما …..بعد قليل إستأذن منهم أحمد ليعد الغداء ولكنها وقفت مترددة في منتصف الردهة وهي تنادي عليه قائلة
ريما:أحمد
إستدار لها قائلاً بمرح
أحمد:بعرف أطبخ والله طباخ ماهر كمان متخافيش مش هتروحي المستشفي
ضحكت بشدة ثُم قالت وهي تمد له يديها
ريما:الجاكيت بتاعك قبل ما أنسي
مدّ يديه وهو يأخذه منها تلامست يديه بكفها الرقيق ولاحظ إرتعاشها فسحب يديها سريعاً وهو يقول
أحمد:متشكر…خمس دقايق والغدا يجهز
بعد وقت قليل بالفعل وضع أشهي الطعام علي المنضدة الصغيرة وبدأوا في تناوله بينما نهال كانت متخوفة في البداية ولكن مرح أحمد وعايدة وألفتهم التي لم تعتاد عليها جعلتها تتناوله بل وتتلذذ به أيضاً
أما هو فلم يأكل كما نظر لها وهي تأكل كانت تتناول الطعام كأنها قطة صغيرة تتعلم الأكل في بدايته كان فمها رقيق وكلما وضعت لقمة كلما أتبعتها بالمنديل في يديها….رباه ماذا تفعل تلك القطة في منزلي!!!
بعد حوالي الثلاث ساعات أوصلهم أحمد إلي خارج المبني علي وعد باللقاء مرة آخري ووالدتها سعيدة جدا بهذا اللقاء مما جعلها تشعر أن حياتها الأن علي المسار الصحيح
نفضت الأغطية بسعادة وهي تتمطي ثُم نظرت للهاتف وقررت أن تتصل بهايدي لتقلها من المنزل ليس لها أي مزاج لقيادة سيارة اليوم
إغتسلت وإرتدت ملابسها المكونة من بنطال جينز وبلوزة قطنية باللون الأبيص ومعطف أسود وحذاء رياضي ثُم رفعت شعرها لأعلي وتناولت إفطارها وذهبت لتستقل السيارة مع هايدي إلي الجامعة
كان قلبها يخفق بعنف كلما إقتربت السيارة من الجامعة تذكرت نظراتها لزملائها…تذكرت نظرتهم لها التي لم تكن تبالي بها أجفلت عندما حطت ذراعي هايدي علي كتفيها قائلة بلطف
هايدي:ريما حبيبتي إحنا وصلنا
ريما:ها…أه طيب يلا
فتحت باب السيارة بيد مرتجفه وهي تشعر أن الأعين كلها مسلطة عليها فهي من كانت يقولوا عنها كلمة واحدة( ممنوع الإقتراب)
أمسكت هايدي يديها بحزم وهي تقول
هايدي:متخافيش ياحبيبتي إنتي أقوي من كدا والله إرفعي راسك لأن كل الناس بتغلط والأحسن عند ربنا اللي بيتعلم من غلطه زيك يلا علشان نشوف المواد بتاعتك ومواعيد المحاضرات
كلمات هايدي كانت كالحافز بالنسبة لها رفعت رأسها وهي تمسك بيد صديقتها ثُم تنفست بعمق
ريما:يلا بينا أنا مش خايفة من حد
راجعت جدول حضورها فكانت محاضرتها الأولي بعد حوالي ساعة تقريباً لذا قرروا الجلوس في مقهي الجامعة وقررت أن تخبر هايدي عن أحمد
تنحنحت بخجل وهي تقول
ريما:هايدي كان فيه موضوع كدا عاوزة أقولك عليه
إبتسمت هايدي
هايدي:ها ياستي قولي
بدأت تسرد لها بداية ما حدث عندما ذهبت له إلي أن تناولت الغداء مع والدته هي ووالدتها….نظرت لها هايدي بإندهاش
هايدي:إنتي روحتي حارة!!!! لا وكمان معجبة بواحد بيشتغل إيه؟
إبتسمت ريما بسعادة وهي تقول
ريما:أيوة روحت حارة ومعجبة براجل بجد…بيشتغل مندوب مبيعات ياستي
إبتسمت هايدي وهي تقول
هايدي:طنط عارفة إنك معجبة بيه أوي كدا ؟
عقدت حاجبيها
ريما:الصراحة لأ هي كل اللي تعرفه إنه كان راجل معايا وذوق وشكرت فيه أوي هو ومامته
قاطعتها هايدي
هايدي:شكرت فيه هو ومامته وقالت عليه راجل ومحترم بس معتقدش إنها هتقبل إرتباط بينكم صح؟
صمتت لبرهة وهي تفكر ثُم
ريما:هو أنا يعني قلتلك إنه معجب بيا ياهايدي وبعدين علي فكرا بقي لو حبيت أحمد وهو حبني بجد مش هتنازل عنه أبداً لأنه واثقة إنه هيحافظ عليا واتمني بابا يوافق
ربتت علي يديها برفق وهي تقول
هايدي:حبيبتي أنا مش قصدي حاجة والله…وبعدين خلينا نصبر ونشوف
أومأت برأسها وهي تحتسي النسكافيه ولم تتحدث مرة آخري
…………………………………
صعدت للغرفة دون أن تستمع لحديث والدتها بل أغلقت عليها الباب بالمفتاح…..أسندت ظهرها للباب وهي تبكي بشدة وترتجف كيف أخبرت مازن بهذه الصلابة…كيف أخبرت الضابط بكل تلك الكذبات ألهذا الحد تحبه بل تعشقه…إنها تشتاقه وبشدة..تشتاق جفائه..تشتاق بروده
تشتاق رائحته المعبقة بالسجائر….إنها تشتاقه وحسب
أخذت نفساً عميقاً وهي مازالت ترتجف توجهت لنافذة الغرفة ومازالت دموعها تهبط من مقلتيها في صمت فتحت الستار بيد مرتجفة وهي تنظر للسماء الصافية الزرقاء بأسراب الطيور وهي تزقزق
كانت تريد أن تعود كصفاء السماء…تريد أن تعود بإبتهاج الطيور
تسمرت مكانها وهبط قلبها بين أضلعها وإرتعش جسدها كله وهي تلمح هذا الخيال الذي ينظر لها بإبتسامة ولكنها كانت إبتسامة عاشق حتي النخاع…..توقف الزمن عند هذه اللحظة..وتوقف قلبها عن النبض
كانت أنفاسها متسارعة وصدرها يعلو ويهبط…..إنه هو بشحمه ولحمه
توقف بسيارته أمام المنزل وظلّ ينتظر وينتظر إلي أن تخرج
ربما تخرج…ربما يخبرها قلبها أنه ينتظرها أن تراه وتعلم أنه بجانبها ولن يتركها ربما
توقف قلبه عندما فتحت الستار ليظهر بهاء حسنها متعانقاً مع زرقة السماء كان وجهها شاحباً كالعادة ولكن جمالها لم يضاهيه جمالاً عندما خرج من سيارته ظلّ ناظراً لها يتأمل أدق تفاصيلها ليحفرها في قلبه ووجدانه حتي نظرت للأسفل وعرفته
توقف الزمن بينهم كأن الكون تلاشي ولم يبقي سواهم
………………………………..
أحبك جداً وأعرف أني أعيش بمنفى
وأنت بمنفى
وبيني وبينك
ريحٌ
وغيمٌ
وبرقٌ
ورعدٌ
وثلجٌ ونـار
وأعرف أن الوصول لعينيك وهمٌ
وأعرف أن الوصول إليك
انتحـار
ويسعدني
أن أمزق نفسي لأجلك أيتها الغالية
ولو خيروني
لكررت حبك للمرة الثانية
……………………………
…
الجزء الأول من الفصل الحادي والعشرون
الفصل الحادي والعشرون
ويبقي الأمل..
……………
عندما يتغلغل بداخلك شخص ما دون أن تشعر
عندما تتعالي نبضات قلبك كلما رأيته
عندما ترتعش أناملك لملامسة أنامله
عندما تعلم أن لقائك به مستحيل ومع ذلك تتحدي العواقب لتلقاه
عندما تعلم أنه حب مستحيل ومع ذلك تخطو بخطوات ثابتة نحوه
عندما تقرر التضحية بكل شئ ربما حياتك من أجله فقط
إعلم أنك تحب بجنون ولكنه حب مستحيل
هكذا كان هو عندما رآها تحدي العواقب للقائها حتي إذا كان بعيداً….يكفيه أن تعلم أنه أتي من أجلها…يكفيه أن تلتقي أعينهم فيصمت الكون من حولهم ولا يبقي سوي حفيف الأشجار…صفير الرياح..وهديل الحمام…وأنفاسهما المختلطة بالهواء المعبق بعشقهم
كان صدرها يعلو ويهبط…كاد قلبها أن يقفز من بين أضلعها عندما رأته
كم إشتاقت له…كادت الدموع تقفز من مقلتيها وقلبها يهتف قبل لسانها بكلمة واحدة (هل من أمل!!)… ترجل من السيارة وخلع نظارته الشمسية التي أظهرت عيناه العاشقتان وإبتسامة لم تراها عليه سوي مرة واحدة يتيمة بالنسبة لها…علمت انه هو الشاهد الجديد…ماذا فعل سيودي بنفسه إلي التهلكة
أفعل هذا ليحميها من بطش طارق وغيره…سيضحي بروحه من أجلها..كيف يفعل هذا ألا يعلم أن روحها متعلقة به هو دون غيره!!
إرتعشت أناملها علي الستائر وبدأت دموعها في الهطول كأنما تساندها بينما هو ينظر لها رافضاً ما تفعله واضعاً أنامله علي صفحة وجهه كأنه يمسح دموعها…إبتسمت من بين دموعها…قلبها يهدر بعنف وخجلها الفطري يطغي عليها من نظرته الثاقبة…مسحت دموعها ببطئ ومازالت أناملها متشبثة بالستائر بينما هو يزيد خجلها بشدة مشيراً بأنامله نحو قلبه ثُم نحوها…يخبرها بطريقته الخاصة جداً أنها بقلبه وأنه يحبها وظلّ هكذا وظلّت هكذا لكم من الوقت لم ينتبه أي منهما فقط تلاشي كل شئ أجفلت بشدة عن سماعها طرقات متتالية علي باب الغرفة يبدو أن الطارق يمكث هنا منذُ فترة……عندما لاحظ إرتجافها المفاجئ علم أن أحداً ورائها إستقل سيارته بينما قلبه إستقر معها دون غيرها ألقي عليها نظرة آخيرة كانت تناشده بعينيها أن يبقي وكان يخبرها بعينيها أنه باق رغم رحيله عنها
……………………………………..
بعدما مكث مع والده بعض الوقت إستأذن منه ليحصل علي بعض الراحة بينما هو يعلم جيداً أنه لن يرتاح أبداً فحبيبة قلبه بعيدة عنه وشقيقته أخبرته بالصدمة الكبري وحياتها مازلت في خطر….دخل إلي غرفته وألقي بجسده المتهالك علي الفراش وأغمض عينيه بتعب شديد وهو يفكر مر يومان علي رحيلها إذاً لما يشعر أنه مر سنتان… قلبه يتألم..يشتاقها بشدة…يريد أن يحتضنها بين ذراعيه…يخبرها أنه بجانبها ولن يرحل أبداً…يخبرها أنه يحبها وسيظل يحبها…هو يعرفها جيداً ستظن أنه تخلي عنها حتي إذا أخبرها إياد أنه يتصل بها…يجب أن يراها يجب أن تري عينيه كي تعلم كم يحبها…وكم يشتاقها كم يشعر بالعجز أمام هاتين الفتاتين إحداهما شقيقته وصغيرته كانت الزهرة التي تحل كل مشكلة بإبتسامتها الجميلة أصبحت الأن مجرد صورة باهتة لها ولا تبتسم إلا لفافاً وفي محاولات فاشلة منه ليخرجها من تقلباتها والآخري لا يعلم متي ولا كيف ولكنه يعشقها بجنون يريدها هي فقط تتألم الأن وتتعذب بينما تحتاجه ولا يستطيع أن يراها ولا حتي أن يساندها….ماذا أفعل وقد فقدت القدرة علي التصرف..إلي من أشكو همي وقد أصبح ثقيلاً علي صدري كأنه بحمل الجبال…سمع أذان المغرب كأن الله في كل مرة يناديه ليأتي إليه..ليشكو له همه…ليزيح ما في صدره من ثقل إلي الله…قام من مكانه ليغتسل ثُم بدأ في الصلاة كان يدعو الله كثيراً أن يُزيح الغمة ومن غير الله سيُريح قلبه وهو من تطمئن بذكره القلوب وهذا ما حدث بالتحديد بعدما أدي صلاته إستلقي بجانب الفراش علي الأرض واضعاً راسه بين يديه مغمضاً عينيه فقط يرتاح قليلاً وينشد السكينة يُحدث الله وهو يعلم جيداً أنه يستمع إليه (يارب ساعدني…يارب خرجنا من الغم ده…يارب إحفظها من كل سوء وإشفيها..ورجعلي أختي زي ما كانت يارب ملناش غيرك) غفا علي حاله هذا وجد راحته بين يدي الله فأغمض عينيه ولم يشعر بالوقت الذي مرّ عليه إلا علي صوت هاتفه المحمول الذي ظلّ يرن بإلحاح كأنه يُحرم عليه الراحة التي ينشدها
………………………………
كان قابعاً بفراشه ولكن النوم يجافيه منذُ أيام…كعادته الفترة الآخيرة منذُ أن بدأ وظيفته يعود من عمله الساعة العاشرة والنصف تقريباً إن لم يعد مبكراً..أعد العشاء لوالدته وأدي فرضه وإطمأن أنها نامت بهناء بعدما قصّت عليه ككل ليلة منذُ ثلاثة أيام أي منذُ دعاها في بيته وياليته ما فعل فهاهي السيدة عايدة لا تتركه لحظة إلا لتعد له محاسنها أليس يعرف هو تلك المحاسن التي تجعل النوم يجافيه…إبتسم بجذل وهو يتذكر كل خلجة من خلجاتها طوال جلستهم…….كان فقط يراقبها تأكل بصمت لا ليس صمت حقاً وإنما خجل يغزو وجنتيها كلما رفعت رأسها وشعرت به يراقبها..إرتعاشة أناملها لملامسة أنامله الخشنة عرضاً علي طاولة الطعام…إبتسامة لم يري في جمالها قط كلما قالت والدته كلمة أو حدق هو بها مبتسماً دون الحاجة للحديث حقاً…أكان يشعر أيضاً بنبضات قلبها التي تتسارع…ربما لأنه لم يكن ليغفل أبداً عن صدرها الذي يعلو ويهبط بشدة كأنها كانت في سباق عدو وليس مجرد تناول طعام…عقد حاجبيه هو يتذكر والدتها التي كانت غريبة في بداية اليوم بل كانت تنظر لكل ما حولها بإندهاش ثُم إمتعاض ثُم تحول كل هذا في أقل من لحظة بفعل تصرفات والدته الحميمية جداً إلي إبتسامة خجلي تشبه إبنتها كثيراً….ولكن سيكون الطريق طويل جداً أحمد إذا وقعت في حبها…إبتسم بغباء وهو يردد كلامه كأنه يتسائل (إذا؟) ماذا إن وقعت بالفعل……
وعند هذه الفكرة عقد أحمد حاجبيه بشدة وهو يفكر في العواقب ومن أول هذه العواقب والدتها التي لن تقبل أبداً بإرتباطها بمن هو أقل منزلة منها…وحتي إذا تخطي هذه العقبة ألا يوجد المجتمع الذي ينظر للظاهر فقط ولا ينظر للدواخل…تشوش رأسه كثيراً بهذه الأفكار إلا أنه إبتسم بسخرية قائلاً (هذا إن أحبتني هي )….عنف نفسه كثيراً لهذا المنحني الغريب لأفكاره في الآونة الآخيرة قام وإرتدي ملابسه وقرر الخروج ليتمشي قليلاً لعل الهواء في هذا الوقت والشارع الخالي من المارة يريحون رأسه من التفكير ويصفي ذهنه قليلاً من تلك الشقراء التي تغلغت داخله دون أن يعي حتي
……………………………………..
كان يقود السيارة ولأول مرة منذُ زمن طويل لا يعلم إلي أين يذهب هذه الصغيرة سلبته قلبه وعقله وعندما رآها بهذه الحالة تعب أكثر وإزدادت همومه أكثر وأكثر إنها ذابلة…تائهة مثله تماماً…ولكنها رقيقة وهشة ولن تتحمل كل هذا العبء…رباه ماذا أفعل ولمن أذهب وأشكو همي…..تذكر كلمات والده التي دائماً ما تعيد السكينة والصفاء لروحه (رحمته وسعت كل شئ ) أوقف السيارة إلي شاطئ بعيد يخلو تقريباً من المارة إلا من العاشقين المتعانقة أناملهم بفعل قرص الشمس الذهبي المسلط عليهم بخجل ونغمات الأمواج التي تحاصرهم….خلع سترته الجلدية…حذائه…نظارته الشمسية…ثُم توجه للشاطئ يخطو علي الرمال بقدم حافية وروح تائهة إقترب من البحر ونظر له يسأله بقلبه والدموع تأبي مطاوعة مقلتيه للخروج والتنفيس عنه (أخبرني أيها البحر بماذا كانت تخبرك..هل كانت تشكو لك مني أم كانت تشكو لك بُعدي..هل كانت تخبرك بماذا تشعر..هل إحتضنتها أمواجك وواستها أم تركتها تغيب في اللاشئ)لم يشعر أنه كان قد سار بملابسه داخل الأمواج التي إحتضنته بقوة كأنها تؤازره وتسمع تسائله إلا عندما شعر بالبرودة تجتاح جسده بالكامل نظر لنفسه وجد أن ملابسه قد إلتصقت به ومازالت كل موجة تلو الآخري تحتضنه وتضرب وجهه بشدة ولكنه كان يستقبلها بصدر رحب كان يعلم أنها تعاقبه عمّا فعل منذُ سنوات…..قرر شيئاً بداخله وهو يفرد ذراعيه أكثر وأكثر للامواج المتلاطمة ولم يعر إهتماماً لمن توقفوا ينظرون لهذا الأبله الذي ربما يغرق في لحظة ما ويقف في هذا البرد القارس وقوة الأمواج وإبتسامة جذلي تداعب شفتيه…..لا يعلم كم مر من الوقت عليه وهو هكذا ولكن عندما سمع بعض أصوات الأطفال وهو يلعبون تارة ويضحكون تارة عليه علم أن المساء قد حل عليه بظلامه الدامس كالظلام الذي كان وقرر هو محوه أو ربما قررت هي محوه….خرج وكان مبللاَ بالكامل ولكن مبتسماً إبتسم واسعة هادئة إستقل السيارة بهدوء وقرر المكوث في فندق صغير لتبديل ملابسه ليفعل في الغد أولي مهام تطهير روحه التائهة والمتخبطة ومتشبث بأمله الوحيد في الحياة (رحمته وسعت كل شئ)
…………………………………………
كان يرتدي ملابسه علي عجل بعدما تلقي إتصال من إياد يطلب منه الحضور فوراً….كان خائفاً وبشدة قلبه يهدر بعنف بين أضلعه إذ أن إٍياد لم يخبره شئ سوي الحضور فوراً…..فهي بحاجته كان ينزل السلالم علي عجل عندما اوقفته أسيل قائلة بتوتر
أسيل:مازن..إنت رايح لنادين ؟
نظر لها بهدوء يناقض كل ما يعتمل في صدره
مازن:أيوة يا أسيل
ردت عليه بحزم وهي تدلف لغرفتها
أسيل:طب إستني أنا جاية معاك هجيب الجاكيت بس
أوقفها بصوته المتشنج
مازن:معلش أنا مستعجل دلوقتي وبعدين مش هينفع تيجي دلوقتي مش هتقدري تشوفيها كدا
ردت عليه بعدما إرتدت السترة قائلة
أسيل:أنا كويسة الحمد لله ومفيش حاجة تمنعني إني أروح لصاحبتي وأقف جنبها في وقت زي دا
كان علي وشك أن يعترض ولكنها لم تعطيه الفرصة إذ وجدها تسبقه وإستقلت السيارة ونظرت له تسأله أن بصعد حتي لا يتأخر أكثر …صعد بجانبها وهو متوجس من هدوئها الغريب وكأنها لم تخبره بشئ بل وكأنهم لم يتحدثوا من الأساس…قطعت عليه حبل أفكاره وهي تسأله بهدوء كأن الأمر لا يعنيها
أسيل:هو المحامي كلمك؟؟
نظر لها بدهشة ثُم تمالك نفسه عندما نظرت له منتظره الإجابة حاول أن يكون هادئاً قدر المستطاع يكفي ما حدث في الصباح
مازن:أيوة كلمني
لم يكن يريد أن يفتح هذا الموضوع الأن ولكنها زادت في الضغط عليه يبدو أنها لن تتراجع دون أن تعرف كل ما حدث بالتحديد
أسيل:وقالك إيه؟
أخذ نفساً عميق وهو يحاول أن يكون هادئاً
مازن:قالي إنك خلاص معتش ليكي أي علاقة بالقضية دي وإن فيه شاهد جديد وهو اللي طلب إن كل الأوراق اللي إنتي قدمتيها يكون عليها إسمه مش إسمك وكمان هيكون موجود يوم محاكمة طارق وهشام أما إنتي فخلاص ولا كأنك كنتي تعرفي حاجة أصلاً
كان قلبها يدق كالطبل عند سماعها ماحدث إرتعشت اناملها بل إرتعد جسدها بالكامل فشددت المعطف عليه والدموع حبيسة مقلتيها أطلت برأسها من النافذة علّها تهدأ قليلاً ثُم سألته بصوت متحشرج
أسيل:مقالش إسمه إيه الشاهد الجديد ده؟
حاول تذكر الإسم ثُم قال
مازن:تقريباً يوسف إبراهيم بس مش فاكر بقيت الإسم
أومأت برأسها دون أن ترد عليه بينما هي تردد بدهشة (يوسف!!!) من هو يوسف إنه آسر….آسري أنا
اخرجها من أفكارها صوت مازن وهو يتوقف بالسيارة قائلاً بتوتر واضح
مازن:وصلنا يلا بينا
ترجلت من السيارة مرتجفة إشتاقت لها جدا فهي توأم روحها التي لم تنفك تتحدث معها وتنصحها كأنها أخت كبري ووقتما إحتاجت نصيحتها كانت في تائهة تبحث عنه هو فيه……أما هو فإذا كانت دقات الطبول في الأفراح قوية فهي لا تضاهي قوة دقات قلبه الذي يهدر بين أضلعه الأن وإرتعاشة قدمه التي توقفت عند مدخل المشفي مترددة بينما أسيل تنظر لها وتمسك بكفه المرتعش تؤازره بعينيها الخائفتين مثله تماماً….توقف في البهو الكبير وهو ينظر يميناً ويساراً إلي أن وجد إياد يشير له بإبتسامة مترددة تقدموا نحوه شبه مهرولين ولكن خائفين….نظر بتدقيق لتلك الصغيرة القادمة مع مازن ومتشبثة بذراعيه كقطة يتسائل عمّن تكون !!
وضع كفيه في جيب سترته الطبية بتوتر ومازن يقترب منه ويسأله بعينيه قبل لسانه
مازن:إيه اللي حصل يا إياد نادين عاملة إيه طمني ؟؟
إبتلع ريقه بصعوبة وهو يشيح بوجهه بعيداً ثُم
إياد:هي حاولت تنتحر بس ما إفتكرتك إن مش مهتم بيها ونسيتها
كان الصدمة شديده عليه إذ أنه لم يستطع الرد لفترة بينما شهقة أسيل الناعمة ودموعها المتدفقة أفاقته من الصدمة بينما يرد بغير إستيعاب
مازن:إنت بتقول إيييييه؟؟ حاولت تنتحر إزاي ؟؟
حاول إياد تهدئته قائلاً
إياد:إهدي يا مازن إنت عارف إن مراحل العلاج وخصوصاً في حالة نادين بتتعرض لحاجات زي دي كتير بس هي الحمد لله بخير دلوقتي والله
رد عليه بعصبية وقد نفذ صبره
مازن:وإنت كنت فين وفين الممرضين بتوعك يا إياد مش المفروض الحالات اللي زي دي تهتم بيها أكتر من كدا
إياد:والله العظيم يا مازن دي في غفلة وصدقني لحقتها الحمد لله
كان علي وشك الرد إلا أن أسيل التي أيقظته من غصبه بدموعها وصوتها الذي ينضح خوفاً وقلقاً
أسيل:أرجوك يامازن مش وقته أنا عاوزها أشوفها وأطمن عليها
أمسك أناملها برفق وهو يربت عليها محاولاً طمأنة قلبه قبلها هي
مازن:حاضر ياحبيبتي حاضر…أوضتها في يا إياد
أشار له بصمت إلي اليمين…تركه وهرول ناحية الغرفة ثُم توقفا أمامها بينما قدمه تخذله كأنه خائف من المواجهة هل ستلومه…هل ستخبره أنه السبب بعذابها…هل ستتقبله!!..امسك أسيل من مرفقيها يوقفها عن الدخول للغرفة… أما هي فنظرت له بحب وإبتسامة مُطمئنة وهي تقول
أسيل:متخافش أنا معاك وهي محتاجاك لازم تكون جنبها
ثُم طرقت الباب ودلفت للغرفة لكن لم تكن نادين بها إذ أنها آخري غير تلك التي عرفتها يوماً….فتاة خسرت الكثير من الوزن والهالات السوداء محيطة بمقلتيها…وجه شاحب كأنه لم يعرف للإبتسام طريقاً من قبل…شعر مرفوع لأعلي بمشبك صغير هربت من آسره بعض الخصلات البريئة….مرفقها مربوط بشاش أبيض بينما لم تنتبه لهما أبداً كانت تائهة في عالم آخر لا يعرف للسعادة طريقاً
عندما رآها هكذا خفق قلبه بقوة….وتألمت روحه ودّ لو يزرعها بين أضلعه يعطيها الأمان والدفئ الذي تنشده وفقدته منذُ سنوات ولكنه خائف نعم هذا هو التعبير لما يشعر به فقط…….أما أسيل فلم تترك لها الفرصة لتدرك أي شئ فقط هرولت ناحيتها وأخذتها في أحضانها بينما إنتبهت الآخيرة لها بكت هي الآخري وبشدة حتي ظلّ جسدها يرتجف وكلما إرتجف أكثر كلما شددت أسيل من إحتضانها أكثر وأكثر بينما هو فقط يقف مكانه بدون حراك ينظر لها يلتهم قسماتها بنهم فقد كان يشتاقها حد الألم ولكن خذلته قدماه مرة آخري ولم يستطع التقدم أفاق عندما وجدها تنظر له بألم تعاتبه بعينيها أنه تركها…تسأله هل مازال يحبها أم……….تقدم نحوها يمد يده متردداً خائفاً أن ترفضها ولكن لدهشته مدت أنامل مرتعشة إليه…إحتضن كفها علي الفور يخبرها بدون الحاجة للحديث أنه يشتاق إليها….إبتلع ريقه بصعوبة وهو مازال محتضناً كفيها ثُم
مازن:إزيك يانادين؟؟
أخفضت رأسها وهي تنظر لنفسها ثُم أعادت نظرها إليه تسأله
نادين:إنت شايف إيه!! زي منا أعتقد (ثُم أكملت بلا مبالاة مصطنعة وهي تسحب يديها من كفيه وتشوح بهما يمينا ويساراً) يعني محبوسة في أوضة باخد حقن غريبة بصوت والأدهي إني كنت هموت كافرة تخيل يادكتور
كانت ترتعش بشدة والدموع تقفز من مقلتيها تقتله بنصل حاد ينغرز بصدره…إنها تلومه فقط هو المُلام
أمسكتها أسيل من كتفيها وهي تهدهدها كطفلة صغيرة مذعورة وأجلستها علي الفراش وهي تسقيها بعض الماء…أخذت نفساً عميقاً ثُم نظرت له بحدة تسأله
نادين:أساساً إيه اللي جابك لسه فاكر تسأل عني منا هنا بقالي 3 أيام بلياليهم ولا عبرتني يعني
تفاجأ من هجومها المباشر ألا تعلم أنه كان يحارب شوقه لها من أجلها ومن أجل أن تعود ألم تكن هي من طلبت منه أن يساعدها!!….حاول تمالك أعصابه ورد عليها علّها تعلم أن عنادها هذا لن يبعده عنها ولو لحظة واحدة
مازن:مكنش بيعدي يوم ولا دقيقة في اليوم أصلاً من غير ما أكلم إياد وأطمن عليكي وكان نفسي بس أجي وأشوفك بس هو قالي إن ده مش في صالحك
هبّت مكانها وهي تقف أمامه مباشرة ثُم وهي تضربه علي كتفيه بضعف
نادين:أمال اللي في صالحي إنك تغيب عني وأحس إني وحيدة ومليش قيمة في حياة أي حد هو ده وعدك ليا إنك مش هتتخلي عني أبداً مهما كان
كانت تتحدث بهيسترية ودموعها تتقافز من مقلتيها…لم يستطع أن يتحمل أكثر من ذلك إحتضنها بكلتا ذارعيه كأنه يزرعها بداخله ولم يكن يريد إخراجها أبداً..قبل قمة رأسها وهي يقول بصوت متحشرج
مازن:أسف ياحبيبتي والله غصب عني غصب عني مش بإيدي سامحيني أنا عمري ما هسيبك أبداً والله
هدأت نفسها قليلاً بينما كلماته تتغلغل وترسخ في قلبها وروحها هتجعل السلام يعم مرة آخري وتهدأ الحرب بداخلها…بينما الواقفة بجانبهم وهي تبتسم والدموع تهطل من مقلتيها وهي تتمني أن تعود صديقتها كما كانت وتتمني أن تعود هي كما كانت مساندة مؤازرة لمن تحبهم ويحبوها عندما هدأت نادين قليلاً تركها مازن مع أسيل لبعض الوقت وذهب ليطمئن عليها من إياد……..جلست أسيل بجانبها علي الفراش واضعة أناملها علي كتفيها بينما بدأت هي بالحديث قائلة
نادين:وحشتيني أوي
مسحت دمعة خائنة وهي تشدد من إحتضانها ثُم
أسيل:وإنتِ وحشتيني أكتر وحشتني صاحبتي وأختي اللي دايماً أعمل مصايب وهي تطلعني منها
إبتسمت نادين وهي تربت علي يديها
نادين:بس أنا مصيبتي أكبر صح؟
لا مصيبتي أنا أكبر بكثير حبيبتي تمالكت نفسها وهي تملس علي شعرها وتدير الحديث ناحية مازن
أسيل:بس مازن واقف جنبك وهيحلها صح؟
لاحظت إحمرار وجنتيها وإرتعاشة أناملها فعلمت أنه العشق وليس سواه
نادين:مازن وقف جنبي كتير أوي ويستاهل كل خير
قبلتها من قمة رأسها وهي تقول بحزم
أسيل:إنتِ تستاهليه هو وهو مش عاوز غيرك
لم تحتاج للرد منها بينما عينيها تخبر الكثير والكثير لذا قامت من مكانها تعدل هندامها ثُم قالت لها آمرة
أسيل:إنتِ أقوي من كدا وإياكي في يوم تفقدي إيمانك بربنا وإعرفي أن الخطوة اللي إنتي أخدتيها علشان تتعالجي وتصلحي أخطائك فيه ناس كتير أضعف من إنها تاخدها علشان كدا ربنا معاكي ومش هيسيبك لحظة فلو فقدتي إيمانك في أي إنسان أوعي تنسي إن فيه ربنا وهو الوحيد القادر علي مساعدتك بإرادتك وعزيمتك إنك ترضيه…..هروح أنادي مازن علشان يقعد معاكي شوية
قبلتها من قمة رأسها للمرة الآخيرة وهي تخرج لتبحث عن مازن الذي كان قادماً مع إياد إبتسمت له وهو يقترب ثُم
أسيل:بقت أحسن كتير لو حابب تدخل إقعد معاها شوية وأنا هستناك في الجنينة
تهلل وجهه كثيراً هو وإياد بينما إياد يربت علي يديه ويساله عمّن تكون بصوت خافت…خبط مازن رأسه هو يشير لأسيل ويقدما لإياد
مازن:معلش نسيت خالص أعرفكم ببعض كنت خايف أوي علي نادين….ده إياد صديقي من أيام الجامعة يا سيلا ودي أسيل أختي الصغيرة ياإياد صديقة نادين كمان
أسيل(بهدوء):تشرفنا
رد إياد بإبتسامة
إياد:الشرف ليا أنسة أسيل
مازن:فرجها بقي ع الجنينة يا إياد علي ما أدخل لنادين
إياد:أه طبعا طبعا إتفضلي
كانت علي وشك أن تعترض ولكن مازن كان دخل بالفعل هي تعرف جيداً لماذا يفعل هذا فهو خائف عليها ألا يعلم أنه لا يهمها إن ماتت فقد رأته وإطمأنت انه بخير…إبتسمت بهدوء وهي تقول
أسيل:حضرتك لو وراك شغل إتفضل أنا هقعد بس شوية في الجنينة
إبتسم هو الآخر ثُم قال
إياد:لا أنا مش ورايا حاجة دلوقتي إتفضلي
كانت تتحرك بهدوء شاردة لم تنتبه أنه يمشي معها لا يعلم كيف يبدأ حوار مع تلك المنكمشة علي حالها وعيناها كانتا تبحثان عن شخص معين…..
………………………………….
الجزء الثاني من الفصل الحادي والعشرون
كانت جالسة علي الفراش تستذكر دروسها وهي تفكر فيما قالته هايدي منذ يومان…هل هي معجبة حقاً بأحمد وإذا كانت كذلك حقاً هل والديها سيقبلون به وخصوصاً والدتها التي أحبتهم حقاً ولكنها لن تقبل أن تقدمهم لعائلتها..هل هي مازالت هسة لتعلم نوايا الآخرين…هل يتلاعب أحمد بها من أجل أموالها….نهرت نفسها بشدة علي هذا التفكير الغريب أحمد ليس من هذا النوع حقاً…إنه مختلف بطريقة غريبة..به ما يجذبها ويجعلها غير طبيعية أبداً…هل هي رجولته الغير معهودة…هل هي إبتسامته شديدة الجاذبية أم أنها نظراته الثاقبة التي تتغلغل بداخلها…أو ربما يكون حنانه المتدفق ناحية والدته….إبتسمت بخجل وهي تتذكر نظراته علي طاولة الطعام التي كانت تخترقها…مراقبته الحادة لكل ما تفعله كانت تشعر كأنها في ماراثون أو سباق خيول تعدو وتعدو حتي تهرب من تلك النظرات والإبتسامات المدمرة….أمسكت هاتفها وبأصابع مرتعشة ضغطت رقم هاتفه الذي حفظته عن ظهر قلب…مع كل رنين للهاتف تقابله دقة من قلبها الضعيف حتي أتاها صوته الهادئ الذي أرسل الرعشة في أوصالها….
كان قد خرج قليلاً ليستمتع بتلك النسمات الهادئة في ذلك الوقت حتي صدح صوت هاتفه أخرجه من جيب بنطاله وهو يري إسم المتصل عقد حاجبيه في تساؤل عن سبب الإتصال في ذلك الوقت المتأخر بالنسبة له ولكنه رد بهدوء
أحمد:السلام عليكم..إزيك ياريما
أخذت نفساً عميقاً وهي تحاول قدر الإمكان أن يكون صوتها متزن ولكنه خرج متحشرجاً رغماً عنها
ريما:وعليكم السلام إزيك يا أحمد!!
هل إسمي رقيق هكذا لم أسمعه قط بهذه الحلاوة بل لم أحبه كما أحببته من بين شفتيه….حاول كتم ضحكته من أفكاره التي تأخذ منحي غريب تماماً ثُم
أحمد:تمام الحمد لله إنتي أخبارك إيه؟؟
إبتلعت ريقها وهي تمسك بالكتاب في يديها الآخري ثُم إبتسمت قائلة
ريما:الحمد لله تمام…كنت عاوزة منك خدمة ممكن؟؟
هدأت خطواته قليلاً وهو يسألها
أحمد:إتفضلي طبعاً خير ؟؟
وكأنها تذكرت شيئاً
ريما:هو أنت خريج إيه الأول؟
عقد حاجبيه أكثر ثُم
أحمد:تجارة….ليه في حاجة؟؟
إبتسمت بإنتصار كمن وجد ضالته ثُم قالت بشجاعة تناقض ضربات قلبها المتسارعة
ريما:كنت عاوزة مساعدتك في الدراسة ممكن؟؟
رد عليها بعجب
أحمد:إممم مش فاهم!!
ردت بخجل شديد
ريما:أصلي في كلية هندسة وكنت محتاجة مساعدتك في شوية حاجات تخص الرياضة يعني لو ينفع
عقد حاجبيه متسائلاً
أحمد:هو صحابك مش معاكي ولا إيه !!
ردت عليه بتردد
ريما:أصل يعني الصراحة….أنا يعني غبت شهر عن الجامعة ومليش صحاب كتير أو تقدر تقول مليش غير واحدة بس وهي مشغولة الفترة دي مع خطيبها وكدا يعني
لا يعلم لما يشعر بتلك السعادة الغريبة التي تغلغلت بداخله ثُم قال بصوت أجش
أحمد:طيب معنديش أي مانع أساعدك طبعا بس بمواعيد لأني هيكون عندي شغل وممكن أخلص متأخر فاهماني
تلاعبت بخصلات شعرها الشقراء وهي تقول بإبتسامة
ريما:تمام إتفقنا….بس إمتي بقي أول حصة يادكتور
سمعت ضحكته العالية التي أرسلت الرعشة في أوصالها فإرتجفت وإحمرت وجنتاها ثُم صوته الرجولي وهو يقول
أحمد:دكتور حتة واحدة مش لما تشوفيني إذا كنت أنفع ولا لأ الأول…عموماً ياستي هشوف هخلص شغل إمتي بكرا وأكلمك تمام؟
أغمضت عينيها وهي تهمس بصوت رقيق
ريما:تمام إتفقنا….ميرسي كتير علي كل حاجة
صوتها الرقيق تغلغل بداخله فأغمض عينيه هو الآخر قائلاً
أحمد:شكر علي واجب إنتي تؤمري
أغلقت الهاتف ووجنتاها كحبة الفراولة وقلبها يهدر بين صدرها بعنف….كيف أتأثر به من مجرد كلمات بسيطة لا تعني للحب شيئاً ولكنها مجاملة وليس أكثر…كيف يدخل إلي أعماقي كأني أعرفه منذُ زمن..كيف يحكم سيطرته علي قلبي كلما حدثني بهذا الصوت العميق..العميق جداً..أغمضت عينيها مرة آخري تهدئ نبضات قلبها الثائرة وتبتسم إبتسامة لم تطأ شفتيها منذُ زمن….
لا يعلم ماذا يحدث إن هذه الفتاة ذات المزيج الغريب من القوة…الشجاعة..الرقة والهشاشة تناقضات كثيرة بها تجعله في فوضي كبيرة..نعم لا يستطيع تسمية حالته هذه سوي أنها فوضي عارمة بداخل قلبه وعقله ولا يستطيع الفكاك منها أبداً…إنها تفعل به الأعاجيب..تقتحمه بجرأتها…تجعل قلبه ثائر النبضات بخجلها الشديد..كيفي تحمل بداخلها شئ كهذا (جرأة…خجل!!)
غداً تلميذتي الرقيقة سأراكِ ولكن لا أعدكِ بطول بالي..
…………………………………….
كل الجرائد وخصوصاً المعارضة…خبر في الصفحة الأولي من كل جريدة بالخط العريض (القبض علي عضوي مجلس الشعب طارق الحداد وهشام محجوب بتهمة التجارة في المخدرات والأسلحة)
كان وكيل النائب العام ينظر للجريدة في فخر وهو يري إسمه في آخر السطر بأنه هو من كشف هذه التهم….صدق هذا الرجل الذي أعطاه الأوراق..ها قد أصبح مشهوراً بفعل تلك القضية وهدأ الشعب العاطفي كما قال من ناحية الشرطة قليلاً…..الأن طارق في زنزانة في سجن (طرة) لحين موعد المحاكمة وهذا السجن لهؤلاء الرجال لا يدخله سواهم فهو مجهز بكل الوسائل التي يحتاجونها..ولكن هل ستدوم !!!
…………………………..
على أبوابكم عبد ذليل كثير شوق يعصفه قليل
له آسفٌ على ما كان منه وحزنٌ من معاصيه طول
يمد اليكم كف افتقار ودمع العين منهمر يسيل
يرى الأحباب قد وردوا جميعاً وليس له الى ورد سبيل
اكون نزيلكم ويضام قلبي وحاشى ان يضام لكم نزيل
فان يرضيكم طردي وبعدي فصبري في محبتكم جميل
وحقي ؤلائكم وشدي بشوقي سلوي عن هواكم مستحيل
قضيت بحبكم ايام عمري فلا اسلو وهل يسلى الجميل
عسى عفوا يبلغني الاماني فقد بعد الطريق وقل زادي
فانت ذخيرتي وبك افتخاري وفيك تالمي وبك اعتزازي
ولو اقصيتني وقطعت حبلي وحقك لا احول عن الوداد
فجد بالعفو يا مولاي وارحم عبيدا ظل عن درب الرشادي
إستيقظ من نومه وجد نفسه مازال محتضناً المصحف الصغير بين كفيه الكبيرين…كان يشعر بقلبه يهوي بين أضلعه…أراد التخلص من هذا الآسر القاتل ليعود يوسف الإبن البار والأخ الهادئ….أخذ نفساً عميقاً وقام ليستعد ليفعل ما قرره بالأمس….توقف لحظة واحدة متذكراً نظرة عينيها العاشقة..دموعها الهاربة من وجنتيها…إرتعاشها اللذيذ..أغمض عينيه وإرتجافة قلبه تعلن عن إستسلامه لها هي من أعادته لروحه..من أعادت له السلام النفسي…هي من أعادت يوسف ليوسف…بعد أن تركته روحه منذُ زمن….إرتدي ملابسه علي عجل ثُم إنطلق بسيارته إلي أقرب مسجد.. خفق قلبه بين أضلعه بعنف وكأنه زلزال…إرتجفت قدمه عند باب المسجد بينما إرتعد جسده بأكمله…وقف علي عتبة المسجد ينظر له..يتطلع لكل ركن فيه…رأي من هو يزوي في ركن بعيد يقرأ في مصحف…والركن الأخر يصلي…وغير يمسك بين يديه مسبحة ويلهج بذكر الله…..بينما هو يتسائل هل ستقبلني بينهم…هل ستسامحني علي كل ما إقترفت…لقد أتيت لك ولا اعلم هل سأكون مؤهلاً للمغفرة!! أخرجه من أفكاره كف رجل كبير علي كتفيه وهو يقول بصون حنون
الرجل:مش هتدخل ولا إيه يابني ده العصر قرب يأذن!! نظر له مجفلاً يسأل نفسه مرة آخري هل أصلي؟؟…إمتلأت مقلتيه بالدموع التي أبت التحرر منهما…بينما يمسك الرجل الكبير بيديه كأنه طفله الصغير وهو يدخل معه إلي المسجد……لم يكن يشعر بشئ إلا عندما قال الرجل المسن(الحاج محمد) بإبتسامة حنون
الحاج محمد:إدخل إتوضي الحمام من هنا وأنا هستناك في الركن اللي هناك ده علشان نصلي سوا كان يسمعه بالكاد بينما قلبه مازال يهدر بعنف بين أضلعه…كان يشعر بروح غريبة تتسرب بداخله..كأنها الراحة والسكينة والدفئ…دخل إلي دورة المياه وفعل كما أخبره الرجل دون الحاجة للسؤال تذكر كيف كان يذهب للمسجد كل جمعة والده ويعلمه كيفية الوضوء…إستعاد تلك الذكري وهو يتوضأ كطفل صغير مازال في مقتبل العمر…..عندما أنهي الوضوء خرج وعيناه تبحث عن الرجل الذي كان بجانبه كأنه الملاذ الوحيد له…ملجأه من كل ما مرّ به…وجد يجلس في زاوية بعيدة قليلاً يمسك بين يديه مصحف كبير بعض الشئ إقترب منه قليلاً بينما أذناه تلتقط تلك الأية التي كانت تقرآها هي بسم الله الرحمن الرحيم
(أفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
صدق الله العظيم
توقفت قدماه عن التقدم بينما قلبه تزداد نبضاته أكثر وأكثر…لاحظه الرجل فإبتسم له إبتسامة تذكره كثيراً بأبيه بينما أشار له بالجلوس وصدق الله ثُم أغلق المصحف وهو يضع يديه علي ركبتيه بحنان بالغ قائلاً
الحاج محمد:أنا الحاج محمد باجي هنا كل يوم من العصر لحد المغرب أول مرة أشوفك إنت إسمك إيه بقي؟
نظر له بتشوش..دقيقة..إثنان..ثُم إبتلع ريقه بصعوبة قائلاً
يوسف:أنا إسمي يوسف
أكمل الرجل بنفس الإبتسامة التي لا تفارق محياه
محمد:إسم جميل أوي علي إسم نبي من أنبياء الله سيدنا يوسف…..مالك يا يوسف خايف من إيه؟؟
إرتد رأسه للخلف كيف علم هذا الرجل بخوفه..كيف شعر به!!دموعه التي كانت تأبي التحرر تحررت الأن وإنهمرت من مقلتيه بطريقة جعلت جسده بأكمله يرتجف بينما أكمل بصوت متحشرج
يوسف:خايف ميسامحنيش…خايف ميقبلش توبتي..خايف أموت وهو مش راضي عني…خايف أقابله وأشوف حسابه..خايف
لم يكمل جملته بينما يحتضنه الرجل بشدة تمسك بجلبابه ويديه مرتعشتان…شدد الرجل من إحتضانه له وهو يقول بصوت يقطر تعاطفاً وحناناً
محمد:رحمته وسعت كل شئ يابني وطالما إنت توبت ربنا تواب رحيم بيغفر كل الذنوب إلا الشرك بيه….محدش يدخل بيته ويصده أبداً خليها بس توبة نصوحة وربنا كبير وخلي عندك دايماً يقين في رحمته
هدأت نفسه كثيراً بتلك الكلمات بينما يقول الرجل كلمته الآخيرة (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)……إرتعش بشدة وهو يردد كلمة واحدة فقط ومازال متعلق بجلباب الرجل كأنه الأمان بالنسبة له (يااااااارب سامحني )
………………………………………….. …..
حين أظن أني نمت
يسطع نورك بعيني
يؤرق نعسي وفرحي
حين أظن أني نمت
يظهر طيفك
يهزأ من خدعي لنفسي
يذكرني بوجودك
يفقأ جرحي المحجوب
وحين أقنع نفسي أني نمت
تصبو أحلامي إليك
تستحضر صورتك
تحمل في أضلاعها شوقاً
أحلامي-لك-تحلم
وتصنع خيالاتي من عطرك
وكلما أُخمد شوقاً
يظهر آخر
مختالاً بسطوة قدرتك
شامتاً في خنوعي أمامه
وكلما تقتلني مسافاتك
يحميني أمل كاذب
فأهرب منك بنومي
وأرفض أن أحلم
وأوقف إبداع تخيلي
وحين ظننت أني نمت
سمعت همسك بأذني
أحقاً نمتِ؟!
الجزء الأول من الفصل الثاني والعشرون
غداً ألقاك
…………………
أن تري الحب والعشق في عين من تحب أروع بكثير من أن تسمع منه كلمات الغزل
لن تكون أبداً بحاجة لكلمات عندما تلتقي عيناك بمن تحب
لأن الصمت في تلك الحالات أبلغ من الحديث
أن تسكن بين ذراعيه تشعر بالدفئ والأمان..تستمع لدقات قلبه التي تهدر بين اضلعه فتعلم أنه يعشقك بصدق
لن تحتاج سوي للسكون معه والهروب بعيداً عن الواقع
لقاء من تحب ورؤيته يبتسم لك تلك الإبتسامة العاشقة أروع من كل شئ ربما تمر به
………………………….
خرج من المسجد بعدما أدي صلاتيّ العصر والمغرب وجلس يتحدث قليلاً مع هذا الرجل الكبير في عُمر والده تقريباً وإتفق معه أن يأتي كل يوم ليُقابله حتي يخبره عن الله هذا ما طلبه يوسف بالضبط بعدما هدأت نفسه قليلاً جملة واحدة (أرجوك عاوز أعرف ربنا أكتر وأتعلم عنه)
إستقل سيارته وهو يعرف وجهته تحديداً نعم هذا القرار لابد منه ويجب أن يفعله لا يستطيع الإنتظار أكثر….توقف أمام بيتها والإبتسامة الهادئة تداعب شفتيه وهو يقول في سره (لم أفعل هذا قط أن أقف أمام بيت فتاة عشقتها بكل جوارحي وأنا في الثلاثون من عمري!! )
أخذ نفساً عميقاً وهو يخرج هاتفه المحمول ليطمئن علي والده في المشفي جاءه الصوت المعتاد للممرضة ثُم قال
يوسف:لو سمحتي عاوز أكلم الأستاذ إبراهيم
الممرضة:أقوله مين حضرتك !!
يوسف(بهدوئه المعتاد):إبنه يوسف
كان إبراهيم كالعادة يقرأ في المصحف بينما أوقفته الممرضة الشابة قائلة
الممرضة:إبنك علي التليفون يا أستاذ إبراهيم هحطلك السماعة علشان تكلمه
أنهي الآية التي كان يقرآها بينما قلبه يدق بعنف وإرتعشت عضله خده بينما إغرورقت عيناه بالدموع وهو يومئ برأسه لتضع السماعة علي أذنه….جاءه صوت يوسف المبحوح
يوسف:إزيك يابابا وحشتني أوي
رد عليه بلهفة وقلبه مشتاق لرؤيته
إبراهيم:حبيبي يايوسف وإنت كمان وحشتني أوي أوي طمني عليك عامل إيه ؟
لأول مرة منذُ زمن طويل يشعر أنه بخير حقاً دون قيود وضع يديه تلقائياً يتلمس المصحف القابع بجانب صدره وإبتسم في حنان وهو يقول
يوسف:الحمد لله أنا كويس أوي يا بابا صدقني أنا بخير….قريب أوي هنرجع زي الأول بس إدعيلي أرجوك
أدمعت عينا إبراهيم هذه المرة كثيراً هو يقول
إبراهيم:بدعيلك علي طول ياحبيب قلبي ربنا يفك كربك ويهديلك الحال يابني ….(ثُم أطرق وهو يسأله بتوجس)…يوسف المصحف لسه معاك؟
ضحك هذه المرة كأن والده يقرأه فيعلم ما به قال بهدوء
يوسف:أيوة يابابا مبيفارقنيش لحظة لأن ربنا رحمته وسعت كل شئ مش كدا
زفر أنفاسه بإرتياح وهو يبتسم قائلاً
إبراهيم:الحمد لله والشكر لله…أيوة طبعا رحمته سبحانه وتعالي وسعت كل شئ
يوسف:حبيبي أنا مضطر أقفل دلوقتي وهكلمك تاني إن شاء الله…خد بالك من نفسك علشان خاطري ومتنساش دواك
إبراهيم:حاضر ياحبيبي وإنت كمان….لا إله إلا الله
يوسف:محمد رسول الله
أغلق الهاتف وهو يُعيد نظره للنافذة لماذا لا تفتحها حتي يطل وجهها الملائكي ويكتمل يومه ويستطيع النوم في هناء…لماذا لا تفتحها لتعيد له صفاء روحه بعينيها الصافيتين كصفاء السماء…لقد تأخرتِ حبيبتي ولكن لا مانع لدي في إنتظارك إلي آخر عمري فأنتِ وأنتِ فقط بر الأمان بالنسبة لي فساعديني للوصول إليكِ يا بر أماني….فجأة أطل وجهها الملائكي من النافذة مما جعل نبضات قلبه تتوقف عندما رآها ترتدي منامة قطنية باللون الوردي رافعة شعرها العسلي كما لون عينيها بالضبط وترتدي نظارة طبية وبيدها ورقة وقلم وتستند بجذعيها إلي النافذة تنظر للسماء وتبتسم وتبدأ بكتابة شئ ما
قبل هذا بساعات طويلة بعدما رحلت من المشفي هي ومازن كانت حالته النفسية قد تحسنت كثيراً ولكنه كان ينظر لها بريبة يريدها أن تتحدث تقول أي شئ ولكنها لم تنبت بحرف فقط (تصبح علي خير )
دلفت لغرفتها أدت فرضها وغيرت ملابسها ثُم إندست تحت الغطاء وإبتسامة عاشقة لا تفارق شفتيها بينما تتذكر نظرته وهو يخبرها بحبه بطريقته الخاصة فقط لها…غرقت في نوم عميق بينما هو لا يفارق أحلامها في صحوها أو منامها….في صباح اليوم التالي إستيقظت بعد نوم عميق لم تتذوقه منذُ زمن ثُم إغتسلت وأدت فرضها ثُم فتحت النافذة وهي تضع حجابها علّها تراه مرة آخري ولكنه لم يكن هناك…تُري أين هو !!
تنهدت بإحباط وهي تزيح الحجاب وتستعد لتناول الفطور ولكن أجفلها ظهور مازن أمام غرفتها بنية الدخول لها…حاولت أن تبتسم بهدوء وهي تقول
أسيل:أنا كنت جاية أفطر معاكم يدوب صليت
إبتسم هو الآخر ولكن بتوتر ملحوظ عليه ثُم
مازن:عارف بس كنت عاوز أتكلم معاكي شوية قبل ما ننزل تحت ممكن؟
ردت بحذر وهي تعود للغرفة
أسيل:أيوة طبعاً ممكن إتفضل
دلف مازن للغرفة وأغلق الباب ورائه ثُم جلس قبالتها علي الفراش وأخذ نفساً عميقاً
مازن:عارفة وإنتِ صغيرة مكنتيش بتخبي عليا حاجة خالص وماما دايماً كانت تضايق منك لأنك بتحكيلي علي كل صغيرة وكبيرة حتي لما كنتِ بتكلميني وأنا برا وتقوليلي ع المقالب اللي بتعمليها في كل بودي جارد بابا بيجيبوا ليكي (إبتسم بسخرية ثُم أكمل)..كنتي مجنونة متهورة بس عمري ما شفتك حزينة حتي لو خسرتي حاجة أو حاجة ضايقتك دايما تقولي الحمد لله خير وهتتعوض إن شاء الله….(وأكمل بهدوء شديد يحاول السيطرة علي أعصابه)…إنما اللي شايفها قدامي دلوقتي مستحيل تكون إنتِ..اللي قدامي مجرد شبح للبنت اللي دايماً متفائلة وبتضحك دايماً هادية مش بتتكلمي حتي لما بابا حاول يخرجك م اللي إنتي فيه رفضتي لما سألتك عن اللي حصل وليه بتحميه قلتي كلمة واحدة بجمود (أنقذ حياتي من الموت و الإغتصاب)..أسيل أرجوكِ أنا قلقان عليكي إنتِ أختي وحبيبتي وبنتي وإوعي تفتكري إن إهتمامي بنادين وخوفي عليها هيبعدني عنك…من فضلك إتكلمي فضفضي ليا وإحكيلي
كان جسدها يرتجف مع كل كلمة تخرج منه تتزايد دقات قلبها المتعانقة بصدرها وأغشت الدموع مقلتيها وهي تنظر له ثُم بصوت متحشرج ردت عليه
أسيل:أنا كنت قاعدة في عشة مع واحد غريب عني لمدة متقلش عن أسابيع وكنت لسة متهورة زي منا…حاولت أدخل جواه وأعرف إيه دوافعه للي بيعمله وليه بيقتل وليه يخطف ومع ذلك مقربش مني ولا لمس شعرة مني حماني حتي من نفسه وأنقذ حياتي من صاحبه…كان ممكن يخلص مني في أي لحظة لأنه مش خايف من الفيديو علي حسب ما فهمت ملوش سجلات في البوليس ومع ذلك معملش أي حاجة….عرفت ليه بقي بدافع عنه لأنه أنقذ حياتي من الموت و الإغتصاب وأنا أنقذته من الضياع وإديته فرصة يتوب
لم تستطع أن تكمل فإنفجرت في البكاء وظل جسدها يرتجف بشدة أخذها بين أحضانه يهدهدها كما كان يفعل معها وهي طفلة ربت علي شعرها وهو يقبل قمة رأسها ويقول بصوت مبحوح
مازن:حبيبتي سامحيني أوعدك مش هتكلم معاكي في الموضوع ده تاني بس بطلي عياط علشان خاطري ووريني إبتسامتك اللي وحشتني
هدأ جسدها قليلاً وإبتسمت له من بين دموعها وأنفها المحمر فإبتسم هو الآخر وهو يقبل جبهتها قائلاً بمرح
مازن:يلا بقي ياهانم إدخلي إغسلي وشك علشان ماما متقبضش عليا بتهمة عياط البرنسيسة أسيل
ضربته بدلال علي كتفه وهي تقوم قائلة
أسيل:اه برنسيسة فيه مانع يا دكتور
فرد ذراعيه بإستسلام وهو يبتسم
مازن:لا يافندم مفيش أي مانع…هستناكي تحت يابطة
تناولوا الفطور في جو هادئ نوعاً ما لا يخلو من المرح الذي إفتقدوه جميعاً…قررت أن تعيد كتابة مقالاتها ولكن ياسر إعترض وبشدة بينما مازن حاول تهدئته قائلاً
مازن:يا بابا ياحبيبي هي هتكتب مقالاتها علي النت هتعمل مدونة وتنزل عليها المقالات
قام ياسر من مكانه في حدة وهو يقول بحزم
ياسر:لا يعني لأ يا مازن خلاص أنا مش مستغني عنها تاني وبعدين إنت محسسني إنهم مش هيعرفوها من النت ما تتكلم كلام عاقل
حاولت سميحة تهدأته قائلة بتوتر
سميحة:طيب إهدي بس شوية يا ياسر الضغط هيعلي عليك
ولكنه لم يبالي بما تقول ثُم نظر لأسيل ووجهها المغرق بالدموع قائلاً بحزم
ياسر:أنا مش مستعد أخسرك يا أسيل وده آخر كلام عندي صحافة وكتابة يبقي تنسي المقالات السياسية النقدية غير كدا معنديش
ثُم ترك المائدة وتوجه لعمله قائلاً كلمة آخيرة
ياسر:أنا رايح الشغل وإحتمال أتأخر وإنت يا مازن حاول تشوف شقة كويسة تعملها عيادة بيتهيألي إنه خلاص لازم تبدأ شغلك
كان الجو مشحون بالتوتر بينما هي تبكي بشدة وهي تنظر لهم بألم..أخذتها سميحة بأحضانها وهي تقول بحنان
سميحة:ياحبيبتي إنتي عارفة بابا خايف عليكي هو بس يهدي ونحاول نقنعه بحل وسط مش كدا يا مازن !!
نظرت له تطلب منه الدعم بعينيها ولم يخذلها بل إبتسم مطمئناً إياها
مازن:أيوة طبعااً ومتخافيش ياحبيبتي هنقنعه إنك تعملي إسم مستعار ومفيش أي حاجة تعرف هويتك أنا هروح دلوقتي أدور علي شقة وهعدي عليه في الشغل أكلمه…يلا بقي يابطتي وريني الضحكة الحلوة
تهللت أساريرها وهي تقفز إليه تحتضنه وتقبله بحنان بينما هو يبتسم ويقول
مازن:يلا بقي هقوم أغير هدومي وأمشي…..
قبلها من قمة رأسها وقبل يد والدته ثُم رحل بينما سميحة أخبرتها أنها ستجلس في الحديقة تستمع بالهواء النقي وسألتها الإنضمام إليها وهي وافقت علي الفور
عندما حلّ المساء عاد مازن يحمل معه موافقة ياسر علي كتاباتها المقالات….قفزت إلي أحضانه تقبله ثُم أبيها الذي قبل قمة رأسها قائلاً بحنان
ياسر:علشان خاطرك بس أرجوكِ خدي بالك من نفسك ولازم إسمك يكون مستعار ولو حسيتي بأي خطر تبطلي كتابة ممكن؟
أومأت برأسها بحب ثُم توجهت لمازن بسؤال
أسيل:ها ياحبيبي لقيت حاجة تقدر تعملها عيادة؟
جلس علي المقعد بإرهاق وهو يقول
مازن:بدور والله ياأسيل بس واحد صاحبي كلمني وقالي علي شقة كويسة هروح أشوفها بكرا إدعيلي
أسيل:يارب ياحبيبي يكرمك يارب….طيب هقوم أنا أصلي عاوزة أبدأ كتابة شوية وأنام
قبلتها سميحة من وجنتيها
سميحة:روحي ياحبيبتي ربنا يوفقك ويحفظك من كل سوء
قاطعهم مازن وهو يتأبط ذراع أسيل قائلاً
مازن:خديني معاكي يا بطة أنا عاوز أنااااااااااااام
ضحك الجميع بينما يأخذ ياسر سميحة من كفيها قائلاً
ياسر:وأنا كمان هاخد عروستي وأنام
ذهب كلُ إلي غرفته بينما هي إرتدت منامتها القطنية ورفعت شعرها لأعلي بدبوس تاركة العنان لبعض الخصل تلتف حول وجهها وأمسكت ورقة وقلم ثُم فتحت النافذة ونظرت للسماء بإبتسامة صافية مُحدثة نفسها
(إشتقت لك كثيراً…أريد أن أراك…ُأُمني نفسي برؤياك)
أجفلت لوهلة حتي كاد قلبها أن يخرج من صدرها من كثرة نبضاته التي تكاد تسمعها عندما رأته بنفس الهيئة ونفس الإبتسامة التي تدمر كل ذرة سيطرة لديها…تعالت أنفاسها معانقة دقات قلبها الهادرة في صدرها قدميها المرتجفتان…شفتيها المرتعشتان بإبتسامة مترددة بينما هو ينظر لها كعادته بعينان يملؤها العشق والإشتياق الشديد وإبتسامة عاشق حتي الثمالة هربت إلي الداخل عندما تنبهت لشعرها المتطاير بينما هو يضحك ملئ شدقيه علي طفلته الصغيرة
…………………………………….
دخل إلي غرفته رمي سترته علي الفراش بإهمال ثُم أخرج ملابسه من الخزانة وضعها علي الفراش يريد أن يستحم لعلّ المياه تُريحه من الإرهاق الجسدي والذهني منذُ الأمس وهو يفكر هل يجب عليه أن يتصل بوالديها ليخبرهم أم يتركهم هكذا فهم من تركوها في المقام الأول ومن وجهة نظره أنهم لا يستحقون أبداً إبنة مثل نادين فهي جوهرة…..وقف تحت المياه الباردة وهو يتذكر سكونها بين أحضانه دون غيره إنها تثير به المسئولية بشكل غريب
يسكنها حزن وشجن يريد أن يخفيه ويجعل إبتسامتها دائمة..يالله فقط أريدها معي أن تسكن بداخلي…وأسكن بداخلها..أريد أن أعتصرها بين ذراعي حتي تمتزج روحها بروحي فأرتاح وأعلم أنها لي وحدي
أنهي حمامه ووضع المنشفة علي خصره وشعيراته المبللة تغطي جبهته رمي بنفسه علي الفراش وهو يمسك هاتفه ليتصل علي إياد يريد فقط أن يسمع صوتها لن يستطيع النوم قبل الإطمئنان عليها…بعد بضع رنات رد عليه إياد بمرح
إياد:نعم يا عريس
إبتسم من طرفته قائلاً
مازن:أيوة عريس إنت مالك يعني..عاوز أكلم خطيبتي بقي ممكن؟
إستعاد إياد هدوئه
إياد:مازن أنا قلتلك مينفعش كتر الكلام ما بينكم دلوقتي
حاول أن يكون منطقياً في رده قدر الإمكان
مازن:بص يا إياد بجد وجودي جنب نادين هو اللي هيسرع علاجها أولاً لأنها عندها مشكلة في الثقة بالناس وحاسة إن محدش بيحبها ولما أنا متصلتش بيها الفترة اللي فاتت أديك شفت اللي حصل…هي محتاجة تحس إني جنبها ومش هسيبها أبداً…أوعدك ياسيدي إني هقلل من زياراتي علي أد ما أقدر بس مكالماتي معلش مش هقدر
أطرق رأسه يفكر بكلامه بعقلانية وجد أنه علي حق رد عليه بتفهم
إياد:كلامك صح يا مازن وأنا معاك في كل اللي بتقوله بس تفضل عند وعدك ومتجيش كتير
أرخي رأسه للخلف بإرتياح وهو يقول
مازن:الحمد لله إنك إقتنعت…أوعدك صدقني هقلل من زياراتي…ممكن بقي أكلمها ؟
قام من مكانه متوجهاً لغرفة نادين وهو يرد بمكر
إياد:ماشي بس مش هسمح بأكتر من دقيقتين إنت عارفني محافظ
ضحك بشدة علي دعابته قائلاً وهو يتخلل شعره المبلل بأصابع يده
مازن:إخلص يابني البت وحشتني الله
طرق باب الغرفة إبتسم قائلاً
إياد:تليفون علشانك يا أنسة نادين…مازن
لم يكمل جملته حتي إختطفت منه الهاتف وقالت بصوت ملهوف
نادين:مازن
خرج إياد بهدوء وأغلق باب الغرفة ورائه أما علي الجانب الآخر لما يشعر بالحرارة تجتاح جسده بالكامل من مجرد نطقها لحروف إسمه الذي يعشقه من بين شفتيها..إبتسم وهو يقول بصوت مبحوح
مازن:يا عيون مازن
إرتجفت يديها علي الهاتف وإحمرت وجنتاها تلقائياً ثُم نظرت ورائها لم تجد إياد لذا جلست علي المقعد وهي تتلاعب بخصلات شعرها فقد تناولت دوائها من أجله فقط فقد وعدته بهذا لذلك هي تشعر بالهدوء والسكون
أجفلت عندما أتاها صوته الرخيم وهو يقول
مازن:حبيبتي عاملة ايه إنهردة؟
ردت عليه بخجل شديد وهي تقول
نادين:الحمد لله تمام وإنت؟
زفر نفساً عميق وهو يعتدل في جلسته قائلاً
مازن:حبيبك مشتاااااااااااااق أوي
لم تستطع التحمل أكثر من ذلك إنه يغزوها بكلماته…يقتحمها بهمساته..يخترقها بصوته العاشق الذي لا يبالي بشئ سواها
نبضات قلبها تهدر في صدرها بعنف..عضت علي شفتيها السفلي بخجل وخرج صوتها متحشرج قائلة
نادين:أسيل عاملة إيه طمني عليها ؟؟
تنهد بإحباط لن تقول أي شئ يجب أن يأخذها بين أحضانه حتي تخبره بحبها هذه العنيدة..قريباً جداً حبيبتي سيحدث هذا
مازن:أسيل هتبدأ تنزل مقالات علي النت هتعمل مدونة أقنعنا بابا إن إسمها هيكون مستعار إنتي عارفة بعد اللي حصل بيخاف عليها أوي
جاءه صوتها فرحاً كثيراً وهي تقول
نادين:أكيد مبسوطة أوي صح !!
إبتسم هو الآخر قائلاً
مازن:أوي دي طلعت من دلوقتي تكتب وتفكر في إسم مقال تنزله
نادين:ربنا يوفقها يارب وإنت هتعمل إيه في شغلك ؟
تنهد بعمق قائلاً
مازن:بكرا هشوف شقة ولو كويسة هبدأ أعملها عيادة
فرحت كثيراً بهذا الخبر وهي تقول بسعادة
نادين:بجد!!…ربنا يوفقك يارب ويكرمك…بس أنا حساك مش مبسوط ليه؟
رد بحزن قائلاً
مازن:كان نفسي تكوني معايا في كل خطوة في شغلي
عندما لم يسمع ردها علم أنه أحزنها بهذه الكلمات لذا إستدرك قوله قائلاً
مازن:بس أنا واثق إن إرادتك قوية وهتكوني كويسة بأسرع وقت وإعملي حسابك ياهانم مفيش خطوبة فيه جواز علي طول إنتي فاهمة ؟
ضحك بشدة عندما وبخته قائلة بغضب
نادين:مازن إتلم الله…ويلا إمشي بقي علشان الدوا اللي باخده ده بيخليني عاوزة أنام
قام من مكانه يرتدي ملابسه ثُم قال وهو يضحك
مازن:حاضر حاضر أهو متزوقيش…تصبحي علي خير ياحبيبة قلبي
ردت بخجل
نادين:وإنت من أهله…باي باي
إستوقفها قائلاً
مازن:نادين!!
نادين:نعم!
جاءها صوته مبحوح محمل بعاطفة شديدة
مازن:بحبك
لم تستطع الرد أغلقت الهاتف في وجهه سريعاً في محاولة فاشلة جداً لتهدئة نبضات قلبها الثائرة وقدميها المرتعشتين أما هو فنظر للهاتف وإبتسم ثُم أكمل إرتداء ملابسه غطّ في نوم عميق لم ينمه منذُ أن عاد لمصر
………………………………..
جاءها صوته مبحوح محمل بعاطفة شديدة
مازن:بحبك
لم تستطع الرد أغلقت الهاتف في وجهه سريعاً في محاولة فاشلة جداً لتهدئة نبضات قلبها الثائرة وقدميها المرتعشتين أما هو فنظر للهاتف وإبتسم ثُم أكمل إرتداء ملابسه غطّ في نوم عميق لم ينمه منذُ أن عاد لمصر
…………………………..
الجزء الثاني من الفصل الثاني والعشرون
في صباح اليوم التالي إستيقظ كعادته توضأ وأدي فرضه ثُم إتجه إلي غرفة والدته بعدما جهز لها وجبة الإفطار ليُطعمها قبل أن يذهب للعمل وجدها تصلي جلس بجانبها علي شفتيه إبتسامة بلهاء لم تفارقه منذُ الأمس..أجفل علي صوت عايدة الحنون وهي تقول
عايدة:اللي واخد عقلك ياسيدي !!
نظر له بإبتسامة هادئة قليلاً وهو يضع صينية الطعام أمامها ويطعمها بيديه
أحمد:أنتي طبعاً يا ست الكل
نظرت له بمكر وهي تقول
عايدة:لا خلاص بقي أنا راحت عليا في واحدة تانية كدا شقرا وجميلة
نظر لها بدهشة وهو يضحك قائلاً
أحمد:إيه ياوزة اللي بتقوليه ده بس !!
إبتسمت بحنان وهي تنظر لعينيه التي إلتمعت لمجرد ذكرها
عايدة:حبيبي عنيك لمعت أول ما جبت سيرتها تفتكر إن كلامي مش صح !!
لأول مرة يشعر بالإرتباك أمام والدته أخذ نفساً عميقاً ثُم أدار نظره الناحية الآخري وهو يقول بتحشرج
أحمد:ماما من فضلك أنا عندي شغل دلوقتي وهقابل ريما بعد ما أخلص علشان أساعدها في المذاكرة وقبل ما تتخضي صاحبتها هتكون معاها علشان كدا هناديلك طنط أم محمود تعملك الغدا وتطمن عليكي ماشي
أتبع حديثه وهو يُقبل يديها ثُم جبهتها مرتدياً سترته وخرج من المنزل وهو تائه ولأول مرة يشعر بهذا التيه إنه يحبها حقاً يحب جرائتها الغريبة عليه..خجلها الفطري..إرتعاشها..شعرها الأشقر..عيناها وآه من عيناها سهم متوهج من المشاعر المتناقضة….كيف حدث هذا !!
إنه أحمد المتحكم دائماً بمشاعره لا يفكر في أي فتاة ولا ينظر لها بأي طريقة أما معها هي فإخترقت حصونه أصبح يراها حتي لو لم تكن معه
أصبح يعشق تفاصيلها التي حفظها عن ظهر قلب ومع ذلك هي تمتلك الشجاعة أكثر منه لمواجهته وإيجاد الحجج للحديث أما هو يقف حائر لا يعرف كيف يتصرف لا ليس حائر إنما….جبان؟!!!
…………………………..
قامت بالإتصال علي هايدي بعدما تناولت فطورها وإرتدت أكثر ملابس تجعلها متواضعة بعض الشئ وتُزيل هامة الغرور التي تحيط بها فطرياً قميص قطني طويل باللون القرمزي وسروال واسع أسود حقيبة رياضية مع حذاء من نفس اللون أسود رافعة شعرها الأشقر لأعلي وتركت العنان لبعض الخصل الهاربة منه لتنساب علي عينيها الذهبيتين المختفيه بنظارة شمسية ….ردت عليها هايدي بصوت متعجل
هايدي:نازلة أهو والله إصبري
إبتسمت بإشراق وهي تقول
ريما:طيب متتأخريش مستنياكي..سلام
أغلقت الهاتف وهي تلقي نظره أخيرة علي مظهرها الذي إعتنت به كثيراً اليوم من أجله…هي في داخلها تعلم أنها إعتنت بنفسها من أجله فقط
إبتسمت بخجل وهي تتذكر صوته العميق الذي يطن في أذنيها منذُ الأمس أجفلها صوت هايدي النزق وهي تصعد السيارة بجانبها
هايدي:منا قلتلك روحي إنتي وإسبقيني ولا هو لازم تسربعيني يا مستفزة انتي ؟
إبتسمت وهي تدير المحرك لتنطلق بالسيارة إلي الجامعة بينما هايدي لكزتها في كتفها قائلة
هايدي:إنتي بتضحكي علي إيه حضرتك ها !!
إتسعت إبتسامتها وهي تقول
ريما:ياستي مبسوطة الله وبعدين أنا عديت عليكي إنهردة لأني عاوزة منك خدمة وليا مزاج أخرج معاكي ها ؟
إبتسمت هي الآخري بسعادة لهدوء صديقتها النفسي
هايدي:إنتي تؤمري ياستي بس مش أعرف سر الإنبساط ده إيه ؟
اخذت نفساً عميقاً ثُم
ريما:ما هو الإنبساط له علاقة بالخدمة الصراحة يعني
نظرت لها بتساؤل تحثها علي الإستكمال بينما إرتعشت يداها علي المحرك قائلة
ريما:إنتي عارفة إني بقالي أكتر من شهر غايبة عن الجامعة وفيه حاجات كتير أنا معرفهاش يعني وخصوصاً حاجات الحسابات وكدا (ثُم أكملت بتردد شديد وهي تصف السيارة داخل موقف السيارات) بصراحة كلمت أحمد إمبارح ولما عرفت إنه خريج تجارة طلبت منه مساعدتي
نظرت لها هايدي بغضب وهي تضرب باب السيارة بعنف ثُم
هايدي:إنتي أكيد إتجننتي ومتعلمتيش م اللي حصل قبل كدا صح؟
تراجعت للوراء وهي تتذكر ما حدث في الماضي مرة واحدة ثُم إبتلعت ريقها بصعوبة وهي تنظر لها بألم
ريما:أنا منسيتش اللي حصل قبل كدا يا هايدي وعمري ما هنساه بس أحمد مش كدا أبداً…دايما بيتخانق معايا علي تأخري برا ولبسي وكل حاجة غلط كانت في حياتي هو وانتي السبب في تغييرها….(ثُم أكملت والدموع تأبي مغادرة مقلتيها) وعلشان تعرفي إنه كويس طلب إنه يقابلني برا بشرط إنك تبقي موجودة
قبل أن تهم بالمغادرة أوقفتها هايدي من مرفقها وهي تقول برفق
هايدي:أنا أسفة بجد ياحبيبتي مكانش قصدي والله بس من خوفي عليكي خلاني قلت الكلام ده
فاجأتها بسؤالها وهي تقول
ريما:ولا خوفك من المستوي الإجتماعي اللي بيننا وإني أتعلق بيه ع الفاضي!! (ثُم أكملت بسخرية وهي تضع يديها ناحية قلبها )
إطمني أنا خلاص إتعلقت بيه أو بمعني أصح حبيته فعلاً
إحتضنتها هايدي بشدة وهي تتمتم بكلمات الإعتذار
هايدي:حبيبتي أنا بجد أسفة مش قصدي والله أبداً كل اللي بتقوليه ده وبعدين هو لو بيحبك يبقي مفيش حاجة هتفرق بينكم أبداً
ثُم أكملت مداعبة وجنتيها
هايدي:وأنا موافقة ياستي إني أجي معاكي طبعاً أهو ناخد درس إحنا الإتنين ونشوف الواد الأمور اللي وقعك ده
إبتسمت بخجل ثُم لكزتها بمرفقها بينما قلبها يهدر في صدرها بعنف شديد وتتسائل بخوف( هل يحبني حقاً…هل سيحارب من أجلي كما سأفعل أنا أم سيتركني عند أول إختبار!!)
…………………………………………..
لأول مرة منذُ أن إستلم وظيفته يأخذ راحة أو بمعني أصح يطلب إذن ساعتين نعم إنه يفعل هذا من أجل أن يراها تلميذته الحبيبة التي أحبها منذُ أن إخترقت حصونه بجرأتها الغير عادية إطلاقاً..أمسك هاتفه وهو يتصل بها والإبتسامة الجذلي تداعب شفتيه….آتاه صوتها الخجول المحبب
ريما:ألو
يالله كيف بكلمة واحدة من بين شفتيها أن تجعل قلبه يدق بعنف هكذا..أجلي حنجرته قليلاً وخرج صوته أجش
أحمد:ألو…إزيك يا ريما ؟
إبتلعت ريقها بصعوبة وهي تجحد هايدي الواقفة بجانبها بنظرات غاضبة تكاد تنفجر من الضحك علي مظهرها الخجول هذا
ريما:الحمد لله تمام..إنت أخبارك إيه؟
(أحببتكِ وإنتهي الأمر…هذه هي أخباري ) أجابها بهدوء يناقض مشاعره المتناقضة
أحمد:تمام الحمد لله…أنا خلصت شغل عندي شفت بالليل بس دلوقتي فاضي تحبي نتقابل ؟
أخذت نفساً عميقاً تحاول تهدئة قلبها المتلهف للقائه ثُم أجابت بتردد
ريما:ممكن طبعا…بس ممكن أسأل صاحبتي ؟
رد بإبتسامة
أحمد:طبعاً إتفضلي
أدرات وجهها لتلك الضاحكة أمامها ثُم بنظرات غاضبة وصوت خفيض
ريما:أحمد فاضي دلوقتي هنقابله ماشي !!
أومأت برأسها بإستسلام والإبتسامة مازالت تزين شفتيها
أعادت الهاتف لأذنها وهي تنفث لهباً من تلك الواقفة أمامها لذا جاءه صوتها غاضب بعض الشئ
ريما:خلاص هنيجي تحب نتقابل فين ؟
أجابها بتساؤل
أحمد:هو أنتي هتضربيني ولا حاجة ؟
تنبهت لصوتها الغاضب ثُم تنحنحت بحرج وهي تقول بوجه محمر
ريما:أنا أسفة جداً مش قصدي والله بس أصل…
قاطعها ضاحكاً بشدة
أحمد:خلاص خلاص أنا بهزر معاكي ها بقي ياستي قوليلي أقابلكم فين؟
إبتسمت بخجل وهي تجيبه
ريما:قولي إنت فين وإحنا هنعدي عليك بالعربية
رفض بهدوء
أحمد:لأ معلش قوليلي تحبو نتقابل فين وأنا أجي ؟
حاولت الإعتراض ولكنه رفض بحزم هذه المرة
أحمد:يلا بقي ياريما لو سمحتي قولي هتروحوا فين !!
أومأت برأسها في إستسلام وهي تجيبه
ريما:فيه كافيه في(………) عارفه ؟
أوقف سيارة آجرة وهو يقول لها
أحمد:أيوة عارفه وركبت تاكسي أهو روحوا بقي علي هناك
إستقلت السيارة وبجانبها هايدي ثُم
ريما :أوك ربع ساعة ونكون عندك….سلام
بعد وقت ليس بالقليل دلفت للمكان وجدته في إنتظارهم كان يرتدي قميص أبيض وبنطال قماش أسود وأرخي ربطة عنقه قليلاً…ثُم الهواء الذي يداعب خصلات شعره البينة بخجل….حبست أنفاسها من مظهره المدمر إحمرت وجنتاها لا إرادياً وهم يقتربون منه بينما هايدي لكزتها في ذراعها بقوة وهي تقول بصوت خفيض
هايدي:إنتي ياحجة إصحي وصلنا
نظرت لها مجفلة ثُم له وجدته يقف بإبتسامته شديدة الجاذبية وهو يقول
أحمد:حمد الله علي السلامة ده أنا إفتكرتك توهتي !!
إبتسمت بخجل بينما تمد يديها بالسلام قائلة
ريما:معلش بجد الطريق كان زحمة أوي…أقدملك هايدي صاحبتي وده أحمد ياهايدي اللي كلمتك عنه
رد أحمد وهو يشير لهم بالجلوس
أحمد:تشرفنا أنسة هايدي
ردت بإبتسامة
هايدي:الشرف ليه أستاذ أحمد…ريما مبطلتش كلام عنك..آآآآآآآآآآه
تلك الآه التي صدرت عنها نتيجة لضربها في قدمها بقوة
نظر لها متسائلاً بقلق
أحمد:إنتي كويسة !!
حاولت الإبتسام بصعوبة وهي تجحد ريما بنظرات متوعدة قائلة
هايدي:أيوة كويسة متقلقش خالص أنا تمام…بس متقوليش يا أنسة إسمي هايدي وبس
إبتسم هو الآخر ولكن نظره كان موجهاً ناحية تلك الخجول التي لم تنبت بحرف منذُ أن بدأوا الحديث
أحمد:خلاص ماشي إتفقنا يا هايدي….هاا بقي تشربوا إيه ولا تتغدوا الأول ؟
سبقتها هايدي بالإجابة قائلة بمرح
هايدي:بصراحة إحنا في محاضرات م الصبح وعاوزين نتغدي
نظرت لها بغضب بينما إحمر وجهها بشدة عندما وجدته يحدق بها بعمق
إرتبكت ولتتدارك نفسها خلعت نظارتها الشمسية قائلة
ريما:خلاص أنا هعزمكم تحبوا تتغدوا إيه ؟
كانت هايدي علي وشك الرد ولكن جائهم رده الغاضب نوعاً ما
أحمد:وأنا كيس جوافة حضرتك !!
نظرتا له بدهشة كبيرة لذا فركت يديها ببعضها بتوتر قائلة
ريما:مش قصدي كدا يعني إحنا متعودين إني بعزم صحابنا الولاد والبنات عادي
عصر قبضته حتي إبيضت سلامياته وهو ينظر لها بغضب ثُم توجه لهايدي بالحديث
أحمد:شوفي هتحبوا تاكلوا إيه يا هايدي علي ما أعمل تليفون وإستنوا لما أجي وأنا هطلب
ثُم قام من مكانه دون أن يوجه ناحيتها كلمة
نظرت لهايدي وجدتها تمسك قائمة الطعام مبتسمة…اخذتها منها بعنف وهي تسألها بتذمر طفولي
ريما:ممكن أعرف حضرتك بتضحكي علي إيه دلوقتي ؟!
نظرت لها بهدوء هذه المرة ثُم
هايدي:لأن كلامك عنه طلع صح ولأنه طلع راجل بجد (ثُم أكملت ونظرة حنان تشع من عينيها ) ومبسوطة أوي أنك بتحبيه لأنه يستاهل
نظرت لها مندهشة مما قالته للتو…نعم هو مختلف بكل المقاييس..ونعم أيضاً إنها تحبه بل تعشقه…
إنتبهت كل منهما لعودته ولكن وجهه كان مختلف هذه المرة هادئ وغامت عيناه بمشاعر غامضة ثُم وضع هاتفه علي الطاولة قائلاً
أحمد:معلش كنت بطمن علي ماما …..ها طلبتوا حاجة ؟
لم تستطع الرد واللون الأحمر بغزو وجنتيها لأفكارها بينما هايدي تتدارك الموقف بعدما نظرت مرة آخري للقائمة ثُم
هايدي:إحنا هناخد إتنين سكالوب بانيه وأي حاجة ساقعة
أومأ برأسه وهو يشير للنادل بل يتضاحك معه ثُم طلب له معهم…..بعد حوالي الساعة والنصف كانوا قد إتفقوا علي ميعاد يتقابلون به بشكل دوري ليساعدها علي مادة الرياضيات في قسمها الرياضيات والفيزياء
إستأذن منهم بعدما دفع الحساب قائلاً
أحمد:معلش مضطر أمشي دلوقتي علشان ألحق الشفت بتاعتي
أوقفته قائلة بغباء شديد
ريما:طيب إستني أوصلك علشان…..
لم تكمل جملتها إذ أن التي عيناه إلتمعت بغضب أسود أوقفتها وهو يقترب منها وأنفاسه غضبه الحارة تلفح وجهها
أحمد:هو أنا لازم أقولها بصراحة متعرفيش تفهميها لوحدك أنا مش هخليكي توصليني ومش هخليكي تعزميني لأني مش عيل سيس زي زمايلك في الجامعة إتفقنا!!!
لم ينتظر منها رداً أوقف سيارة أجرة وإنطلق بعيداً
لماذا كنتُ بهذا الغضب…لماذا تعمدت إهانتها…كل هذا فقط لمعرفتي بحبها لي !!!!
………………………………
خذني الي المستحيل
الي الضي البعيد
الي ملتقي لا اراه
كن قويا ..كن جريئا ..كن حاضرا في الغياب
فقط كن انت
……
اسرقني من غيابات ماضينا
اسرقني من سجن الانتظار
اسرقني من قيد الابتعاد
اسرقني الي منفاك ..الي وطنك
اليك
….
انا ابحث عنك في نفسي
وابحث عن نفسي في بحثي
واركض الي المستحيل بك
واركض من المحتوم اليك
..
انت معركتي الاخيره
وانا مقاتله لا اعرف الانسحاب
اسلحتي اليك تهدي
وجيشي يحارب لك
وانا لا اهوي الاستسلام
انا لا اهوي الاستسلام
فكن انت
كن جريئا
غامضا
حزينا
ولكن لا ترفع راياتك البيضاء
فماذا اكون انا بلا جيش بلا فرسان
فماذا اكون انا ان لم تكن أنت؟!
في صباح اليوم التالي إستيقظت تشعر بأن هناك شئ ما ناقص..قلبها يكاد يرتجف بين أضلعها ولا تعلم هل هو بفعل رؤيته ليلة أمس أم بفعل إشتياقها الدائم له….بكل بساطة تريد أن تراه بل تستميت للقائه ولكن كيف هذا وهناك الكثير من القيود التي تكبلهما معاً…ولكنها لن تستلم فهي لم تُخلق ضعيفة وحبها يحتاج لقوتها لمواجهة العالم بآسره
هناك شئ يجب عليها فعله أولاً…أدت فرضها كالعادة ثُم أخرجت الظرف الذي كان أعطاه لها من قبل ثُم بحثت عن شئ محدد فيه حتي وجدت ضالتها وهي تبتسم بإنتصار….خرجت من غرفتها سريعاً وهي تبحث عن الهاتف ثُم قامت بالبحث عن الرقم في الدليل ثُم
أسيل:السلام عليكم مستشفي (……..)؟
موظفة الإستقبال:أيوة يافندم أي خدمة !!
أسيل:لو سمحت كنت عاوزة أسأل عن مريض عندكم…إبنه بييجي يسأل عنه كل فترة ملوش غيره تقريباً
ردت عليها بنفاذ صبر (هيام)
هيام:أيوة يعني حضرتك المريض ده إسمه إيه أو مرضه إيه بالظبط؟
أمسكت الورقة مرة آخري علّها تجد ضالتها وبالفعل وجدت إسمه في نهاية الورقة..إتسعت عيناها بدهشة إسمه إبراهيم ألم يكن هذا إسم والد الشاهد الآخر إذن هو إسمه يوسف وليس آسر!!
أجفلها صوت الموظفة النزقة وهي تقول
هيام:يا أنسة لو سمحتي انا معنديش اليوم بطوله
إبتلعت ريقها وهي تقول بتردد
أسيل:المريض إسمه إبراهيم وإبنه إسمه يوسف .
سمعت صوت أوراق من سماعة الهاتف ثُم
هيام:أيوة يافندم الأستاذ إبراهيم موجود هنا هو عنده شلل رباعي حضرتك تقربيله؟
وجدت نفسها تقول دون تفكير
أسيل:أيوة أنا خطيبة إبنه…ممكن أعرف مواعيد الزيارة إمتي ؟
هيام:يوم الأحد والأربعاء من 3 إلي 5 مساءاً
شكرتها وأغلقت الهاتف وقلبها يهدر في صدرها بعنف إنه آسري أنا وليس يوسف لماذا لا تفهمون !!
أجفلت علي صوت مازن وهو يقول بنزق
مازن:أسيل بقالي ساعة بكلمك وإنتي ولا كأنك هنا !!
أخفت الورقه في جيب منامتها سريعاً وهي تجيبه بتوتر
أسيل:معلش…أصلي سرحت شوية
نظر لها بعمق ثُم سأل بتوجس
مازن:أمال إيه الورقة اللي خبتيها دي وكنتِ بتكلمي مين ؟
ضغطت علي جيبها وهي تنظر للأسفل تفكر في أي شئ ثُم أجابته بتردد
أسيل:دي ولا حاجة فيها رقم واحدة زميلتي أيام ما كنت بشتغل في الجريدة هي عندها…مدونة وكنت بسألها عملتها إزاي
هز رأسه في عدم إقتناع وهو يرتدي سترته قائلاً
مازن:أنا خارج دلوقتي رايح اشوف الشقة اللي قلتلكم عليها إمبارح وماما بتقولك هي راحت تزور واحدة صاحبتها وجاية علي طول هتعملي إيه؟
أجابته بملل وهي تعيد خصلاتها الكستنائية للوراء
أسيل:بفكر أخد اللاب وأطلع أقعد علي البحر شوية يمكن أكتب حاجة
رد عليها بقلق
مازن:بس أنا هخاف عليكي تخرجي لوحدك !!
كتفت ذراعيها في حركة دفاعية ثُم بتمرد طفولي
أسيل:أنا مش صغيرة يا مازن ومحدش هياكلني يعني وبعدين خلاص هاخد البودي جارد علشان أريحكم خالص
إبتسم وهو يمسك يديها مقبلاً قمة رأسها
مازن:حبيبتي أنا مش قصدي حاجة ده بس من خوفي عليكي متزعليش مني
شعرت بسخافتها لذا إبتسمت وهي تقبل وجنتيه
أسيل:عارفة ياحبيبي أنا اللي أسفة مكانش ينفع أكلمك كدا….يلا بقي يا أستاذ روح شوف مواعيدك بس إبقي كلم ماما إنت عرفها علشان إنت عارف هتتعصب وهترفض حتي لو أخدت البودي جارد
إبتسم إحتضنها بقوة قائلاً
مازن:ماشي ماشي صدريني أنا في وش المدفع ياهانم
إبتسمت بشقاوة وهي تؤكد قائلة
أسيل:أيون يلا بقي إتفضل إمشي
أشعث شعرها قليلاً ثُم تركها وخرج بينما هي إرتدت ملابسها المكونة من فستان بدون حمالات ملئ بالورود من منطقة الصدر بينما إنساب علي جسدها بلون كريمي وسترة قصيرة باللون الوردي ثُم إرتدت حجاب باللون الوردي والكريمي وحذاء صيفي ونظارتها الشمسية ثُم إنطلقت ولم تطرد الحارس الشخصي هذه المرة
وجدت مكان هادئ نوعاً ما علي شاطئ البحر جلست علي الرمال وضعت سماعات الهاتف في أذنيها وفتحت الحاسوب المحمول وبدأت تكتب
كان يراقب المنزل منذُ الأمس نام في السيارة ينتظر ماذا!!…لا يعلم حقاً ولكنه لم يستطع أن يغادر هكذا فقط أدي صلاة الفجر بالمسجد بجانب منزلها ولم يتحرك منذُ البارحة….غادر أخيها منذُ قليل وبعده بوقت ليس بالقليل رآها
رباه كم كانت جميلة بوجهها الخالي من مساحيق التجميل وفستانها المشرق كما كانت هي دائماً ولكنها تخفي عينيها التي يعشقها بنظارة شمسية….إنطلق بسيارته ورائها بينما توقفت سيارتها أمام شاطئ البحر الهادئ ترجلت منها ثُم جلست علي الشاطئ وهي تضع سماعات في أذنيها…إرتجف قلبه بين أضلعه بينما يترجل هو الآخر من سيارته عاقداً العزم وهو يتوجه ناحيتها يجب أن يتحدث معها..يشتاق لصوتها..يشتاق لعيناها..يشتاق لإحساسه وهي بين ذراعيه..أخذ نفساً عميقاً محاولاً السيطرة علي إرتعاشة قدميه وهو يتقدم منها…
لا تعلم لماذا أجفلت…شعرت بأنفاسه قبل أن يصل إليها…قلبها يخبرها أنه هو..نعم إنه هو…كان صدرها يعلو ويهبط بشدة دون أن تجرؤ علي رفع عينيها…..بعد لحظات قليلة رفعت عينيها إلي القامة الطويلة الواقفة بجانبها…إنه هو بشحمه ولحمه يقف أمامها بقميص رمادي اللون وسروال من الجينز تعلو عينيه تلك النظرة العاشقة التي يخصها بها
كلمة واحدة خرجت من بين شفتيها المرتجفتين
أسيل:آسر!!!
كان يتأمل تفاصيلها بتمهل شديد…صدرها الذي يعلو ويهبط…قلبها الذي يكاد يخرج من بين أضلعها ويسمع قرعه كالطبل…وجنتاها كحبة الفروالة الناضجة وشفتيها المرتجفتين بينما عيناها تبثه إشتياق لم تستطع إخفائه…كل تفصيلة صغيرة تأملها بدقة ونهم…كأنه يتشرب تلك الملامح التي خلبت لبه وأرقت لياليه
وضعت الحاسب المحمول علي الأرض بحركة متوترة ثُم وقفت أمامه تارة تفرك يديها المرتبكتين وتتلاعب بفستانها تارة آخري
للحظات تلاشي الكون من حولهم ولم يبقي سوي هدير الأمواج المتلاطمة تعزف لحن إشتياقهم وأنفاسهم المتلاحقة تردد هذا اللحن..وتلاقي أعينهم العاشقة تؤكد نغماته
إبتلع ريقه بصعوبة وهو يحاول تهدئة نبضات قلبه الثائرة عبثاً…قائلاً بصوت أجش
آسر:يوسف
لوهلة لم تفهم مقصده بل لم تستوعب إلا انه وضح بإبتسامة
آسر:إسمي يوسف مش آسر
عضت شفتيها السفلي ثُم تمتمت بصوت خفيض
أسيل:عرفت
نظر للبحر في تأمل ثُم قال بهدوء
آسر:ممكن أقعد !!
إزداد إحمرار وجنتيها بينما يخرج صوتها متحشرجاً
أسيل:إتفضل
تمدد علي الرمال بجانبها بأريحية ومازال يتأملها لذا تململت في وقفتها قليلاً ثُم جلست هي الأخري
نظر للبحر مُطولاً ثُم أعاد نظره لها يسألها بهدوء ظاهري لا يحاكي ما يعتمل في صدره من مشاعرة جياشة ورغبة شديدة في إحتضانها
آسر:عاملة إيه؟
كلمة واحدة كانت كفيلة بإندفاع الدموع لمقلتيها…تعالت أنفاسها ثُم إبتلعت ريقها بصعوبة قائلة بحزن
أسيل:إنت شايف إيه !!
تفاجئت من رده الهادئ ولكنه الحازم بنفس الوقت قائلاً
آسر:شايفك قوية تقدري تواجهي أي حاجة وأي حد..شايف عندك حلم ولازم تحققيه مهما كانت الصعوبات
أخذ نفساً عميقاً ثُم أكمل بصوت مبحوح
آسر:إنتي بقوتك دي قدرتي تدخلي جوايا..ترجعيلي روحي اللي تاهت مني..غيرتيني في كل حاجة…عرفتي بقي إنك قوية
قال الكلمة الآخيرة بصوت عميق جداً تغلغل بداخلها حتي ترسخ بقلبها..إرتجفت بشدة ثُم أحاطت نفسها بذراعيها في محاولة فاشلة لبثها القوة التي تريدها…إستعادت نفسها بعد قليل ونظرت له
أسيل:إنت الشاهد الجديد في القضية صح ؟
هذه المرة إتسعت إبتسامته ثُم رفع إحدي حاجبيه قائلاً بمرح غير معتاد منه
آسر:اللي أعرفه إنك صحفية شاطره أوي وفضولية جداً وأكيد عرفتي إنه أنا الشاهد ده
توتر فمها في حركة طفولية جداً ثُم عقدت حاجبيها ونظرت له بغضب
أسيل:أيوة صحفية شاطرة وفضولية…بس إنت إسمك مش يوسف إسمك آسر…آآآآآسر
وجدته يحدق بها وينظر بعيناها فقط ولم تتحرك شفتاه بكلمة واحدة…وضعت يديها علي وجنتاها علّها تخفف بعضاً من سخونتها ثُم أخفضت نظرها وهي تتلاعب بالرمال بكفيها الصغيرين…أجفلت من نبرته الهادئة والمعبقة بمشاعر منتفضة بدائية جداً بالنسبة له
آسر:وحشتيني
هل تستطيع وصف ما تشعر به الآن…قلبها سقط بين أضلعها..صدرها يعلو ويهبط بشدة…بينما إرتجفت قدميها وإرتعشت يداها..عضت شفتيها السفلي بخجل حتي كادت تدميها ولم يكن هذا يُمثل ذرة مما تشعر به..إنها تشعر بأن العالم بأسره إختفي ولم يبقي سوي نبرة صوته الحميمة وكلمته التي لن تنساها أبداً…لم تستطع رفع عينيها عن الآرض بينما شعرت بملمس يديه الخشنة فوق كفيها الصغيرين رفعت عينيها إليه بوله وتتعالي نبضات قلبها بشدة كقرع الطبول في الزفاف…وجدته ينظر لها نظرة عشق خالصة وعيناه غائمة بمشاعرة جياشة لم يستطع السيطرة عليها أكثر من ذلك ثُم وبصوت مبحوح
آسر:كان نفسي أوي أقابلك من زمان..يمكن مكانش كل ده حصلي..دلوقتي برائتك هي اللي بتحميني..عنيكي هي اللي بتحرسني..متمسك بدعاكي ليا
ثُم وضع يديها علي قلبه وإبتلع ريقه قائلاً
آسر:قلبي ده كان إسود..مضلم ومشافش النور غير بحبك ليه…غير لما أخدتيه من ضلمة ذنوبه لبراءة عيونك..أوعدك إني مش هتخلي عنك ومهما بعدنا إنتي في قلبي وخيالي..إنتي أصلاً في كل حتة فيا…مش محتاج وعدك لأني عارفك وعارف إن قلبك ملكي أنا وبس
كانت تشعر بنبضاته من تحت قميصه الخفيف حتي كاد قلبه أن يخرج من بين أضلعه…مبهورة بكمية المشاعر التي ألقاها في وجهها للتو
إرتجفت يداها بشدة علي قلبه ولكنه لم يكن ليفلتها أبداً…نظرت له بتشوش وخجل شديد ثُم إستعادت شجاعتها بعدما إبتلعت ريقها بصعوبه
أسيل:أنا إخترتك إنت…معرفش إزاي وليه..بس قلبي مدقش لحد قبلك ولا بعدك…مش عاوزة أعرف إيه اللي حصلك قبل كدا كل اللي عاوزاه منك إنك تأكدلي إن مفيش قتل تاني ولا حاجات من دي تاني
إبتسم ومازال كفيها علي قلبه…تلاعبت يديه بظاهر كفيها وهو يقول بصوت أجش
آسر:مش هيكون فيه قتل تاني ولا تجارة مخدرات ولا أي حاجة من دي….إنما اللي حصلي قبل كدا
سكت قليلاً بينما لاحظت توتر نبرة صوته وهو يقول
آسر:هتعرفيه بس مش دلوقتي…لما ربنا يكتبلنا نتقابل تاني…لما أكون جدير بيكي وبحبك..إنما دلوقتي……
قاطعته وهي تضع كفها الرقيق علي فمه بينما الدموع تنهمر من مقلتيها
أسيل:إن شاء الله هنتقابل تاني وإنت جدير بيا دلوقتي مش بعد كدا
قبّل باطن يديها ثُم مسح دموعها برقة بالغة قائلاً
آسر:أرجوكِ متعيطيش أنا عاوزك دايماً متفائلة ومبتسمة…أنا بس محتاج فترة أرجع فيها لنفسي وأنظم حياتي بس عمري ما هبعد عنك إنتي دايما قدام عنيا وهكون عارف بتعملي إيه طول الوقت…بس أرجوكِ سيبيني ألاقي نفسي الأول علشان أقدر أكون كلي ليكي من غير ماضي مشوه وحاضر أسود…كل اللي عاوزه منك إنك تفضلي قوية زي ما عرفتك ومتخافيش من أي حد وتدعيلي لأنك كل ما هتدعيلي كل ما هيقصر وقت بعدي عنك ودعاكي هيوصلني في كل اللي بيحصلي
أومأت بالإيجاب والدموع حبيسة مقلتيها ثُم إلتمعت عيناها كأنها تذكرت شيئاً سحبت يديها من كفه برفق…راقبها وهي تخلع سلسلة رقيقة كُتب عليها (لا إله إلا الله) ثُم وضعتها بين يديه قائلة بعزم
أسيل:السلسلة دي جدتي إديتهاني وأنا صغيرة قالتلي علشان ربنا يحفظني في كل خطوة ليا ويحميني وطلبت مني مقلعهاش أبداً إوعدني إنك متقلعاش أبداً من رقبتك مهما طال بعدنا علشان وقت ما نتقابل تلبسهاني تاني
إرتدي السلسلة ثُم قبّل باطن وظاهر يديها دون أن يُفلتها…إحتضن كفيها قائلاً
آسر:أوعدك إني مش هقلعها أبداً مهما طال بُعدنا…وإنتي إوعديني إنك تاخدي بالك من نفسك وتبدأي تحققي حلمك يا أجمل وأرق صحفية
إبتسمت بخجل وإغرورقت مقلتيها بالدموع بينما إرتعشت يداها بين كفيه ولكنه لم يفلتها بل شدد عليها ثُم رفع وجهها ليتشرب ملامحها للمرة الآخيرة قائلاً
آسر:علشان خاطري بلاش تعيطي مش عاوز أشوف دموعك..قوتي بتكمن في إبتسامتك وتفاؤلك ولو عيطتي في يوم إعرفي إنك كدا بتضعفيني
إبتسمت من بين دموعها وهي تقول بشجاعة زائفة
أسيل:خلاص أهو مش هعيط أوعدك إن شاء الله مش بس متتأخرش عليا ممكن ؟
كانت عيناها حمروان وأنفها منتفخ وشفتيها منفرجتين قليلاً بينما صوتها أشبه بطفلة صغيرة تستجدي والدها البقاء…رباه كيف تجمع بين الأنوثة والطفولة بهذه الطريقة…أخذ نفساً عميقاً ثُم أغمض عينيه محاولاً السيطرة علي نفسه قدر الإمكان حتي لا يقوم بما لا يُحمد عُقباه
قال بصوت أجش
آسر:أوعدك ياحبيبتي إن شاء الله مش هتأخر عليكي
قبّل يداها مرة آخري بينما هي تسحبها بخجل وتنظر حولها بوجنتين محمرتين قائلة
أسيل:يوسف بطل
ضحك من قلبه لأول مرة منذُ زمن…مستمتع بشدة بخجلها الذي يطغي عليها ثُم حررها من آسر يديه وهو يقف هامساً في أذنيها
آسر:متنسيش إني بحبك…باي باي ياحبيبتي
لم تستوعب ما قاله للحظات بينما قلبها يهدر بين أضلعها بعنف وصدرها يعلو ويهبط ووجنتاها يعلوها إحمرار الخجل وعندما رفعت رأسها وجدته قد رحل بكل بساطة لم ينتظر ردها لأنه يعرفه جيداً دون الحاجة للحديث ولكن في يوم من الأيام ستخبره بها قولاً وفعلاً
………………………………
بعد مرور شهران واليوم بالتحديد موعد محاكمة طارق الحداد…البلد علي قدم وساق…جلبة خارج المحكمة وداخلها…الكثير من الصحفيين تقف أمام المحكمة وحول أسوارها…..تبحث الصحافة هنا وهناك عن هذا الشاهد الوحيد الذي قدم إفادته منذُُ شهران بالتحديد ولم يظهر بعدها أبداً حاولوا دون جدوي الحصول له علي مكان سكن أو عمل ولم يجدوا واليوم فقط سيظهر….الساعة التاسعة والنصف تبدأ المحاكمة بحضور محامين الإدعاء ومحامين المدعي عليه…بحضور الشاهد والأوراق التي تُثبت تورط طارق في صفقات مشبوهة (أسلحة-مخدرات-قتل) كل شئ بل وظهور شهود جدد كان طارق قد أذاهم من قبل ولم يجرؤ أي منهم علي قول شئ ولكنه وجدهم بل تكفل بحمايتهم إلي هذا اليوم الموعود….تحضر المحاكمة وهي وأخيها وعيناها لم تفارق عيناه لحظة حيثُ أنهم لم يتقابلوا منذُ أن رأها عند الشاطئ حتي اليوم..حتي أنه لم يعد يأتي عند نافذتها فتراه….طارق ينظر له من داخل القفص بتوعد وغضب شرس بينما هو تعلو ثغره تلك الإبتسامة الساخرة….بعد حوالي الساعتين والنصف من مجادلات ومرافعات وسماع الشهود إنتهت المحاكمة والصحافيين ملتفون حوله بشدة ولكن للحظة من الزمن توقف الكون من حوله بينما رصاصة خائنة تنطلق نحوه وعيناه لا تفارقها والدموع تنهمر من مقلتيها بصرخة خرجت من بين شفتيها وهو يسقط علي الأرض!!
الجزء الأول من الفصل الثالث والعشرون
سارق قلبي
……………
يا من سرقت قلبي..أخبرني ماذا أفعل إذا رحلت عني!!
هل يعيش الجسد إذا رحلت عنه دقات قلبه!!
هل تتنفس الرئتان بعدما يرحل عنها قلبها!!
أنت من سرقتني فأعد لي قلبي قبلما ترحل
لا ترحل هكذا وتتركني دون روحي تائهة أتخبط في غياهب الظلام
أقسم إن تركتني لن أسامحك أبداً ما حييت هذا إذا حييت
أعد لي حياتي..روحي..قلبي الذي سلبته نبضاته بعدها إرحل كما شئت
يكفي ما عانيناه حتي الأن..ألا تحب أن تراني معك..أبتسم لك..كن معي ولا تتركني بالله عليك يا قاسي القلب
………………………….
عادت للمنزل قمة في السعادة لأنها رأته..تحدثت معه بينما قلبها يرتجف خوفاً عليه من القادم…وجدت والدتها تنتظرها في الردهة..تقدمت منها في إبتسامة هادئة
أسيل:إزيك يا ست الكل..عاملة إيه؟
نظرت لها بلوم قائلة
سميحة:كدا بردوا تنزلي من غير ما تقوليلي وتصدريلي مازن؟؟
قبّلت يديها في مشاكسة قائلة
أسيل:خلاص بقي يا سوسو حقك عليا…أنا يدوب نزلت قعدت ع البحر شوية مش أكتر وكمان كان معايا البودي جارد والله
ربتت علي يديها برفق بإبتسامة قائلة
سميحة:طيب ياحبيبتي المهم إرتحتي وإتبسطي ؟
إلتمعت عيناها الذهبيتان بشدة
أسيل:أيوة البحر حلو أوي يا ماما وإرتحت جداً جداً…بصي بقي هطلع أغير هدومي وأنزلك نشوف هتعملي أكل إيه لبابا ومازن
إبتسمت سميحة بسعادة وهي تراها تعود لطبيعتها ثُم قبلتها من وجنتيها قائلة
سميحة:ماشي ياحبيبتي روحي وأنا مستنياكي أهو
صعدت لغرفتها خلعت حجابها وألقته بإهمال علي الفراش ثُم أتبعته بالسترة ورمت بنفسها فوقهم علي ظهرها تاركة لشعرها العنان وهي تتلاعب في بعض خصلاته الذهبية ثُم إحتضنت كفها التي كانت بين يديه تستنشق عطره الذي تعلق بها..تنعم برائحته التي ستبقي بأنفها إلي أن تلقاه مرة آخري ولكن هل حقاً ستراه!!
…………………………..
كان يتفحص المنزل الذي أخبره صديقه عنه….يتكون من غرفتان واسعتان…ردهة شاسعة…مطبخ ودورة مياه ملائمان لتكون عيادة كبداية لعمله نظر لصديقه في رضا
مازن:حلوة أوي يا محمود أنا هاخدها بس لازم أعرف سعرها كام الأول
رد عليه بمرح
محمود:ياسيدي ما يكون سعرها زي ما يكون مش باباك اللي هيدفع
رد مازن في ضيق ورفض قاطع
مازن:لأ أنا اللي هدفع من فلوسي الشخصية من يوم ما سافرت وأنا مش باخد من بابا فلوس
إبتسم قائلاً
محمود:والله دي حاجة كويسة يا مازن إنك تعتمد علي نفسك من البداية فيه شباب كتير بيضيعوا بسبب صرف أهاليهم عليهم…(ثُم أطرق رأسه قائلاً) عموماً الراجل صاحب الشقة عارفني بحكم إننا جيران من زمان ومتقلقش هحاول أجبلك أحسن سعر بس قولي إنت الأول ميتك إيه ؟
كان علي وشك الرد ولكن قاطعه صوت الهاتف إستأذن من محمود ثُم إبتعد قليلاً وهو يرد
مازن:أيوة ها….وإنت إزاي تسيبه يقرب منها….تعالالي علي (………) متتأخرش عاوز أعرف كل حاجة حصلت بالتفصيل سلام
أغلق الهاتف في ضيق ثُم ذهب ليكمل حديثه مع صديقه قائلاً
مازن:معلش يامحمود كانت مكالمة مهمة…..المهم يعني أنا آخري تلاته ونص
رد بعد تفكير
محمود:خلاص تمام هحاول أقربها من السعر وأكلمك بكرا ماشي؟
أجابه في إعتراض
مازن:لا يا محمود أنا عاوز الرد إنهردة بالليل علشان لو وافق نكتب العقد وأخلص إتفقنا
أومأ بالإيجاب وهم يخرجون من المنزل قائلاً
محمود:خلاص ماشي إتفقنا
في تلك الأثناء أتي الحارس الشخصي الذي يخص أسيل بينما مازن كانت ينتظره بنزق إستقل السيارة وجلس الرجل بجانبه يحكي له ما حدث بالتفصيل منذُ أن خرجت حتي عادت ما كان ليوافق علي خروجها إلا إذا كان يعرف كل خطواتها فهي أصبحت غامضة في الأونة الآخيرة وهو خائف عليها بشدة ولكنه لا يشك أبداً بها…..ولكن ما سمعه الأن جعله ينفث غضباً وهو ينظر لهذا الحارس الغبي قائلاً
مازن:هو أنا مواديك معاها إيه كيس جوافة يابني…لما الجدع ده قرب منها وكلمها موقفتوش ليه..إنت أصلاً إزاي تسيبه يكلمها يابني أدم؟
كان مازن غاضباً بشدة بينما الرجل يفرك يديه بتوتر ويتصبب عرقاً من غضب سيده ثُم قال بصوت متلجلج
الحارس:والله ياباشا أنا قلت هيسأل علي حاجة…. وكنت مستعد لأي تصرف لكن لما لقيت الأنسه أسيل بتمسك إيده…وتكلمه عادي قلت أكيد عارفاه ومبانش في عنيها أي خوف حضرتك وهو معملش حاجة تستدعي.
إزداد غضبه وإشتعلت أعصابه عند كلمة (مسكت إيده وتكلمه عادي) كيف هذا أسيل شقيقتي طفلتي تتحدث بتلك الحميمية مع شخص آخر غيري…أخرجه الحارس من غضبه قائلاً وهو يبتلع ريقه بتوتر
الحارس:حضرتك فيه حاجة تانية حصلت !!
رد عليه بنزق دون أن ينظر له
مازن:إيه هي يازفت ؟
إبتلع ريقه مرة آخري حتي كاد أن يبتلع لسانه معه من كثرة توتره
الحارس:الأنسة أسيل خلعت سلسلة مكتوب عليها لا إله إلا الله وإدتهاله ولبسها بس الحقيقة أنا مسمعتش إيه اللي…..
لم يكمل جملته بينما يري مازن يخبط عجلة القيادة بعنف..إزداد غضبه حتي كان أن ينفث لهباً من عيناه وأذناه ثُم أوقف السيارة علي جانب الطريق وبكلمة واحدة مقتضبة
مازن:إنزل
خرج الرجل من السيارة بينما مازن ينطلق بها غير مبالي بشئ آخر سوي هذا الرجل الذي تأمنه أسيل علي كل شئ….تعطيه عقد جدته الذي أمنتها عليه قبل الممات!!!! رباه من هو !! يكاد عقله ينفجر من كثرة التفكير
ظلّ يدور ويدور لا يعلم إلي أين يذهب ولكنه لن يجازف بالذهاب للمنزل الأن من الممكن أن يحطم رأسها المتهور هذا… يجب أن يهدأ أولاً…..أوقف السيارة بجانب الشاطئ ولكن لم يترجل منها بل أغمض عينيه وأسند رأسه إلي عجلة القيادة لا يريد مجرد التفكير في هذا الشخص فقط يحتاج أن يهدأ…وبالفعل بعد وقت ليس بالقليل قرر أن يعود للمنزل ويتحدث معها بهدوء علّها تصارحه بشئ مما يحدث علّها تكون صادقة معه كما كانت من قبل….وجد والدته تنظر له في قلق قائلة بخوف
سميحة:كنت فين يا مازن قلقتنا عليك أنا بتصل بيك من الصبح تليفونك مقفول ؟؟
كان ينظر ورائها كأنه يبحث عن شئ ولكنه لم يجد سوي والده الذي قام بقلق يقف خلف والدته ينتظر إجابته إبتلع ريقه وهو يخرج هاتفه ليجد أن بطاريته قد إنتهت ولم ينتبه لهذا بالطبع
مازن:أنا أسف جداً يا ماما تليفوني فصل شحن ومأخدتش بالي..متقلقوش أنا إتمشيت شوية بس بالعربية
رد ياسر هذه المرة قائلاً بعتب
ياسر:إبقي خد بالك المرة الجاية يادكتور مش ناقصين قلق..ها عملت إيه في موضوع الشقة ؟
جلس علي الكرسي في محاولة منه ليكون طبيعي قدر الإمكان علّه يصعد إليها في النهاية دون إثارة شك والديهما ثُم رد في هدوء شديد
مازن:هنشوف يا بابا هي عجبتني بس لسه هشوف سعرها محمود هيكلمني إنهردة
جلس علي الأريكة قائلاً في حنان
ياسر:يعني بردوا مش عاوزني أساعدك؟
إبتسم قائلاً
مازن:يابابا ياحبيبي أنا خلاص إتعودت أعتمد علي نفسي وأكيد لو إحتجت حاجة هقول لحضرتك..هي أسيل فين صحيح مش شايفها يعني؟
إبتسمت سميحة قائلة
سميحة:ما صدقت إن ياسر وافق علي كتابة المقالات إتغدت وقالت هتتطلع تكتب شوية
رد بدبلوماسية وهو يقف
مازن:طيب أنا هروح أشوفها عن إذنكم
كان يحاول إخفاء مشاعره قدر الإمكان…لا يريد أن يغضب الأن بل يجب ألا يغضب فهي مازالت في مرحلة النسيان لكل ما حدث ويجب أن يكون هادئاً حتي يساعدها علي هذا…طرق باب الغرفة حتي سمع صوتها الرقيق
يأذن له بالدخول..دلف للغرفة وجدها تتربع علي الفراش واضعة الحاسب المحمول علي قدميها…رفعت شعرها لأعلي بمشبك صغير كما تفعل كل ليلة وترتدي نظارة طبية زادتها أنوثة ثُم نظرت له بينما لاحظ إلتماعاً شديداً بعيناها ولكنه للمرة الثانية يضغط علي أعصابه ضغطاً حتي لا تنفجر…بينما هي قامت له تحتضنه بحنان قائلة
أسيل:إنت لسه جاي ولا إيه؟
جلس بجانبها علي الفراش قائلاً بإبتسامة يخفي بها الكثير
مازن:مانتي اللي مسألتيش عني طول اليوم شكلك ناسياني إنهردة
لاحظ توترها بينما ترد بإبتسامة خجلي
أسيل:أنا قلت أبطل أشغلك طول الوقت زي زمان…وقلت لما تيجي أطمن عليك
سألها فجأة بينما يزيد التدقيق بها قائلاً
مازن:أمال سلسلتك فين؟؟
لاحظ إرتعاشها..وضعت يداها تلقائياً علي عنقها بينما تطرق رأسها أرضاً وهي تفكر بأي رد ثُم إبتلعت ريقها وقالت دون أن تنظر له
أسيل:أصل…أصلي قلعتها وأنا بستحمي ونسيت ألبسها
رفع ذقنها برفق وهو يقول بحزم
مازن:عمرك ما كدبتي عليا…ليه بتكدبي دلوقتي؟؟…أنا عارف إنك إديتها لحد بس مين معرفش وكنت مستني تيجي تصارحيني
إزدادت وجنتيها إحمراراً بينما إتسعت عيناها دهشة مما قاله للتو فقامت من جانبه وهي تفرك كفيها ببعض بتوتر ملحوظ! بينما صوته الغاضب لكن الهامس يأتيها
مازن:إنطقي ردي عليا…إزاي تدي لحد سلسلتك اللي تيته أمنتك عليها قبل ما تموت وعمرك ما قلعتيها ده انتي عمرك ما إديتهاني
أدارها إليه ثُم أكمل بحزم وهو ينظر بعيناها مباشرة ولأول مرة لا تؤثر به دموعها الحبيسة
مازن:وإياكي تكدبي فاهمة إيااااااااكي
إبتلعت ريقها بصعوبة ثُم إرتشفت القليل من الماء وهي تجلي حنجرتها…حبست دموعها بشجاعة ثُم بدأت بالحديث وأغفلت بعض التفاصيل الغير مهمة إطلاقاً من وجهة نظرها…بينما هو يستمع إليها ويعتصر قبضتيه حتي إبيضت سلامياته…كان يتصنع الهدوء بشدة واخرج قلبه خارج المعادلة ثُم إستمع بعقله فقط
مازن:يعني هو بيحبك؟؟
لم تستطع أن ترفع رأسها في عينيه بينما وجهها يغزوه الإحمرار الشديد كالثمرة الناضجة ولكنه بالكاد سمع همسها وهي تقول
أسيل:أنا خرجته من الضلمة للنور…وصدقني معرفش إزاي ده حصل بس لقيتني إرتبطت بيه..سامحني إني مقلتلكش كل حاجة من زمان بس كنت خايفة والله العظيم هو رفض إنه يكون معايا دلوقتي لحد ما يلاقي نفسه تاني
كان حديثها يضغط علي وتره الحساس هو نفسه لا يعلم متي أحب وكيف عشق فقط يأتي دون ميعاد ….إنه الحب يا سادة…إبتلع ريقه وهو يتلمس كفيها متسائلاً بصوت مبحوح
مازن:طيب وإديتيه السلسلة ليه؟
لوهلة لم ترد بينما يزداد إرتعاش يديها تحت كفه ودمعة ساخنة حائرة تلمسته ثُم قالت بصوت خفيض
أسيل:حسيت إنه محتاجها أكتر مني أنا حواليا أهلي وصحابي وكل الناس هو مش معاه حد حتي باباه مريض ومش بيقدر يروحله لنفس السبب اللي رافض يكون معايا بسببه
ثُم رفعت رأسها تنظر له بشجاعة زائفة
أسيل:مازن الإنسان ده دافع عني بحياته إتغير علشاني وعرف ربنا بسببي لو سيبته أو إتخليت عنه هيرجع للي هو فيه أو ممكن يخسر حياته أرجووووك ساعدني إني أكون معاه وأنا أوعدك مش هخبي عليك حاجة تاني بس والله العظيم مكنتش أعرف إني هشوفه إنهردة دي كانت مجرد صدفة مش أكتر
إحتضنها بينما يبتسم بتفهم وحنان شديد لم يكن ليمتلك هذا التفهم إذا لم يكن يحبها هي من جعلته متفهم لهذه الدرجة…قبّل قمة رأسها قائلاً
مازن:أسيل إنتي عارفة كم الصعوبات اللي هتواجهك ولا مش واخدة بالك منها؟؟
نظر له بتساؤل من بين دموعها بينما مسحها بإبهامه
مازن:إحنا في مجتمع مش متفهم للدرجادي وكمان بابا وماما مستحيل يوافقوا لو عرفوا كل الحقايق دي مستحيييييل بمعني مستحيييييل وأنا لولا إني حاسس بيكي وإننا إصحاب مكناش زمان ده بقي رد فعلي فاهماني ؟
حاولت أن تستوعب حديثه قليلاً بينما تتجمع كل الخيوط في رأسها حتي إتسعت عيناها قائلة
أسيل:يااااااه ده الطريق صعب أوي يا مازن
إبتسم وهو يومئ برأسه دليل علي الإيجاب بينما هي تستعيد شجاعتها وتقول له بحزم
أسيل:بس أنا عارفة إنه مش هيتخلي عني ولا أنا هتخلي عنه أبداً بس أرجوك إوعدني إنك تقف جنبي وتساعدني
نظر لها بحنان شديد ثُم أمسك كفيها يقبلهما
مازن:حاضر أوعدك مش هتخلي عنك بس إصبري لحد ما الأمور تهدي ونعرف نهاية طارق ده إيه…المحامي كلمني وقالي إن معاد المحاكمة بعد شهرين
تنهدت بحزن
اسيل:ربنا يستر ويخلصنا منه علي خير…حاضر أنا هصبر لأني عارفة إنك جنبي زي ما كنت طول عمرك
إحتضنها بشدة وهو يربت علي شعرها ثُم قال بجدية
مازن:إحنا أهم حاجة دلوقتي زي ماطلب منك نروح نطمن علي باباها إن شاء الله تمام؟
إتسعت إبتسامتها وهي تحمد الله علي وجود مازن بجانبها ثُم قبلته من وجنتيه وهي تومئ برأسها…بينما هو يقول بمرح
مازن: يلا بقي هش علشان أشوف موضوع الشقة بتااعتي
ضربته علي كتفه بغضب طفولي وهي تقول
أسيل:هش إنت دي أوضتي…بس قبل ما تهش قولي شوفت الشقة ؟
ضحك ملئ شدقيه حتي ظهرت غمازتيه ثُم
مازن:شوفتها ياستي بس لسه صاحبي هيكلمني متفقناش ع السعر…هروح بقي أغير هدومي وأتغدي
قبّلها مرة آخري بحنان ثُم خرج تركها حائرة وخائفة بشدة من القادم…المواجهة لن تكون سهلة أبداً مع والدها أو والدتها كيف ستواجه كل هذا…بل كيف ستخبرهم عنه…هل ستقول لهم إني أحب خاطفي !!!!
…………………………………………
دخلت للمنزل لم تتحدث مع أحد فقط ألقت التحية علي والدتها التي كانت متحمسة للغاية لأنها ستقيم مركز للتجميل بينما هي لم تكن معها من الأساس إستأذنت منها متحججة بالإرهاق ولكنها في الحقيقة كانت تحتاج أن تبكي…نعم تبكي لماذا يعاملها بهذه الطريقة..كان من الممكن أن يتفهم أنها لا تعلم…يُعلمها بطريقة هادئة وليس بهذه العصبية الشديدة
كانت تبكي حتي إنتفخت عينيها ثُم غطّت في نوم عميق ولم تستيقظ منه إلا علي رنين الهاتف المزعج الذي أبي أن يتركها تنام
…………….
عاد للمنزل بعد يوم مرهق جسدياً ونفسياً إطمأن علي والدته كالعادة وجدها تغط في نوم عميق إكتشف أنه تأخر الليلة كثيراً بسبب مقابلتها هي من جعلته يفقد كل ذرة سيطرة لديه…خلع ملابسه ثُم وقف تحت المياه البارده علّها تبرد شيئاً من مشاعره المنتفضة داخله…لم ينسي بعد دموعها التي ودعته وهو يرحل دون القدرة علي الحديث بينما هايدي تعتذر له وتودعه علي وعد باللقاء غداً في نفس الموعد..خبط بقبضته علي الحائط حتي كاد يدميها…أخذ نفساً عميقاً جداً حتي يهدأ قليلاً….أنهي حمامه وإرتدي ملابسه ثُم إستلقي علي ظهره وتعبث أنامله بشاشة هاتفه وقلبه يوبخه ويأمره أن يحدثها الأن ويجب أن يكون صريح ولا يجرحها
حتي عقله يؤنبه ما بال روحي ذهبت بعيداً عني وأيدتكِ أنتِ سواي!!
ضغط علي رقم هاتف حتي أتاه صوتها الخجول المتحشرج
ريما:ألو…
لم تستطع أن تقول كلمة آخري بينما قلبها يهدر بين أضلعها بعنف مضاعف خائفة من أن تتلقي منه توبيخه آخر…فيأتيها صوته الهادئ المبحوح الذي يتغلغل في أعماقها ويبعث بداخلها الطمأنينة قائلاً
أحمد: أنا أسف
تساقطت دموعها ولم تعرف السبب حقاً هل هو إعتذاره أم عشقها الذي لا يجعلها تغضب منه مهما حدث!!
نشيجها الخافض جعل قلبه يسقط بين أضلعه ويتألم بشدة لذا قال بقلق
أحمد:علشان خاطري متعيطيش أنا أسف بجد…بصي بطلي عياط علشان مش هينفع نتكلم وإنتي بتعيطي(ثُم أكمل بمرح) أنا هعيط جنبك وميرضكيش إني أعيط صح؟
ضحكة خافتة وصلته من بين دموعها…مما جعله يتنفس الصعداء وهو يسترخي قليلاً ثُم
أحمد:بجد أسف بس إنتي إستفزتيني كل شوية هوصلك..هاجي أخدك يعني ياريما أنا مش كدا مش قصدي إنك وحشة والله بس دي مش شخصيتي فاهماني؟
أخذت نفس عميق وهي تحاول تهدئة قلبها المرتجف ثُم قالت بصوت حاولت أن يكون هادئ
ريما:وانا عارفة إنك مش كدا بس أما أكون متعودة علي حاجة زي دي بيكون غصب عني والله…( ثُم أكملت بخجل شديد)..ممكن تعلمني كل حاجة عن حياتك وشخصيتك بكدا أعتقد مش هيبقي فيه بيننا مشكلة فهم
هل قالتها حقاً…جرأة جذابة وخجل لذيذ ماذا أفعل أمامها…لقد خضعت لحبك مولاتي ولا يوجد مفر…خفق قلبه بشدة بينما إبتسم بجذل قائلاً
أحمد:بس كدا ؟؟ إنتي تؤمري ياستي بس أول حاجة يعني ودي ياريت تعمليها وبكرا نكمل ممكن؟
إبتسمت بينما يزداد إحمرار وجنتيها
ريما:إيه هي الحاجة دي؟؟
عقد حاجبيه ثُم بلهجة آمرة
أحمد:صحابك الولاد الكتير في الجامعة بلاش منهم مش حاجة حلوة يعني وكمان بطلي بعزقة فلوس ياختي
ضحكت بشدة والإحمرار يغزو وجهها كله وليس وجنتيها فقط ثُم عضت علي شفتها السفلي بخجل وهي تهمس بكلمة واحدة
ريما:حاضر
إخترقت ضحكتها أضلاعه…إرتجف قلبه وهو يبتسم لبرائتها الشديدة المزينة بجرأة غير عادية…تمطي بكسل ثُم بصوت هادئ
أحمد:يلا بقي ياهانم قومي نامي أو ذاكري وسيبيني أنام أنا جعااااااان نوم
لامست وجنتيها الساخنة وهي تبتسم بخجل قائلة
ريما:أنا لسه صاحية علي تليفونك…وأسفة بجد إني سهرتك..هقوم أذاكر أهو
إذا كان سهري يقتضي أن أسمع صوتك قبل نومي..ٍسأسهر كل يوم لأسمع هذا الصوت الجميل…تنهد قائلاً
أحمد:أنا اللي مكنش ينفع أنام وأنا مزعلك عموماً نتقابل بكرا عاوزة حاجة؟؟
إزداد خفقان قلبها بشدة وأصبح وجهها كثمرة الفراولة كاملة النضوج همست
ريما:ميرسي….تصبح علي خير
أحبكِ وأحبكِ وأذوب في حبكِ…أجلي حنجرته ثُم
أحمد:وإنتي من أهل الخير
أغلق الهاتف ومازال صوتها الجميل يطن في أذنيه أغلق عينيه والإبتسامة تزين شفتيه
……………………………………..
بعدما علم بموعد المحاكمة كان يذهب كل يوم لمقابلة الشيخ محمد يتحدث معه عن الله كان يسمع هذا الكلام كأنه لأول مرة يعرفه..كان يتعرف عليه بقلبه..يشعر به في كل أية من آيات القرآن يحدثه هو دون غيره قال له محمد مرة
محمد:لما حد فينا بيحب أوي يسمع ربنا ويحس إنه بيكلمه دايماً بيقرا قرآن لأن كلمة ربنا بيوجهها لينا ولما إحنا بنوحشه وبيبقي سبحانه عاوز يسمعنا بيبتلينا علشان نلجأله ويسمع دعانا…ربنا بيقول في كتابه الكريم
(إدعوني أستجب لكم) صدق الله العظيم
كان في كل مرة يستمع فيها إلا كلام هذا الرجل يشعر بالأمان أكثر وأكثر ويعود لهذا الفندق فيقرأ ما تيسر حتي يسمع كلام الله ويدعو الله حتي يستمع له يستجيب دعائه…حاول أن يقلل من شرب السجائر ولكن لم يكن أنهاها نهائياَ.
كان يحاول أن يصبر قدر إمكانه علي سماع صوتها…كان يشتاقها بشدة ويرغب بضمها لقلبه ولكنه يجب أن يستعيد روحه ونفسه قبل أن يعود لها …بعدما إستعاد بعضاً من نفسه قرر الذهاب لقبرها ليتحدث معها قليلاً فهو منذُ أن خرج من مركز إعادة التأهيل (الإصلاحية) لم يأتي فقد وجد نفسه لا يستحق المكوث بجانبها…ولكنه كان يرسل الأموال دائماً للحارس ليعتني بالقبر ويترك القرآن مفتوحاً دائماً…كان الوقت قد قارب علي منتصف الليل جلس بجانب القبر يتلمس إسمها (إسراء إبراهيم)
وقلبه يدق بعنف وترتعش أنامله بشدة بينما دموعه تنهمر من مقلتيه وهو يقول بصوت متحشرج
يوسف:سامحيني علي كل لحظة أذيت نفسي فيها بيكي..سامحيني علي بعدي عنك…بس خلاص ربنا رجعني ليا تاني بيها هي..أجمل زهرة وأحلي نور ربنا بعتهولي علشان يرجعلي نور قلبي اللي تاه من يوم ما روحتي…ليه سيبتيني..ليه بعدتي عني..كنتي هتشوفي بعينك موت اللي دبحك وقتل فيكي أجمل شعور لأي بنت..كنت هتشوفي الملاك البرئ اللي ربنا بعتهولي..أوعدك إني عمري ما هنساكي لحظة..وهجيبها علشان تتعرفي عليها..(ثُم أكمل وإبتسامة تشق شفتيه عبر الدموع) وهجيب بابا كمان أنا عارف إنه إتأخر عليكي بس هو مش بيتحرك تعب من يوم اللي حصل بس متقلقيش ياحبيبتي أنا هجيبه ونجيلك..بحبك ياقطتي
إحتضن القبر بشدة وهو يبكي بكاء شديد ويرتجف جسده بأكمله وهو يتذكر شقيقته عندما كانت زهرة تتفتح بأجمل ألوان الحياة…….
………………………………………….. .
وهو يتناول غدائه إتصل عليه صديقه وأخبره أن صاحب المنزل وافق علي أن يتم كتابة العقد غداً فرح للغاية ها هي أولي خطوات المستقبل
أخبر والديه فإحتضنه والده وفرحت بشدة والدته بينما هو إستأذن منهم ليخبر أسيل بالأمر قفزت إليه تحتضنه وهي تقول بسعادة
أسيل:مبروك ياحبيبي ألف مبروك
وضع كفه علي كتفها قائلاً
مازن:الله يبارك فيكي ياسيلا…انا هروح بكرا الصبح أمضي العقد وهدور علي بش مهندس بقي يظبط الشقة علشان عاوزها تخلص في أقرب وقت وبعدين نسافر القاهرة مش بكرا الحد بردوا؟
نظرت له بعدم فهم قائلة
أسيل:مش فاهمة نسافر القاهرة ليه
خبط علي رأسها في مرح
مازن:علشان نزور أبو يوسف يا أم العريف
إحمرت وجنتاها بخجل وهي تقبله قائلة
أسيل:ربنا يخليك ليا يارب
قبلها هو الآخر
مازن:ويخليكي ليا ياحبيبتي…أنا هدخل انام بقي لأني مرهق أوي
تصبحي علي خير
أوقفته قائلة بتردد
أسيل:كنت عاوزة أزور نادين بكرا علي ما تخلص شغلك وبعدين تعدي عليا نمشي من هناك
لاحظت إلتماع عينيه الذي لم يستطع إخفائه ثُم إبتسامته
مازن:طيب ما تستني أما أخلص ونروح سوا
إدعت الجدية وهي تقول
أسيل:هو حضرتك إيه واخدها سبهللة ملهاش أهل هيا إتلم يابابا وتروح وتحضنها والشغل ده لأ ممنوع
ضحك بشدة علي قولها ثُم قال
مازن:هكون مؤدب والله ياحماتي مش هتهور خالص
ضربته في كتفه ثُم قالت
أسيل:قلت لأ يعني لأ تعدي عليا لما تخلص مشاويرك وتشوفها وأنا قاعدة علي قلبكم
تصنع الحزن وفرك ذقنه في تفكير
مازن:طيب ياختي خلاص أول بس ما تطلع هتجوزها وإبقي وريني هتعملي إيه بعدها
طردته برفق من الغرفة وهي تقول بمرح
أسيل:هاهاهاهاها أما أشوف
أغلقت الباب سريعاً حتي لا يعود لها مرة آخري بينما تسمع صوته قائلاً
(إن غداً لناظره قريب ياست أسيل)
نامت هذه الليلة نوماً هنيئاً سعيدة بما حدث هذا اليوم من كل شئ وتدعو الله أن يجعل كل شئ علي ما يُرام حتي موعد المحاكمة
………………………………………..
الجزء الثاني من الفصل الثالث والعشرون
في صباح اليوم التالي مطار القاهرة
كان هناك سيدة أنيقة بملابسها وتسريحة شعرها المرفوع لأعلي بأكمله ونظارتها الشمسية جاءها السائق وضع حقيبتها في خلف السيارة وركبت هي أيضاً ثُم إنطلق بها إلي منزلها وتتحدث علي الهاتف
وفاء:أيوة ياحافظ أنا وصلت خلاص..طيب لما أوصل البيت وأطمن أكيد هكلمك…ممكن تكون طلعت رحلة مع صحابها ولا حاجة زي ما قلت بس أنا قلبي مش مطمن إنت عارف إحنا بقالنا كام سنة مشوفنهاش……طيب طيب خلاص منا عارفة إن كله عشانها…حاضر هحاول متأخرش هما يومين تلاته بالكتير وأرجع علي طول..مع السلامة
بعد حوالي الثلاث ساعات ونصف وصلت للمنزل ترجلت من السيارة وهي خائفة مما قد يحدث ليست خائفة علي نادين ولكنها خائفة من رد فعلها لمقابلتها فآخر مكالمة بينهما لم تكن جيدة إطلاقاً..فتحت الخادمة الباب وهي ترحب بها بشدة وبتردد شديد وكلمات غير مفهومة
هناء:أهلاً أهلاً حمد الله علي السلامة ياوفاء هانم
دلفت للداخل وهي تبحث بعيناها عن نادين ثُم ردت بدون أن تلقي نظرة علي هناء
وفاء:الله يسلمك ياهناء..هي نادين مش هنا ولا إيه ؟؟
إبتلعت ريقها وهي تقول
هناء:هو حضرتك متعرفيش إن الست أسيل رجعت ولا إيه ؟
جلست علي الكرسي في الردهة وهي تضع ساق فوق الآخري وخلعت نظارتها الشمسية قائلة
وفاء:آه عرفت من الجرايد ما هو مفيش حاجة بتستخبي دلوقتي بس بسأل علي نادين هي فييين عند أسيل؟؟؟
عندما لم تسمع رد قامت بعصبية ثُم بصوت زاعق
وفاء:هنااااء إنطقي فين نادين هي مع أسيل ؟؟؟؟
آثرت هناء أن تتصل بمازن فهو يعلم كيف سيتعامل معها ويخبرها الحقيقة التي أخبرها بها…لذا إبتلعت ريقها مرة آخري وهي تقول
هناء:طيب بس هستأذن من حضرتك خمس دقايق الأنسة أسيل هتجيلك وتحكيلك علي كل حاجة
نظرت لها بغضب ثُم
وفاء:طب إخلصي يلا وإمشي من قدامي الساعه دي
هربت من أمامها سريعاً ثُم قامت لتتصل علي مازن
قام من نومه علي صوت هاتفه المزعج نظر للرقم متأففاً وجده منزل نادين رد سريعاً
مازن:دادة هناء ؟
جاءه صوتها القلق وهي تقول
هناء:الست وفاء رجعت ياسي مازن وعاوزة تعرف نادين فين ؟
لاح علي وجهه الغضب والإشمئزاز (تسأل عنها والأن؟؟)
حاول كتم غيظه وهو يرد
مازن:طيب قوليلها إني جاي حالاً وأنا نصاية وأكون عندك
أوقفته قائلة
هناء:لأ هات الست أسيل معاك أنا قلتلها إنها جاية
تأفف وهو يقوم من الفراش
مازن:طيب ماشي نصاية ونكون عندك
أغلق الهاتف وهو يقوم من الفراش ليرتدي ملابسه علي عجالة ثُم خرج ليدق باب غرفة أسيل…بعد عدت طرقات
فتحت له بعين نصف مغلقة وهي تقول بصوت نائم
أسيل:صباح الخير…في إيه ع الصبح
قال لها بجدية وضيق
مازن:مامة نادين رجعت وعاوزة تعرف نادين فين الدادة هناء إتصلت بيا دلوقتي وعاوزاكي تيجي معايا
حاولت أن تستوعب ما يقوله ثُم قالت
أسيل:طيب أنا هلبس أهو بسرعة وألحقك
قال وهو يهبط السلالم
مازن:هستناكي في العربية هقول لبابا وماما إننا رايحين نجيب شوية حاجات للشقة بتاعتي
إرتدت ملابسها علي عجالة ثُم لحقت به دون أن تنتبه لوالدتها القلقة…عندما وصلوا للمنزل وجدوا وفاء تنتظر في الردهة بأناقتها المعهودة سلمت علي أسيل التي عرفتها بمازن فهي لم تراه من قبل ثُم سألت عن نادين بتوجس قائلة
وفاء:ممكن أعرف بقي فين نادين وإنتو مخبيين عليا إيه ؟
كان مازن علي وشك صفعها وسؤالها بأي صفة تسأل عنها ولكن أسيل سبقته قائلة بحنان
أسيل:طيب حضرتك بس إرتاحي ياطنط
قاطعتها قائلة بإنفعال
وفاء:أنا عاوزة أعرف بنتي فين إنتو مخبيين عليا إيه ؟
فركت أسيل يديها بتوتر بينما يزداد غضبه ولم يستطع السيطرة عليه أكثر قائلاً بإنفعال وهو يعتصر قبضته حتي لا يتهور
مازن:نادين بتتعالج من الإدمان في مصحة…بسبب إهمالكم ليها وكل همكم الفلوس وبس تفتكروا الفلوس ممكن ترجعلكم بنتكم لو كانت ماتت من جرعة زايدة…ذنبها في رقبتكم….
أمسكته أسيل من ذراعيه بتوتر وهي تنظر لوفاء الدامعة أمامها ثُم قالت بصوت خافت
أسيل:مازن إستناني برا من فضلك..علشان خاطري
نفض ذراعه وخرج من المنزل صافقاً الباب خلفه بينما أسيل تمسكها من يديها تحاول أن تسندها أراحتها علي الكرسي قائلة
أسيل:أنا أسفة جداً ياطنط مكنتش أحبك تعرفي الموضوع بالطريقة دي بس والله ما تخافيش هي أحسن دلوقت بكتير وإحنا جنبها وعمرنا ما سيبناها لحظة
لم تكن تستمع لها بينما كلماته تطن في أذنيها..هل أخطأت عندما فكرت أن الأموال من الممكن أن تعطيها كل شئ وتعوضها عن الإهتمام والحنان فتبحث عنه في مكان آخر !!!خرجت من بين شفتيها كلمة واحدة بجمود
وفاء:عاوزة أشوفها دلوقتي
أومأت برأسها وهي تقبلها قائلة
أسيل:طيب مازن هيوديني ليها هروح أقوله علي ما حضرتك تجهزي وتغيري هدومك
قاطعتها قائلة وهي تقوم
وفاء:لأ انا هاجي كدا مش محتاجة أغير حاجة يلا بينا أنا هاجي واركوا بالعربية
لم تستطع الرفض وهي تري وجهها الشاحب كالأموات لذا آثرت أن تقنع مازن سبقتها وهي تذهب له لإقناعه
دلفت إلي السيارة وهو ينظر لها بغضب شديد وإحمرار عينيه يعلن عن إنفجاره الوشيك وهو يري وفاء تصعد لسيارتها الفارهة…إبتلعت ريقها بصعوبة في محاولة لتهدئته
أسيل:بص يا مازن دي مامتها مهما غلطت هي أمها ومهما نادين قالت أنا مش عاوزاها مفيش حاجة هتعوض حضنها أبداً يمكن وجودها يخلي نادين تتعالج بسرعة
زفر بغضب ولم يرد لذا وضعت يديها علي كتفه وهي تقول بحنان
أسيل:أنا عارفة أد إيه إنت بتحبها وخايف عليها بيبان في عنيك من غير حتي كلام ولو بتحبها بجد مترفضش حاجة ممكن تساعدها علشان خاطري يمكن ده يرجعها زي الأول ويخلي أهلها يفهموا إن الفلوس مش كل حاجة
زفر نفس آخر وهو يحاول أن يفكر بعقله قليلاً فيما تقوله ثُم قال بصوت هادئ يحاول السيطرة علي ما يعتمل بداخله من ثورة
مازن:طيب ماشي أما أشوف بس لو حسيت للحظة إن ده هيأثر بالسلب عليها صدقيني مش هخليها تقرب منها حتي .
أومأت رأسها في سعادة وهي تشير له بالإنطلاق….وصلوا للمشفي في غضون نصف ساعة..أخبرته أسيل ألا يصعد معهم الأن ليذهب إلي أشغاله ثُم يعود لهم وافق علي مضض بينما عيناه ظلّت تلاحقهم حتي إختفي ظلهم في الرواق
دلفت لغرفة إياد الذي كان منهمك في بعض الأعمال عندما رآها حياها بإبتسامة هادئة ثُم
إياد:بس مازن مقاليش إن فيه حد جاي إنهردة يعني
تمتمت بإعتذ ار وهي تقول
أسيل:أنا متأسفة أصل الموضوع حصل فجأة يعني ومامة نادين جت و قاعدة معايا برا وعاوزة تشوفها ينفع ؟
تهللت أساريره ثُم
إياد:ينفع طبعاً دي حاجة كويسة جداً ليها إنها تلاقي أهلها والناس اللي بتحبهم معاها بس أفضل إنك تدخلي معاها
أومأت برأسها بالإيجاب..ثُم ذهبتا لغرفتها بينما وفاء قدمها ترتعش بشدة وتتجمع الدموع بمقلتيها لذا أمسكت أسيل يديها تدعمها ثُم طرقت الباب ودخلت
كانت تتناول فطورها بعدما تناولت الدواء عندما سمعت طرقات علي الباب سمحت لمن بالخارج بالدخول حتي توقفت أنفاسها عن الخروج وهي تلمح هذا الخيال المتواري خلف أسيل..هل هي حقاً من تمنت طوال الأيام الفائتة أن تكون بجانبها…بداخلها شعورين متناقضين بشدة أن تلجأ إلي ذراعيها فتحتضنها بشدة وتستمد منها الأمان والحنان الذي تفتقده أو تطردها خارج عالمها إلي الأبد فتعيش وحيدة!! ولكن أي منهما لم تفعله فقط عيناها جاحظتان والدموع تنهمر من مقلتيها وتنظر لها بألم وهي تسألها بعيناها قبل لسانها (لماذا الأن!!)
………………………………………….. ….
بعدما إنتهت المقابلة الكارثية بين نادين ووفاء والتي إنتهت علي خير أو ربما هدنة!!
إستقلت السيارة مع مازن الذي جاء علي الفور عندما إتصلت به تخبره أن نادين تريد أن تراه دون غيره…..في طريقهم للقاهرة نظر لها بريبة وهو يتسائل
مازن:إيه اللي حصل بينهم ؟
إبتسمت وهي تغمز له
أسيل:يعني هي مقالتلكش حاجة؟
ضربها بخفة علي رأسها وهو يقول
مازن:لأ ياخفة مقالتش اللي حصل بينهم هي طلبت حاجة تانية خالص
إبتسمت ثُم
أسيل:متخافش هي تقريباً قررت تدي لمامتها فرصة
لم يرد فعلمت أنه لا يريد هذا لذا آثرت الصمت حتي يحين الحديث….بعد حوالي ثلاث ساعات وصلوا للمشفي التي يمكث بها إبراهيم سأل مازن علي غرفته وأخبرها عنها طلبت منه أن ينتظرها بالخارج وافق للمرة الثانية علي مضض
وضعت أناملها المرتعشة علي الباب وهي تفتحه بخوف خفق قلبها بشدة وهي تري رجل كبير في السن ذات شعر أشيب يرتدي نظارة طبية وبجانبه ممرضة تمسك له مصحف كبير يقرأ منه…رباه إنه يشبه والده كثيراً يبدو أن والدك كان آسر عندما كان صغيراً كما أنت آسري بالضبط …نظرت لها الممرضة بإبتسامة وهي تقول
أسماء:إتفضلي….الظاهر جايلك ضيوف ياراجل ياعجوز
نظر لها الرجل الوسيم الملامح رغم كبر سنه بإبتسامة حنونة إخترقت قلبها وهي تقترب منه لتسمع صوته الحنون
إبراهيم:إتأخرتي ليه؟؟
نظرت له بعدم فهم تحاول فهم ما يرمي إليه..أردف
إبراهيم:هو قالي إنك هتيجي تشوفيني بس إنتي إتأخرتي أوي
إبتلعت ريقها بصعوبه وهي تحتضن كفه الكبيرة بيديها الرقيقه قائلة بحنان بالغ والدموع تهرب من مقلتيها
أسيل:أنا أسفه غصب عني سامحني بس هو قالك إيه عني .؟
أجابها بهدوء
إبراهيم:كل اللي قاله إنك هتيجي وكان واثق إنك جاية
إبتسمت بينما الإحمرار يغزو مقلتيها وقلبها يهدر بين أضلعها
أسيل:ممكن تكلمني عنه عاوزة أعرف كل حاجة عنه وعن حياته أرجوك
لم يكن يحتاج لأن يسأل وهو يري هذا العشق الخالص من تلك الفتاة التي من الواضح أنها البلسم الذي داوي جراح ولده لذا بدأ في الحديث وهو يعود لماضٍ بعيد
إبراهيم:أنا إتجوزت واحدة طماعة بتحب الفلوس وبس ولما أتدهور بيا الحال قررت إنها تتطلق وكان عندنا يوسف وإسراء أخدت هي البنت علشان كانت لسة صغيرة وإتجوزت وخدت مني الشقة اللي كنت عايش فيها…يوسف كان بيحب أخته أوي كانت زيك كدا بريئة ورقيقة وليها نفس لون عنيكي.(تحشرج صوته وإلتمعت عيناه بالدموع الحبيسة)..وفي يوم جوز أمه دخل البيت عليها وهي كان يدوب لسه عندها 15 سنة كانت بتحب ترسم أوي حبيبتي (سكت قليلاً ثُم أردف بصوت متهدج) إعتدي عليها الحيوان دخلت المستشفي ومامتها إتنازلت عن التحقيق وأنا زي مانتي شايفة (في تلك اللحظة نزلت دموعه بوفرة وهو يقول )..هي إنتحرت قدام عنين يوسف فضل أيام مقيم عند قبرها لحد ما راح وقتل الحيوان ده كان عنده وقتها 17 سنه وعلشان كدا دخل الإصلاحية اللي بيسموها إصلاح وتهذيب…شاف فيها السواد ووالويل كله قابل فيها جميع الأصناف وأنا علي حالتي دي مش قادر أتحسن….بعد شهرين من خروجه منها بقي إنسان تاني هادي وبارد وكل اللي أعرفه عنه تليفون
كانت دموعها تنهمر وقلبها يدق بعنف كأنه سيخترق أضلعها إرتعشت أناملها وهي تلامس كفه..حبيبي عاني كل هذا..تعرض لكل ذلك!!
……………………………………
كانت في غرفتها ترتدي ملابسها الداكنة وفي داخلها خوف غريب اليوم هو يوم النطق بالحكم لطارق واليوم ستراه بعد مرور شهران من الغياب خفق قلبها بعنف وهي تضع يديها تلقائياً علي رقبتها لتتحسس مكان العقد فتتذكر بخجل أن رقبته تحتضنه بدلاً من رقبتها…..سيذهب معها مازن لأنها أصرت علي الحضور بينما رفض والداها بشدة وليطمئن قلبهم قرر مازن الذهاب معها…….
داخل المحكمة كان بكامل أناقته بذلة رسمية..نظارة شمسية..مصفف الشعر كل شئ كان جميل ما عدا نظرات هذا الطارق التي كانت تضربه طوال المحاكمة خاصة عندما نادي عليه القاضي ليُدلي بأقواله التي قالها بثبات شديد…لم يتوقف عن النظر لها بل ظل يحاصرها بنظراته العاشقة وهي تحاول التهرب منه بالتواري في كتف مازن الذي كان علي وشك أن يضربه في أنفه حتي يتوقف عن النظر هكذا….
إنتهت المحاكمة أيضاً علي خير بالحكم علي طارق عشر سنوات مع غرامة مالية عالية…..لم تكد تخرج من قاعة المحكمة حتي رأته محاط بعدد كبير من الصحفيين ووسط هؤلاء ظهر من بعيد من يحمل سلاحاً وعلي وجهه التصميم وفي أقل من لحظات كان جسده ملقي علي الأرض بلا حراك وهي تهرول نحوه هي ومازن الذي أخذه لأقرب مشفي بعدما تم القبض علي هذا الغبي الذي أطلق عليه الرصاص
تقف أمام غرفة العمليات ولم تتوقف دموعها عن النزول بينما جسدها يرتجف بشدة وهي تتذكر كل ما عاناه…كل ما أخبرها والده عنه..كل ما تعرض له…..يا الله لهذا لم يكن ليقبل بأن يلمسني هذا العمر…لهذا ذكرته أنا بها فأعدته لحياته…يارب أعده لي حتي أعود أنا…لن أستطيع العيش بدونه…كان مازن يستند علي الحائط وهو ينظر لها لم يراها منهارة بهذا الشكل من قبل..حاول تهدأتها بشتي الطرق ولكنها لم تكن معه كانت في عالم آخر وجملة وحيدة تخرج من شفتيها المرتجفتين (يارب إحميه )
توقفت نبضات قلبها الثائرة عندما رأت الطبيب يخرج من غرفة العمليات لم تستطع قدماها أن تحملها علي الإقتراب بينما تستمع كلماته المطمئنة لمازن
الطبيب:هو بخير الحمد لله خرجنا الرصاصة كانت قريبة قوي من القلب بس هو دلوقتي تحت تأثير المخدر وهيفضل في العناية المركزة لحد ما يعدي مرحلة الخطر
إقترب منها مازن وهو يربت علي كفها الصغير بينما تنهمر الدموع من مقلتيها كالشلال وهي تنظر له برجاء وتبتلع ريقها قائلة بحشرجة
أسيل:يعني هو كويس صح..قولي إنه هيكون كويس يا مازن ؟
إحتضنها بشدة وهو يربت علي رأسها ويقول بحنان
مازن:متخافيش الدكتور قال إنه هيكون كويس إن شاء الله بس هيفضل في العناية شوية زي ما سمعتي
إرتجفت بين ذراعيه وهي تنظر له برجاء..تتمني أن يكون هذا الكلام صحيح…..بعد قليل دخلت الغرفة التي مكث بها بينما تري جسده موصول بالأجهزة..علي فمه كمامة التنفس الإصطناعي…إقتربت منه وقلبها يقرع كالطبول..وعيناها غائرتان بينما جسدها يرتعش بشدة…طلبت من مازن أن تدخل وحدها…تركها ولم يستطع منعها…أمسكت كفه الحرة ثُم وضعتها علي قلبها فنزلت دموعها علي أنامله إبتلعت ريقها بصعوبة ثُم قالت بصوت متهدج
أسيل:علشان خاطري خليك معايا..خليك جنبي…تعرف أنا قابلت باباك إنت شبهه أوي واخد عنيه الجميلة ورقته وحنانه…الفرق بينكم إنك بتعرف تداري مشاعرك لكن هو لأ كله واضح في عنيه…إنت سرقت روحي وقلبي مش من حقك بعد كل ده تروح وتسيبني خلي عندك إرادة…
تحسست جبهته بأنامل مرتعشة…إنتفض جسدها بأكمله وهي تشعر بيديه تضغط علي كفها الرقيق فعلمت أنه يسمعها ويشعر بها ضغطت هي الآخري علي كفه والدموع تنهمر أكثر من مقلتيها ثُم همست بجانب أذنه
أسيل:أنا هفضل مستنياك وهفضل طول عمري جنبك….بحبك يا يوسف
دخلت الممرضة وهي تدعوها للخروج خرجت بينما عيناها معلقة به دون غيره…..
……………………………………
مر شهران وإقتربت الإمتحانات وهي مازالت تراه ولا تعلم نهاية غير أنها تحبه بل تعشقه..تعشق كل ما به من تفاصيل…عيونه الحادة عند الغضب..حنانه الذي يلف به من حوله…غيرته التي باتت واضحة لديها في كلمة واحدة (بطلي تلبسي بلوزات ضيقة وجيبات قصيرة) كانت تنفجر في الضحك بعد كل مرة ينهرها فيها علي ملابسها الضيقة أو القصيرة التي تظهر أكثر ما تخفي…كانت تشعر به في كل شئ تفعله…اليوم ستقابله حتي يساعدها علي مراجعة المادة وقررت هايدي أن تتركها اليوم إستثناء بحجة إنشغالها مع خطيبها…إرتدت ملابسها المحتشمة بعض الشئ فستان طويل صيفي وسترة قصيرة وتركت شعرها للعنان ثُم إنطلقت كان ينتظرها في المطعم الهادئ بالقرب من النيل ولكنه لم يرها في البداية واضح أن هناك ما يشغله…إقتربت في هدوء ثُم وضعت أناملها أمام وجهه متسائلة بمرح
ريما:إنت شايفني ؟؟
نظر لها كأنه حقاً لم يراها في البداية لذا حاول إستدراك نفسه قائلاً بإبتسامة
أحمد:معلش كنت سرحان شوية…إتفضلي
جلست وهي متوجسة من هدوئه الذي لم تعتاده منه خلال الفترة الآخيرة…لذا بعد حوالي الثلاث ساعات من إستكمال المراجعة أغلق الكتاب وهو يقول
أحمد:كدا تبقي تقريباً قفلتي كل حاجة مهمة في المنهج لو عوزتي أي حاجة كلميني تمام؟
أومأت برأسها ثُم سألته مباشرة
ريما:مالك؟
إرتعشت عضلة في خد الأيمن ثُم إبتلع ريقه
أحمد:مالي إزاي ؟
أجابته بصراحة
ريما:مالك هادي وسرحان طول الوقت حتي معلقتش علي لبسي زي كل مرة ؟؟؟
إبتسم بمشاكسة
أحمد:اصله حلو ومؤدب ومحتاجتش أعلق
إحمرت وجنتاها وهي تخفض رأسها…هدأت قليلاً ثُم قالت بحزم
ريما:أحمد بجد بقي فيه إيه سرحان ليه وإيه اللي حاصل فهمني ؟؟
تنهد بعمق شديد ثُم أرجع رأسه للخلف وهو يقول
أحمد:بصراحة بقالي كذا يوم بدور علي شغل في شركات بس مش لاقي علي الرغم من إن شهاداتي كويسة يعني كورسات وكدا فاهماني
أومأت برأسها وهي تقول بتفهم
ريما:فاهماك والله بس دلوقتي الدنيا ماشية بواسطة حتي لو معاك ألف شهادة
فرك ذقنه في تفكير ثُم ألقي علي مسامعها القنبلة
أحمد:أنا بفكر أسافر يا ريما بس صعب طبعاً بحالة ماما
خفق قلبها بعنف وإلتمعت عيناها بالدموع ولم تستطع أن تكتم شعورها بالإختناق لذا قالت بألم
ريما:يعني إيه تسافر!! تسافر برا مصر يعني ؟
أمسك يديها برفق وهو يقول بحنان
أحمد:أنا بس بفكر وقلتلك صعب بحالة ماما بس…..
نظرت له تحثه أن يكمل ما قاله…كيف أخبرها أني أريد أن أكون جدير بها وبحبها….أريدها وأحبها ولذلك أبحث عن عمل هنا وهناك كيف!!
أخذ نفس عميق وقد قرر البوح بما يدور في خلده وقلبه…أردف بصوت مبحوح من العاطفة
أحمد:أنا عاوز أطلب إيد واحدة بحبها أوي بس هي غنية جدا..محتاج أحسن من مستوايا المادي علشان أكون جدير بيها وأعيشها أحسن عيشة
إتسعت عيناها من الدهشة بينما قلبها يهدر في صدرها بعنف وإرتعشت أناملها بين يديه بشدة وهي تسأله بصوت متحشرج
ريما:مين البنت دي ؟
إبتسم وهو يضغط علي أناملها ونظر إلي عينيها مباشرة
أحمد:بحبك إنتِ
……………………………………..
الجزء الأول من الفصل الرابع والعشرون
باباً مغلقاً
…………….
كانت تتأمل الخضرة الشاسعة المزينة بالفراشات الملونة وهي تتذكر تلك المقابلة الكارثية مع والدتها…هطلت دمعة ساخنة علي وجنتها وهي تعود لتلك الذكري منذُ شهران عندما دخلت عليها أسيل الغرفة وتتبعها تلك التي تسمي والدتها بخطوات خائفة بينما هي لم تعطي لها الفرصة بالحديث بل إنتفضت من مكانها صارخة في وجهها بإنفعال والدموع تتسابق علي وجنتيها
نادين:أهلاً أهلاً وفاء هانم…جاية دلوقتي ليييييه ها..جاية تشوفيني وانا بتعذب ومدمنة وتشوفي إذا كنت أنفع أبقي بنتك ولا لأ؟؟…عارفة روحي إشتري بنت تانية بفلوسك بس لما يحصلها اللي حصلي عمرك ما هتقدري تعالجيها بفلوس الدنيا كلها
كانت تلوح بيديها يميناً ويساراً وعيناها تنضح بالألم الخالص بينما أسيل أخذتها بين أحضانها تحاول تهدأتها قليلاً وهي تهدهدها كطفلة صغيرة وبالفعل هدأت وهي تجلس علي الفراش وتحتضن أسيل بشدة
أمام تلك الذاهلة الشاهدة علي الموقف فقط ولم تجرؤ علي الوقوف بجانبها في أشد لحظاتها إحتياجاً لها…نظرت لها وهي تتفكر في السنوات الفائتة التي تركتها فيها بين أيدي هناء ومع صديقتها وعائلتها التي علي ما يبدو أنهم يعرفونها أكثر مما تعرفها هي…يشعرون بها وتشعر بهم..يحبونها وتحبهم شعرت بالألم الشديد عند هذه الفكرة (إبنتها لا تحبها إنها تكرهها ولكن هل لها الحق أن تلومها بعد كل ما حدث معها وبسببهم هم فقط!!)
أعادت النظر لها وجدت هذه الفتاة التي تشعرها بأمومتها تهدهدها بكلمات رقيقة كالبلسم وهي تقول بحنان بينما تمسح دمعة هاربة عن مقلتيّ نادين
أسيل:نادين ياحبيبتي هي مامتك وهتفضل مامتك مهما غلطت في حقك بس عمرها ما هتكرهك في يوم عارفة ليه..لأن غريزة الأمومة دي ربنا زرعها فينا مش بإيدينا أبداً..يمكن هي بعدت وغلطت لما دورت علي الفلوس بس يمكن بردوا ده الوقت الصح اللي المفروض هي تكون جنبك فيه
لاحظت الرفض في عينيها لذا إحتضنت أناملها ثُم إبتلعت ريقها قائلة
أسيل:عمرك ما هتكرهيها مهما حصل..مهما كنت أنا ومازن جنبك دايماً هتحتاجي حضنها..مهما حسسناكي بالأمان مش هتحسي بيه غير في حضنها هي ومعاها…أرجوكِ بس إديها فرصة علشان خاطري أنا ومازن…صدقيني يمكن ترتاحي وأنا هفضل دايما جنبك
أخفضت رأسها وهي تنظر لتلك الطفلة المذعورة الذاهلة في آخر الغرفة كأن ما يحدث بعيداً عنها…أخذت نفساً عميقاً تملأ رئتيها بالهواء النقي ثُم نظرت لأسيل بتصميم
نادين:عاوزة أقعد معاها لوحدنا بس خليكي جنب الباب ممكن !
قبّلتها من رأسها وهي تبتسم وأومأت برأسها وهي تخرج بينما نظرت نادين لوالدتها والدموع حبيسة مقلتيها ذهبت قبالتها وجثت أمامها علي الأرض ثُم نظرت لها بألم السنوات الفائتة وقالت بصوت هادئ يناقض مشاعرها المنتفضة
نادين:تعرفي إن كل اللي كان نفسي فيه هو حضنك وإني أحس بالأمان….عمر فلوس الدنيا ما كانت هتعوضني عن إهتمامك وحبك وحنانك اللي إحتجته من يوم ما إتولدت (إبتلعت ريقها وهي تضع يديها ناحية قلبها ) دورت علي الأمان اللي إحتاجته برا ولما لقيته كان مزيف وعلشان الفلوس بردوا وبسببه أدمنت ولما عرفت إني مدمنة خرجته من حياتي بس مقدرتش أتخلص منها أبداً
إنهمرت دموعها أنهاراً بعد الكلمة الأخيرة بينما وفاء تضمها رغم رفضها وهي تقول بندم حقيقي
وفاء:سامحيني يانادين..كنت فاكرة إن الفلوس ممكن تعوضك عننا وعن حناننا…كنت فاكرة إن أي حاجة بتحتاجيها ممكن تلاقيها بالفلوس بس كنت غلطانة وأوعدك إني أصلح غلطي ده
وقفت نادين وقد إستعادت رباطة جأشها قليلاً بينما قلبها يعارضها بصخبه نظرت للأفق شاردة وهي تقول بهدوء
نادين:هحاول أصدق كل اللي بتقولي ومع ذلك محتاجة فرصة ووقت أطول أصدق فيه وتثبتيلي فيه إنك أمي بجد
شعرت بقبضة تعتصر قلبها ألماً وندم شديد كيف تهاونت في حق فلذة كبدها هكذا..كيف فقدت كل حس للأمومة لديها…كيف كان جمع الأموال أهم ما تريده!!
علمت بشكل أو بآخر أنه لم يعد هناك كلام ليُقال بل تبقي للأفعال أن تثبت وستعمل جهدها حتي تثبت أنها أم حقاً….
أخذت نفساً عميقاً فمنذ تلك الهدنة التي عقدتها مع والدتها تأتي لها يومياً تجلس معها تتحدث بحنان يناقض ما كان يحدث منذُ سنوات مع الوقت تبدلت طريقة نادين الجافة في الحديثة مع وفاء إلي أخري أسهل ولكن عندما عاد والدها الذي أظهر إستيائه الشديد وخوفه مما يسمي (فضيحة) فإبنة السيد حافظ رجل الأعمال الشهير المعروف داخلياً وخارجياً (تتناول المخدرات) بينما وقف فارسها المغوار في وجهه رد عليه بكل قسوة وللعجب إتفقت وفاء بشدة مع مازن فيما قاله عندما طلب حافظ أن تسافر معه للخارج حتي تتم علاجها ثُم تعود أو تخرج من هذه المشفي وتبدأ في مرحلة العلاج من المنزل بينما هدر مازن في وجهه بعنف قائلاً
مازن:نادين مش هتتحرك من هنا لا برا مصر ولا حتي في البيت ولو ع الفلوس هي مش محتاجة منك حاجة…كل اللي كانت محتجاه حنانك ولو مش موجود متشكرين علي وجودك يا أستاذ حافظ
أردفت وفاء والدموع تتدفق من عينيها أمام عينيّ حافظ الرجل الرزين الذي لطالما حافظ علي هدوءه وبروده..الذي لم يكن لديه أهم من كنز الأموال والزواج من فتاة إبنة عائلة ثرية كوفاء…
وفاء:مازن عنده حق كفاية اللي حصلها وإحنا بعيد عنها أنا مش هعرض بنتي لنكسة تانية…ومش مهم عندي أي حد يعرف المهم صحتها وعمري ما هحسسها أبداً إنها منبوذة مننا أو من أي حد
تفاجأ من صلابتها الغير معهودة فقد كانت تستمع له دون مناقشة حتي في سفرها عندما كانت تتألم لفراق إبنتها الوحيدة لم تستطع إلا أن تخضع لأمره بالسفر معه للخارج….وافق علي مضض بينما يمط شفتيه بإمتعاض
حافظ:إنتو حرين أهم حاجة محدش يعرف ولما تبقي كويسة تبقوا عرفوني…ولو عوزتي فلوس هتلاقي في البنك
هكذا ثُم غادر بكل بساطة دون أن يكلف نفسه عناء السؤال عنها أو الإطمئنان علي أحوالها…ولكنه لم يكن يعلم أن هناك من تستمع لكل هذا الحوار المؤلم من وراء الباب فتعلم عن حق أنه وبعد مرور شهر فقد تغيرت والدتها بينما والدها مازال كما هو قاسي…بارد المشاعر لا يأبه سوي للمناظر الخادعة…..ولكن مازال لديها بطلها وحبيبها الذي لم يخن ثقتها ولو مرة واحدة دائماً يُثبت لها وجوده بجانبها وعشقه الأبدي لها أيما كانت ظروفها
إبتسمت عندما تذكرته كان قد تعوّد بعدما إفتتح عيادته الجديدة قبل شهرين أن يزوها نهاية كل أسبوع يقص عليها كل ما حدث خلاله..يُقبلها من جبينها حيث يسلب لبها بتلك القبلة الطويلة كأنه يمنحها الأمان الذي تنشده ثُم يرحل…عبست وهي تفكر رغم كل هذا هناك شئ ما يقض مضجعه ليس هو فقط بل أسيل أيضاً…تُري ما هو هذا الشئ !!
أخرجها من أفكارها صوت طرقات هادئة علي الباب علمت علي الفور أنها وفاء هذا هو موعد مجيئها وبالفعل كانت وفاء ولكن معها هذا الطبيب إياد الذي لم ينفك طوال شهرين متتباعين أن يتواجد كلما تواجدت أسيل معها بل ويحاول جذب أطراف الحديث مع تلك الصغيرة الهادئة المنكمشة علي نفسها والتائهة منذ فترة طويلة…مهلاً يوجد وجه جديد سيدة قصيرة بعض الشئ يبدو عليها الهدوء الشديد مع لمحة من الملائكية محببة للنفس بشدة
إقتربت منها وفاء وهي تقبلها من وجنتيها قائلة
وفاء:عاملة إيه ياحبيبتي ؟
ردت بهدوء ومازالت عينيها مثبتة علي تلك الباسمة
نادين:الحمد لله بخير يا ماما
قال إياد وهو يضع يديه في سترته الطبية
إياد:صباح الخير عاملة إيه إنهردة؟
ردت دون أن تلقي نظرة نحوه قائلة
نادين:كويسة أحسن كتير الحمد لله
قال وهو يشير للمرأة المثيرة للفضول
إياد:أحب أعرفك الدكتورة هدي هتقعد معاكي شوية ممكن ؟
نظرت بتساؤل لوالدتها التي ربتت علي كفيها برفق وهي تبتسم قائلة
وفاء:هترتاحي معاها أوي أنا هستناكي برا ماشي؟
لا تعلم نادين سوي أنها شعرت بالراحة لتلك الواقفة أمامها بعدما رحلت والدتها وإياد…لديها عينان تشبه زرقة السماء في ليلة مضيئة بالقمر..وجه مستدير يوحي بالراحة والإطمئنان من مجرد النظر إليه..زادها حجابها البسيط رونقاً هادئاً كالملاك الحارس..إبتسمت هدي بلطف وهي تقول
هدي:الجو حلو أوي إيه رأيك نتمشي شوية في الجنينة!!
إبتسمت بإضطراب ثُم إبتلعت ريقها قائلة
نادين:مفيش مشكلة
ذهبتا معاً بينما نادين تتأمل المنظر المحيط بهما…خضرة تحيط بها من كل مكان مُسلط عليها بخجل قرص الشمس المائل للحمرة في هذا الوقت يداعب الزهور الموزعة علي جانبي الحديقة فأعطاها جمالاً فوق جمالها خصوصاً مع رفرفة هذه الفراشات الملونة تمتص رحيق الأزهار
بدأت هدي الحديث معها قائلة
هدي:إنتي أكيد عارفة مراحل العلاج من الإدمان صح ؟
إرتجفت قليلاً فأحاطت نفسها بذراعيها ولسبب ما علمت ما هي وظيفة هدي في تلك المرحلة لذا أخفضت رأسها فغطت خصلاتها البنية شعرها وهي تقول بتحشرج
نادين:أيوة عارفة…وأظن إن المرحلة النفسية هتبدأ إنهردة صح؟
أمسكت هدي بيديها المرتعشه وهي تقول بإبتسامة هادئة
هدي:أيوه وقريب أوي هتخرجي وتبقي أحسن ألف مرة مما كنتي..تعرفي إن فيه ناس كتير لو كانوا مكانك كانوا مكملوش بس إنتي ربنا بيحبك وعندك إرادة قوية وناس بتحبك….مش نفسك تفضلي معاهم علي طول ؟
أومأت رأسها بضعف دون أن تنظر لتلك الواقفة أمامها بينما قادتها لطاولة صغيرة ثُم إقتطفت وردة صغيرة من وسط الورود وآخري ولكنها لم تكن بنضارة الأولي ثُم قالت
هدي:شايفة الوردة دي يا نادين كلنا زيها ساعات بنكون دبلانين كدا ومش لاقيين حاجة تروينا بس في لحظة بنلاقي ناس بتحبنا وتقربنا من الحياة بنقطة مية فنبقي زي الوردة التانية اللي مش دبلانة دي
إحنا بقي في إيدينا نبقي بنضارة الوردة الحمرا دي أو بذبول الوردة الزرقا دي فهماني ؟
إخترقت كلماتها البسيطة قلبها فنظرت لها والدموع تغشي عينيها شعرت نفسها في الماضي كتلك الوردة الزرقاء الذابلة التي لم تجد من يرويها ويسقيها هتصبح بنضارة تلك الوردة الحمراء بينما جاء مازن ليُعيد لها الحياة في لحظه فيرويها من حنانه وإهتمامه فأصبحت كتلك الوردة النضرة…إبتلعت ريقها بصعوبة وهي تقول
نادين:هو أنا هقدر أكون وأفضل زي الوردة الحمرا دي؟
إبتسمت هدي وأزاحت خصلات شعرها البنية بحنان
هدي:طبعاً تقدري لو عندك يقين وإيمان بالله وإيمان بقدرتك علي نفسك
إحنا إنهردة هتحكيلي عن طفولتك بس ومش هنتكلم عن حاجة تانية ممكن؟
أومأت نادين رأسها بالإيجاب بعدما إستعادت بعضاً من شعورها بالهدوء والثقة بالنفس
وبدأت طريقها نحو العلاج النفسي كما بدأته منذُ شهور نحو العلاج الجسدي
……………………………………..
-ياعزيزي أنت غير رحيم بالمرة
-تُري أنت تعبث بأكثر الأشياء قيمة
-أنت تطرق باباً مُغلقاً دون أن تطرقه حقاً
-أيا قوي العزيمة..لقد تكسرتُ منذُ زمن مضي
-أيا كثير الرفض أسمح لي أن أراك بطرقي
نعم لقد تكسرت كل قيمة وكل مبدأ وكل معني في الحياة أمامي
ولكن بطريقة ما..لا أعلم ما هي تمثلت كل هذه الأشياء بك
يا صديقي ورفيق درب إنتقامي…لا تتركني وحيدة أحارب طواحين الهواء
يا سيدي وملجأي لا تغضب عليّ فأنا مجنونتك المتهورة علي كل حال
يا أعقل الرجال وأصدقهم..أصدقني القول أ لجراحي من شفاء!!
يا من تملك مفتاح قلبي بعد أن فقدته أنا …قل لي أين وُجد..فلم يكن يوماً بسارق
يا عزيز النفس أري فيك نفسي التي أريد بنفس غير مشوهة
يا قاهر الشهامة أراك فأري ما كنت أنتظره ولا أستحقه
صدقني يا من لن تكن لي..أنا بقايا أنثي أبحث عن حناياي المفقودة
ليتنا تقابلنا في زمن آخر…ليتنا يا عزيزي..يا من حُرم عليّ مناداته بأكثر من هذا-أحبك-وياليتني أستطيع أن أبوح بها
سقط قلبها بين أضلعها وإهتز كيانها بأكمله من مجرد كلمة واحدة…إرتعشت أناملها تحت كفه الذي لم يتركه بينما تدفقت دموعها أمام هذا الرجل الرائع الذي يخفق قلبها له كل يوم أكثر ولكن في لحظة واحدة أدركت أنها لا تستحق منه حبه وصراحته تلك دون أن تكون صريحة معه…وكأن إدراكها هذا حدث متأخر جداً لذا هربت خارج المطعم وهي ترتعش..وضع بضع ورقات نقدية وذهب ورائها سريعاً أمسك ذراعها وشعرها الذهبي يتطاير حول وجهها يزيدها رقه وجمالاً ثُم قال بقلق
أحمد:مالك ياريما في إيه؟
لم تخفي عليه العشق الذي ينضح من عينيها ولكن ظلله ألم كبير في عمقهما ثُم قالت بإنفعال ومازالت مقلتيها ممتلئة بالدموع
ريما:أنا مستاهلش يا أحمد مستاهلش حبك ونبلك ورجولتك دي إنت تعرف عني إيه قبل ما أكون ريما اللي حبيتها
رد بهدوء يناقض ما يعتمل في صدره من قلق وخوف من القادم
أحمد:ميهمنيش إنتي كنتي إيه يهمني إنتي إيه دلوقتي
لم تستطع السيطرة علي نفسها أكثر بينما تهدر بعصبية وهي تلوح بيديها
ريما:حتي لو عرفت إني روحت شقة راجل غريب الساعة 12 بالليل ونمت عنده ؟؟
صمت خيم علي المكان إلا من أنفاسهما اللاهثة…هو بنظرات جامدة لا تعبر عن شئ إطلاقاً بينما هي مخطوفة الأنفاس ومبهورة بما قالته للتو وضعت يديها علي فمها تكبت صرخة بكاء…وجدته يغمض عينيه ويطبق فكه حتي كادت تسمع صوت إصطكاك أسنانه ثُم فتح عينيه لتجد محل الغضب لا شئ..نعم لا شئ تعبير غامض وبلهجة آمرة
أحمد:إيه اللي حصل بالظبط ياريما؟
تفاجئت مما قاله لذا تراجعت للوراء قليلاً حتي إرتجفت من لهجته الحازمة وهو يعيد عليها السؤال بهدوء شديد كأن ما ستقوله لا يعنيه
أحمد:إيييه اللي حصل ؟؟
إبتلعت ريقها ثُم أحاطت نفسها بذراعيها كأنها تستمد القوة وهي تنظر حولها بتوتر بينما هو لم يعطيها الفرصة إذ أخذها من ذراعها متوجهاً إلي المطعم مرة آخري ولكن إلي طاولة منزوية بعيداً عن أعين الفضولين ثُم نظر لها يحثها علي الحديث….أخذت نفساً عميقاً ورأسها مطأطئ بخجل والكلمات تنساب من بين شفتيها المرتجفتين وهي تحرك يديها بتوتر في حجرها تجاهد ألا تنظر له حتي تري مشاعره في تلك اللحظة
عندما إنتهت من الحديث كان جسدها يرتعد للذكري بينما دموعها تنساب علي وجنتيها كشعرها الذهبي المنساب علي وجهها
أما هو فأطبق شفتيه حتي كاد أن يدميها بينما تقلصت قبضته علي الطاولة حتي إبيضت سلامياته وطلّ من عينيه غضب شديد ثُم عمّ الصمت المطبق المكان للمرة الثانية…للحظة شعرت أنه تركها وذهب كأنه يشمئز منها ولكن صوت أنفاسه العنيفة بجانبها جعلها ترفع عينيها إليه لتري غضبه الشديد بينما يهدر بها غير مبالي بمن حوله بحدة
أحمد:علشان غبية ومتهورة ومتعلمتيش لأ ده إنتي في عز أزمتك جتيلي بردوا وباليل….وكنتي هتنتقمي منه إزاي بقي ياهاااانم ها جاوبيني إزاااي
فكرك إن صاحبه كان هيبيعه بالسهولة دي ولا فكرك إنه كان هيسكت علي اللي عملتيه …..غبية ياريما ودلوعة لأبعد الحدود ومغرورة جداً كمان
أخذها من ذراعيها وهو يخرج بها كي يستنشق بعض الهواء النقي ويسترجع بعضاً من هدوءه…إبتلع ريقه وهو ينظر لها تجهش بالبكاء… تتمتم بإعتذارات واهية رقّ قلبه لتلك الغبية المتهورة فأخذها بين ذراعيه دون تردد مما جعلها تتزداد في بكائها أكثر وأكثر وجسدها يرتعد بشدة مع صخب قلبه الذي يهدر في صدره متناغماً مع دقات قلبها التي تتراقص في صدرها لإحساسها بالأمان بين ذراعيه…..ملّس علي شعرها الحريري وهو يقول بصوت دافئ
أحمد:هشششش خلاص إهدي مفيش حاجة هتحصل تاني…أنا معاكي
………………………………….
كلما أعددت نفسي لإنتظار قدومك….إزددت إبتعاداً
بعد مرور أسبوع كامل لم تراه فيه حيث أمرها مازن بصرامة ألا تذهب وأنه سيُلازمه طوال فترة مكوثه في المشفي…كان الشوق يضنيها وهي تمتثل لأوامر أخيها علي مضض ولكنه قال لها بالحرف وبنبرة حازمة
مازن:خلاص يا أسيل مش عاوز نقاش في الموضوع ده تاني..إنتي هتروحي البيت وهتقولي لبابا وماما إني عند واحد صاحبي عيان..لاحظي إن مفيش أي صلة بينكم غير حبكم وأنا إحترمت ده بس مش معناه إني أسيبك معاه
كانت تعرف وبشدة أنه علي صواب في كل ما قاله لها ولكن ماذا تفعل بهذا القلب الذي يشتاقه وكلما إقتربت منه خطوة إبتعد مئات الخطوات ولكنها تعرف اليوم أن مازن قد ذهب لعيادته التي أهملها مؤخراً لذلك قررت وبتهورها المعتاد أن تذهب إليه لتراه فقط….لن يعرف مازن هكذا وبكل بساطة تتطمئن عليه لن تتحدث…ولن تضمه لقلبها كما تتمني أن تفعل…إتسعت تلك الإبتسامة الشقية ثُم إرتدت ملابسها علي عجل وأخذت حقيبتها ثُم خرجت وقلبها يرقص فرحاً للقاءه…تذكرت عندما سألتها سميحة عن وجهتها أخبرتها أنها ستطمئن علي نادين وتعود ولن تنسي أن تأخذ هذا الحارس الشخصي الذي يلازمها كثيراً وخصوصاً منذُ ما حدث أمام المحكمة قبل أسبوع….كانت قد أخبرت والدتها منذُ عودة وفاء عمّا حدث لنادين ودعمتها كثيراً حتي أنها رحبت عندما عرفت بعشق مازن لها فهي تحب نادين كما أسيل بالضبط…هكذا وبكل بساطة ولأجله أصبحت الكذبات تنساب من فمها وهي تشعر بعشقه يتغلغل في أعماقها أكثر وأكثر…حسناً لم يتبق الكثير فقط ليصبح بخير ثُم سيواجه العالم بآسره من أجلي كما سأفعل أنا…..
كل شجاعتها ذهبت أدراج الرياح وهي تطرق بضع طرقات مرتعشة علي باب غرفته التي سألت عنها في الإستقبال كان بجانبه طبيب شاب يتفحص ضغطه وهي يقول بإبتسامة
الطبيب:لأ إحنا بقينا عال العال أهو الحمد لله
تكسرت إبتسامته علي شفتيه وهو يري من كانت تؤرقه في أحلامه ويقظته طوال أسبوع كامل لم يراها به….رباه كم إشتاقها..كم إشتاق تورد وجنتيها الذي يعلو وجهها كلما رأها…كم يود لو يجعلها تخترق أضلعه فتسكن بداخل قلبه لتعلم مدي عشقه لتلك الصغيرة القوية والضعيفة في نفس الوقت….ولكن لا,ليس الأن يجب أن يري يوسف أولاً..يجب أن يعود يوسف ليوسف…يجب عليه أن يُجنبها ما يعانيه فهي بكل رقتها وبرائتها لن تتحمل ولن يستطيع هو أن يُحملها ما لا ذنب لها به…إبتلع ريقه وهو يرسم علي وجهه قناعه الجامد الذي تحلي به قبل أن يعرفها
إرتعشت من نظرته الجامدة التي لم تعهدها منه مؤخراً بينما تنظر للطبيب بإبتسامة مرتعشة وهو يقول
الطبيب:أخيراً جالك ضيوف غير صاحبك الدكتور…بلاش تجهد نفسك بالكلام كتير..هسيبكم دلوقتي..عن إذنكم
لم ينبت أي منهم بحرف كان كل منهما يبث أشواقه للآخر عبر كل نفس يخرج من صدره…عبر كل نظرة تائهة وخائفة من الماضي المؤلم والمستقبل الغامض…عبر خجلها الواضح لديه ومن خلال إنقباض أصابعه المعلقة بالمحلول أغمض عينيه بقوة…لا يريدها أن تري الإشتياق والحب في عينيه بينما هو غير قادر علي منحها سوي كلمات مجرد كلمات لا أكثر
إقتربت منه وكالعادة تخترق حصونه إختراقاً بصوتها الرقيق ونبرتها الحنونة
أسيل:حمد الله علي السلامة..
رد بإقتضاب يناقض قلبه الذي كاد أن يخرج من بين أضلعه
يوسف:الله يسلمك….إيه اللي جابك أخوكِ مسابنيش لحظة ؟
تفاجئت من رده المقتضب بشدة بينما شحب وجهها ثُم إبتلعت ريقها محاولة التماسك..قالت بتحشرج
أسيل:جيت أطمن عليك…مكنتش عاوزني أجي ؟
غامت عيناه بحزن عميق وهو ينظر للأفق شارداً
يوسف:مكنش ينفع تيجي…مينفعش يكون ليكي مكان في حياتي
نظرت مبهوتة بما قاله للتو…إنفجرت الدموع من عينيها أنهاراً فكانت سكين بارد ينغرس في صدره مرة بعد مرة فيؤلمه أكثر وأكثر ولكنه لم يظهر أي من هذا بل تماسك بوجهه البارد لأجلها هي فقط إرتعش كفه فقبض عليه بقوة وهو يكز أسنانه…بعدما إستعاد شيئاً من بروده وقسوته نظر لها وهو يبتلع ريقه
يوسف:أنا مقدرش أكون معاكِ من فضلك شوفي حياتك بعيد عني…إنتِ هتكوني في خطر وإنتي معايا (غامت عيناه بشئ من الندم وهو يكمل)غير إني قاتل دي صفتي ودي حياتي بقالي أكتر من 8 سنين بقتل ناس أبرياء ملهومش أي ذنب غير إنهم في طريقي…إنتي ذنب مقدرش أشيله معاهم
أرجوكِ سبيني أتخلص من ذنوبي لوحدي
لم تكن أبداً لتصدق قسوته وبروده بعدما رأت أي رجل هو…إلا أن شلال الدموع لم يتوقف حتي ظهر بريق الحزن في عينيها العسلتين وهي تقترب منه تتلمس كفه المنقبضة…خرج صوتها مرتجف رغماً عنها
أسيل:أنا معاك عمري ما هسيبك والذنوب دي نواجهها سوا ربنا رحيم…أنا هرجع يوسف ليوسف
أجفلت عندما نفض يديها بقسوة رافضاً ما تفعله..ورافضا ما يشعر به من إضطراب بلمستها الدافئة….بينما خرج صوته بارداً بعيداً قاسياً
يوسف:لو سمحتي إخرجي من حياتي زي ما إقتحمتيها زمان…مينفعش يكون ليكي مكان فيها دلوقتي
ظهر بريق التحدي في عينيها رغم إرتعاد جسدها الواضح وإرتعاشة شفتيها وهي تقول بعصبية
أسيل:مش من حقك أبداً تبعدني عن حياتك بعد ما بقيت جزء منها…مش من حقك بعد ما أخدت قلبي تمشي…ده مش عدل مكنتش خطفتني ومكنتش حمتني…بس تهرب مني وأنا بواجه العالم عشانك ليييييييه ؟
إبتلع ريقه بصعوبة يُغالب زرعها بين أضلعه وضرب كل القيود بعرض الحائط….ألقي نظرة علي المنضدة بجانبه وأمسك بين يديه السلسلة التي كانت أعطته له…وضعها بجانب قلبه وهو يقول بصوت مبحوح
يوسف:أرجوكِ متصعبيش الأمر علينا إحنا الإتنين…خلاص إنسي كل حاجة بيننا..إنسي إنك شوفتيني أو حبتيني عيشي حياتك البريئة من غير واحد مشوه من جوا ومن برا زيي…السلسلة دي عمري ما هسيبها وهتفضل دايماً معايا وهحافظ عليها زي ما وعدتك
أشاح بنظره بعيداً حتي لا يري الرفض والألم في عينيها يكفيه ما يشعر به من خنجر ينغرز ببرود داخل صدره فيؤلمه وكأن نبضات قلبه تشاركها رثائها فتثور عليه هو وترفض ما يقوله……كان صدرها يعلو ويهبط بوضوح ومقلتيها أصبحت مغشية بالدموع الساخنة…أطبقت شفتيها المرتعشتين حتي كادت تدميها وهي تقترب منه بعصبية واضحة وتضربه بكفيها الصغيرين علي صدره المتألم غير مبالية بآلامه الجسدية ودموعها تنهمر عليه هو قائلة
أسيل:حرام عليك…كفاية تعذب نفسك وتعذبني…إنت ليه قاسي كدا…حرااااااام متعملش فيا كدا أنا..
لم تكمل جملتها بينما هو يحيطها بذراعه الحرة فيضغط عليها حتي كاد أن يُسكنها بين أضلعه…تجمعت الدموع في مقلتيه رافضة الخروج وهو يُقبل قمة رأسها…تبكي علي صدره ومتشبثة بقميصه وكأنها علمت أنه لا مفر من الوداع
…………………………………..
الجزء الثاني من الفصل الرابع والعشرون
بعد خروج آخر مريض كان يشعر بإرهاق شديد في كل عضلة في جسده المتشنج…أرجع رأسه للوراء وهو يغمض عينيه مدلكاً مؤخرة عنقه بإرهاق شديد…إبتسم وهو يتذكر عندما تقابل مع يوسف لأول مرة عندما أفاق من المخدر كان يقف أمام غرفته هو وأسيل التي أصرت بتهورها المعتاد أن تبقي فقط لتطمئن عليه… رفض رفضاً تاماً أن تدخل أسيل معه عندما أخبره الطبيب أنه أفاق وهو بخير أمرها وبحزم أن تعود للمنزل وأنه لن يفارقه…دخل عليه كان يبدو علي وجهه الإرهاق ولكن مع ذلك يبدو عليه القوة والصلابة شاب في مثل عمره تقريباً ربما أكبر بسنوات قليلة تعلو وجهه نظرة هادئة لا تنم أبداً عمّا بداخله حاول مازن كالعادة السيطره علي نفسه بألا يضربه..فبعد كل شئ هو من إختطف شقيقته…
لذا قال بهدوء يناقض كل هذا
مازن:حمد الله علي السلامة
رد بهدوء مماثل
يوسف:الله يسلمك
إقترب منه مازن ثُم إستند علي الحائط بالقرب منه وهو يقول
مازن:أنا دكتور مازن أخو أسيل
إبتسم بكل هدوء ثُم
يوسف:عارف..متشكر إنكم فضلتوا هنا لحد ما فوقت
جلس علي المقعد بجانبه وهو يسأله مباشرة
مازن:إنت ليه عملت كل ده ليه شيلت الليلة كلها وبعدت أسيل عن الموضوع ؟
قال بنبرة ساخرة
يوسف:علشان كنت عارف إن ده هيحصل وكفاية اللي هي إتعرضتله بسببي وعمرها ما كانت هتقدر تواجه طارق واللي زيه
رد بجدية
مازن:أيوة بس إنت كان ممكن تموت لولا ستر ربنا
أشاح برأسه وهو يقول بلا مبالاة مصطنعة
يوسف:عادي غيري كتير ماتوا وبسببي…وبعدين إنت مش كنت خايف عليها ولا إيه؟
أجاب علي الفور وبقسوة
مازن:طبعاً خايف وعلشان خاطرها بس أنا قاعد معاك
إبتسم بشحوب
يوسف:ربنا يخليهالك…أنا عارف إحساس الأخ كويس أوي وحاسس بيك جداً
للحظة تلألأت الدموع بمقلتيه ولكنه أغمض عينيه وهو يتألم بصمت…
مازن:هو أنت هتعمل إيه لما تخرج من هنا ؟
إبتلع ريقه بصعوبة ثُم
يوسف:لسة مش عارف أول حاجة هعملها هروح أشوف بابا
شعر مازن بمدي ألم هذا الرجل الذي يحاول جاهداً أن يخفيه أمامه..ثُم قال بتعاطف
مازن:أنا وأسيل سافرنا القاهرة وروحنا شفناه
تقلصت عضلة في خده الأيمن وخفق قلبه بشدة وبدون أن ينظر لمازن
يوسف:عرف أي حاجة عن حياتي!!
تعجب مازن من سؤاله فهو لم يكن يعلم أن والده لا يعرف ما هو ولم تحكي له أسيل أي شئ سوي أن شقيقته تم الإعتداء عليها وأنه قتل من فعل بها هذا…قال بصوت خافت
مازن:الحقيقة أنا مدخلتش مع أسيل هي طلبت تتكلم معاه لوحدها وكل اللي عرفته منها إن إنك قتلت الحيوان اللي إعتدي علي أختك
لاحظ إنقباض كفيه وكيف يحاول السيطرة علي غضبه بينما عيناه بها غضب أسود وحمروان بشدة…لم يكن ليلومه أبداً لأنه لو كان مكانه كان فعل المثل بالتأكيد…حاول أن يتخطي هذا الحديث فقال
مازن:عموماً أنا هجيلك كل يوم لحد ما تخرج من هنا وبعد كدا لينا كلام كتير مع بعض تمام!!
أومأ رأسه بالإيجاب ثُم نظر لمازن وقال بهدوء
يوسف:شكراً علي كل حاجة
توقف مازن عن سيل الذكريات وهو يفكر حقاً هذا الرجل يمتلك قوة غريبة وهدوء أغرب عيناه بها غموض بقدر ما بها من حزن وخوف كيف ستتأقلم أسيل معه بل كيف أحبته !!
أجفله صوت الهاتف فوجده الحارس الشخصي لأسيل رد مسرعاً
مازن:ألو يامحمود خييير….تااااااااني ياأسيل مفيش فايدة…طيب هي فين دلوقتي..طيب سلام سلام
ضرب بقبضته علي المكتب وهو يتوعد لها كيف تتهور وتذهب له..بل كيف تخالف أوامره بهذه الطريقة…ظل يتميز غيظاً وغضباً سينتظر إلي أن تعود للمنزل هي الأن عند نادين..آآآآآه كم إشتقت لكِ حبيبتي….كم أريدكِ وأحتاجكِ…وضع رأسه بين يديه فقط يريد أن يرتاااااح ولكن يبدو أن عودته لمصر كُللت بالتعب والإرهاق النفسي والجسدي فقط
أخذ مفاتيح سيارته وإنطلق للمشفي فاليوم هو آخر أيام الأسبوع وسيراها آخيراً أما أسيل فستري منه ما لم رأته من قبل يكفي عند هذا الحد…
قابل وفاء عند باب الغرفة إستقبلته بإبتسامة
وفاء:أهلاً يامازن جاي بدري يعني
إبتسم بتوتر وهو يقترب
مازن:إزيك ياطنط..أيوة أصلي خلصت شغل بدري وعرفت إن أسيل هنا فقلت أجي بقي ونروح سوا
أومأت برأسها وهي تطرق عدة طرقات ثُم دخلوا….كانت نادين تجلس علي الفراش رافعة شعرها لأعلي بدبوس صغير وضامة ركبتيها إلي صدرها وهي تمسك بكف أسيل المرتعش بوضوح التي أشاحت ببصرها بعيداً عندما رأت مازن
إقترب من نادين بإبتسامة لا تنم عمّا يشعر به ناحية شقيقته في تلك اللحظة
مازن:ها عاملة إيه إنهردة ؟
إبتسمت بتردد
نادين:الحمد لله تمام إنت عامل إيه؟
إقترب أكثر ناحية أسيل بل وجلس بجانبها وهو يضع يده علي كتفها قائلاً
مازن:بخير الحمد لله…مقلتيش إنك جاية يعني يا أسيل ؟
نظرت له نادين بلوم ولكنه لم يبالي بل إنتظر رد تلك المرتعشة بجانبه
إبتلعت ريقها ونظرت له
أسيل:مازن عاوزة أتكلم معاك شوية وبعد كدا هسيبك مع نادين براحتك ممكن؟
تفاجأ ممّا قالته ولكنه أومأ رأسه وهو يقودها بلطف خارج الغرفة بينما نادين تودعهم بإبتسامة صامتة…………
بعدما خرجوا للحديقة الخلفية باغتها بالسؤال قائلاً
مازن:ليه روحتي عنده يا أسيل وأنا قلتلك مفيش مرواح وكمان من ورايا؟
لم تنهار باكية كما توقع ولم تنفعل بل قالت بجمود غريب
أسيل:كنت بطمن عليه وأوعدك معتش هروحله تاني…ومعتش هيكون فيه بيننا أي صله بعد ما يخرج
سألها بتعجب
مازن:يعني إيه مش فاهم!!
ردت بنفس الجمود والهدوء
أسيل:يعني إحنا لقينا إننا مش هنقدر نتخطي العقبات اللي بيننا بسهولة علشان كدا قررنا نبعد
رد بإندهاش شديد
مازن:بالبساطة دي !! مش معقول بس إنتِ كنتِ ناوية تحاربي الدنيا علشانه وكنتِ عارفة العقبات دي من قبل ما تقابليه حتي إيه اللي إتغير كدا؟
لاحظ إرتعاش شفتيها وهي تحيط نفسها بذراعيها تمدها القوة الزائفة وهي تقول
أسيل:إكتشفت إني مش هقدر أحارب الدنيا علشانه وهو إكتشف إنه حياتنا مع بعض مستحيلة….وده أحسن ليا وليه وأعتقد إن دي حاجة ترضيك مترضاش يعني إن أختك تربط حياتنا بواحد كان قاتل صح؟
تفاجأ بشدة من هدوئها…جمودها…شجاعتها الزائفة
أمسك كفها المرتجف وهو يقول بحنان
مازن:أسيل ياحبيبتي أنا كنت مستعد أقف جنبكم وأساعده خصوصاً بعد ما قابلته وقولتيلي ع اللي حصل مع باباه…وإنتِ عارفة إن كل اللي يهمني إنك تكوني سعيدة
لم يبدو أنها كانت تسمعه سوي من دمعة خائنة سالت علي وجنتها وهي تمسحها بعنف ثُم إستدارت وهي تقول
أسيل:خلاص يامازن من فضلك أنا مش عاوزة أتكلم في الموضوع ده خالص تاني مبقاش ينفع أصلا نتكلم فيه….أنا هروح دلوقتي وهقول لماما إنك هنا متقلقش
ثُم هربت سريعاً دون أن تترك له الفرصة للرد…لا يعلم ماذا حدث ولكنه علي يقين بأن أخته الصغيرة أبداً لن تعود كما كانت بعد هذا اليوم
لقد رأي في عينيها نظرة الإنكسار..الإستسلام..والحزن العميق
كأن كل شئ بينها وبين أحلامها باباً مغلقاً ولن يُفتح أبداً علي ما يبدو
………………………………………….. ……..
عادت للمنزل تائهة…خائفة حتي دموعها رافضة مؤازرتها كأن الكون إجتمع علي حزنها بعدما كانت مشرقة..سعيدة..الأن أصبحت حزينة..لا ليست حزينة بل تشعر بجرح غائر في صدرها لا تعلم مصدره حقاً
تشعر بفراغ بين حناياها…دلفت إلي غرفتها أغلقت الباب ورائها ولم تبالي بنداء سميحة المتتالي فقط ردت بكلمة واحدة (أريد النوم)
إرتمت علي الفراش بملابسها فقط خلعت حجابها ورمته بإهمال علي الأرض تحدق في السقف بجمود….إرتعدت أوصالها بشدة وكاد صدرها أن يخرج من بين أضلعها وهي تتذكر كلماته القاسية….لا تعلم لماذا لا تبكي حتي تفرغ بعضاً من شحنات الغضب والحزن..عيناها تأبي مطاوعتها وكأن الدموع جفت..وكأن الكون قد إختفي من حولها وكل ما فيه يعاندها
لا تعلم كم من الوقت ظلّت هكذا جامدة لا تتحرك جسد بلا روح
أغمضت عينيها بألم وهي تضع أناملها ناحية قلبها وتضغط عليه بل تضربه بشدة وكلمات مبتورة تخرج من بين شفتيها المرتجفتين
(لييييييييه..بطل تدق….بطل تحبه…كفاااااية)
شعرت أنها لا تري شئ وعيناها زائغتان بينما صخب قلبها يهز جسدها بشدة إلي أن فقدت الوعي تماماً
………………………………………….. …..
بعدما إطمأن أنها الأن بخير وضع كرسي بجانب فراشها ومدد قدميه علي الفراش وهو يغمض عينيه علّه يرتاح قليلاً بعد هذا اليوم المشحون
مازال يتذكر هاتف والدته المرتعبة وهي تخبره بكلمات متقطعة عن عودة أسيل تائهة وبعد قليل عندما ذهبت لتطمئن عليها لم ترد بل زادت طرقاتها علي الباب كثيراً ولم يصلها رد…إنطلق بسيارته سريعاً بعدما وعد نادين أن يطمئنها..كسر باب الغرفة وجدها ممددة علي الفراش بلا حراك توقف قلبه قليلاً ثُم إستعاد بعضاً من تركيزه وهو يقيس لها النبض ويتحسس وجنتها الباردة بشدة لفها بالغطاء وطلب من والدته أن تأتيه بعصير بارد
بعدما أفاقت..كاد قلبه يتمزق حزناً عليها وهي منفعلة بهذا الشكل ودموعها تنهمر من مقلتيها بشدة وتضربه في صدره دون أن تراه حقاً حيث كانت نظراتها زائغة تماماً بينما يضمها هو لصدره ويربت علي شعرها برفق ثُم أعطاها حقنة مهدئة…وبعد قليل سكن جسدها تماماً حتي غطّت في نوم عميق….وها هو يجلس بجانبها يتأملها بعد إلحاح شديد لإقناع سميحة أن يبقي معها بدلاً منها
فتح عينيه وهو ينظر لحاجبيها المعقودين ودموعها الجافة علي وجنتيها ويتسائل بألم..هل كان علي شقيقته الصغري أن تعاني كل هذا..هل كان عليها أن تُختطف فتُعذب بعشق مستحيل فتنهار باكية..خائفة!!!
غلبه النعاس والأفكار تعصف برأسه فغط في النوم هو الآخر ولا يعلم ماذا يُخبئ المستقبل لتلك الزهرة التي ذبلت مع مرور الوقت
………………………………………….. ……..
في صباح اليوم التالي قررت الذهاب لنسمة فقد مرّ وقت طويل دون أن تكمل زياراتها لتلك الفتاة المسكينة حاولت ألا تفكر بما حدث بالأمس وكيف أفضت بكل مشاعرها لأحمد….وكيف إحتضنها بل كادت أن تسمع طقطقة عظامها تحت ذراعيه وهو يتملكها ويهدهدها مثل طفلة فقدت الأمان
لم تشعر بالأمان هكذا طوال حياتها بل لم تشعر أنها تنتمي لأحد من قبل كما شعرت أنها تنتمي لهذا الأحمد…فارسها المغوار كما إعتادت أن تسميه
إرتدت ملابسها علي عجل وتورد وجنتيها من تلك المشاعر التي تجتاحها تزين وجهها الجميل….قامت بالإتصال علي هايدي حتي تأتي معها ولكنها كانت مشغولة لزيارة حماتها المستقبلية اليوم لذا إستقلت سيارتها وإنطلقت للمشفي حيث أشرف ينتظرها
دلفت للغرفة التي تواجدت بها تلك الفتاة الرقيقة بعدما طرقت علي الباب عدة مرات
جلست بجانبها علي الفراش وهي تقبل وجنتيها وتبتسم لها ثُم قالت
ريما:عاملة إيييه؟
لدهشتها ردت بصوت خفيض
نسمة:الحمد لله تمام (ثُم إبتلعت ريقها وهي تكمل) مش إنتي وعدتيني إنك مش هتسبيني وهتفضلي جنبي ليه مبقتيش تيجي زي الأول؟
شعرت بالندم لغيابها طوال هذه الفترة أمسكت كفيها برفق وهي تقول بحنان لم تكن تعلم أنها تمتلكه
ريما:أنا أسفة بجد حقك عليا عارفة إني مبقتش أجي زي الأول بس علشان إمتحاناتي وكدا..بس أوعدك إني هجيلك علي طول (ثُم أردفت بمرح) وبعدين إنتي مش ناوية تخرجي من هنا بقي ولا إيه؟
إرتجف كفيها تحت أناملها وهي تنظر لها بتردد
نسمة:هو أنا ينفع أخرج من هنا ؟
أشرق وجه ريما
ريما:أيوة طبعاً ينفع وكمان ينفع تشتغلي وينفع كمان تخرجي وتعملي كل اللي نفسك فيه….(ثُم أكملت بجدية)..إنتي أطهر وأشرف من أي حد وواجهي العالم كله لأنك مغلطيش صدقيني يانسمة الدنيا أصغر بكتير وأتفه من إننا ندي للناس أهمية
تفاجئت عندما إرتمت في أحضانها وهي تبكي بشدة وتقول بتحشرج
نسمة:أرجوكِ خليكي جنبي وعلميني إني أبقي قوية في مواجهة كل حاجة أنا محتاجالك أوي
شددت من إحتضانها ودمعة تسبق الآخري علي وجنتيها
ريما:أنا هفضل جنبك طول العمر متخافيش…
هكذا إتفقت معها علي الخروج من المشفي والتعافي في المنزل حتي أنها قدمت لها وظيفة عندما تتعافي بالكامل وتبدأ مجدداً في إستعادة حياتها وروحها شيئاً فشيئاً
……………………………………..
نفس الحبل الذي يلتف حول رقبته يخنقه بشدة..ووجوه كثيرة ربما يتذكرها وربما لا…ولكن جميعها إجتمع علي نظرة واحدة (نظرة الكره والحقد)…وجه آخر يظهر من بين الظلام الدامس إبتسامة بريئة..يد تمتد له وبعينيها عشق خالص ولكن فجأة يسحبها شئ وهو يحاول أن يمد يديه ليمسكها وهي تبكي وتحاول أيضاً ولكن ما يسحبها كان أقوي منهما معاً فكانت هي تلك الوجوه التي تكرهه ولا تريد له البقاء معها بينما يشتد الحبل علي رقبته حتي يخنقه….توقف كل شئ مع صرخته بإسمها وهو يستيقظ فزعاً
كان جسده يتصبب عرقاً ويرتعش بشدة حتي كاد أن يؤذي جرحه ورغم ذلك أبعد الممرضات بخشونة عنه قائلاً
يوسف:أنا كويس سيبوني لوحدي..قلت أنا كويس سيبوووني بقي
بحث عن المصحف بعشوائية بعد خروجهم ثُم ضمه إلي صدره وهو يبكي كثيراً ومُغمضاً عينيه بشدة هامساً بخوف
يوسف:يارب يااارب خلصني وريحني من ذنوبي اللي مش راضية تسيبني
يارب بلاش يحصلها حاجة بلا ش هي
بعد مرور أسبوع آخر علي وجوده في المشفي دون أن يزوره أحد حتي مازن لم يعد يأتي إليه سوي مرة واحدة التي سأله فيها عمّا حدث بينهم جعل أسيل منهارة بهذا الشكل….وكم تألم عندما علم كل هذا ولكن إجابته كانت جافة بما فيه الكفاية لتمنع مازن من الحضور مرة آخري
شعر بوخزة في قلبه يعلم مصدرها جيداً ألا وهو الإشتياق بل الموت شوقاً لها…كور قبضتيه وإبتلع ريقه وهو يهمس لنفسه بصبر قليل
(فقط الصبر….صبراً حتي أعود أنا فتعود لي هي )
أوقف سيارة آجرة وإنطلق إلي مكان إشتاق له كثيراً وإشتاق لهذا الرجل الذي كان السبب الأول في دخوله لهذا المكان
كما توقع وجده يجلس في ركن بعيد من المسجد بيده مسبحته يلهج بذكر الله….إقترب منه بإبتسامة واهنة بينما يلحظه الرجل فقال بنبرة قلقة
محمد:يوسف!! كنت فين وإيه اللي حصلك ؟
كان ذراعه مازال معلقاً علي حامل بينما وجهه شاحب جلس بإرهاق بجانب محمد وهو يمسك كفيه يتلمس منه الدفئ
يوسف:متخافش عليا جت سليمة…ده ضريبة اللي فات من حياتي وبدفعه
إحتضن كفيه قائلاً بإبتسامة حانية
محمد:ألف سلامة عليكي..وعامل إيه دلوقتي طمني ؟
فجأة ظلل عينيه خوف وحزن عميق وهو يرتجف بشدة
يوسف:بحلم بكل حد أذيته وقتلته…بحلم بكل روح بتطاردني ومش عارف أعمل إيه ولا عارف أنام…نفسي يسامحوني ونفسي ربنا يسامحني وخايف دايماً بصحي من نومي خايف ومرعووب حاسس إن فيه حبل علي رقبتي ومش عارف أفكه…قولي أي حاجة أخفف بيها الحمل إنت قلتلي إن ربنا رحمته وسعت كل شئ أكيد فيه تكفير عن ذنوبي
تهدج صوته بشدة وإلتمعت عيناه بالدموع الحبيسة ونظر له بأمل طالباً الحل
رد عليه بهدوء قائلاً
محمد:شوف يا يوسف الحل الوحيد في إنك تقابل أهل كل إنسان إنت قتلته وتحاول تطلب منهم السماح وإذا رفضوا يبقي تدفع دية مُسلمة زي ما جه في القرآن الكريم..دية مُسلمة يعني فلوس…بس إدعي ربنا إنهم يسامحوك وخلي عندك يقين وأمل في ربنا لانه سبحانه بيقول
(أنا عند ظن عبدي بي…فيظن بي ما شاء) يعني لو ظنيت الخير بربنا وكان عندك يقين فيه إنه هيساعدك يبقي هيساعدك لو ظنيت العكس يبقي هتخسر كتير…..سامحني يابني لكن ده اللي أقدر اقولهولك
إنفجرت الدموع من مقلتيه وهو يتخيل كل نفس قد قتلها بغير حق..كل طفل تيتم بسببه..كل زوجة فقدت زوجها بسببه…كل من آذاهم بشتي الطرق فهل من خلاص!!!
إحتضنه بشدة ومازال جسده يرتجف وعيناه دامعتان…خائف بشدة مما قد يحدث هل ستكون لديه القدرة لمواجهة ذنوبه…وهل يستطيع أن يطلب من ضحاياه السماح!!
هل يوجد أمل لرجوع يوسف ليوسف أم أن الأمل إندثر مع أول خطوة ناحية الذنوب!!
………………………………………….. …….
مر أسبوع وهي مازالت علي نفس الحالة من الجمود وعدم الشعور بما يدور حولها فقط تأكل..تصلي..تبتسم إبتسامة شاحبة في وجه والديها حتي لا يشعروا بالقلق…ولكن أين هي وأين قلبها لا تعلم حقاً
جالسة علي كرسي مريح في غرفتها تقرأ في المصحف الصغير إلي أن قطع خلوتها مازن الذي قال بإبتسامة وهو يقترب منها
مازن:حبيبتي عاملة إيه ؟
إبتسمت بشحوب قائلة
أسيل:الحمد لله تمام….وإنت؟
جلس بجانبها وهي يدلك رقبته بإرهاق
مازن:مرهق أوي إنهاردة العيادة كانت مليانة
لمست كتفه برفق وهي تقول
أسيل:معلش ربنا يعينك يارب وبعدين الحمد لله إنها مليانة والناس بتيجي ولا إيه ؟
أومأ رأسه بالإيجاب ثُم نظر لها بعمق قائلاً بهدوء
مازن:مش ناوية إنتي كمان بقي تبدأي شغلك؟
لاحظ إرتجافها الشديد وهي تحيط نفسها بذراعيها وتضغط عليها كأنها تحاول التماسك ثُم حاولت أن تقول بثبات خادع
أسيل:أكيد هبدأ أكتب إن شاء الله بس محتاجة شوية وقت
قال بنفاذ صبر
مازن:لحد إمتي ياأسيل ؟؟
نظرت للأفق البعيد شاردة ثُم قامت وإستندت علي الشرفة قائلة
أسيل:شوية بس يا مازن أرجوك إديني شوية وقت لوحدي لأني مش قادرة أتكلم دلوقتي
قبّل قمة رأسها
مازن:وأنا دايماً جنبك يا أسيل ومش هسألك أبداً عن اللي حصل لأني لما روحتله وسألته رد زيك بالظبط بس عاوزك تعرفي إني دايماً معاكي
علم أنها لن ترد فخرج تاركاً إياها وحيدة تحارب نفسها وشوقها الغبي له
إرتجف قلبها خوفاً وشوقاً وهي تميل برأسها للأسفل علي الشارع علّها تجده ينتظرها كما كان يفعل…علّها تجد نظرته المشبعة بالعشق ولكن لا شئ فقط أوراق الأشجار المتطايرة بفعل الهواء…
إبتلعت ريقها بصعوبة وهي تهمس لنفسها (لن أبكي..لن أبكي) ولكن خذلتها مقلتيها بالدموع التي شعرت بها تُبلل شفتيها أغمضت عينيها بشدة وهي تضع يديها علي شفتيها في نشيج صامت
………………………………………….. …..
بعد أسبوع
كان قد وجد وظيفة كمحاسب في فرع من شركات الصياد بالقاهرة..كانت الشركة لا تقبل الموظفين إلا بالكفاءة ولهذا بالتحديد عمل بها…كان سعيد جداً بأولي خطواته نحو النجاح وخصوصاً وأن ريما وعدته أن تظل بجانبه مهما حدث…أسبوع خيالي مرّ عليه دون أن يراها حقاً فكانت هي منشغلة بالمذاكرة وهو بالتدريب في العمل حتي يثبت نفسه جيداً واليوم سيراها سيتشرب ملامحها….لا يعلم شئ سوي أنه يحبها..يعشقها بكل ما فيها من جرأة وخجل وغباء كما أصبح يسميها في الآونة الآخيرة
كان يؤيد بعض الحسابات عندما رنّ هاتفه رفع السماعة وهو يرد بجذل
أحمد:وحشتيني (لم ترد فإبتسم قائلاً) طيب إزيك ؟
سمع صوتها المرتجف
ريما:الحمد لله إنت عامل إيه ؟
أرخي جسده علي المقعد وهو يقول
أحمد:الحمد لله هشوفك كمان ساعة ماشي؟
ريما:خلاص إتفقنا عموماً أنا دلوقتي مع هايدي هخلص وأكلمك تمام؟
إتفقا علي أن يتقابلا بعد العمل أغلق الهاتف وهو يبتسم بحب وأكمل عمله في إنتظار أن يراها بشوق شديد
أما هي فأنهت المكالمة وهي تحتضن الهاتف بسعادة بينما هايدي تنظر لها متصنعة الغضب
هايدي:هتفضلي حاضنة التليفون زي الهبلة كدا ؟
ضربتها علي كتفها بخفة وهي تضع الهاتف قائلة
ريما:وإنتي مالك متغاظة ليه….واحدة وبتحب
ضحكت هايدي بشدة وهي تحتسي كوب النسكافيه
هايدي:براحتك ياستي هو أنا قلت حاجة يلا بقي نروح نجيب الورق بتاع المواد
كانت سعيدة بشدة ولا تحتاج إلي أي شئ يعكر صفوها…ها هي منذ أن أخبرها بعشقه لها..وأنه لن يتواني لحظة في مساعدتها لتخطي كل ما فات وأنه سيفعل المستحيل ليكون بجانبها…أصبحت لا تريد شئ من الحياة سوي هو …هو فقط
بعد حوالي الساعتين جاءها منه إتصال أنه ينتظرها علي كورنيش النيل…نعم الكورنيش فهي تريد أن تكون طبيعية مثل كل الناس لا أن تعاملهم بفوقية شديدة….و لا أن تجلس في المطاعم الفاخرة لتناول الغداء…ضحكت من نفسها بشدة عندما طلبت منه أن يشتري لها ذرة ويتمشي معها علي النيل…هل هذه هي ريما حقاً..أم أنه تشكلت علي يديه لآخري تحبها بل تعشقها !!
………………………………………….. …..
خرج من المسجد بعد الصلاة وقلبه مثقل بشدة ولكن أول ما قرر فعله هو التخلص من كل ما يلوث روحه وأوله أمواله التي إكتسبها بقتله للآخرين وأذاهم…ولكن كيف أتخلص منها..بل كيف أتذكر كل من أذيتهم علي مدي ثماني سنوات..كان يهيم في الشوارع تائهاً يبحث عنها بين الوجوه
يري إبتسامتها علي وجه طفل برئ….يري عيناها الحزينة في عين كل فتاة تبكي…يراها في كل من حوله….يري دموعها الحبيسة وهي تتركه وترحل بعيداً فتأخذ روحه معها بعيداً جداً
إتخذ قراره آخيراً للقيام بأولي خطوات تطهره لذا إستقل القطار إلي القاهرة
………………………………………
كانت تجلس مع هدي التي إعتادت أن تأتي لها كل يوم في الصباح تحدثها عن كل شئ وتسترسل في الحديث إلي أن تتوقف بإرادتها هي دون أن تضغط عليها أبداً
هدي:ها عاملة إيه إنهردة حاسة يتحسن؟
أرجعت خصلة من شعرها وراء أذنيها وهي تبتسم
نادين:الحمد لله أحسن كتير…علي الأقل مبقتش ببقي ملهوفة علي الحبوب زي الأول
أومأت هدي برأسها وهي تجيب بهدوء
هدي:طيب الحمد لله..ها تحبي نبدأ منين إنهردة ؟
فركت يديها بتوتر شديد بينما تتورد وجنتيها قائلة
نادين:أكلمك عن مازن !
إبتسمت وهي تري اللمعان الشديد بعينيها
هدي:إتكلمي عن مازن
غامت عينيها بمشاعر عاصفة وهي تهمس بخجل
نادين:مازن حالة خاصة أوي وغريب جداً….يعني أجمل أخ بيساعد أخته ويخاف عليها أوي..متحمل للمسئولية بشكل غريب(توردت وخفق قلبها بشدة)..عصبي حبتين تلاتة…(ضحكت بخفوت ثُم إبتلعت ريقها ) إتغلغل جوايا بسرعة غريبة….معرفش إيه حصلي بجد غير إني مقدرتش أقاوم حبه وطريقته وحنانه وإهتمامه اللي فقدتهم من زمان أوي….
(إبتلعت ريقها وهي تكمل بينما يزداد البريق بعينيها) علشان كدا أنا كمان بحبه أوي ونفسي أخف بسرعة علشان أكون معاه
لم يكن أي منهما يحسب حساب لذلك الواقف غير بعيد يسمع كل تنهيدة منها وكل همسة خرجت من بين شفتيها وتخيل وجنتيها المتوردتين وهو يتكتف بذراعيه علي صدره وعلي شفتيه إبتسامة جذلي
………………………………………….. ….
كانت تقف معه بجانب بائع الذرة مبتسمة برضا وهي تراه بهيئته الجديدة قميص قطني باللون الأبيض أزراره العليا مفتوحة فأظهرت بعضاً من صدره الصلب وسروال أسود من القماش بينما شمر عن ساعديه فبدي جذاباً جداً يلتهم الذرة وكأنه وجبة شهية…ضبطها تتأمله فأطرقت رأسها خجلاً حتي يفضحها تورد وجنتيها وإرتعاش يديها…إبتسم وهو يقول
أحمد:ها عجبك الدُرة؟
همست بسعادة
ريما:حلو أوي أول مرة آخرج في جو زي ده..أتمشي ع الكورنيش وأكل درة أحس نفسي زي الناس يعني
أزاح خصلة من شعرها الذهبي وهو ينظر لعمق عينيها قائلاً
أحمد:عاوزك دايماً مبسوطة وسعيدة كدا لأني مش هسمح بحاجة تأذيكي تاني أبداً فاهماني ؟
كانت علي وشك الرد إلا أن عينيها تجمدت تماماً وإرتجفت بشدة وهي تنظر لنقطة معينة هامسة والدموع ملئ مقلتيها
ريما:فارس!!
بين صدمة وذهول..غضب أسود وندم شديد
………………………………………….. .